هل تعلن الحرب باستفتاء؟

صحف عبرية:

2010-11-25


في الخامس من حزيران (يونيو) 1967 أرسلتني حكومة اسرائيل، مع نحو من مئتي ألف جندي الى الحرب. كان واضحا أن عددا منا لن يعودوا الى بيوتهم وأن آخرين سيعودون معوّقين. وبرغم ذلك لم تُجهد الحكومة نفسها في أن تسألنا وتسأل آباءنا، وسائر مواطني الدولة ما رأينا في ذلك. فالحكومة تقرر الحرب، وهذا حقها وحدها اذا كانت حكومة انتُخبت انتخابا ديمقراطيا. بين الحروب والعمليات العسكرية الكبيرة لاسرائيل في سنوات وجودها الـ 62، بُدئت حرب التحرير، وحرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران فقط بمبادرة من العدو. أما ما بقي فكان بمبادرة منا. في 1982 قررت الحكومة الخروج لحرب في لبنان. واعترف رئيس الحكومة، مناحيم بيغن، بفم ملآن بأنها كانت 'حربا اختيارية'. اعتقد كثيرون أن الحرب غير عادلة لكن لم يعترض أحد على أهلية الحكومة للقرار.
هذا الاسبوع أجازت الكنيست بأكثرية كبيرة قانونا غريبا، يُعد سابقة، يُكبل يد الكنيست والحكومات في المستقبل. فقانون استفتاء الشعب يقضي بأن الحكومة والكنيست لن تستطيعا اتخاذ قرارات حاسمة على انسحاب من شرقي القدس أو من الجولان، وأن القرار الحاسم النهائي سيُسلم للمواطنين بواسطة استفتاء شعبي. ثمة دول ٌ الاستفتاء الشعبي فيها عادة ثابتة. وسويسرا مثال بارز لكنها ليست وحدها بيقين. بيد أن استفتاء الشعب في هذه الدول جزء مقبول في المسار السياسي الديمقراطي، ويُستعمل في موضوعات شتى من منح المهاجرين جنسية، الى نسبة الضريبة على البيوت ثم الى استعمال قوانين المارغوانا. استقر الرأي عندنا على اقامة استفتاء شعبي في شأن واحد فقط وهو انسحاب ممكن من ارض محتلة، أو مضمومة أو محررة، وكل ذلك بحسب الميل السياسي لصاحب التعريف.
من النادر جدا أن تتخلى جهة سياسية عن صلاحياتها وتنقلها لآخرين. فالحكومة غير مستعدة وبحق أن تُسلم لمواطني الدولة الحق في تقرير كم يدفعون من الضرائب، وكم تكون مدة الخدمة في الجيش وما أشبه، بل إن موضوعا وطنيا عاما، مثل عدم تجنيد طلاب المدارس الدينية، ولا شك في رأي أكثر مواطني الدولة في شأنه، يُحسم بصفقات سياسية غايتها الحفاظ على سلامة الائتلاف. وماذا عن الحرب؟ يُخيل إلينا انه لو اقترح شخص ما اجراء استفتاء للشعب في مسألة هل نخرج للحرب فسيُعدّ مختل العقل.
وهذا هو حكم الانسحابات: ففي 1949 أمر بن غوريون الجيش الاسرائيلي بالانسحاب من المناطق التي احتُلت في سيناء والضفة الغربية. وقد سمّى يغئال الون هذا الامر 'بكاء أجيال'، لكن لم يخطر بباله أن يعرض على بن غوريون استفتاء الشعب. وكذلك الانسحاب من سيناء في 1956 والانسحاب الكامل من سيناء في 1979، والانسحابان من غزة والضفة في ايام رابين ونتنياهو، والانفصال عن غوش قطيف بأمر من شارون. كل تلك أثارت اختلافات سياسية شديدة، لكن اسرائيل برهنت على أنها ديمقراطية صلبة، وقبل مواطنوها القرار.
اذا كان الامر كذلك فلماذا نشأت أكثرية كبيرة جدا لقانون استفتاء الشعب؟.
الجواب واضح: تحاول الحكومة والكنيست، على نحو غير ديمقراطي واضح، تكبيل أيدي الحكومات والكنيست في المستقبل. وهما تأملان أن تمنعا بواسطة القانون حكومة في المستقبل أن توقع على اتفاق سلام مع سورية، من الواضح انه سيكون مصحوبا بانسحاب من الجولان. وهما تطمحان الى منع احراز مصالحة واقعية مع الفلسطينيين في شأن القدس.
استفتاء الشعب في ذاته، غير مرفوض (وإن كان ساسة وعلماء دولة كثيرون يشكّون في جدواه)، لكن الكنيست كانت تستطيع اجراء مباحثات أكثر جدية في مسألة جوهرية الى هذا الحد. استطاعت من جملة ما استطاعت أن تُقلد دولا اخرى، وأن تقرر أن يُجرى استفتاء الشعب عندما تكون لذلك توقيعات مليون من أصحاب حق الاقتراع. لم تسلك هذا السلوك، وفضّلت أن تسن القانون على نحو فوضوي، باجراء سريع برلماني يشهد مثل ألف شاهد على نيّة مُدبريه.

يديعوت 25/11/2010