هل العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة فعلا؟!




تدوينة بقلم : جمال محمد شحات


عندما بدأنا في دراسة الاقتصاد في مادة النقود والبنوك في الجامعة وسمعنا بالعبارة الشهيرة أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، تبادر إلى أذهاننا أن هناك خطأ ما وأن تلك المقولة قد قلبت وأن العكس هو الصحيح، ولكن اكتشفنا أن هذه العبارة الاقتصادية المشهورة العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق، لقائلها السير توماس جريشام مستشار ملكة إنجلترا، عرفت فيما بعد بقانون جريشام Greshams Law.
وتقوم فكرة هذا القانون على أساس أنه إذا تم إصدار نقود جديدة تشتمل على كمية من المعدن الخالص (الذهب مثلا) أقل مما تشتمل عليه النقود القديمة التي تتعادل معها في القيمة الاسمية. فإن النقود القديمة (الجيدة) تبدأ في الاختفاء من التداول في السوق، حيث تستخدم في هذه الحالة للاكتناز من قبل الأفراد، أو أن تستخدمها الحكومة نفسها في إعادة صهرها واستخدامها كسبيكة ذهبية مثلا تباع بقيمة أعلى من قيمتها الاسمية. وبالتالي لن يتبقى في السوق سوى النقود الجديدة (الرديئة)، وقد حدثت مثل هذه الظواهر في القرون الوسطى عندما كان الحكام يصدرون النقود بأوزان مختلفة أقل من أوزانها القديمة كلما اضطربت الأحوال الاقتصادية في بلادهم.
كذلك ينطبق هذا القانون إذا وجدت في التداول نقود ورقية رخيصة إلى جانب النقود المعدنية، فإن الأولى (الورقية) تطرد الثانية من التداول في السوق. وقد شاعت هذه الظاهرة خلال الحرب العالمية الأولى عندما كانت النقود الذهبية تختفي كلما طرحت إصدارات من الورق الرخيص. الخلاصة أن الرديء يطرد الجيد وهي النظرية الثابتة التي تتزايد أهميتها مع الأيام وتثبت صحتها في مختلف الأحوال والظروف والبلدان!
وعندما وعينا وأدركنا وفهمنا تلك القاعدة في اقتصادات النقود والبنوك، إذ بنا نلاحظ أن هذه القاعدة سارية أيضا في حياتنا العملية بل في شتى مناحي الحياة، فإن وجود أشخاص غير أكفاء في قيادة الشركات والمؤسسات كفيل بهروب أو طرد أو ترك الأكفاء بتلك الشركات والمؤسسات، حيث لن يستقيم العمل ولن يعلى شأن الكفاءة والأداء في تلك الشركات!
وفي مجتمعاتنا وبلادنا نلاحظ أن تزايد أعداد الغوغاء يؤدي إلى ترك الأشخاص الجيدين إلى أماكنهم ومكانتهم لهؤلاء الغوغاء، حيث يشعرون بالإحباط والاكتئاب ويتجهون إلى ترك الساحة للغوغاء!
بل تلعب الصحافة والفن دورا كبيرا في إعلاء شأن تلك الحالات السلبية للمجتمع، حيث تظهره في صورة البطل وشخصية تنال إعجاب الشباب ويرغب الكثيرون في الاحتذاء به والتشبه به، وهذا يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسهم العملة الرديئة مما يستتبع تضاؤل دور العملة الجيدة وما تمثله من أفكار وأشكال للحالات الإيجابية وبالتالي انسحابها من الميدان!
هكذا علمتنا تلك القاعدة الاقتصادية أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة في الاقتصاد وعلمتنا أن النماذج الرديئة تطرد النماذج الجيدة في الحياة ورأينا أن الموظفين الضعفاء يطردون الموظفين الجيدين في الشركات والمصانع والمؤسسات!
إنها قاعدة سارية المفعول في الاقتصاد والشركات بل والحياة بأسرها!
رحم الله اساتذتنا في الاقتصاد كانوا يعطوننا دروسا في الاقتصاد والحياة معا!
ولذلك علينا أن نسعى جميعا للقضاء على العملة الرديئة حتى لا تطرد عملتنا الجيدة من كل اقتصادياتنا وشركاتنا ومؤسساتنا، بل من كل مناحي حياتنا!!