رحلة مع الأذكار : المعوذات



من الأذكار التي علمنا إياها رسولنا الحبيبعليه الصلاة والسلام بعد الصلاة : المعوذات .وهي تشمل : سورة الإخلاص وسورة الفلقوسورة الناس روى ابو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر فأما سورةالإخلاص فهي تحدثنا عن أخطر قضية في حياة الإنسان وهي قضية التوحيد ، هذه القضيةالتي تعرضت عبر مسيرة البشر للتحريف ودخلها من أهواء البشر وتخيلاتهم ما جعل تصوركثير من البشر لله تعالى غير صحيح ، وضل الناس بين تجسيم لله تعالى ، وتصوير له ،وجعل بعض الناس له ولدا ، وجعل آخرون له شركاء في خلقه وملكه ، ومن الناس من جعلإلهه بعض مظاهر الطبيعة من شمس أو قمر أو كوكب وقضية التوحيد هي أساس الدين ، ومنأجلها بعث الله النبيين ، وقراءة سورة الإخلاص من أذكار ما بعد الصلاة ، ولقراءتهاأثر مهم في النفس بتثبيت معانيها في القلب والعقل إنك وأنت تقرأ سورة الإخلاص بتدبرتستحضر كل الشبهات التي أثارها الضالون عن التوحيد الذين لم يعرفوا الإله الحقابتداء تقرر السورة أحدية الله تعالى بتعليم المسلم ما يقوله بحق ربه : (قل: هوالله أحد) فهو أحد لا ثاني له لأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له (الله الصمد) فهو مقصود من خلقه بالحاجات كلها ، لأنه لا رب لها سواه ، هي تحتاجه ، ولا يحتاجأيا منها (لم يلد ولم يولد) في هذا الإيجاز المعجز بيان للاحتمالات المختلفة في هذاالشأن ، فهو لم يلد ، فليس لأحد أن يزعم أنه ولد لله تعالى ، ولم يولد ، فليس للهتعالى والد ، وفي هذا البيان الوافي الشافي نفي للبنوة أو الأبوة عن الله تعالىلأنه الله الذي لا إله إلا هو (ولم يكن له كفوا أحد) وكما أن الله تعالى لا ولد لهولا والد له فكذلك سبحانه لا ند له لأنه لا إله غيره ولا رب سواه فأنى يكون له كفو؟ هذه السورة التي نخلص بها توحيدنا ونحن نرددها ، ونجدد إيماننا بالله الواحدالأحد ، نفعل ذلك عقب كل صلاة ، فما لنا من الأجر ونحن نفعل ذلك وقد أخبرنا الحبيبالمصطفى عليه وآله الصلاة والسلام أن لقارئها من الأجر ما يعدل ثلث القرآن الكريم ،ولنستمع على هذا البيان النبوي بشأنها : روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي اللهعنه أن رسول اللعه صلى الله عليه وسلم قال : أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلثالقرآن ؟ قالوا : وكيف يقرأ ثلث القرآن ؟ قال : قل هو الله أحد ثلث القرآن ، "وفيرواية :"إن الله عز وجل جزأ القرن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاءالقرآن"لقد حرص النبي عليه وآله الصلاة والسلام على أن ننال الأجر بتلاوة القرآنفمن لم يستطع قراءة صفحات كثيرة منه فها هو ثلث القرآن بين يديه فليردده وليكسب منالأجر ما شاء وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنخ أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم قال: احشدوا (أي اجتمعوا) فإني سأقرأ عليكن ثلث القرآن ، فحشد من حشد ثمخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ قل هو الله أحد ، ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إنانرى هذا خبرا جاء من السماء فذلك الذي أدخله ، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلمفقال : إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن وحب هذهالسورة ، سورة التوحيد الخالص التي سميت سورة الإخلاص ، هذا الحب سبب من أسباب دخولالجنة يدلنا على ذلك هذا الحديث الشريف ، بعث النبي عليه وآله الصلاة والسلام رجلامن أصحابه على سرية كان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد ، فلما رجعواذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع هذا ، فقال : لأنهاصفة الرحمن وأنا أحب أن أ قرأ بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخبره أن اللهيحبه وفي رواية لأحمد أن من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله لهقصرا في الجنة إنها من أقصر سور القرآن ، ولكن لها هذا الفضل العظيم ، ولذلك ماأحرانا لأن نرددها في كل حين ، وأن نتبع الهدي النبوي بقراءتها عقب الصلوات الخمسضمن أذكار ما بعد الصلاة ومن أذكار ما بعد الصلاة قراءة المعوذتين اللتين ختم بهماالقرآن الكريم وفي هذا الختام دلالة مهمة علينا الالتفات إليها ، هي مقدار ما فيالمخلوقات من الشر الذي علينا أن نتقيه باللجوء إلى ربنا ورب هذه المخلوقات ولنقفعلى سورة الفلق : (قل أعوذ برب الفلق ھ من شر ما خلق ھ ومن شر غاسق إذا وقب ھالنفاثات في العقد ھ ومن شر حاسد إذا حسد) أن فيها استعاذة برب الفلق ، أي الصبح ،بما فيه من نور ووضوح من شر الخلق كلهم ، حيهم وجمادهم ، وما كان من المكلفين منظلم وبغي وقتل وضرب وشتم وأي لون من ألوان الشر ، وما كان من غير المكلفين منالمخلوقين من الحشرات والدواب والسباع وغيرها ، هذا كله مكتنز في قوله : من شر ماخلق ، لأنه يشمل المخلوقات كلها وفي هذه السورة استعاذة من الليل وشروره ، (غاسقإذا وقب) في الليل تحاك المؤامرات ، وتدبر المكائد وتنفذ الجرائم ، وفي جو العتمةوالظلمة تأتي الاستعاذة من (شر النفاثات في العقد) أي السحر ، وهو يتم في أجواء منالغموض والظلمة ، ظلمة النفس والمكان ، وظلمة النوايا الشريرة التي تسعى إلى إيقاعالأذى بالناس ، وفي الجو نفسه ، جو الشر تأتي الاستعاذة من (شر حاسد إذا حسد) والحسد ظلمة في النفس تضيق بما يصيب الناس من النعم فتسعى إلى إفسادها وتتمنىزوالها إنه جو قاتم هذا الذي توره هذه السورة ولكنه ينفرج باللجوء إلى الله تعالىخالق كل شيء والقادر على كل شيء ، إنها سورة بيان لجانب من هذا الوجود وبيان لكيفيةالنجاة من شروره وهذه السورة من ما بعد الصلاة ، وإنها لمعاذ المسلم حين يخاف من شركل ذي شر والمعوذة الأخيرة هي سورة الناس ، وإذا كانت الاستعاذة في سورة الفلق منشر كل ما خلق الله تعالى إجمالا ثم تفصيلا لبعض أصحاب الشرور فنحن هنا في سورةالناس في موقف استعاذة برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس من شر الوسواس الخناسالذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس إنها استعاذة من الوسواس بالشر الداعيإلى الانحراف عن طريق الحق والصراط المستقيم ولعل ما يلفت النظر هذه الصفاتالربانية المستعاذ بالله منها : الرب والملك والإله ، ليقر في نفس المسلم أنه لا ربسوى الله ، ولا ملك في الحقيقة في الوجود سوى الله ، ولا إله للناس غير الله فهوحين يلجأ إليه يأوي إلى ركن شديد ، ويستعيذ بمن يلقي عليه الأمن في نفسه وكل مااستعاذ لبه مما وله الله من آلائه هاتان المعوذتان لهما من الفضل الشيء الكثير مماجعل النبي عليه وآله الصلاة والسلام يوصي المسلم بهما قراءة بعد الصلاة وفي حال كلوف عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال له :"ياعقبة بن عامر إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده من أن تقرأ : قل أعوذبرب الفلق فإذا استطعت ألا تفوتك في الصلاة فافعل"، وكان عقبة بن عامر مع النبيعليه وآله الصلاة والسلام في ليلة ذات ريح وظلمة ، فجعل رسول الله صلى الله عليهوسلم يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول : "يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذمتعوذ بمثلهما"إن سورة الإخلاص تعويذة من الشرك بإخلاص التوحيد وسورتا : الفلقوالناس تعويذتان من الشرور كلها ، ولذلك كان حرص نبينا عليه وآله الصلاة والسلامعلىتعليمنا قراءتها بعد كل صلاة بل في كل حين.