النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: المال في القران الكريم

  1. #1
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي المال في القران الكريم


    المال في القران الكريم (1)

    لو ألقينا نظرة شاملة متمعنة في آيات القرآن وسوره لوجدنا المال قد احتل مكانةً هامةً ومساحةً واسعةً في ذلك، بل لقد حفلت السور المكية والمدنية على السواء بقضية المال بصورةٍ مباشرةٍ أو بطريق الإشارة؛ مما يؤكد أن قضية المال قضية هامة في الدين وفي حياة البشر بشكلٍ عامٍ، بل لقد كان للمال في السور المكية الأولى الحظ الأوفر من الاهتمام والعدد الأكثر. فلو أحصينا السور المكية التي أثارت قضية المال بشكلٍ صريحٍ ومباشرٍ؛ لوجدنا ذلك واضحاً في السور التالية على وجه التقريب، وبدون ترتيب تلك هي: "يونس، إبراهيم، الإسراء ، الكهف، الفرقان، الروم، سبأ، فصلت، الشورى، الحديد، القلم، الحاقة، المعارج، نوح، المدثر، الإنسان، المطففين، الفجر، البلد، الليل، الضحى، التكاثر، العاديات، الهمزة، الماعون، المسد".



    وهذه السور كلها مكيةٌ وأغلبها من أوائل السور المكية ولو عدنا إلى المدينة لوجدنا القضية بارزةً بشكلٍ يكاد يغطي كل السور المدنية إلا قليلاً؛ ذلك يتجلى بصورةٍ مباشرةٍ في السور التالية: " البقرة، آل عمران، النساء، الأنفال، التوبة، النور، الأحزاب، محمد، الفتح، الصف، المنافقون، التغابن".


    أليس في هذا الحشد الحافل من السور المكية والمدنية المهتمة بالمال ما يؤكد لنا أن المال قضيةٌ هامةٌ في الدين وعلى صلاحها تصلح حياة الناس في كل زمانٍ، وفي فناءها دمار الإنسان والخسران في الدنيا والأخرى، (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى)[الليل:14-21].


    وهكذا يتضح أن سعادة الإنسان وشقائه يترتب على موقفه من المال؛ فإنفاقه بسخاءٍ ينير الطريق إلى الجنة، كما أن البخل به يردي بصاحبه في الحطمة نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ)[الهمزة:6]، ولهذا فقد قال الله لرسوله في سوره الضحى وهي من أوائل السور المكية: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)[الضحى:9، 10]، فماذا يعني هذا الخطر، إنه يعني أن اليتيم له شأنٌ هامٌّ؛ وهو من أهم الشرائح التي اهتم بها القرآن، ولم تخل آيات الإنفاق كلها أو أغلبها من ذكره؛ بالإضافة إلى اختصاصه بآياتٍ خاصةٍ به، وهذه الشريحة تكاد تكون موجودةً في كل زمانٍ وفي كل مجتمعٍ، وهي شريحةٌ تستحق التكريم في المجتمع المسلم الذي يعتبر كالجسد الواحد، فإذا حُرِمَ من التكريم فيه فردٌ أو شريحةٌ واحدةٌ؛ فإنه يعتبر كله في هوان، أما السائل فإنه يشمل كل الشرائح التي ذكرت مفصلةً في الآية الأخرى التي توضح مواقع الإنفاق وأصحاب الاستحقاق.


    قد تقولون: كيف ذلك؟ وضحوا لنا؟


    فأقول: إن الكلمة هنا لا تعني السائل الذي يشحت ويلح في السؤال ويتعرض للناس في الأماكن العامة، كلا؛ ليس هذا هو المقصود بل المراد به كل صاحب حاجةٍ وكل صاحب شأنٍ في الحياة.


    وعليه: فكل حيٍّ وكل جسمٍ يتحرك يسأل؛ الطفل يسأل، والأمُّ تسأل، والأب يسأل؛ كلاهما يسأل معاشاً، وغذاءً، وسكناً، ومدرسةً، ودواءً، وكساءً لأولادهما ولهما. كل طالبٍ يسأل، وكل خريج مدرسةٍ أو جامعةٍ يسأل؛ يسأل ما يحتاج إليه في دراسته وبعد دراسته، ولست بحاجةٍ إلى توضيح ذلك فكلنا نعرفه؛ بل إن الموظف وهو في الوظيفة يسأل؛ إنه يسأل تحسين معيشته وتوفير حاجته ليؤدي عمله باطمئنان. كل جنديٍّ وكل ضابطٍ يسأل. كل فلاحٍ وكل تاجرٍ يسأل. الكل يسأل تيسير شئون عمله وحرفته وتطويرها وتحسينها، ومع ذلك فكل شيخٍ عاجزٍ وكل معوّقٍ عاثرٍ وكل عاطلٍ قادرٍ يسأل المجتمع ما يحتاجه. باختصار كل أفراد المجتمع بكل شرائحة وفئاته، بذكوره وأناثه، وصغاره وكباره؛ كلهم يسألون؛ كلهم يدخلون تحت كلمة السائل، وعلى المجتمع المسلم أن يوفر لكل هؤلاء السائلين ما يحتاجون إليه؛ بل هو المعلوم لكل من يعقلون ويفقهون ويحسون بحاجة الآخرين. إذن: فالسائل قد شمل كل فردٍ في المجتمع المسلم الفاضل، وعلى المجتمع أن يعطي ولا ينهر؛ فهو واجبٌ على المسلمين لا يتأخر؛ فإذا كان هذا الخطاب للرسول؛ فإنه خطابٌ لمن اتبعه على السبيل؛ ولهذا جاء في صفة المصلين في سورة المعارج قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[المعارج:24، 25]، فالسائل هنا يعني ما أوضحنا قبل قليل، وعليه: فإن الدين هو: إسعاد الحياة والأحياء؛ بل وبسط السلام على كل ما حولنا من الأشياء؛ فلا إسراف ولا بغوى، ولا حرمان ولا فوضى؛ بل حبٌّ وعطاءٌ، وبذلٌ بسخاءٍ، وبلا منٍّ ولا أذىً؛ نفعل ذلك لا نريد عليه شكراً ولا جزاءً من أحدٍ؛ بل نبتغي وجه ربنا الأعلى الذي نظفر برضاه عنا، ونسعد بالرضاء عنه والطمأنينة في الدنيا والأخرى؛ ذلك هو الفوز العظيم.
    وما دام موضوعنا هو المال في القرآن؛ فإن المتأمل للآيات يدرك بوضوحٍ أن المال كان وما يزال هو المادة التي فتنت الإنسان، وأشعلت الحروب ووسعت الخلافات عبر الأزمان؛ حتى يظن المتابع للتاريخ الإنساني؛ في القصص القرآني؛ أن المال يكاد يكون الصنم الأكبر؛ الذي نصبه الإنسان شريكاً للرحمن، وجعله هدفه الذي يسعى إليه بلا توانٍ، ويخضع له باطمئنانٍ، ويظنه السبيل إلى الخلود والأمان. ولقد عبرت عن هذه الحقيقة نصوص القرآن في أكثر من سورة؛ فها هو نوحٌ عليه السلام يعيد سبب تكذيب قومه المتوالى إلى المال فيقول: (رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا)[نوح:21]، بل لقد أكد الله الحقيقة بصورة تؤكد استمرارها مع كل جيلٍ ومع كل رسولٍ (وماأَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)[سبأ:34،35]، وعلى أي حالٍ فالمال عند الله لا يعني الإكرام، ولا يعني التميز لمن لا يملكه على سواه، ولكن الله يبتلي به الناس ليعلم من يشكر ومن يبطر، ولينال كل جزاءه الذي هو به أجدر (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)[سبأ:36]، ولأنهم لا يعلمون فإنهم يفخرون حين يملكون، ويضرون حين يسلبون، مع أن التكريم إنما هو في التقوى، والهوان إنما هو في الطغوى، (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)[سبأ:37]، ولأن الفخر بالمال مذمومٌ، ولأن جمعه بهلعٍ شئومٌ؛ فإننا نجد أن الإنسان يتمنى في يوم الحساب أن يفدي نفسه بما لا يستطاع من الذهب (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)[آلعمران:91]، بل إننا نجد المختال بالمال والمحب للسلطان؛ يصرخ في يوم الحساب معلنا الخسران، والندم على السلف من الطغيان (كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه * يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه)[الحاقة:25-29]، بل لقد أخبرنا الله أن المعتمد على المال يعلن الندامة، والخسران في الدنيا قبل يوم القيامة، ففي سورة الكهف نلقى ذلك الرجل الذي قال لصاحبه: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا)[الكهف:34]، نلقاه في نهاية المطاف وهو يصرخ هكذا كما يقول الله عنه: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا)[الكهف:42-43]، ومن هنا ندرك أن المال في يد العقلاء يفيد، وفي يد الأقوياء يضر، ولكن رغم هذا البيان، البيان الواضح عن المال وآثاره، وهذا التحذير الناصح عن الاختيال والمفاخرة به، فإن الإنسان لا يزال يزهو بالمال إذا أكرمه الله به، ويحسب أنه جليل المقدار، كما أنه ينهار إذا قل في يده المال ويظن أنه في ذلة وصغار، وينسى في الحالين أن العبودية لله هي الكرامة، (فَأَمَّا الآنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ)[الإنسان:15]، فهو يفخر ويختال، ويظن أنه بلا زوال، (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)[الإنسان:16]، وكلاهما ضالٌ غلطان، ولهذا فإن الله ينبه الإنسان إلى طريق الأمان فيقول: (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)[الإنسا:17، 18]، فإذا استمر الناس على هذا السلوك المانع؛ فإنهم كلهم في هوانٍ واسعٍ، أما إذا أكرم الناس بعضهم بعضاً وأحسنوا لليتيم وتعاونوا على توفير العمل الكريم للمسكين؛ فإنهم قد أصبحوا عند الله مكرمين، وأصبحوا من عباده المحبوبين، والله يضرب لنا المثل بسليمان لقد استقام عبد الله معتمداً على ربه لا على المال والقوة، مفضلاً ما آتاه ربه على كل زينة الدنيا وعلى كل ثروة، ولهذا فإنه لما جاءته هدية ملكة سبأ استنكر هذا العمل، فلما جاء سليمان قال: (أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)[النمل:36]، إنه لا يفرح بالمال وإنما يفرح برحمة ربه وفضله، ولأن سليمان عازفٌ عن الأطماع، طماعٌ في رضاء ربه؛ فقد اقتنعت ملكة سبأ بما دعا الله، (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[النمل:44]، فالمال في يد الصالحين يصلح الحياة وفي يد الفاسدين يدمرها، فلو طمع سليمان في المال؛ لما أسلمت الملكة ولما استطاع إقناعها ولكنها وجدته صادقاً عفيفاً فأسلمت معه لله رب العالمين، وكانت مع قومها من الصالحين، ومثل هذا الموقف السليماني نجد ذا القرنين يقف نفس الموقف من المال ويتجرد من الأطماع ويطمع في رحمة الله، فهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً يفرحون بوصوله إليهم ويعرضون عليه حالهم: (قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)[الكهف:94]، إنهم يعرضون له جباية الأرض له وخراجها له ولكنه يأبى العرض ويعلن أن الله هو الغرض: (قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)[الكهف:95]، إنه مقتنعٌ بما آتاه الله ومكنه، وهو يبذل علمه وتمكينه من الأسباب في صالح الناس وإصلاح البلاد وإزالة الفساد، فلقد بادر لعزل ياجوج وماجوج، وردم فسادهم الذي يموج، فأقام الردم المنيع، وأحسن البناء، (فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)[الكهف:97]، إنه عملٌ مذهلٌ وذو تقنيةٍ متفوقةٍ، أعجز الفاسدين، وعزلهم عن القوم الخائفين فأصبحوا آمنين فهل طلب من القوم مصلحةً أو انتظر شكراً، بل أعلن أن ذلك عملٌ ليس له فيه فضلٌ ولكنه من ربه وبيده نهايته، (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)[الكهف:98]، فهو يعترف بفضل ربه ورحمته ويفرح بهما ويوقن بأن كل شيء هالك إلا وجه ربه ذي الجلال، ولهذا فإنه يعمل للأخرى لا للمال، وهكذا كان المال في يد الرجل الصالح وسيلة للصلاح وهذا ما يدعونا الله إليه ويضرب لنا به الأمثال، فهل نعتبر وهل نتذكر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[الزمر:9]، وهكذا أيها الأعزاء نخرج من خلال الاستعراض السريع لهذه الآيات من القرآن، إلى حقيقةٍ هامّةٍ، هي أن المال في يد الصالحين المؤمنين صلاحٌ وأمانٌ وتكريمٌ للإنسان، لكنه في يد الطغاة الفاسدين خوفٌ وأحزانٌ وهوانٌ للإنسان في كل زمانٍ، وأن المال هو الذي يشعل الحروب والخصام؛ إن انشغل الناس بجمعه باهتمام، وهو مصباح الحب والسلام والأمان إذا الناس أحبوا لإخوانهم ما أحبوه لأنفسهم وهذا هو ما يعظنا الله به فيقول وقوله الحق: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة:274] نعم؛ إن طريق السلام والأمان من الخوف والأحزان؛ هو الإنفاق بحبٍّ وإحسانٍ في سعادة الإنسان، لا نبتغي بذلك إلا وجه ربنا الكريم، ورضوان ربنا العليم؛ وذلك هو الفوز العظيم.

    للموضوع بقية .....

  2. #2
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي رد: المال في القران الكريم


    المال في القران الكريم (2)

    مرحباً بكم إلى استقراء آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن المال، وإنه لموضوعٌ يتميز باهتمامٍ خاصٍّ وقضيةٌ تحتل مكاناً واسعاً في الآيات ومقاماً واضحاً في السور القرآنية سواء منها السور الطوال أو الصغار ولست بحاجةٍ إلى المزيد من القول في هذا الموضوع؛ بل إن الآيات هي التي توضح، وعن المراد تفصح، ولو استعرضنا بعض الآيات لوجدنا المال يتميز بشأنٍ عجيبٍ؛ ما هو هذا الشأن العجيب؟ إنه سهل الفهم واضح الدلالة لدى من تدبر القرآن وتذكر، لكنه صعب الإدراك خفي الدلالة لدى من قرأ القرآن بلا تدبرٍ؛ مع أن الله يقول : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[محمد:24]، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)[ص:29]، فالقرآن للتدبر والتذكر وهو للتفكر والاعتبار إنه هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، لكن كثيراً يهتم بعدد السور التي قرأها وهذا حالٌ لا يصح أن يستمر في سلوك المسلمين فهم يتسابقون على عدد المرات التي خاضوها في القرآن، وينسون أن المهم فهم البينات والفرقان، ومع ذلك فإن تلاوة القرآن لا يمارسها أكثرهم إلا في رمضان؛ وعلى أي حال فإن المتدبر للآيات يدرك أن المال في القرآن له شأنٌ عجيبٌ كما ذكرنا من قبل؛ هذا الشأن العجيب هو أن لأصحاب المال معه حالتين تودي إلى غايتين اثنتين لا ثالث لهما؛ فهم إما منفقون مؤمنون بأن المال مال الله، ويجبون أن ينفقوا في سبيل الله ورضاه، وهؤلاء مصيرهم الجنة في رحمة الله، وهم إما بخلاء مرتابون يظنون أن جمع المال هو العز والأمان أو يحسبون أن تعدد المال هو الخلود المانع من الزوال وهؤلاء هم الغافلون، وهم رغم ما جمعوه زائلون والمصير هو النار وهم فيها خالدون، هذا هو شأن المال في القرآن وهي حقيقةٌ لا تفارقه.



    وعلى هذا الأساس؛ فإن المال في يدك أيها الإنسان قد يكون جناحاً يطير بك إلى عليين في جنات النعيم، وقد يكون حملاً يرديك في سجيلٍ في نار الجحيم، فأي الحالين تختار يا ذا العقل والاستفسار؟!



    لا شك أن ذا اللب الكريم، والقلب السليم يختار الطريق الآمن وهو الإنفاق في مرضاة الله ليفوز برحمته يوم لا مالٌ ولا بنون، ولكي يتضح لك الأمر ويتأكد؛ فاقرأ سورة المسد: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)[المسد:1-3].



    ماذا رأيت في هذه الآيات؟ هل شاهدت اللهب خلف المال؟ هل رأيت المال يتحول على صاحبه ناراً ذات لهب؟



    نعم لقد شاهدنا ذلك بوضوح، فلم يغن المال صاحبه؛ بل كان فيه تبابه، وكانت العاقبة هي الخيبة في كل اكتسابه.



    تعالوا نغادر هذا المشهد الملتهب إلى سورةٍ أخرى لنجد فيها صورةً للمال أشد وأرغب ولنقرأ معاً قول الله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)[الهمزة:1-9].



    هل لاحت الصورة أمامكم بوضوح؟ هل رأيتم قترة الهمز واللمز تفوح؟

    إن الهماز اللماز؛ هو المستهزئ بالناس وهو المدعي لنفسه الامتياز؛ هو الشخص الذي يحوز بأعماله الويل ويختص به دون سواه. لقد ظن المسكين أنه يضر الآخرين بهمزه ولمزه، وهو إنما يسعى إلى الويل بنفسه، ولقد ظن أن تعدد مجالات المال يزيد له الإيرادات، وهو في الواقع إنما يورد نفسه في المهالك والويلات؛ إنه ملزوزٌ في سرداب الهلع، محجوزٌ في نفق الخوف والجزع، مهزوزٌ في أعماقه بما جمع، أوهامه في الخلود بالمال تهوي به في مهاوي الزوال، (كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)[الهمزة:4]، "كلا": إنها كلمة ردعٍ وزجرٍ لهذا الغافل في أوهامه، وكلمة تنبيهٍ بأن مصيره خلاف أحلامه، (كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)، إنه منبوذٌ بلا شكٍّ في الحطمة التي تنتظر قدومه، فإذا الآمال الواسعة محطمة، والأحلام الطامعة مهدمة، وكيف لا وما الحطمة إلا نار الله الموقدة، إنها معدة لكل فؤادٍ غافلٍ عن سيئاته ،منتبهٍ لجمع ثرواته، متجسسٍ على الناس، يحصي الأنفاس، ويحاول الاطلاع على كل إحساس، ولكن النار الموقدة الآن تطلع على هذا الفؤاد الحسود؛ فإذا هو في حسراتٍ وحالٍ منكودٍ، وفي باس ضيقٍ مسدودٍ، لقد أوصد الفرص على الآخرين، ومدد لهم الوعود الكاذبة، وجعل حياتهم ملتهبةً، وها هو يلقى النار عليه مؤصدةً في عمدٍ ممددة، فلا يستطيع الانفلات منها ولا الخروج، بل هو في غمٍّ وضيقٍ، وإنها لحالٌ في كل زمانٍ مكررة، وهي التي تورد الناس الهوان في الدنيا والآخرة، فهل شاهدتم الصورة؟
    بسم الله والحمد لله فإنه الجدير بالحمد والثناء وهو الذي جعل الإنفاق دليل التقوى، والبخل بالمال دليل البغوى، وبعد: فسنقف هنا أمام سورةٍ من السور الطوال، خاصة بالمال وأصحاب المال، يقول الله في سورة التوبة: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة:34-35]، إن الله يذكرنا كمؤمنين بأن علماء اليهود والنصارى وهم الأحبار والرهبان، بل الكثير منهم لا كلهم هؤلاء يأكلون أموال الناس بالباطل، فهم يأخذون المال من الناس مقابل فتاوى مفتراة على الله تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل الله، وتبيح للطغاة ما لم يأذن به الله، يعملون ذلك لينالوا المال ويجمعوه وليتكاثروا فيه ويكنزوه، ظانين أنهم بذلك في مأمنٍ من الخسران، وأنهم الرابحون بما جمعوه، وهم في الواقع الخاسرون، وكيف لا وهم عن سبيل الله يصدون.


    قد يسأل سائلٌ: كيف يكون صدهم عن سبيل الله؟


    والجواب: هو أنهم حين يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل، ويفترون على الله الكذب مقابل المال، فإنهم بهذا إنما يصدون عن سبيل الله الذي يدعو إلى الخير والسلام ويريد للناس الفوز برحمته، لكن هؤلاء يخرجون الناس من الخير إلى الشر ومن النور إلى الظلام ومن الرحمة إلى اللعنة، وذلك هو الضلال البعيد، والصد عن السبيل الحميد، سبيل الله الحليم الودود، ثم إن هؤلاء الأحبار والرهبان يترصدون للدعاة، فإذا رأوا من يدعو إلى الحق ويرد الناس إلى سبيل الله حاربوه بشدةٍ؛ سواء كان هذا الداعي رسولاً أو رجلاً صالحاً من سائر الناس، وحرضوا الطغاة المفسدين على إسكات صوته بل على قتله إن استطاعوا (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[التوبة:32].


    وبهذا فإنهم موصوفون عند الله بقوله في نفس السورة: (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)[التوبة:29].


    وبهذا فهم يسارعون إلى الإثم والعدوان ويقودون الناس إلى الطغيان، فإذا أتباعهم قد أصبحوا لهم عبيداً يطيعونهم على سبيل الظلال، والله تعالى يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)[التوبة:31].


    نعم إن كثيراً من الأحبار والرهبان في أهل الكتاب هم قادة الانحراف عن الصواب وهم رواد الافتراء على الله وهم يبيعون الفتاوى المفتراة بالمال وبذلك تكدست عندهم الأموال مكنوزة، والناس في حرمان، لقد طاب لهم وعندهم أكل المال بالباطل، وبه صدوا عن سبيل الله، وكان الأجدر بهؤلاء المدعين أنهم أولياء الله وحراس كتاب الله أن ينفقوا الأموال في سبيل الله؛ ولكنهم لا يؤمنون بالله ولا بيوم لقاه وهكذا هو شأن كل من كذب بيوم الدين ولقاء الله، إنهم يأكلون المال بالباطل ويكنزون الذهب والفضة وهذا النوع من الناس موجودٌ في كل الملل وفي كل الأمم وفي كل زمانٍ وليس خاصًّا بالأحبار والرهبان، ولهذا فإن الفقرة التالية من الآية فصلت بحرف الابتداء وهو الواو فقال الله بعد ذلك في الآية: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)[التوبة:34]، لِيَعُمَّ كل الناس الكانزين من البخلاء في كل ملةٍ ودينٍ، كلهم داخلون في قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[التوبة:34]، ما هو هذا العذاب الأليم؟ إنه عذابٌ يتناسب مع عملهم الأليم، (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة:35]، أرأيتم الصورة؟ أشاهدتم المصير؟ ها نحن نشاهد تلك القلوب الفظة، وهي تُكْوَى بحرارة الذهب والفضة، وكنوزهم عنهم منفضة، والحسرات عليهم منقضة. إن الهوان والذل هو مآل من أكل المال بالباطل، لقد ظن أنه يكنز الأمان بالفضة والذهب، ولكنه كنز لنفسه اللهب، لقد ظن أنه ضمن العز لنفسه، لكنه كنز الكنز لنحسه، (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)، لقد كانت كنوزهم في الدنيا خافية لا ترى، ولكنهم اليوم يرونها أمامهم ناراً عليها يحمى، لقد كانت الكنوز مسفورة للأنظار، وها هي اليوم مشتعلة أمامهم بلهب النار، فيا له من مصيرٍ حزينٍ، ومن عذابٍ مُهينٍ، ويتجلى الهوان حين تكوى بها جباههم التي كانت تتيه فخراً وتشمخ كبرا، وتكوى بها جنوبهم التي كانت تصعر عن الناس استهانة بهم وتكوى بها ظهورهم وهي التي كانت تضع وراءها كتاب الله وتولي الأدبار أمام من دعى إلى الإنفاق في سبيل الله.


    ومع ذلك فإن هذه الجباه والجنوب والظهور الطاغية؛ تستحق هذا الكي بالنار الحامية؛ لأن جباه العمال في المناجم تصببت عرقاً وانحنت كدًّا وكدحاً لاستخراج الذهب والفضة من أعماق المناجم لينعم بها هؤلاء الكانزون؛ ولأن جنوب العمال انعطفت وانكوت متعبةً وهي ترفع الأثقال في أعماق المناجم الملتهبة؛ ولأن ظهور العمال تقوست وتكسرت، وكل هذا الجهد والتعب، وكل هذا العرق إلى جيوب الكانزين ذهب، ولم ينل منه العمال إلا التعب، فكيف لا يكون الجزاء للكانزين هو هذا العذاب المهين، وهو أن تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم بالنار الحامية، وها هم اليوم يذوقون ما كنزوه (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ).


    وهكذا أيها القارئ الكريم تتجلى لنا صورة الكنوز والكانزين في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، لقد كانوا يظنون أنفسهم القادرين الرابحين، وها هم يرون اليوم ويعلمون أي منقلبٍ ينقلبون.


    للموضوع بقية .....

  3. #3
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي رد: المال في القران الكريم


    المال في القران الكريم (3)

    سنتابع في هذه الفقرة مصير الممسكين أيديهم عن الإنفاق من مال الله الذي عليه استخلفهم، نعم لقد استخلفك ربك أيها الإنسان على ما في الأرض من زينةٍ ومتاعٍ ليكون ذلك لك ابتلاءً واختباراً، فهل أنت حريصٌ على النجاح؟ أم أنك حريص على الجمع في هلع؟ لعل الرجل المحب لنفسه حقاً هو الذي ينفق المال في طاعة الله، وفي إسعاد عباد الله؛ ليفوز برحمة الله، (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ)[محمد:38]، وهو بهذا يخسرها يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)[الزمر:15]، ولكي تتضح لك "حالة الخسران"، وتتجلى لك صورة الهوان؛ استمع إلى ما يخبرنا الله به من حال الإنسان في ذلك اليوم العظيم، فالناس هنا فريقان: فريقٌ آمنٌ سعيدٌ يؤتى كتابه بيمينه (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ)[الحاقة:19-23]، وفريقٌ خاسرٌ شقيٌّ يؤتى كتابه بشماله لأنه كان شؤماً على الناس والحياة، بخيلاً بما آتاه الله، فلنسمعه ولنشاهده ماذا يقول وإلى أين يؤول؟! (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه)[الحاقة:25،26]. إنه يرى الخطايا والشرور في كتابه مكشرة، ويرى فيه كل صغيرة وكبيرة، وهنا يكون الفناء خيراً له، وهو الأمنيات (يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ)[الحاقة:27]، لماذا هذه الحسرات؟ لماذا هذه الصرخات؟ لأنه أحب المال وبه بخل، وظن أن سلطانه لا يزول، لكنه اليوم يقول: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه)[الحاقة:28-29]، لقد فرط في المال وأنفقه في الفخر والاختيال وأراد العلو في الأرض والفساد والسلطان على العباد، فإذا كل ذلك هالكٌ مبادٌ، وها هو اليوم أمام رب العباد فماذا يقول الله، إنه يقابله بما يستحقه من الهوان: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ)[الحاقة:30-32]، لماذا كل هذه الأنواع من الهوان؟ ولماذا كل هذه السلسلة من العذاب؟ (إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)[الحاقة:33-34]، لقد كان يأخذ المال بهلعٍ وطغيانٍ، ويغل أيدي الناس بالحرمان، ويصليهم في نار الهوان، فهو جديرٌ بهذا المصير، وإذا كنا قد عرفنا أعماله الخاطئة من خلال صرخاته، وفهمنا ذنوبه من خلال نوع عذابه، فإن الله يزيد الأمر وضوحاً، ويحدد الذنب تحديداً، ليكون الناس على بصيرةٍ وهدىً، فيقول: (إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) ، أسمعتم السبب؟ إنه عدم الإيمان بالله العظيم، لقد استعظم المال وظنه هو الذي يستحق الإجلال، وأنه الحامي من الزوال، ولهذا فإنه بخل بمال الله في يده، بل لم يسمح بأن ينال الناس من مال الله، فهو يكره الخير لسواه على كل حالٍ وحينٍ، ويأبى أن يتيسر مال الله للمسكين ولا يحض على ذلك الآخرين، وهكذا فإن من لم يؤمن بالله العظيم، فإن النتيجة الحتمية هي أنه (َلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) ، فهو لا يحب لأحدٍ خيراً بل يمنع، وحسودٌ شديد الهلع، ولهذا فهو مقطوعٌ من المجتمع، وقلبه بالطمع ينقطع، وبكل شرٍّ يسطع، ومن كل خيرٍ يفزع، (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ)[الحاقة:35-37]، أرأيتم هذا المصير المهين لهذا الذي (َلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، وما المراد بطعام المسكين، إن المراد أن يوفر له العمل الكريم الذي يضمن له الطعام المستديم بلا ذلٍّ ولا حرمانٍ ولا عسرٍ ولا هوانٍ، نقول أن المراد هو العمل ، لأن الله يقول: (عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، ولم يقل "على إطعام المسكين"، فالإطعام معناه منحة الطعام المباشر ليومٍ واحدٍ أما الحض على طعامه فمعناه منحه كل سببٍ يوفر كل أنواع الطعام بأمانٍ وكرامةٍ وسلامٍ وإحسانٍ واحترامٍ. فإذا كان هذا هو مصير من لم يحظ على طعام المسكين، ولم يقل كلمةً تدعو الآخرين فكيف بمن يمنع الطعام وهو قادرٌ على توفير أسبابه وعنده المال الذي يستطيع به تشغيل أيدي المساكين ليعيشوا مكرمين، تعالوا ننظر مصير هذا النوع من الناس في يوم الدين، يقول الله في سورة القلم: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ)[القلم:38-41]، من هم المجرمون؟ إنهم الذين بالمال يبخلون، وها هم أصحاب اليمين من المؤمنين المنفقين يتوجهون إليهم متسائلين قائلين : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)[القلم:42]؟ فيأتي الجواب بالاعتراف: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)[القلم:43-47].


    إذن فإن صفات المجرمون أنهم لم يكونوا يطعمون المسكين وهم يخوضون مع الخائضين المجرمين على الباطل والتكذيب بيوم الدين ظانين أن هذا هو الربح والعز المكين، ولكنهم يعرفون الآن أن هذا هو المصير المهين وأن لقاء الله هو اليقين، وها هم يعلنون الاعتراف به : (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)، وهكذا أيها الأخوة فإن إنفاق المال وتوفير العمل للعمال وإطعام المساكين بتوفير الأعمال هو السبيل للنجاة من العذاب، فليفهم المسلمون أن مهمة المجتمع المسلم هي توفير الطعام الدائم للمسكين، وإخراجه من الحاجة إلى العيش الآمن الكريم.
    عرفنا فيما سبق مصير الممسكين المال عن المسكين، ومصير الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، وعلمنا أن اللهب في نار الله الموقدة هو المنقلب، إن ذلك هو مصير هؤلاء في الآخرة، وهو مصير لا يقع فيه إلا الغافل؛ الذي يكذب بالدين، وينسى أنه مبعوثٌ لرب العالمين، وخوفاً من هذا المصير تستقيم حياة أولي الألباب، فهم ينفقون المال يبتغون وجه ربهم الوهاب، (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)[النور:37].


    ومن غفل عن هذا المصير فإنه ينطلق في الحياة طموعاً هلوعاً، يكذب الرسل ويقاوم الحق وكل ما كان مشروعاً، وهذا أمرٌ واضحٌ في القرآن، وهذا الأنموذج من الناس يتكرر في كل زمانٍ، فالله يقول لرسوله محمدٍ في سورة القلم: (فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ)[القلم:8-10].


    من هم المكذبون؟ وما هي صفات هؤلاء المكذبين؟ إن كل فردٍ فيهم له هذه الصفات التي توضحها الآيات التاليات:


    (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)[القلم:10-13].


    لماذا كل هذه العيوب فيه اجتمعت؟ ولماذا كل هذه المثالب عليه انثالت؟


    إن السبب قوله تعالى: (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ)[القلم:14].


    وبهذا أصبح في المكذبين، بل هو رائدهم في كل حين (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[القلم:15].


    إنه أصمٌّ أبكمٌ أعمى، لا يؤثر فيه بيانٌ ولا قرآن، فقلبه مغلقٌ عن البينات، وعقله مقفلٌ عن الآيات، لقد انحدر به الطمع إلى دركٍ أحط من الحيوانات، ولهذا فإن الله يقول عنه: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)[القلم:16]، فهو كالفيل الضخم ذو خرطومٍ منهوم، موسومٌ بأنه هلوعٌ ذليلٌ، فالذل سمته، والهلع صفته، والجشع سجيته، فهو لا ينفك عن الانهماك في الابتلاع، وعن أي معابٍ لا يتورع، بل ينطلق إلى المتاع هلوعاً، لكل خيرٍ منوعاً، ويظن أن الخير له وحده، وأن سواه لا يستحقه، فهو يعتدي إن رأى خيراً لدى الناس، ويرتكب الآثام ليمنع عنهم الخيرات، ومع ذلك المظهر المختال الفخور المتدرع بالفجور؛ فإنه في الواقع ذليلٌ حقير، وعليه سمة الذل واضحة الظهور، فخرطومه خاسئ في الوحول، مخبولٌ فيما يفعل أو يقول، إنها سمةٌ وسمها به ربه الجليل، الذي لا يحب كل مختالٍ فخور، ولهذا فإنه يظل في مقدمة أصحاب النكران، والتكذيب والبهتان، والعمل السيئ المهان، الذي لا يرضاه الله الرحمن، وكيف لا وقد جعل نعمة المال والبنين، المعطاة له من رب العالمين؛ سلماً للتكذيب بآيات ربه ووصفها بأنها أساطير الأولين، فكان موصوفاً بأحط الصفات، وموسوماً بوسام الذل في الحياة والممات.


    هذه صورةٌ من صور الناس المحبين المال، المعتمدين عليه دون ربهم ذي الجلال، وهناك صورةٌ أخرى لا تختلف عن الأولى، لكنها تتجلى في حالة ذعرٍ وحيرةٍ واضطرابٍ، بينما الأولى تتجلى في حالة ذلٍّ وخبثٍ وعدوان، لكنهما يلتقيان معاً في الكذب والبهتان، فلتشاهد الصورة الثانية، فإنها وردت في سورة المدثر (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)[المدثر:1-3]، فالمهمة هي المهة التي في سورة القلم، والمواجهون للرسالة هم نفس الصنف الذي يرى الحق فيغتم، وللمواجهة يتقدم، لكن الله يعلن أنه وحده يتولى جزاء هذا النوع المتكبر، وما على الرسول إلا أن يقوم فينذر، وربه فيكبر، فهو أكبر من كل مستكبر. (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا)[المدثر:11-16].


    نعم كلا، لا زيادة، وماذا يطمع فيه هذا المستزيد أنه بعد هذا العطاء وبعد هذا الإمهال يطمع في الأمن والسلام، كلا لا أمن ولا هناء، ولا طمأنينة ولا سلام، بل طمع فيما لا يتحقق من الأوهام، وما لا يمكن من الأحلام.


    إن الأمن لا يناله إلا من آمن بالله وآياته، وكان بها موقناً وفيها مطمئناً، أما هذا الذي مهد الله له تمهيداً، ثم يطمع أن يزيد، فإنه مدحورٌ مزجورٌ عن هذه الأحلام.


    لماذا؟


    إن الله يوضح السبب فيقول (كَلا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا)[المدثر:16]، فهو معاندٌ لها مضاد، فكيف ينال من الله المراد، (كَلا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا).


    إذن فما الجزاء المناسب؟ (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)[المدثر:17]، إنه الإرهاق والاضطراب، والقلق والاتعاب، فهو يصعد متلهفاً فلا يصل، وهو يلهث ويتطاول فلا ينال، بل يزداد ضيقاً في صدره كلما تصعد، ويزداد لهاثاً حلقه كلما تطاول، ويتوالى تصعده وتلهفه، ثم يتوالى حرمانه وتعثره، حتى تتقطع آماله، وتتعثر أمانيه، وتتمزق شرايينه، وينفطر وتينه، ثم تخمد أحلامه وتتلاشى، ومع خيبة أمله في نيل ما يريد، فإنه يتبختر في الكفر ويفتخر، (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ)[المدثر:18-25]، هكذا وصفه القرآن؛ لكنه لم يفلح فيما قرر، ولم ينجح فيما قدر، بل كان مصيره هو (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ)[المدثر:26-29]، إنه عذابٌ متصاعدٌ متزايد، فلقد طمع في المزيد فلم يزده الله إلا عذاباً.


    وهكذا تتضح لنا من الآيات صورة المعتمد على المال، المستغني به عن ذي الجلال، إنها صورةٌ مزريةٌ واضحة الضلال؛ لقد أصبح المال منبراً للتكذيب بآيات الله الغفار، وحبلاً يجر صاحبه إلى النار، وهذا هو حال من بخل بالمال عن المساكين.


    إنهم يظنون أنفسهم رابحين، وللعزة كانزين، وهم في الواقع للنار يكنزون، وهذا هو الخسران المبين.


    للموضوع بقية ....

  4. #4
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي رد: المال في القران الكريم



    المال في القران الكريم (4)

    عرفنا في الموضوع السابق أن من اعتز بالمال واغتر به عن ربه ذي الجلال؛ فإنه يصاب بالذل والهوان، ويوصف بالمكر والعدوان، وبالقسوة في التعامل مع أخيه الإنسان، هذه واحدةٌ من الحالات، ومع هذه الحالة حالةً أخرى؛ هي القلق المستمر، والهلع المستعر، ورغم هذا التمدد والتمهيد، فإنه يطمع في المزيد، ولكن هذا المزيد لا يلوح لعينيه ولا يظهر، بل إنه يطمع في الأمان من الحزن المقلق، ولكنه لا يقع إلا في الأشق، هكذا هو حال المعتمد على المال، المستغني عن ربه الذي خلق ورزق.


    وهنا سنعرف حالةً أخرى للإنسان المغرور بالمال؛ المدعي أنه بحرصه وعلمه نال ما نال، وبحذقه وفهمه توسع ماله في كل مجال.


    إن هذا الأنموذج من الناس، موجودٌ في كل زمانٍ ومكان، ففي سورة الكهف يضرب الله لنا مثلاً يتكرر في كل حال، يقول الله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا)[الكهف:32-33]، إنه عطاءٌ من الله متدفق، يدعم بعضه بعضاً؛ أعنابٌ ونخلٌ وزرعٌ وماءٌ؛ ولهذا فإن الثمر يتوالى، (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ)، وهنا يفخر الرجل ويغتر، (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا)[الكهف:34]، لماذا هذا الفخر على صاحبه، إنه الغفول عن ربه، ومع ذلك استمر غفوله وافتتانه كما يحكي عنه ربه: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)[الكهف:35-36]، وكم من أناسٍ يظنون أنهم إذا ملكوا المال أنه خالدٌ بهم وهم خالدون به، بل ويستبعدون الساعة رغم أنهم يسمون مسلمين، وإذا اعترفوا بها افتروا لأنفسهم الأماني، تماماً كما فعل الرجل حين قال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لاجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا)[الكهف:36].


    هكذا اغتر بالمال والنفر وظن أن العز في ذلك، ونسي ربه الذي بيده تملك، بل لقد كفر بربه وأشرك، وهذا يتضح من رَدِّ صاحبه أولاً: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)[الكهف:37-38]، إن هذا الصاحب صالحٌ ساطع البرهان، وإنه رجلٌ قوي الإيمان، فكيف يكفر الإنسان بمن خلقه من تراب، ثم يغره عن ربه حفنة تراب؟! وربه هو الذي جعلها تنبت النخل والأعناب، إن هذا يدعو للتوحيد لا للغرور، ولهذا قال الصاحب باطمئنانٍ: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)[الكهف:38]. فلا الدنيا بكلها تجعلني أنخدع عن ربي، ولا كل مالٍ فيها وزينةٍ يكون شريكاً لربي، كلا، بل الله هو ربي المدعو المرجو، وهو المعطي والمغني، وبقوة ربي وبمشيئته أنال ما تيسر من نعمته، (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ)[الكهف:39].


    هكذا هو الأدب، وهذا هو السبيل الحق أمام الرب، وهو سبيل من له عقلٌ ولب، وعلى أي حالٍ فقد تلاشى غرور وافتخار صاحب الجنتين، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)[الكهف:42].


    لقد عقل قلبه واعترف أنه بغروره قد أشرك بربه، فلم يصبه ربه إلا بذنبه، (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا)[الكهف:43].


    فعلى الله وحده الاعتماد، وعنده وحده الثواب، وهو وحده الناصر والولي والغني الوهاب.


    وهكذا انتكس الغرور بالعز وانكسر، واندثر المال والثمر، واندحر القوم والنفر، ولم يكن من الإحاطة به مفر، وقد خاب من بغير الله انتصر، وهذه الحقيقة تتجلى في صورةٍ أخرى، وبصورةٍ أقوى. .


    لقد جاء في خواتم سورة القصص قصة قارون، فلنقرأ ما يقول عنه رب العالمين:


    (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)[القصص:76].


    أرأيتم! إن كنوز الرجل تكثر حتى إن مفاتيحها تثقل الجماعة القوية التي يصل عددها إلى عشرة أو أكثر، وإذا كان هذا هو وزن المفاتيح، فما مقدار الكنوز؟! إنه عطاءٌ واسعٌ، له قارون يحوز.


    فهل شكر ربه العزيز؟ لنرى كيف كان موقفه مع قومه الناصحين:


    (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)[القصص:76]، أي لا تبطر ولا تفخر بل احمد ربك واشكر، فذلك هو الضمان الذي به عطاؤه يستمر.


    وبعد أن نهاه قومه عن الفرح، أضافوا ما به الأمر يتوضح، فقالوا: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[القصص:77].


    إن هذه الأعمال الصالحة هي التي تحول المال من الفرح والبطر والفخر، إلى الصلاح والشكر، ومن الاستكبار والفساد، إلى الإحسان والرشاد، ومن الوقوع في غضب الله وكراهيته، إلى الفوز بحبه ورعايته، لكن قارون لم يعد المكانة التي نالها، والكنوز التي أوتيها إلى ربه وكرمه، بل ادعى أنه نال ذلك بقدرته وعلمه، (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)[القصص:78].


    لقد حصر وقصر الأشياء على علمه لا سوى، ولم يجعل لله أي أثر في العطاء، وهذا منتهى الكبر والطغوى، وغاية الإجرام والغوى، ولهذا فإن الله يقول: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ)[القصص:78].


    لقد كان الأجدر به أن يعلم هذه الحقيقة عن ربه، وعن مصير من قبله، هذا هو العلم الذي ينفع، أما ادعاء العلم فيما جمع، فإنه في الجهل قد وقع، ولهذا كان مصيره كما عرفناه في سورة الكهف: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ)[القصص:81].


    فهل نفعه علمه وكنوزه؟ (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ)[القصص:81]. إنه نفس المصير لمن بالمال ينتصرون، وبه دون الله يعتزون ، وبكنوزه يغترون، كلا إن الناصر والولي والمعز والمغني هو الله، وعليه الاعتماد، وهو الباقي ويفنى كل شيءٍ سواه.


    وبعدُ أيها الأخ الكريم فإن القصتين الواردتين في سورتي الكهف والقصص تبرزان لنا أن مصير الافتخار بالمال، والادعاء بأن جمعه هو بالقدرة والعلم الإنساني، إنما هو غرورٌ يؤدي إلى الهلاك، ووهمٌ يؤدي الى سوء الدرك.


    فلقد أحيط بالفخور بماله ونفره، ولم ينفعه شيء منهما ولا دفع، ولقد خسف بالفخور بكنوزه المعتد بقدرته ولم ينصره ما جمع، بل كان الله هو المتصرف وهو إليه المصير والمرجع، فلنعتمد عليه ونحمده في كل ما نناله من النعم لتدوم، ولنقل في كل حالٍ: (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ)، فذلك هو السبيل للفوز في الدنيا والآخرة برضاه. أن قضية إطعام المسكين أمرٌ هامٌّ من أمور الدين، وأن هذا شأنٌ يجب على المسلمين إن كانوا بالله مؤمنين.



    نعم لقد عرفنا ذلك وتأكد لنا أن مصير من لم يسهم في إطعام المسكين هو العذاب المهين.


    والإسهام قد يكون بالإنفاق ممن يملك أو بالحض على ذلك. فمن ملك ولم يطعم، ومن علم بالأمر ولم يحض عليه فإن مصير الإثنين هو الجحيم المستعر والسلوك في سقر، بقول الله: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)[الحاقة:30-34].


    وبقوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)[المدثر:38-44].


    فالذي لا يحض على طعام المسكين، والذي لا يطعم مع قدرته والتمكين؛ كلاهما من المجرمين ومن الخاطئين.


    فهل يرضى المسلمون لأنفسهم هذا المصير؟ وهذا الوصف المهين. كلا، بل لا بد أن يعمل المسلمون إن كانوا يقرأون القرآن وبه يؤمنون، أن يعملوا على توفير العمل الذي ينال به المسكين الطعام باستمرارٍ وبكرامةٍ، وأن يتحاضوا على هذا الأمر ولا يتهاونوا فيه، فإنه هو الإسلام وفيه السلامة.


    قد يسأل سائلٌ ويقول: لماذا تفسر الطعام بأنه العمل؟


    وأقول: إن الله ينهى عن الإنفاق بالمن والأذى، وإذا كان المسكين سيحتاج كل يومٍ إلى السؤال لينال طعامه اليومي، فإنه في أذىً لا ينقطع، وفي ذلٍّ مفجع، هذا أولاً. ثم إن الله يقول عن المؤمنين الصالحين:


    (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً)[البقرة:274].


    فمن هو الذي يتصف بهذه الصفة إلا ذلك الذي يوفر العمل للأيدي العاملة، فهو ينفق سرًّا وعلانية، وهو ينفق في الليل والنهار وأمواله تصل إلى العمال باستمرارٍ وبصفةٍ متوالية.


    ثم إن الله يقول: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[المعارج:24-25].


    والسائل قد عرفنا في موضوع سابق أنه كل كائن حيٍّ له أملٌ، وكل من له قدرةٌ على العمل، كما أن اليتيم والمسكين يدخل تحت هذا التعريف، فكل هذه الأنواع تسأل، تسأل ما تحتاجه، وتسأل العمل، وعليه: فالمسكين قد يكون مالكاً لوسيلة من وسائل العمل ولكنه لا يجد ما يفي بحاجة الوسيلة لتؤدي عملها باستمرار وجودة، فهو هنا يسأل حاجتها وحمايتها أو قد يكون مؤهلاً للعمل، وموظفاً في عملٍ ما، لكنه لا يجد المرتب الذي يفي بحاجته، ولا الأسعار التي تناسب دخله.


    إنه هنا يسأل ما يفي ويناسب، وهكذا نفهم الآيات التي توجب للسائل الحق وللمسكين، وتكلف بذلك المسلمين، إنها تعني أن البطالة حالٌ يجب أن تزول، وأن المسكنة صفةٌ يجب أن تختفي، وأن السؤال واقع لا بد أن يُلبَّى ليكون المجتمع مسلماً متحاباً.


    قد يقول قائلٌ: كيف عرفت المسكين بهذا التعريف فإنه غير معروف؟!


    وأقول: لقد عرفناه من خلال القرآن، ففي سورة الكهف يقول الله على لسان عبده الصالح الذي لقيه موسى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)[الكهف:79]، فقد سمى أصحاب السفينة مساكين، وعليه فإن كل عمال الأرض وكل موظفي العالم مساكين، وعلى أصحاب الأموال حمايتهم، كما أن هذا الرجل الصالح الذي هو عبدٌ من عباد الله قد حمى السفينة من الغصب والاستيلاء، وحمى المساكين من البطالة، وضمن لهم استمرار العمالة.


    وإذن فعباد الله هم المؤمل فيهم الحض على الخير ودحض كل شيء. وهذا هو واجب كل عبدٍ من عباد الله، وكل المؤمنين إذا كانوا من الموقنين بلقاء الله، وإلا فإنهم غير متصفين بهذه الصفات، يؤكد هذه القضية صريح الآيات.


    يقول الله في سورة الماعون: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ)[الماعون:1]، أي: أعرفت وعلمت يا أيها الإنسان الشخص الذي يكذب بيوم القيامة؟! ثم هل تريد أن تعرف له علامة؟! إن علامته هي قوله تعالى: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)[الماعون:2-3].


    لقد أشار إليه بحرف الإشارة "ذلك" ليدل على وضوحه، ثم على بعده عن ربه وعن الدين، فكل واحدٍ يستطيع أن يراه بلا خفاء فهو خارجٌ عن الحق والهدى، إنه هذا الذي لا يخشى قهر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، وإذن لا يقدم على هذا الإجرام إلا رجلٌ لا يعرف الإسلام ولا يقيم لشعائر الدين أي احترام، ولهذا فالله يضيف قائلاً عنه وعن أمثاله بشكلٍ عام:


    (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)[الماعون:4-7]. أرأيتم؟! إن الويل ملتصقٌ بهذا الفريق من الناس، المدعين أنهم مسلمون، المتظاهرون بأنهم مصلون، مع أنهم عن الصلاة ساهون، وعن معانيها بعيدون؛ لأن صلاتهم رياء بلا إخلاصٍ ولا يقينٍ، وكيف لا وهم يمنعون عن الناس أقل الأشياء، وذلك هو الماعون الذي لا يمنع في كل أمةٍ وملّةٍ، ولكن من كذب بالدين فإنه يكون كاذباً في كل مهمة.


    وهذا النوع من الناس هو الخطر المخيف على المجتمع المكرم، وهو الحامل لجرثوم الشئوم المدمر لكل الأمم.


    نقول هذا اعتماداً على ما يقوله الله في سورة البلد، ولنعد إليها لنتأكد، يقول الله عن الإنسان المفتخر بالمال: (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا)[البلد:6]، فهو يدعي أنه ينفق، وأنه غني غير مُمْلِقٌ، ويظن أن هناك من له يصدق، لكنه يغفل أن الله يرى ويعلم الحق، (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)[البلد:7]، ثم يقول الله داعياً هذا المفتخر إلى السبيل السليم وإلى العمل القويم: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ)[البلد:11-12]، إنه يدعوه لاقتحام الشح الذي يقف عقبةً بينه وبين الحق والنعمة، وإلى تجاوز البخل الذي يجعله بعيداً عن الرحمة، فما هي العقبة؟ إن العقبة هي: (فَكُّ رَقَبَةٍ(13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ(14)يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ(15)أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)[البلد:13-16]، هذه هي العقبة التي يظهر فيها الحق، وهنا يجب أن يكون الفخر والسباق، ويكون الادعاء بكثرة الإنفاق، إنه فك الرقاب من الحاجة والإذلال، وإكرام اليتيم في كل حال، وإخراج المسكين من استمرار السؤال، وتخليصه من تراب البطالة والابتذال.


    بهذا يكون الإنسان صاحب المال من أحباب الله ذي الجلال الذي يقول عنه: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)[البلد:17]، هؤلاء هم المسارعون إلى ظلال الرحمة، وهؤلاء هم المجاهدون بصبرٍ في حب الله، وهم اليُمنُ للأمة (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)[البلد:18]، هكذا يصفهم الله، ثم ماذا؟ ثم يصف البخلاء المتقاعسين عن إطعام المسكين وإكرام اليتيم والبخلاء عن فك الرقاب، يصفهم بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)[البلد:19]، ألم تتأكدوا الآن أن هؤلاء هم الشؤم على الأمة، وأنهم سبب كل أزمة، (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ)[البلد:20]، وهذه هي العاقبة المناسبة لأعمالهم النكدة.



    للموضوع بقية .....

  5. #5
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي رد: المال في القران الكريم


    المال في القران الكريم (5)

    في هذا الموضوع سنصل الحديث بما عرفناه من حقائق مبينة عن المهمات العظيمة التي يجب أن يقوم بها أصحاب الأموال إزاء المجتمع المسلم.


    فهم مكلفون بالإنفاق في أموالهم في كل حملة وطنية تتجه بالناس على سبيل الله، وتهدف إلى رضوان الله.


    ليس أمر الجهاد محصوراً على قتال من يقاتل المسلمين من الكفار، بل يشمل كلما يهدد المجتمع المسلم سواء كان التهديد عسكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو صحياً أو دينياً، وهكذا فإن كل مهمة تتجه للدفاع عن المسلمين ضد هذه المخاطر المتنوعة فإنها تدعو أصحاب الأموال إلى الإنفاق فيها لتؤدي غرضها بنجاح.


    هكذا عرفنا هذه الحقيقة فيما سبق مؤيدة بالآيات التي لا تخفى، واليوم سنجد من الآيات ما يدعو المسلمين المؤمنين إلى تطهير أموالهم من الرباء ومن كل غشٍّ وعطعٍ ليدوم لهم النصر والتأييد فيما يقومون به من مهمات في سبيل الله وإلا فهم في خطرٍ وانهيارٍ ومتاه.


    ذلك أن إقامة النشاط الاقتصادي على الربا يجعل المجتمع في صراعٍ ويرفع فئة على جوع أخرى وهذا هو الشفاء المنير للحقد والعداء.


    وإذا اشتعل الحقد في القلوب تحطمت الإرادات وتخلخل الصف وذهب ريح القوة بلا هدف.


    وبهذا ينهزم المجتمع في كل معركةٍ تواجهه، بل أنه لا يواجه شيئاً، ولا يقف أمام الأخطار، وإنما ينكسر يائساً ويدس رأسه في التراب، ولتجنيب المجتمع المؤمن هذا المصير المحزن؛ فإننا نجد سورة آل عمران تتحدث عما جرى للمسلمين مع الرسول في معركة أحد، فتؤكد أن النصر في القتال سبيله الطهر في الأموال.


    تبدأ الآيات تتحدث عن المعركة، فيقول الله مخاطباً الرسول: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)[آل عمران:122].


    ثم يذكر الله المؤمنين بنصرٍ سابقٍ رغم ضعفعهم فيقول:


    (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[آل عمران:123].


    ثم يعود إلى خطاب الرسول مشيراً إلى بعض حوادث معركة أحد فيقول: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ *بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ)[آل عمران:124-125].


    إذن فالتقوى والصبر هو السبيل للنصر المؤكد، وهو الموجب للعطاء والمدد، ورغم ذلك فإن المدد لا يغني شيئاً بل هو الله المعتمد:


    (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ)[آل عمران:127].


    ومع ذلك فإن الرسول لا أثر له في الأمر، فالتدبير لربه الأكبر:


    (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)[آل عمران:128].


    نعم إن الأمر كله لله؛ فهو المعذب والتواب، وهو الناصر الغلاب، وكيف لا وهو كما يقول:


    (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[آل عمران:129].


    هكذا تبدأ الآيات في السورة وهي تتحدث في أحداث معركة أحد، فإن كل شيء مرتبط بالله الأحد الصمد، وتقوى المسلمين هي السبيل إلى النصر المؤكد، ولكي تتجسد التقوى وتتضح، ولكي تتحقق التقوى وتصح؛ فإن الله الخبير يدل المؤمنين على الطريق الأوضح إلى الفلاح فيقول منادياً لهم بالاسم الذي به يعرفون، وعليه يحرصون: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[آل عمران:130].


    فالتقوى هي العمود الفقري للإيمان والفلاح، بل وللنجاة من النار، وبهذا يضيف الله:


    (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)[آل عمران:131].


    فإذا لم يتق المؤمن؛ فقد التحق بمن في النار، ولكي ينجو منها ويُرحم فإن الطريق الأسلم هو:


    (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران:132، 133].


    من هم هؤلاء المتقون وما هي صفاتهم؟


    إن الآيات تبرز صفةً هامةً تتفق مع الذين لا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة، تلك الصفة هي:


    (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران:134].


    أرأيتم: إن المتقين الموعودين بالنصر والتمكين لا بد أن يتصفوا أولاً بترك الربا والامتناع عن ممارسته في كل حالٍ وبأي صورة، ثم مع ذلك ينفقون في السراء والضراء، فهم لا يتحينون الفرصة ولا يترقبون البرصة، بل ينفقون في كلِّ حالٍ وبلا شكٍّ في عطاء الله ذي الجلال.


    ومع ذلك فهم ينفقون لا يبتغون جزاءً من الناس ولا شكوراً، بل يريدون رضاء ربهم ووجهه الأعلى فهو الأبقى.


    ولهذا فإنهم يكظمون الغيظ أمام من أنكر إنفاقهم أو تعرض لهم بأذىً، بل إنهم يضيفون إلى الكظم والصبر على الهضم، العفو والمسامحة لمن هضمهم أو تعرض لهم، بل ويزيدون إلى العفو الإحسان والبذ ل فيما يرضي الرحمن، وبذلك ينالون حبه (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران:134]، وهذا هو المبتغى الأسمى والهدف المكين.


    وبهذا السلوك المالي العفيف الشريف، فإن المال يتدفق على المجتمع بشكلٍ طاهرٍ نظيف. ويصبح الناس في سلامٍ وخيرٍ كثير، في رعاية الله اللطيف الخبير، وعلى حبه تقوم العلاقات بين الصغير والكبير؛ فكلهم إلى الله فقير، وإليه توابٌ مستجير، تماماً كما يصفهم الله البصير فيقول مضيفاً:


    (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران:135].


    إنه مجتمعٌ طاهرٌ متطهرٌ، طاهرٌ في المال وفي الأعمال، طاهرٌ في الحال وفي الاستقبال، سعيدٌ في الدنيا وفي يوم المآل، وكيف لا والله يعدهم بالسلام، وهو يشير إليهم باهتمامٍ فيقول: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[آل عمران:136]..


    هكذا كان الختام..


    لقد أقاموا بتقواهم جنةً في الدنيا يُظِلُّها الأمن والسلام، ولقد طابت فيها أعمالهم وأموالهم من الربا والشح والآثام، فكان الجزاء من جنس العمل، إنه المغفرة والإكرام، فنعم هذا الجزاء ونعم المقام، وبعد ألم يتضح لكم أيها الأخوة أن الانتصار في معارك المجتمع المسلم ضد كلِّ خطرٍ داهمٍ يتوقف على الطهر والزكاء في الأموال والأعمال، وعلى نظافة الكسب والإيراد من الربا ونظافة الصرف والإنفاق من الشح والرياء، وأن كل ذلك يجمعها كلمة التقوى، فمن اتقى الله فإنه المنتصر؛ وكيف لا والله له المولى وهو خير الناصرين.


    وعلى هذا الأساس؛ فإن الله يذكر المؤمنين بعد معركة أحد ويؤكد لهم أن وعده قد صدق بالنصر، لكنهم بسبب حب الدنيا خُذِلُوا في نهاية اللقاء.


    فلنقرأ الآية بإمعان، يقول الله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)[آل عمران:152].


    فلقد أصبح المسلمون ظافرين بالمشركين بإذن ربهم، ثم ماذا حدث؟


    (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[آل عمران:152].


    أرأيتم كيف انحسر النصر عن المؤمنين..! أرأيتم كيف صُرفوا عن المشركين مع أن النبي بين المؤمنين وهو قائدهم..! لماذا هذا التحول المثير..!


    لأن فيهم من يريد الدنيا، فليسوا كلهم صفاً واحداً.


    إذن فكيف ينال المسلمون اليوم نصراً في أي مجال، وهم كلهم يريدون الدنيا ويحبون المال حبًّا جمًّا، إن ذلك لا يثمر إلا الخذلان.


    ألا فلنكن ممن يجعل الله ولياً لا المال، إن أردنا النصر في كل حال. (بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)[آل عمران:150].




    لعلنا أيها الإخوان، قد عرفنا في الموضوعات الماضية عن هذه القضية "قضية المال في القرآن" العجب العجاب، لكننا في موضوعنا هذا والموضوعات التالية سنعرف الأهم والأعجب، ولكنه الحق الذي يجب والذي يرضى به من لربه أحب.


    لقد اعتاد المسلمون أن يفهموا من آيات القرآن المتناولة للإنفاق أن يفهموا أن الله يأمرهم أن ينفقوا من أموالهم ما يستطيعون، ولا يأمرهم بإنفاق كل الأموال، وهذا صحيحٌ، فالله يقول:


    (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)[الإسراء:29].


    ويقول في صفة عباده:


    (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الفرقان:67].


    ويقول في سورة محمدٍ مخاطباً المؤمنين:


    (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)[محمد:36].


    وإذن فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يكلفها إلا ما آتاها، وهذه سنة الله، وهذا شأنه في كل أمّةٍ وشريعة، ولا تبديل لسنة الله، فالمؤمنون مكلفون بأن ينفقوا من أموالهم، ومع ذلك فإننا سنجد اليوم آياتٍ تأمرنا بالإنفاق ولكن لا تأتي فيها كلمة "مِن" التي تدل على البعضية، بل تُحذَف الكلمة مما يدل على أن المراد إنفاق كل الأموال.


    ففي سورة البقرة مثلاً، يقول الله:


    (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)[البقرة:254].


    فكلمة "مِن" موجودةٌ في هذه الآية (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ).


    غير أن الآيات تتلى وتتوالى بعدها حتى تصل إلى الآية "261" فإذا الله يقول:


    (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة:261].


    أرأيتم..!


    إن الآية تأتي بصيغة الإخبار، لا بصيغة الأمر، إنه إخبارٌ عن المنفقين أموالهم في سبيل الله، نعم "أموالهم" هكذا بدون حرف "مِن" وكأن الإنفاق لكل المال قد تم ونفذ بهذه الطريقة وأصبح في مرحلة الإخبار عنه، وصار كواقعٍ يحدث ويتكرر وحالٌ يقوم ولا يتوقف. وهذا أسلوبٌ يدل على الفرض والتكليف بشكلٍ لا تردد فيه؛ ذلك أن صيغة الخبر عن الواجبات الشرعية والتكاليف الدينية تعني أن الله يحب أن يرى هذه الواجبات منفذةً في الواقع ومعتادةً في المجتمع بلا انقطاع، وما أحبه الله وحث عليه فهو الخير كل الخير، وهو الذي يجب أن نحرص عليه ونسارع إليه بلا ريبٍ ولا تردد.


    ولكي يظهر لنا الله أهمية هذا التكليف وضرورة الالتزام به؛ فإنه يورده بصيغة التمثيل الذي يثير الشوق إلى التنفيذ ويشجع على المبادرة في الإنفاق كما يشاء الله.


    وكيف لا وقد جعل الله مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبة.


    إنه إغراءٌ وتحفيزٌ لا يتردد عبدٌ مؤمنٌ في الاستجابة له والمبادرة إليه، وكيف لا والقليل من المال في سبيل الله يصبح في رعاية الله متضاعفاً سبع مائة مرة، فالمليون مثلاً قد يصير سبع مائة مليون، هذا في أضعف الأحوال وفي أقل التقدير، وإلا فإن من المتوقع أن يتضاعف المال إلى سبع مائة مليار بل أكثر وأكثر وبلا مراء، وكيف لا والله يقول عقب الموعد الأول: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ).


    والله هو الصادق الوعد، والوفي العهد؛ فإذا علم أن المنفق أمواله في سبيل الله كان مخلصاً صادقاً مبتغياً وجه ربه الأعلى، لا يبتغي جزاءً ولا شكوراً من الناس، ولم يداخل عمله رياء؛ فإنه يضاعف له ما أنفق أضعافاً تليق بربه الذي يرزق، ولهذا فهو يختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).


    فهو واسع العطاء، واسع الرحمة، واسع الجود والنعمة، وسع كل شيءٍ رحمةً وعلماً، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)[الأعراف:156]، (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)[البقرة:255]. وهو عليمٌ، نعم: عليمٌ بكل شيءٍ وهو بكل خلقٍ عليمٌ، وهو الخلاق العليم، (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الملك:13، 14].


    بل إن كل الآيات القرآنية، وكل القصص المحكية خلاصتها أن الله عليم، وهو بعلمه يعطي ويدبر، ويهدي ويقدر، وهو على كل شيءٍ قدير.


    وما دام الأمر كذلك؛ فإن الواسع العليم لا بد أن يضاعف للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بإخلاصٍ وتجردٍ، وبلا ترددٍ، لا بد أن يضاعف لهم من العطاء ما يليق به، ويزيد لهم من السماء ما هو أهلٌ له، ومن ذا الذي يكافئ الله في ذلك، إذن فإن الله حينما يخبرنا عن حال هؤلاء العباد المنفقين أموالهم في سبيله، ويمثل لنا نتائج إنفاقهم وثماره المضاعفة. إنما يؤكد لنا أنه سبيلٌ محمودٌ مضمونٌ محروسٌ مأمونٌ؛ لأنه في سبيل الله المقصود من كل شيء، الممسك السماوات والأرض فهو سبيلٌ محبوبٌ مرغوبٌ لكل عبدٍ صالحٍ أوابٍ.


    إنه يؤمن بأن الله هو الواسع العليم، وأن العبد محتاجٌ إليه، فقيرٌ إليه؛ وهو الغني الحميد، فليبادر إلى الإنفاق في سبيله كل عبدٍ سعيدٍ؛ فإنه السبيل الذي يبقى ويفيد.


    وقد يسأل سائلٌ إذا كانت الآيات تأمرنا بالإنفاق من بعض الأموال، فلماذا هذه الآية نصت على الإنفاق لكل المال؟.


    وإنه سؤالٌ مهمٌّ، وإن الجواب عليه أهم؛ ذلك أن الآية هذه وما يليها من الآيات في سورة البقرة وهي عشرون آية؛ إنما تتحدث عن الإنفاق في الاستثمار والتطوير بإقامة المشاريع التي تستوعب العمال وتشغل العاطلين وتلبي احتياجات السائلين وتتيح الفرص للمؤهلين ليظهروا قدراتهم وليبرزوا طاقاتهم، فإذا المجتمع يستفيد من أبنائه القادرين، ويربى الأجيال القادمين على الإبداع والعمل الشريف، وهذا هو الذي يجعل القليل من المال المنفق في سبيل الله (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة:261]. وكيف لا والله قد تعهد للشاكرين فقال: (تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ)[إبراهيم:7]، وقال: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)[آل عمران:145].


    وعلى أي حالٍ فلعل هذا الجواب عن السؤال لم يستوف كل الجواب، ولكن الاستيفاء يحتاج إلى وقتٍ أطول، سنوضحه في الموضوع التالي إن شاء الله.



    للموضوع بقية .....

  6. #6
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,736
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,382 Times in 24,015 Posts

    افتراضي رد: المال في القران الكريم


    المال في القران الكريم (6)

    كنا نتساءل في الموضوع السابق لماذا جاءت آيات الإنفاق في القرآن تنص على الإنفاق من الأموال، أي من بعض الأموال، بينما اختصت الآيات التي في أواخر سورة البقرة والتي تبدأ من الآية (261) إلى (281) هذه الآيات اختصت بأن النص فيها جاء بصيغة تثبيت الدعوة إلى إنفاق كل المال لا بعضه، يقول الله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة:261]، وهكذا توالت الآيات تنص على إنفاق كل الأموال لا بعضها.
    نعم لقد تساءلنا في الموضوع السابق هذا السؤال، وكان الجواب هو أن هذه الآيات موجهةٌ إلى الإنفاق في الاستثمار وإقامة المشاريع التي تفضي إلى تنمية البشر والثروات وتنمية القدرات والطاقات، سواء في ذلك الطاقات والثروات البشرية أو الطبيعية التي تزخر بها الأرض.
    وعليه: فإن الذين ينفقون أموالهم في هذا السبيل؛ فإن الناتج يكون النمو والتكاثر والتطور والتضاعف في كل مجال؛ لا سيما إذا كان هذا الإنفاق يتجه على سبيل الله لا يتعداه، وهو أن يكون الإنفاق قائماً على رضوان الله وتقواه، فإن لم يكن كذلك فإن المصير هو الهلاك لا سواه.
    يقول الله: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[التوبة:109].
    وإذن فإن الإنفاق في الاستثمار وإقامة أي مشروعٍ من مشاريع التنمية لا بد أن يقوم على تقوى من الله ورضوان؛ ليكون الخير والنمو له هو المآل، وهذا هو ما يعنيه الله في قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: متوخياً تقواه، ومبتغياً رضاه، فهذا هو السبيل الذي يحبه الله، وهو الذي يهدي إليه من اتقاه.
    وعليه: فلنعد إلى الآية التي تؤسس القضية في سورة البقرة. (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة:261].
    نعم: إنه لمثالٌ رائعٌ، وإنه لوعدٌ صادقٌ وواقعٌ، فإن الله يخبرنا أن مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ، فلنصدق ولنكن على يقين أنه مثالٌ مضروبٌ من رب العالمين، وهو الذي بيده الخير وهو العليم بكل سرٍّ، وأن على من يؤمن بالله أن يبادر إلى الإنفاق في الاستثمار السائر في سبيل الله المبتغي رضاه.
    فليستثمر أمواله كلها في صالح الإنسان، وفي تعمير الأوطان، وليؤسس بنيانه في الصناعة والإسكان والتعليم، وفي كل مجال، وفي كل المشاريع على هذا السبيل الواضح الذي يفوز بالأمان، وبحب الرحمن، ويظفر بالنمو والتضاعف في كل زمان ومكان؛ لأن الله يرعاه ويحرسه في كل حال.
    إذن: فالإنفاق في سبيل الله لكل الأموال إنما المراد به الإنفاق في مشاريع تتيح الفرص للقادرين، وتفتح للعمال المحتاجين سبيل العمل الكريم، وتُغْلِقُ أبواب البطالة والسؤال الذليل، وترفع مستوى القدرات، وتؤهلها للإبداع في مختلف المجالات. وتمنح القادر المبدع ما يستحق، وله تقدر وتشجع، وتدفع بالقادم المبتدئ إلى الحلبة بإخلاصٍ وحبٍ يُبدِع. وفوق ذلك كله تعدل في الأجور، وفي التعامل تحسن ولا تجور؛ فإذا العلاقات بين العمال وأصحاب العمل تنشرح بها الصدور، وتندفع بها الطاقات إلى المزيد من التطوير، وبهذا تتضاعف العائدات، وتنمو الحاصلات، وتتوسع المجالات، وتسمو القدرات، وتتوالى الخبرات، فإذا الحبة تنبت الملايين والمليارات. وهذا شيءٌ محققٌ لا بد أن نلمسه ونراه، وكيف لا والإنفاق هو على سبيل الله وهو يبتغي رضاه، ومن رضي الله عليه؛ فإنه يزيده من الخبر ما يليق بعطاه، إن هذا هو السبيل المضمون، وهو العمل السليم المأمون، أليس حارسه وراعيه هو رب العالمين؟! بلى؛ فلنكن به مؤمنين، وعليه سائرين، وله مخلصين.
    بل إنا إذا أخلصنا العمل لله، ولم نبتغ به سواه؛ فإن الله يضمن لنا المضاعفة فيما نرجوه من سعة العائدات والثمار، ويؤكد لنا ذلك بأنه واسع الملك عالمٌ بالأسرار، فيقول:
    (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة:261]،
    فالمضاعفة متوقفة على علمه بمن يستحقها، والسعة معتمدة على إخلاص المستثمر لربه في كل المهام، فمن أخلص وصدق واستقام على سبيل الله فيما أنفق؛ فهو للمضاعفة والسعة قد استحق؛ فالله وعده وقوله الحق، ولكي يكون هذا الوعد حقاً مثمراً؛ فإن الله يدلنا على شرطٍ أساسيٍّ، بل يضع أمام كل مستثمرٍ أمواله في سبيل الله شرطاً أساسياً وضرورياً لا بد أن يأخذ به من كان مستثمراً، ولا بد أن يستقيم عليه بنيةٍ صادقةٍ، وعزيمةٍ قويةٍ، ويعدهم الله مع ذلك وعداً يطمع فيه كل إنسان، ويرجوه في كل زمان، ما هو هذا الشرط وما هذا الوعد؟
    إنه قوله تعالى في الآية التي تلي الأولى:
    (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة:262].
    نعم؛ إن الاستثمار قد يكون واسعاً، وإن الإنفاق قد يكون متواصلاً، ولكن لا بد أن يتصف بصفةٍ تجعله صادقاً طيباً محسناً، وإنها لمرحلةٌ هامةٌ يعطفها الله بكلمة "ثم" لتدل على أن لها مرتبةً أسمى وأرقى من الإنفاق، وأنها الأساس في الاستمرار بأمان، نعم إن عطفها في الآية بحرف "ثم" يدل على الأهمية، فقد قال: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى).
    فعلى من أنفق في سبيل الله أمواله، أن يصون أهل وطنه وعماله، وكل من يتعامل معه، أن يصون الجميع من هذه الصفات الهدامة، بل يصون نفسه وماله من هذه الصفات الحاطمة، وهي "المن والأذى" فإذا امتنع عنها نال من الله الأجر والرضا، وظفر بالأمان من الخوف والأحزان في الدنيا والأخرى، وذلك هو الأمل الأسمى، والخير والأبقى.
    قد يسأل سائلٌ فيقول:
    كيف يكون على المستثمر أن يصون أهل وطنه وعماله، وأن يصون كل من يتعامل معه من المن والأذى؟ وما هي مظاهر المن؟ وما هي علامات الأذى للعمال والأوطان والسكان؟
    وإنه لسؤالٌ يستحق الإيضاح والبيان، سنوضحه بإذن الله تعالى في الموضوع التالي
    وقفنا في الموضوع السابق عند ما أثاره التساؤل الأخير في الموضوع وهو حول:
    "ما المراد بقوله تعالى: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى)[البقرة:262]".
    فلقد قيل: كيف يمكن أن يصون المستثمر عماله ,اهل وطنه من المن والأذى؟
    والجواب سهلٌ وهو أننا عرفنا أن الآيات التي في أواخر سورة البقرة تتعلق بالمال وأهله، وكانت بدايتها هي التي تتعلق بالاستثمار في إقامة المشاريع الاستثمارية سواءً العمرانية أو الصحية أو العلمية أو الصناعية أو الزراعية أو غير ذلك؛ التي تشغل العمال وتخفف البطالة المتراكمة وتفتح المجال للقدرات القادمة.
    فهو إنفاقٌ في سبيل الله، وهو سبيلٌ يحبه الله ويدعو إلى الإنفاق فيه ويعد بالنمو المضاعف لمن يبادر إليه، وعلى هذا الأساس يقول تعالى موجهاً المنفقين إلى السبيل الأسلم: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة:262].
    فعدم إتباع الإنفاق بالمن والأذى هو الطريق الأسمى، إنه شرطٌ أساسيٌّ، وأمرٌ هامٌّ؛ أن يلتزم المنفقون أموالهم في سيبل الله أي في الاستثمار الصناعي أو الزراعي أو العمراني أو الاجتماعي، أن يلتزموا بهذا الشرط، وبهذا السلوك المؤمن؛ فإن الإنفاق قد يكون واسعاً والاستثمار قد يكون مستوعباً لعمالة ضخمة، ولكن بأساليب لا يرضاها لهم ذو الجلال، وبتعاملٍ يوحي بالاستغلال، وإذا كان الأمر هكذا فإن الله ينزع البركة ويكلهم لما تولوا، وعليه فلا بد أن يذوقوا الخوف والأحزان، ولا بد أن يتوقعوا الخصام في كل آن، فإذا هم في توجسٍ وقلقٍ، وفي سوء ظنٍّ وتجسس، وفي حالٍ يائسٍ مبلس، وهذا ما لم يتوقعه مستثمر المال من المال.
    إنه كان يتوقع العز والأمان والسلام من كل الأحزان، ولكن الواقع على غير ذلك كان.. لماذا؟!
    لأن صاحب المال، عن سبيل الله مال، وإذن فإن الالتزام بهذا الشرط وهو قوله : (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى)، هو الضمان الأكيد للأمان ونيل رضا الرحمن، وهنا نصل إلى إيضاح معنى أن يصون المستثمر وطنه وعماله من المن والأذى، ويصون كل من يتعامل معه من ذلك.
    لنفرض مثلاً أن هناك مصنعاً ضخماً أنشأه مستثمر والتحق بالمصنع عددٌ كبيرٌ من العمال والإداريين والخبراء واتصل بالمصنع عددٌ كبيرٌ من التجار والموزعين لتوزيع إنتاجه في البلاد أو لتوريد المواد الخام التي يحتاجها المصنع أو لاستخراجها من الأرض إن كانت معدنية.
    ألستم ترون هنا عدداً من العناصر والفئات، وعدداً من الأفراد والجهات، تتصل بالمصنع وإدارته بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ؟ أليس في هذه الدائرة من العلاقات، وفي هذه الهالة من الاحتياجات والعطاءات ما يدعو المستثمر إلى أن يدير علاقة معهم بإحسان؟ وأن يشعرهم بأن التعامل معه ناعمٌ سلسٌ كالحرير؟ ومستمرٌ على السبيل كالنهر، فلا يشعر أحد من هذه الدوائر بمنٍّ أو قطعٍ للخير أو أذىً في السير، فالدائرة الأولى وهم العمال وقياداتهم يجدون الأجر الكافي الوافي المتفق مع الجهود، ويجدون الاحترام والتقدير المتسم بالفهم الرشيد، بل والتشجيع الذي يدعو للمزيد، فالحق لمن أبدع معلومٌ، والحق لمن مرض مضمونٌ، والحق لمن تعوق مرصودٌ، فلا حرمان ولا انقطاع، ولا أذىً ولا أطماع. بل عطاءٌ متبادلٌ، وحبٌّ متداولٌ بين العمال وأصحاب العمل، كلٌّ منهما يعطي، وكلٌّ منهما يأخذ، وكلٌّ منهما مطمئنٌّ راضٍ بما أعطى وبما أخذ، وكُلُّ فريقٍ مكرمٌ محترمٌ، فلا فضل لفريقٍ على فريقٍ بما قدم، وكذلك يقال عن الدائرة الثانية وهي دائرة الإداريين والخبراء، بل إن عليهم واجباً إزاء العمال؛ هي وضع وتطبيق لوائح العمل بعدلٍ وإحسانٍ يضمن مصلحة العمل والعمال وصاحب المال، وهذا سبيلٌ يضمن للمصنع الاستمرار والنمو في كل حال، بل ويجعل العمال والإداريين يحسون أنه مصنعهم، وأنهم أهله الأصلاء، فهم يحرصون على أن يستمر له التفوق والنماء بحسن الأداء، وينافسون غيرهم في الإنتاج، ويرون في تفوقه نصراً لهم وابتهاج. فإذا صاحب العمل مطمئنٌ آمن، ولإرباحه وحسن إنتاجه ضامن.
    ثم نأتي إلى الدائرة الثالثة المحيطة بهذا المصنع الاستثماري أو المنشأة الاستثمارية وهي دائرةٌ متصلةٌ بالعمل وبالناس؛ إنها دائرة المتعاملين مع المنشأة الاستثمارية؛ سواء منهم الموزعين الإنتاج إلى المستهلك أو الموردين المواد الخام اللازمة للإنتاج؛ إنها فئةٌ هامةٌ نشطةٌ، وهي بين المنتج والمستهلك الواسطة.
    إن على المستثمر أن لا يَمُنُّ عليهم بشيءٍ قدم، أو يقطع عنهم التزاماً به التزم، ولا يستكثر فيهم فوائد نالوها من التعامل معه، ولا يحسدهم على أرباحٍ حققوها في علاقاتهم معه، بل يفرح بما نالوا وحققوا، ويفتح لهم الأبواب لينالوا ما أمّلوا، ما دام لا يضر الفريقين ولا يرهق المستهلك، ثم ومع هذا الالتزام السليم، والإحسان المستقيم؛ فإن على المستثمر أن لا يؤذي المتعاملين معه بتأخير الطلبات والاحتياجات، أو التضييق عليهم في الإيرادات والالتزامات، أو رفع الأسعار بدون مبررات، أو أي شيءٍ من هذه الإجراءات؛ التي يعرفها أصحاب المال والاستثمار، ويتعاملون بها مع الناس والعمال.
    إن على المستثمر أن يراعي ذلك، وأن يلزم بالإحسان مع المتعاملين ومع المستهلك؛ فإنه يصونه ويحميه من المهالك.
    ثم نأتي إلى الدائرة الأوسع والأهم، وإلى الهدف الأول والأقدم، لكل استثمارٍ وإنتاجٍ، ولكل إنفاقٍ ومنفقٍ. إنها دائرة الوطن والمواطنين؛ إنهم المستهدفون بالإنتاج وهم المستهلكون للسلع وهم المقياس للنجاح والإخفاق؛ فعلى المستثمر أن لا يُتْبِع ما أنفقه بالمن والأذى، إزاء هذه الدائرة الكبرى. كما أنه عليه مع الدوائر الأخرى.
    نعم؛ إن على كل مستثمر في الوطن أي وطن، أن لا يقطع الخير الذي بدأه، لا يقطع الجودة في السلعة، ولا يغير أساليب الإنتاج إلى الأدنى والأقل تكلفة، ميلاً إلى ربح الغير مشروع وبخلاً على المواطن، بل لا بد أن يكون الإنتاج متقدماً إلى الأسمى والأحسن، ومتطلعاً إلى الأرقى والأتقن؛ وإلا فهو القطع والمن، وإذا حدث هذا الخلل في الإنتاج والتعامل مع المستهلك؛ فإنه ينحدر رأساً وسريعاً إلى الأذى للمستهلك. فإذا هو يشتري سلعةً رديئة المادة، قليلة الكمية، سيئة العبوة، معدوة الجودة؛ لا تعبأ بالصحة ولا بالنفع للإنسان، ولكن تهتم بالمصلحة والنفع لرب المال على حساب الناس والأوطان، وهذا هو الأذى الذي يصل إلى كلِّ منزلٍ؛ فكيف يرضى مستثمرٌ صالحٌ مؤمنٌ أن يكون ماله مجلوباً من هذه الوحول؟! وإذن فلكي نصون أنفسنا والمجتمعات المؤمنة من هذا المنحدر الخطير؛ فلا بد أن نلتزم بما قرره اللطيف الخبير بقوله للمنفقين: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) ؛ إن هذا هو الضمان للنماء، وهو الحامي من السقوط فيما لا يرضى. فإذا امتنع المنفقون المستثمرون أموالهم عن المنِّ والأذى؛ فإن الله يعدهم بوعدٍ رائعٍ هو الأبقى، فيقول: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ). نعم: لهم وحدهم وخاصٌّ بهم، ومكتوبٌ باسمهم. ماذا لهم؟ وماذا كتب لهم؟ إنه "أجر". هكذا؛ أجرٌ مُنَكَّرٌ مطلقٌ بلا قيدٍ، ولا شرطٍ، ولا تحديدٍ، ولا قدرٍ. إنه أجرٌ لا ينفد، لماذا؟ لأنه عند ربهم العليم القدير، اللطيف الخبير، الغني الحميد؛ الذي له الأولى والأخرى، وله الأرض والسماء، وله ما ظهر وما يخفى، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه ترجعون.
    فهو أجرٌ محفوظٌ مكتوبٌ مضمونٌ؛ لأنه عند ربهم، رب العالمين، فهو لهم وهو مشهودٌ لا شك في الدنيا والأخرى. ثم إن الله ربهم يعدهم بوعدٍ آخر هو قوله: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
    يا سلام، يا للعظمة والجمال! ماذا يبحث عنه أهل المال والأعمال؟! وماذا يحلم به النساء والرجال في كل جيلٍ وحال؟.
    إنه الأمن من الخوف والخلاص من الأحزان. فلو دفع المستثمر المليارات لينال شيئاً من هذا الحلم؛ لما نالها، ولكن الله يضمنها لهم بشيءٍ قليلٍ وبعملٍ محسنٍ جميلٍ؛ هو قوله: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى).
    من ذا الذي يستطيع هذا المسلك؟.
    إن كل منفقٍ مستثمرٍ، قادرٌ على ذلك؛ إذا أخلص النية لربه المالك، وأيقن أن كل شيءٍ سوى الله هالك. وإذن فالباقي هو الذي يجب أن يتجه إليه العمل، وهو الذي نلقى عنده الأمل.
    وهذا يدعونا إلى توفير المال المنفق في التنافس والتحاسد والتفاخر والتكاثر، ولنتجه به إلى سبيل الله بلا منٍّ ولا أذى؛ ففيه الأمان والاطمئنان أبداً، ومضاعفة الأرباح بما لا يحصى (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة: 261].


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. من قصص القران
    بواسطة loai1969 في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 02-23-2016, 05:56 PM
  2. صورة للاسد - فيها تعدي على القران الكريم والعياذ بالله
    بواسطة n.salem في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-13-2011, 10:04 AM
  3. قراءة القران الكريم التي ابكت رؤساء الدول
    بواسطة متواصل في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-06-2011, 12:14 AM
  4. صفات اليهود كما ورد في القران الكريم
    بواسطة amani في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 06-03-2010, 08:12 PM
  5. هذه سفينة سيدنا نوح عليه السلام والتي وجدت على جبل الجودي كما ذكر القران الكريم
    بواسطة nael mousa في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-09-2010, 01:15 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

BACK TO TOP