فيروس السُخط الشعبي ينتشر من الكرملين إلى وول ستريت



جدعون راتشمان من لندن - فاينانشال تايمز

مرت قرون عديدة منذ أن كان البحر الأبيض المتوسط مركز الحضارة، لكن في عام 2011 عادت منطقة البحر المتوسط - ليس فقط وجهة لقضاء العطلات - بل في قلب الشؤون العالمية. كان العام الماضي عام السخط العالمي، من حركة احتلال وول ستريت إلى الاحتجاجات على الانتخابات في موسكو وثورات القرى في الصين. وحدثت ثورات شعبية على كلا جانبي البحر المتوسط؛ في ميدان التحرير في القاهرة وميدان سينتاجما في أثينا، حددت مسار عام 2011.
لقد أشعلت الثورات في مصر وتونس فتيل الربيع العربي، الزلزال السياسي الذي لا تزال هزاته ملموسة في مناطق بعيدة مثل موسكو وبكين. وعلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط انتشرت أزمة الديون السيادية في أوروبا من اليونان والبرتغال المشاغبتين، ثم إلى إيطاليا وإسبانيا. وبحلول نهاية العام بدا أن مصير الاقتصاد العالمي معلقٌ على قدرة أوروبا الجنوبية على خدمة ديونها.
لهذا السبب كان لا بد أن يبدأ هذا العمود - المخصّص لقائمتي السنوية لأهم خمسة أحداث في العام - بالربيع العربي وأزمة الديون في أوروبا، وهما أزمتان إقليميتان لهما آثار عالمية. وقد تسبب كلا الحدثين في خروج الحشود إلى الشوارع، إلا أن الانتفاضات العربية تميّزت أيضاً بسفك الدماء والحروب. وحتى الانتقال السلمي النسبي للسلطة في مصر أسفر عن موت 800 شخص، في حين لم تتم الإطاحة بمعمر القذافي (وقتله في النهاية) إلا بعد انتفاضة كاملة، مدعومة بالقوة الجوية الغربية.
الشباب العرب يبحثون عن دور بعد سقوط الدكتاتوريات
لكن رغم أن تكاليف الربيع العربي كانت عالية جدا، إلا أنه كان على الأقل مدفوعاً بالإيمان بأن المستقبل قد يكون أفضل. وعلى النقيض من ذلك تميّزت أزمة الديون في أوروبا بالخوف من المستقبل. لقد منحت الثورات في مصر وتونس كثيراً من الناس العاديين شعوراً قوياً بأنهم حظوا، أخيراً، بفرصة التحكم في مصيرهم، في حين أن مشاكل الديون في أوروبا جعلت معظم المواطنين يشعرون أنهم تحت رحمة القوى الاقتصادية التي لا يستطيعون السيطرة عليها أبداً.
لقد عزّز تعيين حكومات يقودها تكنوقراطيون غير منتخبين في إيطاليا واليونان، قرب نهاية العام، الشعور بأنه يتم اتخاذ القرارات دون أن يكون للناخبين أي رأي. وعلى الرغم من تعيين كل من ماريو مونتي ولوكاس باباديموس بطريقة دستورية، إلا أن وصولهما إلى الساحة أظهر أن الإجراءات المعتادة للديمقراطية في إيطاليا واليونان غير متكافئة مع الأزمة الاقتصادية. والفشل المتكرر للاتحاد الأوروبي في إيجاد حل لأزمة الديون - وبالتالي ضمان مستقبل اليورو - أظهر أن السياسة الأوروبية الشاملة لا تعمل بشكل أفضل من السياسة الوطنية.
وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة في مستويات الثروة والحرية بين أوروبا والعالم العربي، كان من الصعب عدم رؤية بعض أوجه التشابه بين حشود الشباب الغاضبين العاطلين عن العمل في شمالي إفريقيا وجنوبي أوروبا. والحشود الغاضبة - التي احتلت وسط مدريد في أيار (مايو) للاحتجاج على البطالة بين الشباب، التي تبلغ 40 في المائة في إسبانيا - أوضحت هذه العلاقة عن طريق تقليد الشباب الغاضب بفخر في ميدان التحرير. بعد اندلاع الاضطرابات في لندن والاحتجاجات الشعبية ضد عدم المساواة والفساد في بلدان مختلفة مثل تشيلي، والصين، وإسرائيل، والهند، كتبت عموداً في نهاية آب (أغسطس) بعنوان ''2011 عام السخط العالمي''. في ذلك الوقت توقعت أن تثبت الولايات المتحدة أنها محصنة من موجة الاحتجاج الاجتماعي التي تنتشر حول العالم، لكن سرعان ما ثبت خطأ تلك الفكرة. فبحلول أيلول (سبتمبر) اندلعت حركة احتلوا وول ستريت. وإلى جانب قرار وكالة ستاندار آند بورز في آب (أغسطس) تخفيض تصنيف دَين الولايات المتحدة من وضع AAA، أكدت حركة احتلوا وول ستريت على عمق المشاكل الاقتصادية التي يعانيها البلد.
وقال بعضهم إن حقيقة عدم وجود برنامج متماسك لدى المحتلين يعني أن أهميتهم محدودة. لكن الحركة عملت فعلاً على دفع موضوع عدم المساواة إلى مركز الجدل في الولايات المتحدة. وأصبح شعارها – ''نحن الـ 99 في المائة'' – عبارة العام. إن رنين الشعار وراء شواطئ الولايات المتحدة ربط أيضاً الأحداث في وول ستريت بالاحتجاجات ضد التقشف في أوروبا وحتى بالحركات المناهضة للفساد في آسيا، وكلها استخدم عدم المساواة ومناهضة النخبوية صيحات لحشد التأييد. ولذلك أعتبر ظهور حركة ''احتلوا وول ستريت'' ثالث أهم حدث في العام. ويعد مقتل أسامة بن لادن بعد عقد من هجمات 11 أيلول (سبتمبر) خياري الرابع. ذلك أن موت زعيم القاعدة سمح من الناحية الفعلية لباراك أوباما أن يعلن نهاية ''الحرب على الإرهاب'' باعتبارها المبدأ الناظم لسياسة الولايات المتحدة الخارجية. وبعث سحب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام بالرسالة نفسها وهيّأ المسرح لانسحاب مشابه من أفغانستان خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. ما الذي ينبغي أن يكون القصة الخامسة للعام؟ أي حديث عن الأحداث الرئيسة لعام 2011 يجب أن يشمل سونامي اليابان الذي أودى بحياة 20 ألف شخص. لقد وضع ما أبداه اليابانيون من نبل في وجه مأساة طبيعية المشاكل السياسية والاقتصادية لبقية العالم في منظور ملائم.
لكن حدثاً واحداً في نهاية العام تماماً قد يثبت أنه بأهمية، إن لم يكن أكثر أهمية من معظم الأحداث الخمسة التي أوردتها باعتبارها الأهم. إن الاحتجاجات ضد ما يزعم عن تزوير الانتخابات في روسيا شهد وصول السخط العالمي إلى شوارع موسكو. هذه الاحتجاجات تهدد نظام ''الديمقراطية المدارة'' الذي وضعه فلاديمير بوتين وقد يقوّض محاولته للعودة إلى الكرملين بصفته رئيساً، بعد الانتخابات المقبلة.
إن فيروس الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية التي بدأت في القاهرة وأثينا هذا العام، يمكن أن يشاهد الآن من وول ستريت إلى الكرملين. ومن المرجح أن يزداد قوة هذا العام.