دراسات الجدوى بين المعايير والواقع

الاقتصادية

دراسة الجدوى استثمارٌ بذاته، ولعل هذا ما يجعل بعضهم يفرُّ منها ذلك أنها تقتضي التضحية ببعض الموارد، سواء كانت في الوقت أو الجهد أو المال، وعلى الرغم من ذلك فإن نتائجها (كما يحلو للبعض حصرها) تأتي على شكل توصيات بالموافقة أو الرفض. في الواقع الراهن تجد دراسة الجدوى قيمتها فقط إذا كانت هناك حاجة إلى تمويل المشروع من جهات خارجية أو الحصول على موافقة من مجالس الإدارات، هنا تجد دراسات الجدوى تبرّر لما يمكن التضحية به من موارد في سبيل إنجازها، بينما إذا كان التمويل ذاتياً أو كان التمويل الخارجي لا يقتضي طلب تقديم دراسة جدوى، فإن الرغبة في التضحية بالموارد من أجل دراسة الجدوى تقل بشكل جوهري، وهذا ما نلمسه دائماً في المؤسسات المتوسطة والصغيرة، سواء كانت فردية أو حتى على شكل شركات. ولهذا، هناك ادّعاءٌ مستمرٌ بأن فشل هذه المؤسسات إنما يعود ابتداء إلى عدم قيامها بدراسات الجدوى، لكن مع ذلك فإن هناك القليل من الأبحاث لدعم هذه النظرية أو دحضها.
هل هناك حاجة فعلاً إلى القيام بدراسة جدوى قبل البدء بمشروع متوسط أو صغير، هل ما يتم دفعه من مبالغ يبرر فعلاً هذه الحاجة، وهل من الضروري أن يتولى مكتب متخصّص مثل هذه الدراسة أم يكفي قيام المستثمر بها بعد تلقي تدريب موجز عنها؟ أسئلة مهمة جداً تحتاج إلى فتح ملف متكامل عن هذه القضية لتتبع آراء الناس. وإذا كان عديد من المؤسسات، سواء الصغيرة أو المتوسطة قد نجح دون الخوض في مسائل دراسات الجدوى، فكيف يمكن إقناع شباب الأعمال بأن هذا الاتجاه غير صائب رغم وجود نماذج حية لذلك؟ ومن المدهش في الأمر أننا نجد تقارباً كبيراً بين المؤسسات التي تنطلق في استثماراتها دون دراسات للجدوى وغياب التخطيط الاستراتيجي، بل حتى غياب نظم فاعلة للمحاسبة والمعلومات. لكن قد يقل شعورنا بالدهشة عندما نجد أن مثل هذه المؤسسات تقوم أساساً على نظرية الرجل العصامي؛ فهو يمتلك الرؤية والبصيرة، كما يمتلك القدرة الفذة على التقييم وتقدير المخاطر والخبرة في تحديد احتياجات المشروع المادية والبشرية وبناءً على تفاعل تلك الأفكار في رأسه وحده يقرر إذا ما كان من المجدي البدء بالمشروع أو رفضه. لا يمكن إنكار مثل هذه النماذج التي لقيت نجاحاً في ممارساتنا الاستثمارية، لكنها ــــ وهو أمر لافت ــــ قد تتسبّب في تركز الأنشطة الاقتصادية في اتجاهات مسارات محدودة ومكررة، فالنجاح يغري بإعادة التجربة، لكنه من جانب آخر عطل الإبداع وتنوع الاستثمارات في مشاريع تتكاتف فيما بينها لتخلق اقتصاداً متكاملاً، وهذه إحدى أهم مميزات دراسات الجدوى عندما تمارس من قِبل مكاتب ومؤسسات متخصّصة، فهي لا تقدم توصيات بالقبول والرفض، بل أيضا تقدم مقترحات عدة تسهم في إعادة صياغة التوجهات الاستثمارية لتدر عوائد أفضل باستخدام الموارد نفسها، لكن لكي تقوم دراسة الجدوى بهذه المهمة يجب أن تمارس وفقاً لأفضل وأعلى معاييرها وليس مجرد تقييم لمشروع محدود دون مقارنة جادة تفرضها نظرية الفرصة البديلة بمفهومها الشامل.
وهكذا نصل إلى نتيجة مفادها أن سبب عزوف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن استخدام دراسات الجدوى واعتبار ما ينفق فيها جزءاً لا يتجزّأ من العملية الاستثمارية، أن مَن يقوم اليوم بإعداد هذه الدراسات بعيد تماماً عن الالتزام بمعاييرها، ولعل من أهمها تقديم خيارات استثمارية متنوعة وخلق فرصة للتفكير الإبداعي لدى المستثمر. من المهم أن تقوم غرف التجارة والصناعة بتقييم شامل لأعمال المكاتب التي تمارس عمل دراسات الجدوى وإصدار معايير صارمة لذلك، ولعله من المناسب فتح ملف متكامل عن هذا الموضوع حتى نفهم ما يدور فعلاً خلف كواليس هذه المكاتب ومدى جديتها.