«شرفاء» زمن الازدهار.. لصوص زمن الكساد!


محمد كركوتي
«المبدأ الأول عند اللصوص، أن الشيء مهما صغر.. قابل للسرقة»
جيمي بريسلين صحافي وكاتب أمريكي

إنه سؤال من تلك الأسئلة، التي لا نستطيع تفاديها أو الالتفاف حولها، خصوصاً عندما تكون القضايا التي تخصها، من البديهيات التي لا تحتاج إلى عباقرة لمواجهتها. وقبل السؤال، أطرح القضية. في إطار خطط التقشف البريطانية، المتولدة من الأزمة الاقتصادية العالمية، تزمع لندن بحكومتها الائتلافية، وقف مساعداتها، لمن؟ للأنظمة الفاسدة. السؤال البديهي هو على الشكل التالي: هل كان الأمر يحتاج إلى أزمة بهذا المستوى العالمي، ومخططات تقشف بهذا المستوى التاريخي، كي تفكر بريطانيا (وربما الدول المانحة الأخرى)، بوقف مساعداتها لهذه الأنظمة؟ وربما طوعنا السؤال بهذا الشكل: هل في أزمنة الازدهار، تُعمى الأبصار عن الأنظمة الفاسدة؟ وبتطويع آخر: هل يُحصن الرخاء الاقتصادي العالمي، الفاسدين؟ وبمزيد من التطويع: كيف تقبل بريطانيا السياسية (ولا أقول الشعبية) على نفسها، أن تكتشف في الوقت ''ما بعد الضائع''، ما هو مُكتشف أصلاً؟! وهل كانت صماء، عندما كانت الأصوات تعلو مطالبة بوقف هذه المساعدات منذ سنوات؟! لماذا انتظرت، حتى شحت أموالها واهتز اقتصادها، لتخطو مثل هذه الخطوة؟ ولعل السؤال الأهم هو: لو عاد الازدهار مجدداً، هل سيتحول الفاسدون بمعايير الدول المانحة إلى صالحين وشرفاء؟!
يقول الفيلسوف اليوناني إيسوب: ''نحن نشنق اللصوص الصغار، ونأتي باللصوص الكبار إلى السلطة''. والواقع أن هذا ما يحصل منذ بدأ عصر ظهور الدول المانحة والدول الممنوحة. وعلى الرغم من كل الإحصائيات والتقارير العميقة والرصينة، عن فساد لا يوصف في الدول التي تتلقى المساعدات، إلا أن هذه المساعدات لم تتوقف، ولم تُربط بشروط ذات قيمة ووزن، من أجل أن تصل إلى مستحقيها الحقيقيين، لا إلى اللصوص الذين يفتحون صناديقهم وحساباتهم الأجنبية، لتمر عبرها أو لتستقر فيها، ومن أجل أن تلبي هذه المساعدات الاحتياجات الإنسانية، لا ''الاحتياجات'' الترفيهية لهؤلاء اللصوص. وربما قدم المستثمر والكاتب الاقتصادي الأمريكي دوجلاس كاسي، أبلغ تعليق في هذا المجال عندما قال: ''يمكن تعريف المساعدات الخارجية، بأنها تحويلات من الفقراء في الدول الثرية، إلى الأثرياء في الدول الفقيرة''!
الآن ـــ بعد الخراب ـــ فقط، اعترف السياسيون البريطانيون (وربما معهم الغربيون في وقت لاحق)، بأن مساعداتهم للدول الفقيرة الغنية بالثروات الطبيعية، يبددها زعماء فاسدون! والآن عرفوا، أن تحقيق الشفافية في استخراج الموارد الطبيعية في الدول الفقيرة، هو واحد من أهم المظاهر الأساسية للتنمية! والآن انتبهوا إلى أن دافعي الضرائب لديهم يدعمون استراتيجيات تقليص الفقر، في دول لديها موارد مهمة لا يتم استخدامها لفائدة شعوبها!
وكي أُسهل الأمر على واضعي سياسات المساعدات في بريطانيا، أذكرهم بأرقام وإحصائيات وتقارير أعدتها مؤسسات بريطانية ودولية، بما في ذلك البنك وصندوق النقد الدوليين، وبنك التسويات الدولي. إن حجم الأموال المهربة من القارة الإفريقية، يفوق حجم المساعدات المالية المرصودة لتنمية القارة السمراء! ويفوق ماذا أيضاً؟ حجم مديونية القارة برمتها! وللمزيد، فإن الفرد الواحد في إفريقيا يخسر سنويا قرابة 989 دولاراً أمريكياً منذ عام 1970، وأن الأموال المُهربة في عام 2008 وحده، زادت على إجمالي الناتج المحلي للقارة بـ 7 في المائة! وللمزيد أيضاً وأيضاً، فإنه على مدى أربعة عقود من الزمن، خرج 1.8 تريليون دولار أمريكي بصورة غير شرعية من القارة السمراء! أين صبت أغلبية هذه الأموال؟ في المؤسسات الغربية، وفي النظام المالي الدولي المشين! والتقديرات وراء هذا الرقم ليست من تلك ''الجامحة''، بل من المحافظة جداً. فالتقديرات الأخرى تتحدث عن 2.4 تريليون دولار في الفترة المذكورة! أي أن هذه القارة خسرت قرابة 500 مليار دولار أمريكي كل عشر سنوات. وبعض من مزيد، فخلال أربعة عقود أيضاً، فاق حجم الأموال التي تم تهريبها للخارج من أربع دول إفريقية فقط 210 مليارات دولار! وهذه الأموال هي ببساطة، خسائر مباشرة لكل فرد يعيش في دول تحكمها أنظمة فاسدة أو مارقة، وهي ضريبة غير مُعلنة فرضها الفاسدون عليه، وتقاضوها دون علمه أو بعلمه لا فرق. هي أموال العلاج والتعليم والتشغيل واستثمار الثروات الطبيعية. أموال لجلب المياه الصالحة للشرب الآدمي، وللتنمية الزراعية والبشرية. هي أموال لصيانة كرامة الإنسان هناك. أموال ليست فقط كافية لسداد الديون الخارجية للدول الإفريقية البالغة ـــ حسب لوائح عام 2008 ـــ 250 مليار دولار، بل يمكن أيضاً أن تحقق معدلات عالية جداً للنمو.
إذن.. لم تكن بريطانيا (وغيرها) بحاجة إلى أزمة كي تعرف الحقيقة. وإذا أرادت الحكومة فيها معرفة الحقائق أكثر وبجهد خاص، ما عليها إلا أن تستعرض حجم وقوة ''نظام الظل المالي العالمي'' أوglobal shadow financial system، الذي تصب فيه الأموال السوداء المسروقة من القارة السمراء. وهذا لا يعني أن الفساد سمة خاصة بإفريقيا، فهو موجود في كل مكان، لكن.. لأن هذه القارة تستحوذ على أكبر نسبة من المساعدات الخارجية، فإن أعين المراقبين ـــ لا السياسيين ـــ عليها أكثر من غيرها. كما أننا لا نتحدث هنا عن عمليات غسيل الأموال التي تجري في ''مصابغ'' هذا النظام، وأموال المخدرات التي سندت النظام المالي ''الشرعي'' في محنته. بل نتناول فقط أموال المساعدات، التي لم تساعد إلا اللصوص أو الفاسدين، كما يحلو للمسؤولين الغربيين وصفهم.
لو أتى الموقف البريطاني الجديد، قبل الأزمة الاقتصادية العالمية، لكان وقعه أكبر وقيمته أعلى، ولسد الطريق أمام المشككين أو المرتابين في النية البريطانية، الذين يستطيعون القول: لولا التقشف والشح المالي والديون الحكومية، لما ''عثرت'' الحكومة البريطانية على هؤلاء الفاسدين. ولولا التردي الاقتصادي، لما فرقت هذه الحكومة، بين الشرفاء واللصوص. وإذا أرادت الدول المانحة، أن تُكفر عن أخطائها في هذا المجال، وتنقذ ما يمكن إنقاذه، أمامها مهمة أخرى، تنحصر في متابعة وملاحقة الأموال التي هربت من الدول التي تتلقى المساعدات، وترتبط بـ ''نظام الظل المالي العالمي''، الذي يعمل بصورة أساسية في الدول المانحة نفسها. وإذا شكلت الأزمة الاقتصادية، حافزاً للدول الكبرى للتفكير في مصير مساعداتها، لتشكل دافعاً للنيل من اللصوص السابقين أيضاً، واستعادة ما أمكن من الأموال المسروقة، خصوصاُ أنها ـــ أي الدول الكبرى ـــ تعيش في خضم إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، والنظام المالي (بشقيه الشرعي والفاسد)، هو جزء أصيل من عملية التشكيل هذه. وإذا لم تستطع مجموعات الدول الكبرى التقليدية، القيام بهذه المهمة التاريخية، لتترك المجال لمجموعة العشرين، التي تضم أطيافا متنوعة من القوى في العالم.
وعلى الرغم من أن الخطوة البريطانية جاءت ''موسمية''، إلا أنه يمكن التأسيس عليها، ويمكن أن تقود لندن مسيرة وقف المساعدات الدولية عن الأنظمة الفاسدة في كل القارات، وليس القارة الإفريقية فقط. إن الأمر ليس صعباً من جهة التخطيط، بل هو صعب من ناحية التطبيق والتنفيذ. وهذه من المسائل التي لا تنفع معها السياسية ولا الدبلوماسية ولا المرونة. الذي ينفع معها حقاً، موقف استراتيجي حازم، سيحول المساعدات من ''مستودعات'' الأموال المسروقة الهائلة، إلى جيوب الفقراء الصغيرة. هذا إن كان في ملابس هؤلاء جيوب أصلاً.