warning مرحباً بزائرنا ، يبدو أنك لم تقم بالتسجيل بعد ، يسعدنا إنضمامك لنا
أهلا وسهلا بك إلى شبكة خبراء الأسهم.
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 57
  1. #31
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    [ القنوت ]

    وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك القنوت . ولم يكن من هديه القنوت فيها دائما ومن المحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول اللهم اهدني فيمن هديت وتولني فيمن توليت إلخ .

    ويرفع بذلك صوته ويؤمن عليه أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا ثم لا يكون ذلك معلوما عند الأمة بل يضيعه أكثر أمته وجمهور أصحابه بل كلهم حتى يقول من يقول منهم إنه محدث كما قال سعد بن طارق الأشجعي : قلت لأبي : يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ها هنا وبالكوفة منذ خمس سنين فكانوا يقنتون في الفجر ؟ فقال أي بني محدث رواه أهل السنن وأحمد . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير قال أشهد أني سمعت ابن عباس يقول إن القنوت في صلاة الفجر بدعة وذكر البيهقي عن أبي مجلز قال صليت مع ابن عمر صلاة الصبح فلم يقنت فقلت له . لا أراك تقنت فقال لا أحفظه عن أحد من أصحابنا .

    ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمن الصحابة لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كل يوم وليلة خمس مرات دائما مستمرا ثم يضيع أكثر الأمة ذلك ويخفى عليها وهذا من أمحل المحال .

    بل لو كان ذلك واقعا لكان نقله كنقل عدد الصلوات وعدد الركعات والجهر والإخفات وعدد السجدات ومواضع الأركان وترتيبها والله الموفق .

    والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسر وقنت وترك وكان إسراره أكثر من جهره وتركه القنوت أكثر من فعله فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يختص بالفجر بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب ذكره البخاري في " صحيحه " عن أنس . وقد ذكره مسلم عن البراء .

    وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه ورواه أبو داود .

    وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روي هذا وهذا في تفسير قوله تعالى : إن قرآن الفجر كان مشهودا [ الإسراء : 78 ] . وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيها فيدعو بهذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا أو حسنا ولكن لا يحتج بعبد الله هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني : حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك . . فذكره .

    نعم صح عن أبي هريرة أنه قال والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم تركه فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفا للسنة كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفا للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه .

    ودعاء القنوت دعاء وثناء فهو أولى بهذا المحل وإذا جهر به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة ومن هذا أيضا جهر الإمام بالتأمين وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقران والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب وعليه مدار التفتيش والطلب وهذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي وأفضله فإذا قلنا : لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي وأفضله والله المستعان .

    وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وهو في " المسند " والترمذي وغيرهما فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره . وقال ابن المديني : كان يخلط . وقال أبو زرعة كان يهم كثيرا . وقال ابن حبان : كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير .

    وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم [ الأعراف 172 ] . حديث أبي بن كعب الطويل وفيه وكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسله الله في صورة بشر فتمثل لها بشرا سويا قال فحملت الذي يخاطبها فدخل من فيها وهذا غلط محض فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها ؟ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا [ مريم : 19 ] ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم ، هذا محال .

    والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع كما قال تعالى : وله من في السماوات والأرض كل له قانتون [ الروم : 26 ] وقال تعالى : أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه [ الزمر 9 ] وقال تعالى : وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين [ التحريم 21 ] وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت وقال زيد بن أرقم لما نزل قوله تعالى : وقوموا لله قانتين [ البقرة 238 ] أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .

    وأنس رضي الله عنه لم يقل لم يزل يقنت بعد الركوع رافعا صوته اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره ويؤمن من خلفه ولا ريب أن قوله ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله قنوت وتطويل هذا الركن قنوت وتطويل القراءة قنوت وهذا الدعاء المعين قنوت فمن أين لكم أن أنسا إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت ؟ ولا يقال تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها وأنس خص الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت ولا يمكن أن يقال إنه الدعاء على الكفار ولا الدعاء للسمتضعفين من المؤمنين لأن أنسا قد أخبر أنه كان قنت شهرا ثم تركه فتعين أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف وقد قنت أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والبراء بن عازب وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم .

    والجواب من وجوه . أحدها : أن أنسا قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري فلم يخصص القنوت بالفجر وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء فما بال القنوت اختص بالفجر ؟ فإن قلتم قنوت المغرب منسوخ قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة : وكذلك قنوت الفجر سواء ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلا على نسخ قنوت الفجر سواء ولا يمكنكم أبدا أن تقيموا دليلا على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوت الفجر .

    فإن قلتم قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل لا قنوتا راتبا قال منازعوكم من أهل الحديث نعم كذلك هو وكذلك قنوت الفجر سواء وما الفرق ؟ قالوا : ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر بذلك وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه ففي " الصحيحين " عن أنس قال قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه . الثاني : أن شبابة روى عن قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال قلنا لأنس بن مالك إن قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت بالفجر قال كذبوا وإنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا واحدا يدعو على حي من أحياء العرب وقيس بن الربيع وإن كان يحيى بن معين ضعفه فقد وثقه غيره وليس بدون أبي جعفر الرازي فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا .

    وقيس ليس بحجة في هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسا فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى وذكر سبب تضعيفه فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال ضعيف لا يكتب حديثه كان يحدث بالحديث عن عبيدة وهو عنده عن منصور ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور ومن الذي يسلم من هذا من المحدثين ؟ الثالث أن أنسا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون وأن بدء القنوت هو قنوت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على رعل وذكوان ففي " الصحيحين " من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال له بئر معونة فقال القوم والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة فذلك بدء القنوت وما كنا نقنت

    فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم القنوت دائما وقول أنس فذلك بدء القنوت مع قوله قنت شهرا ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل وهو الذي وقته بشهر وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرا كما في " الصحيحين " عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة العتمة شهرا يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف .

    قال أبو هريرة : وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت ذلك له فقال أوما تراهم قد قدموا فقنوته في الفجر كان هكذا سواء لأجل أمر عارض ونازلة ولذلك وقته أنس بشهر .

    وقد روي عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضا في الفجر شهرا وكلاهما صحيح وقد تقدم ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ورواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح .

    وقد ذكر الطبراني في " معجمه " من حديث محمد بن أنس : حدثنا مطرف بن طريف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها قال الطبراني : لم يروه عن مطرف إلا محمد بن أنس . انتهى .

    وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم به حجة فالحديث صحيح من جهة المعنى لأن القنوت هو الدعاء ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها كما تقدم وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ونحن لا نشك ولا نرتاب في صحة ذلك وأن دعاءه استمر في الفجر إلى أن فارق الدنيا .

    الوجه الرابع أن طرق أحاديث أنس تبين المراد ويصدق بعضها بعضا ولا تتناقض . وفي " الصحيحين " من حديث عاصم الأحول قال سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة ؟ فقال قد كان القنوت فقلت كان قبل الركوع أو بعده ؟ قال قبله ؟ قلت وإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت : قنت بعده . قال كذب إنما قلت : قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا .

    وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول تفرد به عاصم وسائر الرواة عن أنس خالفوه فقالوا : عاصم ثقة جدا غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين والحافظ قد يهم والجواد قد يعثر وحكوا عن الإمام أحمد تعليله فقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - أيقول أحد في حديث أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول ؟ فقال ما علمت أحدا يقوله غيره .

    قال أبو عبد الله خالفهم عاصم كلهم هشام عن قتادة عن أنس والتيمي عن أبي مجلز عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع وأيوب عن محمد بن سيرين قال سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه .

    وأما عاصم فقال قلت له ؟ فقال كذبوا إنما قنت بعد الركوع شهرا . قيل له من ذكره عن عاصم ؟ قال أبو معاوية وغيره قيل لأبي عبد الله وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع ؟ فقال بلى كلها عن خفاف بن إيماء بن رحضة وأبي هريرة .

    قلت لأبي عبد الله فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع وإنما صح الحديث بعد الركوع ؟ فقال القنوت في الفجر بعد الركوع وفي الوتر يختار بعد الركوع ومن قنت قبل الركوع فلا بأس لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلافهم فأما في الفجر فبعد الركوع .

    فيقال من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي وقيس بن الربيع وعمرو بن أيوب وعمرو بن عبيد ودينار وجابر الجعفي وقل من تحمل مذهبا وانتصر له في كل شيء إلا اضطر إلى هذا المسلك .

    فنقول وبالله التوفيق أحاديث أنس كلها صحاح يصدق بعضها بعضا ولا تتناقض والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده والذي وقته غير الذي أطلقه فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة طول القنوت والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء فعله شهرا يدعو على قوم ويدعو لقوم ثم استمر يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا كما في " الصحيحين " عن ثابت عن أنس قال إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا قال وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل قد نسي .

    فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا . ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل بل كان يثني على ربه ويمجده ويدعوه وهذا غير القنوت الموقت بشهر فإن ذلك دعاء على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة .

    وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل فإنما سأله عن قنوت الفجر فأجابه عما سأله عنه . وأيضا فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات ويقرأ فيها بالستين إلى المائة وكان كما قال البراء بن عازب : ركوعه واعتداله وسجوده وقيامه متقاربا . وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك .

    ومعلوم أنه كان يدعو ربه ويثني عليه ويمجده في هذا الاعتدال كما تقدمت الأحاديث بذلك وهذا قنوت منه لا ريب فنحن لا نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا .

    ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم ونشأ من لا يعرف غير ذلك فلم يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا : لم يكن هذا من فعله الراتب بل ولا يثبت عنه أنه فعله . وغاية ما روي عنه في هذا القنوت أنه علمه للحسن بن علي كما في " المسند " و " السنن " الأربع عنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت قال الترمذي : حديث حسن ولا نعرف في القنوت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من هذا وزاد البيهقي بعد ولا يذل من واليت ولا يعز من عاديت

    ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب : حدثنا أبو هلال حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة قلت : هو السدوسي قال اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح فقال قتادة قبل الركوع وقلت أنا : بعد الركوع فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه فقام ساعة ثم وقع ساجدا . وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء وهو يبين مراد أنس بالقنوت فإنه ذكره دليلا لمن قال إنه قنت بعد الركوع فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس فاتفقت أحاديثه كلها وبالله التوفيق .

    وأما المروي عن الصحابة فنوعان أحدهما : قنوت عند النوازل كقنوت الصديق رضي الله عنه في محاربة الصحابة لمسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب وكذلك قنوت عمر وقنوت علي عند محاربته لمعاوية وأهل الشام . الثاني : مطلق مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء والله أعلم .




    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

    ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني

    وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في " الموطأ " : إنما أنسى أو أنسى لأسن
    [ المواضع التي سجد فيها للسهو ]

    وكان صلى الله عليه وسلم ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة فقام صلى الله عليه وسلم من اثنتين في الرباعية ولم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام ثم سلم فأخذ من هذا قاعدة أن من ترك شيئا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوا سجد له قبل السلام وأخذ من بعض طرقه أنه إذا ترك ذلك وشرع في ركن لم يرجع إلى المتروك لأنه لما قام سبحوا فأشار إليهم أن قوموا . واختلف عنه في محل هذا السجود ففي " الصحيحين " من حديث عبد الله بن بحينة أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك . وفي رواية متفق عليها : يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم

    وفي " المسند " من حديث يزيد بن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم ثم قال هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الترمذي .

    وذكر البيهقي من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال صلى بنا عقبة بن عامر الجهني فقام وعليه جلوس فقال الناس سبحان الله سبحان الله فلم يجلس ومضى على قيامه فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتي السهو وهو جالس فلما سلم قال إني سمعتكم آنفا تقولون سبحان الله لكيما أجلس لكن السنة الذي صنعت

    وحديث عبد الله بن بحينة أولى لثلاثة وجوه . أحدها : أنه أصح من حديث المغيرة .

    الثاني : أنه أصرح منه فإن قول المغيرة وهكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة ويكون قد سجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا السهو مرة قبل السلام ومرة بعده فحكى ابن بحينة ما شاهده وحكى المغيرة ما شاهده فيكون كلا الأمرين جائزا ويجوز أن يريد المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم قام ولم يرجع ثم سجد للسهو .

    الثالث أن المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام وسجده بعده وهذه صفة السهو وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام والله أعلم .

    فصل

    وسلم صلى الله عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر ثم تكلم ثم أتمها ثم سلم ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع وذكر أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم وقال الترمذي : حسن غريب .

    وصلى يوما فسلم وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فأدركه طلحة بن عبيد الله فقال نسيت من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى للناس ركعة ذكره الإمام أحمد رحمه الله . وصلى الظهر خمسا فقيل له زيد في الصلاة ؟ قال وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا فسجد سجدتين بعدما سلم متفق عليه . وصلى العصر ثلاثا ثم دخل منزله فذكره الناس فخرج فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم فهذا مجموع ما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم من سهوه في الصلاة وهو خمسة مواضع وقد تضمن سجوده في بعضه قبل السلام وفي بعضه بعده . فقال الشافعي رحمه الله كله قبل السلام .

    وقال أبو حنيفة رحمه الله كله بعد السلام . وقال مالك رحمه الله كل سهو كان نقصانا في الصلاة فإن سجوده قبل السلام وكل سهو كان زيادة في الصلاة فإن سجوده بعد السلام وإذا اجتمع سهوان زيادة ونقصان فالسجود لهما قبل السلام . قال أبو عمر بن عبد البر : هذا مذهبه لا خلاف عنه فيه ولو سجد أحد عنده لسهوه بخلاف ذلك فجعل السجود كله بعد السلام أو كله قبل السلام لم يكن عليه شيء لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار المرفوعة والسلف من هذه الأمة في ذلك .

    وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن سجود السهو قبل السلام أم بعده ؟ فقال في مواضع قبل السلام وفي مواضع بعده كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم من اثنتين ثم سجد بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين .

    ومن سلم من ثلاث سجد أيضا بعد السلام على حديث عمران بن حصين . وفي التحري يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بحينة وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الرحمن بن عوف .

    قال الأثرم : فقلت لأحمد بن حنبل فما كان سوى هذه المواضع ؟ قال يسجد فيها كلها قبل السلام لأنه يتم ما نقص من صلاته قال ولولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لرأيت السجود كله قبل السلام لأنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام ولكن أقول كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام . وقال داود بن علي : لا يسجد أحد للسهو إلا في الخمسة المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .

    وأما الشك فلم يعرض له صلى الله عليه وسلم بل أمر فيه بالبناء على اليقين وإسقاط الشك والسجود قبل السلام . فقال الإمام أحمد الشك على وجهين اليقين والتحري فمن رجع إلى اليقين ألغى الشك وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور . انتهى .

    وأما حديث أبي سعيد فهو إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم وأما حديث ابن مسعود فهو إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ثم ليسجد سجدتين متفق عليهما .

    وفي لفظ " الصحيحين " : تم يسلم ثم يسجد سجدتين وهذا هو الذي قال الإمام أحمد وإذا رجع إلى التحري سجد بعد السلام . والفرق عنده بين التحري واليقين أن المصلي إذا كان إماما بنى على غالب ظنه وأكثر وهمه وهذا هو التحري فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود وإن كان منفردا بنى على اليقين وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وهذه طريقة أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر مذهبه .

    وعنه روايتان أخريان إحداهما : أنه يبني على اليقين مطلقا وهو مذهب الشافعي ومالك والأخرى : على غالب ظنه مطلقا وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك وبين الظن الغالب القوي فمع الشك يبني على اليقين ومع أكثر الوهم أو الظن الغالب يتحرى وعلى هذا مدار أجوبته . وعلى الحالين حمل الحديثين والله أعلم . وقال أبو حنيفة رحمه الله في الشك إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة فإن عرض له كثيرا فإن كان له ظن غالب بنى عليه وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين .



    فصل لم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة

    ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة وقد تقدم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يجاوز بصره إشارته وذكر البخاري في " صحيحه " عن أنس رضي الله عنه قال كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أميطي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ولو كان يغمض عينيه في صلاته لما عرضت له في صلاته .

    وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر لأن الذي كان يعرض له في صلاته هل تذكر تلك التصاوير بعد رؤيتها أو نفس رؤيتها ؟ هذا محتمل وهذا محتمل وأبين دلالة منه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بإنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وفي الاستدلال بهذا أيضا ما فيه إذ غايته أنه حانت منه التفاتة إليها فشغلته تلك الالتفاتة ولا يدل حديث التفاته إلى الشعب لما أرسل إليه الفارس طليعة لأن ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة لاهتمامه بأمور الجيش وقد يدل على ذلك مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها وصاحب المحجن وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه ورده الغلام والجارية وحجزه بين الجاريتين وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة فإنه إنما كان يشير إلى من يراه وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه وكان ذلك رؤية عين فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة .

    وقد اختلف الفقهاء في كراهته فكرهه الإمام أحمد وغيره وقالوا : هو فعل اليهود وأباحه جماعة ولم يكرهوه وقالوا : قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها . والصواب أن يقال إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهنالك لا يكره التغميض قطعا والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة والله أعلم .


    فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة

    وجلوسه بعدها وسرعة الانتقال منها وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها كان إذا سلم استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك بل يسرع الانتقال إلى المأمومين . وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره وقال ابن مسعود : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره

    وقال أنس أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه والأول في " الصحيحين " . والثاني في " مسلم "

    وقال عبد الله بن عمرو : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة . ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه ولا يخص ناحية منهم دون ناحية

    وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس . وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " . وكان يقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون

    وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة قال اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت

    هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاحه عليه الصلاة والسلام وما كان يقوله في ركوعه وسجوده . ولمسلم فيه لفظان . أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله بين التشهد والتسليم وهذا هو الصواب . والثاني : كان يقوله بعد السلام ولعله كان يقوله في الموضعين والله أعلم .

    وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك اللهم ربنا ورب كل شيء ؟ أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب الله أكبر الأكبر الله نور السموات والأرض الله أكبر الأكبر حسبي الله ونعم الوكيل الله أكبر الأكبر رواه أبو داود .

    وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله كذلك والله أكبر كذلك وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
    وفي صفة أخرى : التكبير أربعا وثلاثين فتتم به المائة .

    وفي صفة أخرى : خمسا وعشرين تسبيحة ومثلها تحميدة ومثلها تكبيرة ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وفي صفة أخرى : عشر تسبيحات وعشر تحميدات وعشر تكبيرات

    وفي صفة أخرى : " إحدى عشرة " كما في " صحيح مسلم " في بعض روايات حديث أبي هريرة ويسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة فذلك ثلاثة وثلاثون والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرف بعض الرواة وتفسيره لأن لفظ الحديث
    يسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وإنما مراده بهذا أن يكون الثلاث والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير أي قولوا : " سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين " لأن راوي الحديث سمي عن أبي صالح السمان وبذلك فسره أبو صالح قال " قولوا : سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون

    وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار بخلاف المائة فإن لها نظائر والعشر لها نظائر أيضا كما في السنن من حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

    وفي " مسند الإمام أحمد " من حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم علم ابنته فاطمة لما جاءت تسأله الخادم فأمرها : أن تسبح الله عند النوم ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتكبره ثلاثا وثلاثين وإذا صلت الصبح أن تقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات وبعد صلاة المغرب عشر مرات

    وفي " صحيح ابن حبان " عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له بهن عشر حسنات ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له عدل عتاقة أربع رقاب وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح

    وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح الله أكبر عشرا والحمد لله عشرا وسبحان الله عشرا ولا إله إلا الله عشرا ويستغفر الله عشرا ويقول اللهم اغفر لي واهدني وارزقني عشرا ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة عشرا فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرة . وأما الإحدى عشرة فلم يجئ ذكرها في شيء من ذلك البتة إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم والله أعلم .

    وقد ذكر أبو حاتم في " صحيحه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من نقمتك وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد

    وذكر الحاكم في " مستدركه " عن أبي أيوب أنه قال ما صليت وراء نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول اللهم اغفر لي خطاياي وذنوبي كلها اللهم أنعمني وأحيني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها إلا أنت ولا يصرف عن سيئها إلا أنت

    وذكر ابن حبان في " صحيحه " عن الحارث بن مسلم التميمي قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم : اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات ؟ فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار

    وقد ذكر النسائي في " السنن الكبير " من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير

    وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي : لا بأس به وفي موضع آخر ثقة . وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في " صحيحه " قالوا : فالحديث على رسمه ومنهم من يقول هو موضوع وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان : ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمدا وقال هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في " معجمه " أيضا من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع .

    وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال ما تركتها عقيب كل صلاة . وفي المسند والسنن عن عقبة بن عامر قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة " . ورواه أبو حاتم ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " وقال صحيح على شرط مسلم . ولفظ الترمذي " بالمعوذتين " .

    وفي " معجم الطبراني " و " مسند أبي يعلى الموصلي " من حديث عمر بن نبهان وقد تكلم فيه عن جابر يرفعه ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء وزوج من الحور العين حيث شاء من عفا عن قاتله وأدى دينا خفيا وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله أحد فقال أبو بكر رضي الله عنه " أو إحداهن يا رسول الله " : قال " أو إحداهن " .

    وأوصى معاذا أن يقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه ، فقال : دبر كل شيء منه ، كدبر الحيوان .


  2. #32
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    فصل [السترة في الصلاة ]

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى الجدار جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة ولم يكن يتباعد منه بل أمر بالقرب من السترة وكان إذا صلى إلى عود أو عمود أو شجرة جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدا وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي إليها فتكون سترته وكان يعرض راحلته فيصلي إليها وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته وأمر المصلي أن يستتر ولو بسهم أو عصا فإن لم يجد فليخط خطا في الأرض

    قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول الخط عرضا مثل الهلال . وقال عبد الله الخط بالطول وأما العصا فتنصب نصبا فإن لم يكن سترة فإنه صح عنه أنه يقطع صلاته " المرأة والحمار والكلب الأسود " .

    وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل . ومعارض هذه الأحاديث قسمان صحيح غير صريح وصريح غير صحيح فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعائشة رضي الله عنها نائمة في قبلته . وكأن ذلك ليس كالمار فإن الرجل محرم عليه المرور بين يدي المصلي ولا يكره له أن يكون لابثا بين يديه وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها والله أعلم

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

    كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر وداوم عليهما لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته وقضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فمختص به كما سيأتي تقرير ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله تعالى .

    وكان يصلي أحيانا قبل الظهر أربعا كما في " صحيح البخاري " عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة فإما أن يقال إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في بيته صلى أربعا وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين وهذا أظهر وإما أن يقال كان يفعل هذا ويفعل هذا فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما .

    وقد يقال إن هذه الأربع لم تكن سنة الظهر بل هي صلاة مستقلة كان يصليها بعد الزوال كما ذكره الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس وقال إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح

    وفي السنن أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها

    وقال ابن ماجه . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الركعتين بعد الظهر وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين

    وذكر ابن ماجه أيضا عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يصلي أربعا قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن .

    وأما سنة الظهر فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر يوضح ذلك أن سائر الصلوات سنتها ركعتان ركعتان والفجر مع كونها ركعتين والناس في وقتها أفرغ ما يكونون ومع هذا سنتها ركعتان وعلى هذا فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وردا مستقلا سببه انتصاف النهار وزوال الشمس . وكان عبد الله بن مسعود يصلي بعد الزوال ثمان ركعات ويقول إنهن يعدلن بمثلهن من قيام الليل

    وسر هذا والله أعلم - أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل فهما وقتا قرب ورحمة هذا تفتح فيه أبواب السماء وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا . وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث أم حبيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بهن بيت في الجنة وزاد النسائي والترمذي فيه أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر قال النسائي : وركعتين قبل العصر بدل وركعتين بعد العشاء وصححه الترمذي .

    وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر وذكر أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال ركعتين قبل الفجر وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين أظنه قال قبل العصر وركعتين بعد المغرب أظنه قال وركعتين بعد العشاء الآخرة

    وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة مدرجا في الحديث ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا والله أعلم . وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه عليه السلام في فعلها شيء إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي . .. الحديث الطويل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا لصلاة الظهر أربع ركعات وكان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعد الظهر ركعتين وقبل العصر أربع ركعات وفي لفظ كان إذا زالت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا ويصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين وقبل العصر أربعا ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين

    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جدا ويقول إنه موضوع . ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره . وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا وقد اختلف في هذا الحديث فصححه ابن حبان وعلله غيره قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا فقال دع ذا . فقلت : إن أبا داود قد رواه فقال قال أبو الوليد كان ابن عمر يقول حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات في اليوم والليلة فلو كان هذا لعده . قال أبي : كان يقول " حفظت ثنتي عشرة ركعة " . وهذا ليس بعلة أصلا فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر عن غير ذلك فلا تنافي بين الحديثين البتة .

    وأما الركعتان قبل المغرب فإنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليهما وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما وكان يراهم يصلونهما فلم يأمرهم ولم ينههم وفي " الصحيحين " عن عبد الله المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب " . قال في الثالثة " لمن شاء كراهة أن يتخذها الناس سنة وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين أنهما مستحبتان مندوب إليهما وليستا بسنة راتبة كسائر السنن الرواتب .

    [ كان يصلي عامة السنن في بيته ]

    وكان يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته لا سيما سنة المغرب فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد البتة . وقال الإمام أحمد في رواية حنبل السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . قال السائب بن يزيد : لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعا حتى لا يبقى في المسجد أحد كأنهم لا يصلون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم انتهى كلامه .

    فإن صلى الركعتين في المسجد فهل يجزئ عنه وتقع موقعها ؟ اختلف قوله فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال بلغني عن رجل سماه أنه قال لو أن رجلا صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه ؟ فقال ما أحسن ما قال هذا الرجل وما أجود ما انتزع قال أبو حفص ووجهه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة في البيوت .

    وقال المروزي : من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا قال ما أعرف هذا قلت له يحكى عن أبي ثور أنه قال هو عاص . قال لعله ذهب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في بيوتكم قال أبو حفص ووجهه أنه لو صلى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه فكذلك السنة . انتهى كلامه . وليس هذا وجهه عند أحمد رحمه الله وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين ولا جماعة فيجوز فعلها في البيت والمسجد والله أعلم .

    وفي سنة المغرب سنتان إحداهما : أنه لا يفصل بينها وبين المغرب بكلام قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني والمروزي : يستحب ألا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يصليهما كلام . وقال الحسن بن محمد : رأيت أحمد إذا سلم من صلاة المغرب قام ولم يتكلم ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار قال أبو حفص ووجهه قول مكحول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين ولأنه يتصل النفل بالفرض انتهى كلامه .

    والسنة الثانية أن تفعل في البيت فقد روى النسائي وأبو داود والترمذي من حديث كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلى فيه المغرب فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال هذه صلاة البيوت ورواه ابن ماجه من حديث رافع بن خديج وقال فيها : اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم

    والمقصود أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل عامة السنن والتطوع في بيته . كما في الصحيح عن ابن عمر حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح

    [ لم يكن يصلي في السفر من السنن إلا سنتي الفجر والوتر ]

    وفي " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي أربعا قبل الظهر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين وكذلك المحفوظ عنه في سنة الفجر إنما كان يصليها في بيته كما قالت حفصة . وفي " الصحيحين " عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم
    كان يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته وسيأتي الكلام على ذكر سنة الجمعة بعدها والصلاة قبلها عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله تعالى وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة

    وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل السنن والتطوع في البيت إلا لعارض كما أن هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن ولم ينقل عنه في السفر أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة راتبة غيرهما ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربعون إلا أنهم لم يصلوا السنة لكن قد ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنة الظهر في السفر فقال لو كنت مسبحا لأتممت وهذا من فقهه رضي الله عنه فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية شطرها فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها لكان الإتمام أولى به .

    [ أيهما آكد سنة الفجر أو الوتر ]

    وقد اختلف الفقهاء أي الصلاتين آكد سنة الفجر أو الوتر ؟ على قولين ولا يمكن الترجيح باختلاف الفقهاء في وجوب الوتر فقد اختلفوا أيضا في وجوب سنة الفجر وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل والوتر خاتمته . ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد الاعتقاد والقصد انتهى . توضيح لمعنى : سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن والزلزلة نصفه والكافرون ربعه فسورة قل هو الله أحد متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية وغناه وأحديته ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له ونفي كل نقص عنه ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله ونفي مطلق الشريك عنه وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء والإنشاء ثلاثة أمر ونهي وإباحة .

    والخبر نوعان خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبر عن خلقه . فأخلصت سورة قل هو الله أحد الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي كما خلصت سورة قل يا أيها الكافرون من الشرك العملي الإرادي القصدي . ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ومنزله منازله كانت سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن .

    والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر و قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن والحديث بذلك في الترمذي من رواية ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه إذا زلزلت تعدل نصف القرآن و قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن و قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن " . رواه الحاكم في " المستدرك " وقال صحيح الإسناد .

    ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه لما لها فيه من نيل الأغراض وإزالته وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته لأن هذا يزول بالعلم والحجة ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه بخلاف شرك الإرادة والقصد فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه فجاء من التأكيد والتكرار في سورة قل يا أيها الكافرون المتضمنة لإزالة الشرك العملي ما لم يجئ مثله في سورة قل هو الله أحد ولما كان القرآن شطرين شطرا في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها وشطرا في الآخرة وما يقع فيها وكانت سورة إذا زلزلت قد أخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر فلم يذكر فيها إلا الآخرة .

    وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها كانت تعدل نصف القرآن فأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا - والله أعلم - ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف ولأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد كان يفتتح بهما عمل النهار ويختمه بهما ، ويقرأ بهما في الحج الذي هو شعار التوحيد .

    فصل ضجعته بعد سنة الفجر على شقه الأيمن

    وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن هذا الذي ثبت عنه في " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها . وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن " . قال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب .

    وسمعت ابن تيمية يقول هذا باطل وليس بصحيح وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه وأما ابن حزم ومن تابعه فإنهم يوجبون هذه الضجعة ويبطل ابن حزم صلاة من لم يضطجعها بهذا الحديث وهذا مما تفرد به عن الأمة ورأيت مجلدا لبعض أصحابه قد نصر فيه هذا المذهب .

    وقد ذكر عبد الرزاق في " المصنف " عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك رضي الله عنهم كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر ويأمرون بذلك وذكر عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يفعله ويقول كفانا بالتسليم .

    وذكر عن ابن جريج : أخبرني من أصدق أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول " إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليله فيستريح قال وكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم

    وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصديق الناجي أن ابن عمر رأى قوما اضطجعوا بعد ركعتي الفجر فأرسل إليهم فنهاهم فقالوا : نريد بذلك السنة فقال ابن عمر ارجع إليهم وأخبرهم أنها بدعة وقال أبو مجلز : سألت ابن عمر عنها فقال يلعب بكم الشيطان . قال ابن عمر رضي الله عنه ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعك

    وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان وتوسط فيها طائفة ثالثة فأوجبها جماعة من أهل الظاهر وأبطلوا الصلاة بتركها كابن حزم ومن وافقه وكرهها جماعة من الفقهاء وسموها بدعة وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استنانا واستحبها طائفة على الإطلاق سواء استراح بها أم لا واحتجوا بحديث أبي هريرة .

    والذين كرهوها منهم من احتج بآثار الصحابة كابن عمر وغيره حيث كان يحصب من فعلها ومنهم من أنكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها وقال الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر كما هو مصرح به في حديث ابن عباس .

    قال وأما حديث عائشة فاختلف على ابن شهاب فيه فقال مالك عنه فإذا فرغ يعني من قيام الليل اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين وهذا صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر وقال غيره عن ابن شهاب : فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن .

    قالوا : وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب فالقول ما قاله مالك لأنه أثبتهم فيه وأحفظهم . وقال الآخرون بل الصواب في هذا مع من خالف مالكا وقال أبو بكر الخطيب : روى مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين

    وخالف مالكا عقيل ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم فرووا عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع الركعتين للفجر ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيخرج معه فذكر مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر . وفي حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما فحكم العلماء أن مالكا أخطأ وأصاب غيره انتهى كلامه .

    وقال أبو طالب قلت لأحمد حدثنا أبو الصلت عن أبي كدينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر قال شعبة لا يرفعه قلت فإن لم يضطجع عليه شيء ؟ قال لا عائشة ترويه وابن عمر ينكره . قال الخلال وأنبأنا المروزي أن أبا عبد الله قال حديث أبي هريرة ليس بذاك . قلت : إن الأعمش يحدث به عن أبي صالح عن أبي هريرة . قال عبد الواحد وحده يحدث به . وقال إبراهيم بن الحارث : إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال ما أفعله وإن فعله رجل فحسن . انتهى .

    فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح صحيحا عنده لكان أقل درجاته عنده الاستحباب وقد يقال إن عائشة رضي الله عنها روت هذا وروت هذا فكان يفعل هذا تارة وهذا تارة فليس في ذلك خلاف فإنه من المباح والله أعلم .

    وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر استثقل نوما لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن والله أعلم .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

    [ هل كان قيام الليل عليه فرضا ]

    قد اختلف السلف والخلف في أنه هل كان فرضا عليه أم لا ؟ والطائفتان احتجوا بقوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك [ الإسراء 79 ] قالوا : فهذا صريح في عدم الوجوب قال الآخرون أمره بالتهجد في هذه السورة كما أمره في قوله تعالى : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا [ المزمل 1 ] . ولم يجئ ما ينسخه عنه وأما قوله تعالى : نافلة لك فلو كان المراد به التطوع لم يخصه بكونه نافلة له وإنما المراد بالنافلة الزيادة ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع قال تعالى : ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة [ الأنبياء 72 ] أي زيادة على الولد وكذلك النافلة في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في درجاته وفي أجره ولهذا خصه بها فإن قيام الليل في حق غيره مباح ومكفر للسيئات وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب وغيره يعمل في التكفير . قال مجاهد : إنما كان نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت طاعته نافلة أي زيادة في الثواب ولغيره كفارة لذنوبه قال ابن المنذر في تفسيره حدثنا يعلى بن أبي عبيد حدثنا الحجاج عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال ما سوى المكتوبة فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب وليست للناس نوافل إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس جميعا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها . حدثنا محمد بن نصر حدثنا عبد الله حدثنا عمرو عن سعيد وقبيصة عن سفيان عن أبي عثمان عن الحسن في قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك . قال لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم

    وذكر عن الضحاك قال نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . وذكر سليم بن حيان حدثنا أبو غالب حدثنا أبو أمامة قال إذا وضعت الطهور مواضعه قمت مغفورا لك فإن قمت تصلي كانت لك فضيلة وأجرا فقال رجل يا أبا أمامة أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة ؟ قال لا إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون له نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا ؟ تكون له فضيلة وأجرا

    قلت والمقصود أن النافلة في الآية لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحب والمندوب وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب فلا يكون قوله نافلة لك نافيا لما دل عليه الأمر من الوجوب وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله تعالى عند ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم .

    [ مثابرته عليه سفرا وحضرا ]

    ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى لفوات محله فهو كتحية المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترا كما أن المغرب آخر صلاة النهار فإذا انقضى الليل وصليت الصبح لم يقع الوتر موقعه . هذا معنى كلامه .

    وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر ولكن لهذا الحديث عدة علل .

    أحدها : أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف . الثاني : أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : هذا أصح يعني المرسل .

    الثالث أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوتروا قبل أن تصبحوا قال فهذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واه .

    [ عدد ركعاته في القيام ]

    وكان قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة كما قال ابن عباس وعائشة فإنه ثبت عنهما هذا وهذا ففي " الصحيحين " عنها : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة

    وفي " الصحيحين " عنها أيضا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرهن والصحيح عن عائشة الأول والركعتان فوق الإحدى عشرة هما ركعتا الفجر جاء ذلك مبينا عنها في هذا الحديث بعينه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر ذكره مسلم في " صحيحه " . وقال البخاري : في هذا الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين وفي " الصحيحين " عن القاسم بن محمد قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقول كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع ركعتي الفجر وذلك ثلاث عشرة ركعة فهذا مفسر مبين .

    وأما ابن عباس فقد اختلف عليه ففي " الصحيحين " عن أبي جمرة عنه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل لكن قد جاء عنه هذا مفسرا أنها بركعتي الفجر . قال الشعبي : سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل فقالا : ثلاث عشرة ركعة منها ثمان ويوتر بثلاث وركعتين قبل صلاة الفجر

    وفي " الصحيحين " عن كريب عنه في قصة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى نفخ فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين وفي لفظ فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن . فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج يصلي الصبح

    فقد حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعة .

    [ مجموع الركعات التي كان يحافظ عليها أربعون ركعة
    وتدخل فيها ركعات فريضة ]

    واختلف في الركعتين الأخيرتين هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما ؟ فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة كان يحافظ عليها دائما سبعة عشر فرضا وعشر ركعات أو ثنتا عشرة سنة راتبة وإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة قيامه بالليل والمجموع أربعون ركعة وما زاد على ذلك فعارض غير راتب كصلاة الفتح ثمان ركعات وصلاة الضحى إذا قدم من سفر وصلاته عند من يزوره وتحية المسجد ونحو ذلك فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات فما أسرع الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة . والله المستعان .
    فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل

    قالت عائشة رضي الله عنها : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات ثم يأوي إلى فراشه وقال ابن عباس لما بات عنده صلى العشاء ثم جاء ثم صلى ثم نام ذكرهما أبو داود .

    وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك ثم يذكر الله تعالى وقد تقدم ذكر ما كان يقوله عند استيقاظه ثم يتطهر ثم يصلي ركعتين خفيفتين كما في " صحيح مسلم " عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين وأمر بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين رواه مسلم .

    وكان يقوم تارة إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل وربما كان يقوم إذا سمع الصارخ وهو الديك وهو إنما يصيح في النصف الثاني وكان يقطع ورده تارة ويصله تارة وهو الأكثر ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [ آل عمران 190 ] . فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا رواه مسلم . ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة فإما أنه كان يفعل هذا تارة وهذا تارة وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظ ابن عباس وهو الأظهر لملازمتها له ولمراعاتها ذلك ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل فالقول ما قالت عائشة .

    [ أنواع صلاة القيام ]

    وكان قيامه بالليل ووتره أنواعا فمنها هذا الذي ذكره ابن عباس .

    النوع الثاني : الذي ذكرته عائشة أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتمم ورده إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة

    النوع الثالث ثلاث عشرة ركعة كذلك .

    النوع الرابع يصلي ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بخمس سردا متوالية لا يجلس في شيء إلا في آخرهن

    النوع الخامس تسع ركعات يسرد منهن ثمانيا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم ثم يصلي ركعتين جالسا بعدما يسلم .

    النوع السادس يصلي سبعا كالتسع المذكورة ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا .

    النوع السابع أنه كان يصلي مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن . فهذا رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة أنه كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن

    وروى النسائي عنها : كان لا يسلم في ركعتي الوتر وهذه الصفة فيها نظر فقد روى أبو حاتم بن حبان في " صحيحه " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب قال الدارقطني : رواته كلهم ثقات قال مهنا : سألت أبا عبد الله إلى أي شيء تذهب في الوتر تسلم في الركعتين ؟ قال نعم . قلت لأي شيء ؟ قال لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين . الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من الركعتين

    وقال حرب سئل أحمد عن الوتر ؟ قال يسلم في الركعتين . وإن لم يسلم رجوت ألا يضره إلا أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو طالب سألت أبا عبد الله إلى أي حديث تذهب في الوتر ؟ قال أذهب إليها كلها : من صلى خمسا لا يجلس إلا في آخرهن ومن صلى سبعا لا يجلس إلا في آخرهن وقد روي في حديث زرارة عن عائشة يوتر بتسع يجلس في الثامنة .
    قال ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة فأنا أذهب إليها . قلت : ابن مسعود يقول ثلاث قال نعم قد عاب على سعد ركعة فقال له سعد أيضا شيئا يرد عليه .

    النوع الثامن ما رواه النسائي عن حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فركع فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما ثم جلس يقول رب اغفر لي رب اغفر لي مثل ما كان قائما . ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة وأوتر أول الليل ووسطه وآخره . وقام ليلة تامة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي إن تعذبهم فإنهم عبادك [ المائدة 118 ] .

    وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع . أحدها - وهو أكثرها : صلاته قائما . الثاني : أنه كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا .

    الثالث أنه كان يقرأ قاعدا فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما والأنواع الثلاثة صحت عنه .

    وأما صفة جلوسه في محل القيام ففي " سنن النسائي " عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا قال النسائي : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي دواد يعني الحفري وأبو داود ثقة ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ والله أعلم .

    فصل [ الركعتان بعد الوتر ]

    وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا تارة وتارة يقرأ فيهما جالسا فإذا أراد أن يركع قام فركع وفي " صحيح مسلم عن أبي سلمة قال سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح وفي " المسند " عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس

    وقال الترمذي : روي نحو هذا عن عائشة وأبي أمامة وغير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي " المسند " عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ب إذا زلزلت و قل يا أيها الكافرون

    وروى الدارقطني نحوه من حديث أنس رضي الله عنه . وقد أشكل هذا على كثير من الناس فظنوه معارضا لقوله صلى الله عليه وسلم اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا وأنكر مالك رحمه الله هاتين الركعتين وقال أحمد لا أفعله ولا أمنع من فعله قال وأنكره مالك وقالت طائفة إنما فعل هاتين الركعتين ليبين جواز الصلاة بعد الوتر وأن فعله لا يقطع التنفل وحملوا قوله اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا على الاستحباب وصلاة الركعتين بعده على الجواز .

    والصواب أن يقال إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة وتكميل الوتر فإن الوتر عبادة مستقلة ولا سيما إن قيل بوجوبه فتجري الركعتان بعده مجرى سنة المغرب من المغرب فإنها وتر النهار والركعتان بعدها تكميل لها ، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل والله أعلم .

  3. #33
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    فصل [ قنوت الوتر ]

    ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجه عن علي بن ميمون الرقي حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع

    وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله أختار القنوت بعد الركوع إن كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت إنما هو في الفجر لما رفع رأسه من الركوع وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء . وقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر ؟ فقال ليس يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة .

    أحمد وأهل " السنن " من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت

    زاد البيهقي والنسائي : ولا يعز من عاديت . وزاد النسائي في روايته " وصلى الله على النبي " .

    وزاد الحاكم في " المستدرك " وقال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود ورواه ابن حبان في " صحيحه " ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو

    قال الترمذي : وفي الباب عن علي رضي الله عنه وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا انتهى .

    والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر وابن مسعود والرواية عنهم أصح من القنوت في الفجر والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الفجر أصح من الرواية في قنوت الوتر . والله أعلم .

    [ الدعاء في آخر الوتر وبعده ]

    وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وهذا يحتمل أنه قبل فراغه منه وبعده وفي إحدى الروايات عن النسائي : كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه وفي هذه الرواية لا أحصي ثناء عليك ولو حرصت وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في السجود فلعله قاله في الصلاة وبعدها .

    وذكر الحاكم في " المستدرك " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووتره ثم أوتر فلما قضى صلاته سمعته يقول اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي يوم لقائك نورا

    قال كريب : وسبع في القنوت فلقيت رجلا من ولد العباس فحدثني بهن فذكر " لحمي ودمي وعصبي وشعري وبشري " وذكر خصلتين وفي رواية النسائي في هذا الحديث وكان يقول في سجوده .

    لمسلم في هذا الحديث فخرج إلى الصلاة يعني صلاة الصبح وهو يقول . .. فذكر هذا الدعاء وفي رواية له أيضا وفي لساني نورا واجعل في نفسي نورا وأعظم لي نورا " وفي رواية له " واجعلني نورا

    وذكر أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر ب سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد فإذا سلم قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته في الثالثة ويرفع وهذا لفظ النسائي . زاد الدارقطني رب الملائكة والروح


    [ كيفية قراءته للقرآن ]

    وكان صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته ويقف عند كل آية فيقول الحمد لله رب العالمين ويقف الرحمن الرحيم ويقف مالك يوم الدين

    وذكر الزهري أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت آية آية وهذا هو الأفضل الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أولى . وممن ذكر ذلك البيهقي في " شعب الإيمان " وغيره ورجح الوقوف على رءوس الآي وإن تعلقت بما بعدها .

    وكان صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها وقام بآية يرددها حتى الصباح

    [هل الأفضل الترتيل مع قلة القراءة أو السرعة مع كثرتها ؟ ]

    وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة أيهما أفضل ؟ على قولين . فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها . واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره والفقه فيه والعمل به وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه كما قال بعض السلف نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به والعاملون بما فيه وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب .

    وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم . قالوا : ولأن الإيمان أفضل الأعمال وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر فيفعلها البر والفاجر والمؤمن والمنافق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر

    والناس في هذا أربع طبقات أهل القرآن والإيمان وهم أفضل الناس . والثانية من عدم القرآن والإيمان . الثالثة من أوتي قرآنا ولم يؤت إيمانا الرابعة من أوتي إيمانا ولم يؤت قرآنا .

    قالوا : فكما أن من أوتي إيمانا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا إيمان فكذلك من أوتي تدبرا وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر . قالوا : وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها وقام بآية حتى الصباح .

    وقال أصحاب الشافعي رحمه الله كثرة القراءة أفضل واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف رواه الترمذي وصححه .

    قالوا : ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة وذكروا آثارا عن كثير من السلف في كثرة القراءة .

    والصواب في المسألة أن يقال إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرا وثواب كثرة القراءة أكثر عددا فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا والثاني : كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة .

    وفي " صحيح البخاري " عن قتادة قال سألت أنسا عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يمد مدا

    وقال شعبة : حدثنا أبو جمرة قال قلت لابن عباس إني رجل سريع القراءة وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين فقال ابن عباس : لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل فإن كنت فاعلا ولا بد فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ويعيها قلبك

    وقال إبراهيم قرأ علقمة على ابن مسعود وكان حسن الصوت فقال رتل فداك أبي وأمي فإنه زين القرآن .

    وقال ابن مسعود : لا تهذوا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة

    وقال عبد الله أيضا : إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأصغ لها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : دخلت علي امرأة وأنا أقرأ ( سورة هود فقالت يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود ؟ والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها .

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة في صلاة الليل تارة ويجهر بها تارة ويطيل القيام تارة ويخففه تارة ويوتر آخر الليل - وهو الأكثر - وأوله تارة وأوسطه تارة .
    [ صلاة التطوع على الراحلة ]

    وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قبل أي جهة توجهت به فيركع ويسجد عليها إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه وقد روى أحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة ثم خلى عن راحلته ثم صلى أينما توجهت به فاختلف الرواة عن أحمد هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه ؟ على روايتين فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في صلاته كلها مثل أن يكون في محمل أو عمارية ونحوها فهل يلزمه أو يجوز له أن يصلي حيث توجهت به الراحلة ؟ فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن صلى في محمل أنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه . وروى عنه أبو طالب أنه قال الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه .

    واختلفت الرواية عنه في السجود في المحمل فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال وإن كان محملا فقدر أن يسجد في المحمل فيسجد . وروى عنه الميموني إذا صلى في المحمل أحب إلي أن يسجد لأنه يمكنه . وروى عنه الفضل بن زياد : يسجد في المحمل إذا أمكنه . وروى عنه جعفر بن محمد : السجود على المرفقة إذا كان في المحمل وربما أسند على البعير ولكن يومئ ويجعل السجود أخفض من الركوع وكذا روى عنه أبو داود .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

    [ من روى ترك النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ]

    وى البخاري في " صحيحه " عن عائشة رضي الله عنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها وروى أيضا من حديث مورق العجلي قلت لابن عمر أتصلي الضحى ؟ قال لا قلت فعمر ؟ قال لا قلت فأبو بكر ؟ قال لا . قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال لا . إخاله

    وذكر عن ابن أبي ليلى قال ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ فإنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود

    وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت لا إلا أن يجيء من مغيبه . قلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السور ؟ قالت من المفصل

    [ من روى صلاة النبي لها وعدد ركعاتها ]

    وفي " صحيح مسلم " عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله وفي " الصحيحين " عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحى وقال الحاكم في " المستدرك " : حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا بكر بن مضر حدثنا عمرو بن الحارث عن بكر بن الأشج عن الضحاك بن عبد الله عن أنس رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سفر سبحة الضحى صلى ثمان ركعات فلما انصرف قال إني صليت صلاة رغبة ورهبة فسألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ألا يقتل أمتي بالسنين ففعل وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ففعل وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي قال الحاكم صحيح . قلت : الضحاك بن عبد الله هذا ينظر من هو وما حاله ؟ وقال الحاكم : في كتاب " فضل الضحى " : حدثنا أبو بكر الفقيه أخبرنا بشر بن يحيى حدثنا محمد بن صالح الدولابي حدثنا خالد بن عبد الله بن الحصين عن هلال بن يساف عن زاذان عن عائشة رضي الله عنها قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى ثم قال اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم الغفور حتى قالها مائة مرة

    حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا أسد بن عاصم حدثنا الحصين بن حفص عن سفيان عن عمر بن ذر عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ركعتين وأربعا وستا وثمانيا

    وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عثمان بن عبد الملك العمري حدثتنا عائشة بنت سعد عن أم ذرة قالت رأيت عائشة رضي الله عنها تصلي الضحى وتقول ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلا أربع ركعات .

    وقال الحاكم أيضا : أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي حدثنا أبو قلابة حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة عن عمارة بن عمير عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى . قال الحاكم أيضا : حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا محمد بن عدي بن كامل حدثنا وهب بن بقية الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله عن محمد بن قيس عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي حدثنا عيسى بن موسى عن جابر عن عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة وذكر حديثا طويلا .

    وقال الحاكم : أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي حدثنا أبو قلابة الرقاشي حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى وبه إلى أبي الوليد . حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة عن عمارة بن عمير العبدي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى

    قال الحاكم : وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وأبي ذر الغفاري وزيد بن أرقم وأبي هريرة وبريدة الأسلمي وأبي الدرداء وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وأنس بن مالك وعتبة بن عبد الله السلمي ونعيم بن همار الغطفاني وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم ومن النساء عائشة بنت أبي بكر وأم هانئ وأم سلمة رضي الله عنهن كلهم شهدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها .

    وذكر الطبراني من حديث علي وأنس وعائشة وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات

    [ بيان أدلة من رجح الفعل على الترك مع بيان العدد ]

    فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق منهم من رجح رواية الفعل على الترك بأنها مثبتة تتضمن زيادة علم خفيت على النافي . قالوا : وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس ويوجد عند الأقل . قالوا : وقد أخبرت عائشة وأنس وجابر وأم هانئ وعلي بن أبي طالب أنه صلاها . قالوا : ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية بها والمحافظة عليها ومدح فاعلها والثناء عليه ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أوصاني خليلي محمد صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام

    وفي " صحيح مسلم " نحوه عن أبي الدرداء . وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر يرفعه قال يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى

    وفي " مسند الإمام أحمد " عن معاذ بن أنس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر الله له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر

    وفي الترمذي و " سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حافظ على سبحة الضحى غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر

    وفي " المسند " والسنن عن نعيم بن همار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عز وجل يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره ورواه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر .

    وفي " جامع الترمذي " و " سنن ابن ماجه " عن أنس مرفوعا من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة

    وفي " صحيح مسلم " عن زيد بن أرقم أنه رأى قوما يصلون من الضحى في مسجد قباء فقال أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صلاة الأوابين حين ترمض الفصال " . وقوله ترمض الفصال أي يشتد حر النهار فتجد الفصال حرارة الرمضاء . وفي " الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى في بيت عتبان بن مالك ركعتين
    وفي " مستدرك " الحاكم من حديث خالد بن عبد الله الواسطي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب وقال " هذا إسناد قد احتج بمثله مسلم بن الحجاج وأنه حدث عن شيوخه عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن قال ولعل قائلا يقول قد أرسله حماد بن سلمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عمرو فيقال له خالد بن عبد الله ثقة والزيادة من الثقة مقبولة .

    ثم روى الحاكم : حدثنا عبدان بن يزيد حدثنا محمد بن المغيرة السكري حدثنا القاسم بن الحكم العرني حدثنا سليمان بن داود اليمامي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للجنة بابا يقال له باب الضحى فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله " .

    وقال الترمذي في " الجامع " : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدثني موسى بن فلان عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة

    قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وكان أحمد يرى أصح شيء في هذا الباب حديث أم هانئ . قلت : وموسى ابن فلان هذا هو موسى بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك .

    وفي " جامعه " أيضا من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها قال هذا حديث حسن غريب .

    وقال الإمام أحمد في " مسنده " حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحارث الذماري عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر كان له كأجر الحاج المحرم ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين قال أبو أمامة الغدو والرواح إلى هذه المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل

    وقال الحاكم : حدثنا أبو العباس حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو المورع محاضر بن المورع حدثنا الأحوص بن حكيم حدثني عبد الله بن عامر الألهاني عن منيب بن عيينة بن عبد الله السلمي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول من صلى الصبح في مسجد جماعة ثم ثبت فيه حتى الضحى ثم يصلي سبحة الضحى كان له كأجر حاج أو معتمر تام له حجته وعمرته

    وقال ابن أبي شيبة : حدثني حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرة . فقال رجل يا رسول الله ما رأينا بعثا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث فقال ألا أخبركم بأسرع كرة وأعظم غنيمة رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءه ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه صلاة الغداة ثم أعقب بصلاة الضحى فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة .

    وفي الباب أحاديث سوى هذه لكن هذه أمثلها . قال الحاكم : صحبت جماعة من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات فوجدتهم يختارون هذا العدد يعني أربع ركعات ويصلون هذه الصلاة أربعا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه وإليه أذهب وإليه أدعو اتباعا للأخبار المأثورة واقتداء بمشايخ الحديث فيه .
    قال ابن جرير الطبري - وقد ذكر الأخبار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها : وليس في هذه الأحاديث حديث يدفع صاحبه وذلك أن من حكى أنه صلى الضحى أربعا جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك ورآه غيره في حال أخرى صلى ركعتين ورآه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيا وسمعه آخر يحث على أن يصلي ستا وآخر يحث على أن يصلي ركعتين وآخر على عشر وآخر على ثنتي عشرة فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع . قال والدليل على صحة قولنا ما روي عن زيد بن أسلم قال سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر أوصني يا عم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من العابدين ومن صلى ستا لم يلحقه ذلك اليوم ذنب ومن صلى ثمانيا كتب من القانتين ومن صلى عشرا بنى الله له بيتا في الجنة

    وقال مجاهد : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الضحى ركعتين ثم يوما أربعا ثم يوما ستا ثم يوما ثمانيا ثم ترك فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم أن يكون إخباره لما أخبر عنه في صلاة الضحى على قدر ما شاهده وعاينه .

    والصواب إذا كان الأمر كذلك أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد . وقد روي هذا عن قوم من السلف حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن إبراهيم سأل رجل الأسود كم أصلي الضحى ؟ قال كم شئت .

    [ بيان من رجح ترك الضحى ]

    وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجحتها من جهة صحة إسنادها وعمل الصحابة بموجبها فروى البخاري عن ابن عمر أنه لم يكن يصليها ولا أبو بكر ولا عمر . قلت : فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لا إخاله . وقال وكيع : حدثنا سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى إلا يوما واحدا وقال علي بن المديني : حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا شعبة حدثنا فضيل بن فضالة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال رأى أبو بكرة ناسا يصلون الضحى قال إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عامة أصحابه

    وفي " الموطأ " : عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأسبحها وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم

    وقال أبو الحسن علي بن بطال : فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى وقال قوم إنها بدعة روى الشعبي عن قيس بن عبيد قال كنت أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها فما رأيته مصليا الضحى . وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف كان لا يصلي الضحى وعن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة وقال مرة ونعمت البدعة .

    [ بيان من استحب فعلها غبا ]

    وقال الشعبي : سمعت ابن عمر يقول ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة من الضحى وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى فقال الصلوات خمس . وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا فتصلى في بعض الأيام دون بعض وهذا أحد الروايتين عن أحمد وحكاه الطبري عن جماعة قال واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق قال قلت لعائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت : لا إلا أن يجيء من مغيبه ثم ذكر حديث أبي سعيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليه وقد تقدم . ثم قال كذا ذكر من كان يفعل ذلك من السلف .

    وروى شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عكرمة قال كان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام يعني صلاة الضحى وروى شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان لا يصلي الضحى فإذا أتى مسجد قباء صلى وكان يأتيه كل سبت

    وروى سفيان عن منصور قال كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة ويصلون ويدعون يعني صلاة الضحى . وعن سعيد بن جبير : إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها مخافة أن أراها حتما علي

    وقال مسروق : كنا نقرأ في المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود ثم نقوم فنصلي الضحى فبلغ ابن مسعود ذلك فقال لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله ؟ إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم . وكان أبو مجلز يصلي الضحى في منزله . قال هؤلاء وهذا أولى لئلا يتوهم متوهم وجوبها بالمحافظة عليها أو كونها سنة راتبة ولهذا قالت عائشة لو نشر لي أبواي ما تركتها فإنها كانت تصليها في البيت حيث لا يراها الناس .

    [ تفعل الضحى لسبب ]

    وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تفعل بسبب من الأسباب وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلها بسبب قالوا : وصلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات ضحى إنما كانت من أجل الفتح وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ركعات وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح .

    وذكر الطبري في " تاريخه " عن الشعبي قال لما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن ثم انصرف قالوا : وقول أم هانئ " وذلك ضحى " . تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى لا أن الضحى اسم لتلك الصلاة . قالوا : وأما صلاته في بيت عتبان بن مالك فإنما كانت لسبب أيضا فإن عتبان قال له إني أنكرت بصري وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي فوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا أتخذه مسجدا فقال أفعل إن شاء الله تعالى " قال فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه بعدما اشتد النهار فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى قال " أين تحب أن أصلي من بيتك " ؟ فأشرت إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام وصففنا خلفه وصلى ثم سلم وسلمنا حين سلم متفق عليه .

    فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها ولفظ البخاري فيها فاختصره بعض الرواة عن عتبان فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتي سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا
    وأما قول عائشة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أن يقدم من مغيبه فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب فإنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين

    فهذا كان هديه وعائشة أخبرت بهذا وهذا وهي القائلة ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى قط

    فالذي أثبتته فعلها بسبب كقدومه من سفر وفتحه وزيارته لقوم ونحوه وكذلك إتيانه مسجد قباء للصلاة فيه وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا سلمة بن رجاء حدثنا الشعثاء قالت رأيت ابن أبي أوفى صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل . فهذا إن صح فهي صلاة شكر وقعت وقت الضحى كشكر الفتح .

    والذي نفته هو ما كان يفعله الناس يصلونها لغير سبب وهي لم تقل إن ذلك مكروه ولا مخالف لسنته ولكن لم يكن من هديه فعلها لغير سبب . وقد أوصى بها وندب إليها وحض عليها وكان يستغني عنها بقيام الليل فإن فيه غنية عنها وهي كالبدل منه قال تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا [ الفرقان : 62 ] قال ابن عباس والحسن وقتادة عوضا وخلفا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمل في أحدهما قضاه في الآخر

    قال قتادة فأدوا لله من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار فإنهما مطيتان يقحمان الناس إلى آجالهم ويقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة

    وقال شقيق : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا قالوا : وفعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على هذا فإن ابن عباس كان يصليها يوما ويدعها عشرة وكان ابن عمر لا يصليها فإذا أتى مسجد قباء صلاها وكان يأتيه كل سبت .

    وقال سفيان عن منصور كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة ويصلون ويدعون قالوا : ومن هذا الحديث الصحيح عن أنس أن رجلا من الأنصار كان ضخما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم إني لا أستطيع أن أصلي معك فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ودعاه إلى بيته ونضح له طرف حصير بماء فصلى عليه ركعتين . قال أنس ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم رواه البخاري .

    [ ترجيح المصنف لفعلها بسبب ]

    ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وجدها لا تدل إلا على هذا القول وأما أحاديث الترغيب فيها والوصية بها فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنة راتبة لكل أحد وإنما أوصى أبا هريرة بذلك لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة . وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال وبعضها منقطع وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به كحديث يروى عن أنس مرفوعا من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا عن علة كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور وضعه زكريا بن دويد الكندي عن حميد . وأما حديث يعلى بن أشدق عن عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم من صلى منكم صلاة الضحى فليصلها متعبدا فإن الرجل ليصليها السنة من الدهر ثم ينساها ويدعها فتحن إليه كما تحن الناقة إلى ولدها إذا فقدته فيا عجبا للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله فإنه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى وهذه نسخة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني نسخة يعلى بن الأشدق .

    وقال ابن عدي : روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمه غير معروفين وبلغني عن أبي مسهر قال قلت ليعلى بن الأشدق ما سمع عمك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال جامع سفيان وموطأ مالك وشيئا من الفوائد .

    وقال أبو حاتم بن حبان لقي يعلى عبد الله بن جراد فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شهبا بمائتي حديث فجعل يحدث بها وهو لا يدري وهو الذي قال له بعض مشايخ أصحابنا : أي شيء سمعته من عبد الله بن جراد ؟ فقال هذه النسخة وجامع سفيان - لا تحل الرواية عنه بحال .

    وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان حديث عائشة المتقدم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة وهو حديث طويل ذكره الحاكم في " صلاة الضحى " وهو حديث موضوع المتهم به عمر بن صبح قال البخاري : حدثني يحيى عن علي بن جرير قال سمعت عمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن عدي : منكر الحديث . وقال ابن حبان : يضع الحديث على الثقات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب منه وقال الدارقطني : متروك وقال الأزدي : كذاب .

    وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان عن الثوري عن حجاج بن فرافصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعا من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر ذكره الحاكم أيضا . وعبد العزيز هذا قال ابن نمير : هو كذاب وقال يحيى : ليس بشيء كذاب خبيث يضع الحديث وقال البخاري والنسائي والدارقطني : متروك الحديث .

    وكذلك حديث النهاس بن قهم عن شداد عن أبي هريرة يرفعه من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر والنهاس قال يحيى : ليس بشيء ضعيف كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرة وقال النسائي : ضعيف وقال ابن عدي : لا يساوي شيئا وقال ابن حبان : كان يروي المناكير عن المشاهير ويخالف الثقات لا يجوز الاحتجاج به وقال الدارقطني : مضطرب الحديث تركه يحيى القطان .

    وأما حديث حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا الحديث وقد تقدم . فحميد هذا ضعفه النسائي ويحيى بن معين ووثقه آخرون وأنكر عليه بعض حديثه وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد . والله أعلم .

    وأما حديث محمد بن إسحاق عن موسى عن عبد الله بن المثنى عن أنس عن عمه ثمامة عن أنس يرفعه من صلى الضحى بنى الله له قصرا في الجنة من ذهب فمن الأحاديث الغرائب وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

    وأما حديث نعيم بن همار ابن آدم لا تعجز لي عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره وكذلك حديث أبي الدرداء وأبي ذر فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها .

  4. #34
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع


    فصل سجود الشكر

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسر أو اندفاع نقمة كما في " المسند " عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره خر لله ساجدا شكرا لله تعالى وذكر ابن ماجه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر بحاجة فخر لله ساجدا

    وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن عليا رضي الله عنه لما كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال السلام على همدان السلام على همدان وصدر الحديث في صحيح البخاري وهذا تمامه بإسناده عند البيهقي . وفي " المسند " من حديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد شكرا لما جاءته البشرى من ربه أنه من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه

    وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه فسأل الله ساعة ثم خر ساجدا ثلاث مرات ثم قال إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الثاني فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي

    وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه ذكره البخاري .

    وذكر أحمد عن علي رضي الله عنه أنه سجد حين وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج .

    وذكر سعيد بن منصور أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل مسيلمة

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود القرآن

    كان صلى الله عليه وسلم إذا مر بسجدة كبر وسجد وربما قال في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته

    وربما قال اللهم احطط عني بها وزرا واكتب لي بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ذكرهما أهل السنن .

    ولم يذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره الخرقي ومتقدمو الأصحاب ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام البتة . وأنكر أحمد والشافعي السلام فيه فالمنصوص عن الشافعي : إنه لا تشهد فيه ولا تسليم وقال أحمد : أما التسليم فلا أدري ما هو وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره .

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في ( الم تنزيل ) وفي ( ص ) وفي ( النجم ) وفي إذا السماء انشقت وفي اقرأ باسم ربك الذي خلق

    وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان

    وأما حديث أبي الدرداء سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء ( الأعراف) و ( الرعد) و ( النحل) و ( بني إسرائيل و ( مريم ) و ( الحج ) و ( سجدة الفرقان ) و ( النمل ) و ( السجدة ) و ( ص و ( سجدة الحواميم ) فقال أبو داود : روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة وإسناده واه .

    وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة رواه أبو داود فهو حديث ضعيف في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد لا يحتج بحديثه . قال الإمام أحمد : أبو قدامة مضطرب الحديث . وقال يحيى بن معين : ضعيف وقال النسائي : صدوق عنده مناكير وقال أبو حاتم البستي : كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه . وعلله ابن القطان بمطر الوراق وقال كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعيب على مسلم إخراج حديثه . انتهى كلامه .

    ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة ومن ضعف جميع حديث سيئ الحفظ فالأولى : طريقة الحاكم وأمثاله والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن والله المستعان .

    وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في اقرأ باسم ربك الذي خلق وفي إذا السماء انشقت وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بست سنين أو سبع فلو تعارض الحديثان من كل وجه وتقاوما في الصحة لتعين تقديم حديث أبي هريرة لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه والله أعلم.




    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

    [هدي الله هذه الأمة له ]

    ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
    نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد

    وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق

    وفي " المسند " والسنن من حديث أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي قالوا : يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ ( يعني : قد بليت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ورواه الحاكم في " المستدرك " وابن حبان في " صحيحه " .

    وفي " جامع الترمذي " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة قال حديث حسن صحيح وصححه الحاكم .

    وفي " المستدرك " أيضا عن أبي هريرة مرفوعا سيد الأيام يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة

    وروى مالك في " الموطأ " عن أبي هريرة مرفوعا خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه

    قال كعب : ذلك في كل سنة يوم فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب قال قد علمت أية ساعة هي قلت فأخبرني بها قال هي آخر ساعة في يوم الجمعة فقلت كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " وتلك الساعة لا يصلى فيها ؟ فقال ابن سلام : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي " ؟

    وفي " صحيح ابن حبان " مرفوعا لا تطلع الشمس على يوم خير من يوم الجمعة

    وفي " مسند الشافعي " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال أتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه ؟ فقال " هذه يوم الجمعة فضلت بها أنت وأمتك والناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما يوم المزيد ؟ قال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب من مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله سبحانه ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب " فيقول الله عز وجل " أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم فيقولون ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة .

    رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عبيد عن عمير بن أنس .

    ثم قال وأخبرنا إبراهيم قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس شبيها به .

    وكان الشافعي حسن الرأي في شيخه إبراهيم هذا لكن قال فيه الإمام أحمد رحمه الله معتزلي جهمي قدري كل بلاء فيه .

    ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان قال قال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل فذكره " ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى غفرة عن أنس . ورواه أبو ظبية عن عثمان بن عمير عن أنس . وجمع أبو بكر بن أبي داود طرقه .

    وفي " مسند أحمد " من حديث علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال لأن فيه طبعت طينة أبيك آدم وفيه الصعقة والبعثة وفيه البطشة وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له

    وقال الحسن بن سفيان النسوي في " مسنده " حدثنا أبو مروان هشام بن خالد الأزرق حدثنا الحسن بن يحيى الخشني حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة حدثني أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أتاني جبريل وفي يده كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت : ما هذه يا جبريل ؟ فقال هذه الجمعة بعثت بها إليك تكون عيدا لك ولأمتك من بعدك . فقلت : وما لنا فيها يا جبريل ؟ قال لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه . قلت فما هذه النكتة السوداء يا جبريل ؟ قال هذه الساعة تكون في يوم الجمعة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد . قلت وما يوم المزيد يا جبريل ؟ قال ذلك بأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب عز وجل من عرشه إلى كرسيه ويحف الكرسي بمنابر من النور فيجلس عليها النبيون وتحف المنابر بكراسي من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء ويهبط أهل الغرف من غرفهم فيجلسون على كثبان المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسي فضلا في المجلس ثم يتبدى لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول سلوني فيقولون بأجمعهم نسألك الرضى يا رب فيشهد لهم على الرضى ثم يقول سلوني فيسألونه حتى تنتهي نهمة كل عبد منهم قال ثم يسعى عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يرتفع الجبار من كرسيه إلى عرشه ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء ليس فيها فصم ولا وصم منورة فيها أنهارها أو قال مطردة متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها قال فأهل الجنة يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر

    وقال ابن أبي الدنيا في كتاب " صفة الجنة " : حدثني أزهر بن مروان الرقاشي حدثني عبد الله بن عرادة الشيباني حدثنا القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جب ريل وفي كفه مرآة كأحسن المرائي وأضوئها وإذا في وسطها لمعة سوداء فقلت : ما هذه اللمعة التي أرى فيها ؟ قال هذه الجمعة قلت : وما الجمعة ؟ قال يوم من أيام ربك عظيم وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا وما يرجى فيه لأهله وأخبرك باسمه في الآخرة فأما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله عز وجل جمع فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاهما إياه وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله تبارك وتعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي ليس فيها ليل ولا نهار إلا قد علم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم نادى أهل الجنة مناد يا أهل الجنة اخرجوا إلى وادي المزيد ووادي المزيد لا يعلم سعة طوله وعرضه إلا الله فيه كثبان المسك رءوسها في السماء قال فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحا تدعى المثيرة تثير ذلك المسك وتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض . قال ثم يوحي الله تبارك وتعالى إلى حملة عرشه ضعوه بين أظهرهم فيكون أول ما يسمعونه منه إلي يا عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري سلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة رضينا عنك فارض عنا فيرجع الله إليهم أن يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم داري فسلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة يا ربنا وجهك ننظر إليه فيكشف تلك الحجب فيتجلى لهم عز وجل فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى ألا يحترقوا لاحترقوا لما يغشاهم من نوره ثم يقال لهم ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى منازلهم وقد أعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه فيرجعون إلى أزواجهم وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره فإذا رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها فتقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها فيقولون ذلك لأن الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه قال وإنه والله ما أحاط به خلق ولكنه قد أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم قال فذلك قولهم فنظرنا منه قال فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [ السجدة 17 ] .

    ورواه أبو نعيم في " صفة الجنة " من حديث عصمة بن محمد حدثنا موسى بن عقبة عن أبي صالح عن أنس شبيها به .

    وذكر أبو نعيم في " صفة الجنة " من حديث المسعودي عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله قال سارعوا إلى الجمعة في الدنيا فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض فيكونون منه سبحانه بالقرب على قدر سرعتهم إلى الجمعة ويحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك فيرجعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم




    فصل في مبدإ الجمعة

    قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين كف بصره فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة فمكث حينا على ذلك فقلت : إن هذا لعجز ألا أسأله عن هذا فخرجت به كما كنت أخرج فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له فقلت : يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة ؟ قال أي بني كان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له : نقيع الخضمات . قلت فكم كنتم يومئذ ؟ قال أربعون رجلا .

    قال البيهقي ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي وكان الراوي ثقة استقام الإسناد وهذا حديث حسن صحيح الإسناد انتهى .

    قلت : وهذا كان مبدأ الجمعة . ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسيس مسجده .

    قال ابن إسحاق : وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ما لم يقل - أنه قام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قال ابن إسحاق : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أحسن الحديث وأبلغه أحبوا ما أحب الله أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقس عنه قلوبكم فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي قد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلام عند ذكر هديه في الخطب .




    فصل [خواص يوم الجمعة وهي ثلاث وثلاثون ]
    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره .وقد اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة ؟ على قولين هما وجهان لأصحاب الشافعي .
    وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي ( الم تنزيل ) و ( هل أتى على الإنسان ) . ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعا لتوهم الجاهلين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون والسجدة جاءت تبعا ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت . فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة .
    الخاصة الثانية استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي ليلته لقوله صلى الله عليه وسلم أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة وهو يوم عيد لهم في الدنيا ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته .
    الخاصة الثالثة صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة ومن تركها تهاونا بها طبع الله على قلبه وقرب أهل الجنة يوم القيامة وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم .
    الخاصة الرابعة الأمر بالاغتسال في يومها وهو أمر مؤكد جدا ووجوبه أقوى من وجوب الوتر وقراءة البسملة في الصلاة ووجوب الوضوء من مس النساء ووجوب الوضوء من مس الذكر ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة ووجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ووجوب القراءة على المأموم .
    وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال النفي والإثبات والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه ومن هو مستغن عنه فيستحب له والثلاثة لأصحاب أحمد .
    الخاصة الخامسة التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع .
    الخاصة السادسة السواك فيه وله مزية على السواك في غيره .
    الخاصة السابعة التبكير للصلاة .
    لخاصة الثامنة أن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام .

    الخاصة التاسعة الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين فإن تركه كان لاغيا ومن لغا فلا جمعة له وفي " المسند " مرفوعا والذي يقول لصاحبه أنصت فلا جمعة له

    الخاصة العاشرة قراءة سورة الكهف في يومها فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري وهو أشبه .

    الحادية عشرة إنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة . وقال إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة - وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام وفي الحديث الصحيح لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري فندبه إلى الصلاة ما كتب له ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام ولهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل : خروج الإمام يمنع الصلاة وخطبته تمنع الكلام فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار .

    وأيضا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ولا يشعرون بوقت الزوال والرجل يكون متشاغلا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس وينظر إلى الشمس ويرجع ولا يشرع له ذلك .

    وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود : هو مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة والمرسل إذا اتصل به عمل وعضده قياس أو قول صحابي أو كان مرسله معروفا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك مما يقتضي قوته عمل به . وأيضا فقد عضده شواهد أخر منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال روي عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة هكذا رواه رحمه الله في كتاب " اختلاف الحديث " ورواه في " كتاب الجمعة " : حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق ورواه أبو خالد الأحمر عن شيخ من أهل المدينة يقال له : عبد الله بن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه البيهقي في " المعرفة " من حديث عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة . ولكن إسناده فيه من لا يحتج به قاله البيهقي قال ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة أحدثت بعض القوة .

    قال الشافعي : من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام قال البيهقي : الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في التبكير إلى الجمعة وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة نصف النهار يوم الجمعة وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء و طاووس و الحسن ومكحول .

    قلت : اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال أحدها : أنه ليس وقت كراهة بحال وهو مذهب مالك . الثاني : أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد . والثالث أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة فليس بوقت كراهة وهذا مذهب الشافعي .
    الثانية عشرة قراءة ( سورة الجمعة و ( المنافقين أو ( سبح والغاشية في صلاة الجمعة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن في الجمعة ذكره مسلم في " صحيحه " . وفيه أيضا : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها ب ( الجمعة و ( هل أتاك حديث الغاشية ثبت عنه ذلك كله . ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها أو يقرأ إحداهما في الركعتين فإنه خلاف السنة وجهال الأئمة يداومون على ذلك .

    الثالثة عشرة أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع وقد روى أبو عبد الله بن ماجه في " سننه " من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر فيه خمس خلال خلق الله فيه آدم وأهبط فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا أعطاه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة

    الرابعة عشرة إنه يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها فقد روى الإمام أحمد في " مسنده " من حديث أبي أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما
    وفي" سنن أبي داود " عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته
    وفي " سنن ابن ماجه " عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة فرأى عليهم ثياب النمار فقال ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته

    الخامسة عشرة أنه يستحب فيه تجمير المسجد فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الله المجمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار قلت ولذلك سمي نعيم المجمر .
    السادسة عشرة أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها وأما قبله فللعلماء ثلاثة أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد أحدها : لا يجوز والثاني : يجوز والثالث يجوز للجهاد خاصة .

    وأما مذهب الشافعي رحمه الله فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد الزوال ولهم في سفر الطاعة وجهان أحدهما : تحريمه وهو اختيار النووي
    والثاني : جوازه وهو اختيار الرافعي

    وأما السفر قبل الزوال فللشافعي فيه قولان القديم جوازه والجديد أنه كالسفر بعد زوال . وأما مذهب مالك فقال صاحب " التفريع " : ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد الزوال حتى يصلي الجمعة ولا بأس أن يسافر قبل الزوال والاختيار أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى يصلي الجمعة .

    وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقا وقد روى الدارقطني في " الإفراد " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ألا يصحب في سفره وهو من حديث ابن لهيعة . وفي " مسند الإمام أحمد " من حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة قال فغدا أصحابه وقال أتخلف وأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ فقال أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال " لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم " وأعل هذا الحديث بأن الحكم لم يسمع من مقسم

    هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز له السفر مطلقا لأن هذا عذر يسقط الجمعة والجماعة . ولعل ما روي عن الأوزاعي - أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته فقال ليمض على سفره - محمول على هذا وكذلك قول ابن عمر رضي الله عنه الجمعة لا تحبس عن السفر .

    وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقا فهي مسألة نزاع . والدليل هو الفاصل على أن عبد الرزاق قد روى في " مصنفه " عن معمر عن خالد الحذاء عن ابن سيرين أو غيره أن عمر بن الخطاب رأى رجلا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة فقال: ما شأنك ؟ قال أردت سفرا فكرهت أن أخرج حتى أصلي فقال عمر إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال ولا يمنع منه قبله .

    وذكره عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن الأسود بن قيس عن أبيه قال أبصر عمر بن الخطاب رجلا عليه هيئة السفر وقال الرجل إن اليوم يوم جمعة ولولا ذلك لخرجت فقال عمر : إن الجمعة لا تحبس مسافرا فاخرج ما لم يحن الرواح

    وذكر أيضا عن الثوري عن ابن أبي ذئب عن صالح بن كثير عن الزهري قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا يوم الجمعة ضحى قبل الصلاة

    وذكر عن معمر قال سألت يحيى بن أبي كثير : هل يخرج الرجل يوم الجمعة ؟ فكرهه فجعلت أحدثه بالرخصة فيه فقال لي : قلما يخرج رجل في يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه لو نظرت في ذلك وجدته كذلك .

    وذكر ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن أبي عطية قال إذا سافر الرجل يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجته ولا يصاحب في سفره .

    وذكر الأوزاعي عن ابن المسيب أنه قال السفر يوم الجمعة بعد الصلاة . قال ابن جريج : قلت لعطاء أبلغك أنه كان يقال إذا أمسى في قرية جامعة من ليلة الجمعة فلا يذهب حتى يجمع ؟ قال إن ذلك ليكره .
    قلت فمن يوم الخميس ؟ قال لا ، ذلك النهار فلا يضره .
    السابعة عشرة أن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها قال عبد الرزاق : عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير ورواه الإمام أحمد في " مسنده " . وقال الإمام أحمد غسل بالتشديد جامع أهله وكذلك فسره وكيع .
    الثامنة عشرة أنه يوم تكفير السيئات فقد روى الإمام أحمد في " مسنده " عن سلمان قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدري ما يوم الجمعة ؟ " قلت : هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم قال " ولكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كقارة لما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة .

    وفي " المسند " أيضا من حديث عطاء الخراساني عن نبيشة الهذلي أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له وإن وجد الإمام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها .

    وفي " صحيح البخاري " عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى .

    وفي " مسند أحمد " من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة ثم لبس ثيابه ومس طيبا إن كان عنده ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وركع ما قضي له ثم انتظر حتى ينصرف الإمام غفر له ما بين الجمعتين

    التاسعة عشرة أن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة . وقد تقدم حديث أبي قتادة فى ذلك وسر ذلك - والله أعلم - أنه أفضل الأيام عند الله ويقع فيه من الطاعات والعبادات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ما يمنع من تسجير جهنم فيه . ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في غيره حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت وغيره .

    وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سجر جهنم في الدنيا وأنها توقد كل يوم إلا يوم الجمعة وأما يوم القيامة فإنه لا يفتر عذابها ولا يخفف عن أهلها الذين هم أهلها يوما من الأيام ولذلك يدعون الخزنة أن يدعوا ربهم ليخفف عنهم يوما من العذاب فلا يجيبونهم إلى ذلك .

    العشرون أن فيه ساعة الإجابة وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم فيها شيئا إلا أعطاه ففي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وقال بيده يقللها .

    وفي المسند من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه خمس خصال خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله عز وجل آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا أرض ولا رياح ولا بحر ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة

    فصل [ بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة ]

    وقد اختلف الناس في هذه الساعة هل هي باقية أو قد رفعت ؟ على قولين حكاهما ابن عبد البر وغيره والذين قالوا : هي باقية ولم ترفع اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه أم هي غير معينة ؟ على قولين . ثم اختلف من قال بعدم تعيينها : هل هي تنتقل في ساعات اليوم أو لا ؟ على قولين أيضا والذين قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولا .

    قال ابن المنذر روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .

    الثاني : أنها عند الزوال ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية .

    الثالث أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة قال ابن المنذر روينا ذلك عن عائشة رضي الله عنها .

    الرابع أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ قال ابن المنذر رويناه عن الحسن البصري .

    الخامس قاله أبو بردة هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة .

    السادس قاله أبو السوار العدوي وقال كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة .

    السابع قاله أبو ذر إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرا إلى ذراع .

    الثامن أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس قاله أبو هريرة وعطاء وعبد الله بن سلام وطاووس حكى ذلك كله ابن المنذر .

    التاسع أنها آخر ساعة بعد العصر وهو قول أحمد وجمهور الصحابة والتابعين .

    العاشر أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة حكاه النووي وغيره .

    الحادي عشر أنها الساعة الثالثة من النهار حكاه صاحب " المغني " فيه . وقال كعب لو قسم الإنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة . وقال عمر إن طلب حاجة في يوم ليسير .

    وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر.

    [ دليل من قال بأن ساعة الإجابة من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة ]

    الأول أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة وحجة هذا القول ما روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي بردة بن أبي موسى أن عبد الله بن عمر قال له أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة شيئا ؟ قال نعم سمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة " .

    وروى ابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " قالوا : يا رسول الله أية ساعة هي ؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها .

    [ ترجيح المصنف بأنها بعد العصر مع أدلته ]

    والقول الثاني : أنها بعد العصر وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام
    وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق . وحجة هذا القول ما رواه أحمد في " مسنده " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه وهي بعد العصر

    وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الجمعة اثنا عشر ساعة فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر .

    وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة .

    وفي " سنن ابن ماجه " : عن عبد الله بن سلام قال قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إنا لنجد في كتاب الله ( يعني التوراة في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له حاجته قال عبد الله فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة . قلت : صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة . قلت : أي ساعة هي ؟ قال هي آخر ساعة من ساعات النهار " . قلت إنها ليست ساعة صلاة قال بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة

    وفي " مسند أحمد " من حديث أبي هريرة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال لأن فيها طبعتطينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له .

    وفي " سنن أبي داود " والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياه ا قال كعب ذلك في كل سنة يوم ؟ فقلت بل في كل جمعة قال فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام وقد علمت أية ساعة هي . قال أبو هريرة فقلت أخبرني بها فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة من يوم الجمعة فقلت : كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " وتلك الساعة لا يصلى فيها ؟ فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي " ؟ قال فقلت : بلى . فقال هو ذاك . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وفي " الصحيحين " بعضه

    [ رد المصنف على بقية الأقوال ]

    وأما من قال إنها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة فاحتج بما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال قال عبد الله بن عمر أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن ساعة الجمعة ؟ قال قلت : نعم سمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة . وأما من قال هي ساعة الصلاة فاحتج بما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف المزني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " . قالوا : يا رسول الله أية ساعة هي ؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها . ولكن هذا الحديث ضعيف قال أبو عمر بن عبد البر هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وليس هو ممن يحتج بحديثه .

    وقد روى روح بن عبادة عن عوف عن معاوية بن قرة عن أبي بردة عن أبي موسى أنه قال لعبد الله بن عمر هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى الصلاة . فقال ابن عمر أصاب الله بك .

    وروى عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي ذر أن امرأته سألته عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن فقال لها : هي مع رفع الشمس بيسير فإن سألتني بعدها فأنت طالق .

    واحتج هؤلاء أيضا بقوله في حديث أبي هريرة " وهو قائم يصلي " وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت والأخذ بظاهر الحديث أولى . قال أبو عمر يحتج أيضا من ذهب إلى هذا بحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح فاطلبوا إلى الله حوائجكم فإنها ساعة الأوابين ثم تلا : فإنه كان للأواببن غفورا الإسراء : 25 "

    وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس .

    وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدا حتى تغرب الشمس وهذا هو قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث . ويليه القول بأنها ساعة الصلاة وبقية الأقوال لا دليل عليها .

    [ ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة ولكنها ليست الساعة المخصوصة ]

    وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضا فكلاهما ساعة إجابة وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرا في الإجابة فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين .

    ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال هو مسجدكم هذا وأشار إلى مسجد المدينة . وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسا على التقوى بل كل منهما مؤسس على التقوى

    وكذلك قوله في ساعة الجمعة " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة " لا ينافي قوله في الحديث الآخر فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر .

    ويشبه هذا في الأسماء قوله ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : من لم يولد له قال " الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا .

    فأخبر أن هذا هو الرقوب إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم منهم فرطا وهذا لا ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا .

    ومثله قوله ما تعدون المفلس فيكم ؟ قالوا : من لا درهم له ولا متاع . قال " المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته الحديث .

    ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يتفطن له . فيتصدق عليه

    [ آخر ساعة من يوم الجمعة يعظمها جميع أهل الملل ]

    وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر يعظمها جميع أهل الملل . وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه وقد اعترف به مؤمنهم .

    [ متابعة المصنف لرد بقية الأقوال ]

    وأما من قال بتنقلها فرام الجمع بذلك بين الأحاديث كما قيل ذلك في ليلة القدر وهذا ليس بقوي فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم فالتمسوها في خامسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى . ولم يجئ مثل ذلك في ساعة الجمعة .

    وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا بخلاف أحاديث ساعة الجمعة فظهر الفرق بينهما .

    وأما قول من قال إنها رفعت فهو نظير قول من قال إن ليلة القدر رفعت وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومة فرفع علمها عن الأمة فيقال له لم يرفع علمها عن كل الأمة وإن رفع عن بعضهم وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رفعت فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة فلا يعول عليه والله أعلم .
    لحادية والعشرون أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع والعدد المخصوص واشتراط الإقامة والاستيطان والجهر بالقراءة . وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر ففي السنن الأربعة من حديث أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه قال الترمذي : حديث حسن وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري فقال لم يعرف اسمه وقال لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث . وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لمن تركها أن يتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار . رواه أبو داود والنسائي من رواية قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب . ولكن قال أحمد : قدامة بن وبرة لا يعرف . وقال يحيى بن معين : ثقة وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعه من سمرة .

    وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولا يحكى عن الشافعي أنها فرض كفاية وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال وأما صلاة العيد فتجب على كل من تجب عليه صلاة الجمعة فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة كذلك . وهذا فاسد بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع وهذا يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون فرض عين كالجمعة وأن يكون فرض كفاية فإن فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل الآخرين .

    الثانية والعشرون أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جنانه ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها .

    الثالثة والعشرون أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا فيوم الجمعة يوم عبادة وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان . ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره فيوم الجمعة ميزان الأسبوع ورمضان ميزان العام والحج ميزان العمر . وبالله التوفيق .

    الرابعة والعشرون أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام وكان العيد مشتملا على صلاة وقربان وكان يوم الجمعة يوم صلاة جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان وقائما مقامه فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن


  5. #35
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    [ المقصود بالساعة في قوله من راح في الساعة الأولى]

    وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين أحدهما : أنها من أول النهار وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما .

    والثاني : أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال وهذا هو المعروف في مذهب مالك واختاره بعض الشافعية واحتجوا عليه بحجتين . إحداهما : أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلا قبل الزوال قال تعالى :
    ورواحها شهر [ سبأ 12 ] . قال الجوهري : ولا يكون إلا بعد الزوال .

    الحجة الثانية أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير ولم يكونوا يغدون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار وقال لم ندرك عليه أهل المدينة .

    [أدلة من قال بأن الساعة الأولى من أول النهار وترجيح المصنف له ]

    واحتج أصحاب القول الأول بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة " .

    قالوا : والساعات المعهودة هي الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة وهي نوعان ساعات تعديلية وساعات زمانية قالوا : ويدل على هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بلغ بالساعات إلى ست ولم يزد عليها ولو كانت الساعة أجزاء صغارا من الساعة التي تفعل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام وطويت الصحف ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك كما جاء مصرحا به في " سنن أبي داود " من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث أو الربائث ويثبطونهم عن الجمعة وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المساجد فيكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام

    قال أبو عمر بن عبد البر : اختلف أهل العلم في تلك الساعات فقالت طائفة منهم أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها والأفضل عندهم التبكير في ذلك الوقت إلى الجمعة وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء بل كلهم يستحب البكور إليها .

    قال الشافعي رحمه الله ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنا . وذكر الأثرم قال قيل لأحمد بن حنبل كان مالك بن أنس يقول لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرا فقال هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم . وقال سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " كالمهدي جزورا " . قال وأما مالك فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات أهو الغدو من أول ساعات النهار أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرواح ؟ فقال ابن وهب : سألت مالكا عن هذا فقال أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات من راح من أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة . ولو لم يكن كذلك ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ساعات في وقت العصر أو قريبا من ذلك .

    وكان ابن حبيب ينكر مالك هذا ويميل إلى القول الأول وقال قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه . وقال يدلك أنه لا يجوز ساعات في ساعة واحدة أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات فبدأ بأول ساعات النهار فقال : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ثم قال في الساعة الخامسة بيضة ثم انقطع التهجير وحان وقت الأذان فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن موضعه وشرح بالخلف من القول وما لا يكون وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع في ساعة واحدة قرب زوال الشمس قال وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان وكفاية .

    هذا كله قول عبد الملك بن حبيب ثم رد عليه أبو عمر وقال هذا تحامل منه على مالك رحمه الله تعالى فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خلفا وتحريفا من التأويل والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء .

    فمن الآثار التي يحتج بها مالك ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة

    قال ألا ترى إلى ما في هذا الحديث فإنه قال يكتبون الناس الأول فالأول فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه فجعل الأول مهجرا وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير وذلك وقت النهوض إلى الجمعة وليس ذلك وقت طلوع الشمس لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير وفي الحديث " ثم الذي يليه ثم الذي يليه " . ولم يذكر الساعة . قال والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في " التمهيد " وفي بعضها " المتعجل إلى الجمعة كالمهدي بدنة " .

    وفي أكثرها " المهجر كالمهدي جزورا " الحديث . وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة وفي آخرها كذلك وفي أول الساعة الثانية كالمهدي بقرة وفي آخرها كذلك . وقال بعض أصحاب الشافعي لم يرد صلى الله عليه وسلم بقوله المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة الناهض إليها في الهجير والهاجرة وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة وذلك مأخوذ من الهجرة وهو ترك الوطن والنهوض إلى غيره ومنه سمي المهاجرون

    وقال الشافعي رحمه الله أحب التبكير إلى الجمعة ولا تؤتى إلا مشيا .

    هذا كله كلام أبي عمر . قلت : ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور أحدها : على لفظة الرواح وإنها لا تكون إلا بعد الزوال والثاني : لفظة التهجير وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدة الحر والثالث عمل أهل المدينة فإنهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.

    قد يأتي الرواح بمعنى الذهاب

    فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو كقوله تعالى : غدوها شهر ورواحها شهر [ سبأ 12 ] وقوله صلى الله عليه وسلم من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح

    وقول الشاعر .

    نروح ونغدو لحاجاتنا
    وحاجة من عاش لا تنقضي

    وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن الاقتران بالغدو .

    وقال الأزهري في " التهذيب " : سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في كل وقت يقال راح القوم إذا ساروا وغدوا كذلك ويقول أحدهم لصاحبه تروح ويخاطب أصحابه فيقول روحوا أي سيروا ويقول الآخر ألا تروحون ؟ ومن ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها لا بمعنى الرواح بالعشي .

    قد يأتي التهجير بمعنى التبكير وأما لفظ التهجير والمهجر فمن الهجير والهاجرة قال الجوهري : هي نصف النهار عند اشتداد الحر تقول منه : هجر النهار قال امرؤ القيس

    فدعها وسل الهم عنها بجسرة
    ذمول إذا صام النهار وهجرا

    ويقال أتينا أهلنا مهجرين أي في وقت الهاجرة والتهجير والتهجر السير في الهاجرة فهذا ما يقرر به قول أهل المدينة .

    قال الآخرون الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح فإنه يطلق ويراد به التبكير .

    قال الأزهري في " التهذيب " : روى مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه

    وفي حديث آخر مرفوع المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة قال ويذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال وهو غلط والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شميل أنه قال التهجير إلى الجمعة وغيرها : التبكير والمبادرة إلى كل شيء قال سمعت الخليل يقول ذلك قاله في تفسير هذا الحديث .

    قال الأزهري : وهذا صحيح وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس قال لبيد :

    راح القطين بهجر بعد ما ابتكروا
    فما تواصله سلمى وما تذر

    فقرن الهجر بالابتكار والرواح عندهم الذهاب والمضي يقال راح القوم إذا خفوا ومروا أي وقت كان .

    وقوله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه أراد به التبكير إلى جميع الصلوات وهو المضي إليها في أول أوقاتها قال الأزهري وسائر العرب يقولون : هجر الرجل إذا خرج وقت الهاجرة وروى عن أبي زيد : هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة . قال وهي نصف النهار .

    ثم قال الأزهري : أنشدني المنذري فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في " نوادره " قال قال جعثنة بن جواس الربعي في ناقته :

    هل تذكرين قسمي ونذري
    أزمان أنت بعروض الجفر

    إذ أنت مضرار جواد الحضر
    علي إن لم تنهضي بوقري

    بأربعين قدرت بقدر
    بالخالدي لا بصاع حجر

    وتصحبي أيانقا في سفر
    يهجرون بهجير الفجر

    ثمت تمشي ليلهم فتسري
    يطوون أعراض الفجاج الغبر

    طي أخي التجر برود التجر

    قال الأزهري يهجرون بهجير الفجر أي يبكرون بوقت السحر .

    وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار فهذا غاية عملهم في زمان مالك رحمه الله وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول إجماع أهل المدينة حجة فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول النهار وهذا جائز بالضرورة .

    وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار ولا ريب أن انتظار الصلاة بعد الصلاة وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه وعوده في وقت آخر للثانية كما قال صلى الله عليه وسلم والذي ينتظر الصلاة ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله وأخبر " أن الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه " وأخبر " أن انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرباط " وأخبر " أن الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى " وهذا يدل على أن من صلى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في وقتها وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار والله أعلم .

    الخامسة والعشرون أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور .

    وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا وسمعته يقول إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة .

    وقال أحمد بن زهير بن حرب : حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال اجتمع أبو هريرة وكعب فقال أبو هريرة : إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه فقال كعب : أنا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السموات والأرض والبر والبحر والجبال والشجر والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين وحفت الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام طووا صحفهم فمن جاء بعد جاء لحق الله لما كتب عليه وحق على كل حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة والصدقة فيه أعظم من الصدقة في سائر الأيام ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة فقال ابن عباس : هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى إن كان لأهله طيب يمس منه .

    [ يوم تجلى الله فيه لأوليائه في الجنة ]

    السادسة والعشرون أنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة وزيارتهم له فيكون أقربهم منهم أقربهم من الإمام وأسبقهم إلى الزيارة أسبقهم إلى الجمعة . وروى يحيى بن يمان عن شريك عن أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل ولدينا مزيد [ ق : 35 ] قال يتجلى لهم في كل جمعة

    وذكر الطبراني في " معجمه " من حديث أبي نعيم المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة قال قال عبد الله سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة فيحدث الله سبحانه لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما أحدث الله لهم . قال ثم دخل عبد الله المسجد فإذا هو برجلين فقال عبد الله رجلان وأنا الثالث إن يشأ الله يبارك في الثالث

    وذكر البيهقي في " الشعب " عن علقمة بن قيس قال رحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد . ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع . ثم قال وما أربع أربعة ببعيد

    قال الدارقطني في كتاب " الرؤية " : حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هاشم حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم فأحدثهم عهدا بالنظر إليه من بكر في كل جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر

    حدثنا محمد بن نوح حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري حدثنا عبد الله بن الجهم الرازي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال هذه الجمعة يعرضها الله عليك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك قلت وما لنا فيها ؟ قال لكم فيها خير أنت فيها الأول واليهود والنصارى من بعدك ولك فيها ساعة لا يسأل الله عز وجل عبد فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه أو ليس له قسم إلا أعطاه أفضل منه وأعاذه الله من شر ما هو مكتوب عليه وإلا دفع عنه ما هو أعظم من ذلك . قال قلت وما هذه النكتة السوداء ؟ قال هي الساعة تقوم يوم الجمعة وهو عندنا سيد الأيام ويدعوه أهل الآخرة يوم المزيد . قال قلت يا جبريل وما يوم المزيد ؟ قال ذلك أن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور فيجيء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم حف المنابر بمنابر من ذهب فيجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا عليها ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب قال ثم يتجلى لهم ربهم عز وجل قال فينظرون إليه فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى . قال رضاي أنزلكم داري وأنا لكم كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى . قال فيشهد لهم بالرضى ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم ثم يفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . قال ثم يرتفع رب العزة ويرتفع معه النبيون والشهداء ويجيء أهل الغرف إلى غرفهم . قال كل غرفة من لؤلؤة لا وصل فيها ولا فصم ياقوتة حمراء وغرفة من زبرجدة خضراء أبوابها وعلاليها وسقائفها وأغلاقها منها أنهارها مطردة متدلية فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها . قال فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم فذلك يوم المزيد

    ولهذا الحديث عدة طرق ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب " الرؤية " .

    [ هو الشاهد في قوله تعالى وشاهد ومشهود ]

    السابعة والعشرون أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة قال حميد بن زنجويه : حدثنا عبد الله بن موسى أنبأنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود هو يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له أو يستعيذه من شر إلا أعاذه منه

    ورواه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " عن روح عن موسى بن عبيدة .

    وفي " معجم الطبراني " من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الموعود يوم القيامة والشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ويوم الجمعة ذخره الله لنا وصلاة الوسطى صلاة العصر

    وقد روي من حديث جبير بن مطعم . قلت : والظاهر - والله أعلم - أنه من تفسير أبي هريرة فقد قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة أما علي بن زيد فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه قال في هذه الآية وشاهد ومشهود قال : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة والموعود يوم القيامة
    [ هو اليوم الذي تفزع فيه الخلائق إلا الإنس والجن ]

    الثامنة والعشرون أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا الإنس والجن فروى أبو الجواب عن عمار بن زريق عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال اجتمع كعب وأبو هريرة فقال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه

    فقال كعب : ألا أحدثكم عن يوم الجمعة إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين وحفت الملائكة بأبواب المساجد فيكتبون الأول فالأول حتى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ومن جاء بعد جاء لحق الله ولما كتب عليه ويحق على كل حالم أن يغتسل فيه كاغتساله من الجنابة والصدقة فيه أفضل من الصدقة في سائر الأيام ولم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة .

    قال ابن عباس : هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى من كان لأهله طيب أن يمس منه يومئذ .

    وفي حديث أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة إلا هذين الثقلين من الجن والإنس وهذا حديث صحيح .

    وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة ويطوى العالم وتخرب فيه الدنيا ويبعث فيه الناس إلى منازلهم من الجنة والنار .

    [ هو اليوم الذي هدى الله هذه الأمة له ]

    التاسعة والعشرون أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم كما في " الصحيح " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة هدانا الله له وضل الناس عنه فالناس لنا فيه تبع هو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد وفي حديث آخر " ذخره الله لنا " .

    وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن عن عمر بن قيس عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود فأذن له فقال السام عليك قال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك . قالت فهممت أن أتكلم قالت ثم دخل الثانية فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك قالت فهممت أن أتكلم ثم دخل الثالثة فقال السام عليكم قالت فقلت بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله عز وجل . قالت فنظر إلي فقال : مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين

    وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد

    وفي " بيد " لغتان بالباء وهي المشهورة وميد بالميم حكاها أبو عبيد . وفي هذه الكلمة قولان أحدهما : أنها بمعنى " غير " وهو أشهر معنييها والثاني : بمعنى " على " وأنشد أبو عبيد شاهدا له

    عمدا فعلت ذاك بيد أني

    إخال لو هلكت لم ترني

    ترني : تفعلي من الرنين

    [خيرة الله من أيام الأسبوع ]

    الثلاثون أنه خيرة الله من أيام الأسبوع كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام وليلة القدر خيرته من الليالي ومكة خيرته من الأرض ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرته من خلقه .

    قال آدم بن أبي إياس : حدثنا شيبان أبو معاوية عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن كعب الأحبار . قال إن الله عز وجل اختار الشهور واختار شهر رمضان واختار الأيام واختار يوم الجمعة واختار الليالي واختار ليلة القدر واختار الساعات واختار ساعة الصلاة والجمعة تكفر ما بينها وبين الجمعة الأخرى وتزيد ثلاثا ورمضان يكفر ما بينه وبين رمضان والحج يكفر ما بينه وبين الحج والعمرة تكفر ما بينها وبين العمرة ويموت الرجل بين حسنتين حسنة قضاها وحسنة ينتظرها يعني صلاتين وتصفد الشياطين في رمضان وتغلق أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنة ويقال فيه يا باغي الخير هلم . رمضان أجمع وما من ليال أحب إلى الله العمل فيهن من ليالي العشر

    [ فيه تدنو أرواح الموتى من قبورهم ]

    الحادية والثلاثون إن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم ويسلم عليهم ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام فهو يوم تلتقي فيه الأحياء والأموات فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون وأهل الأرض وأهل السماء والرب والعبد والعامل وعمله والمظلوم وظالمه والشمس والقمر ولم تلتقيا قبل ذلك قط وهو يوم الجمع واللقاء ولهذا يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره فهو يوم التلاق . قال أبو التياح يزيد بن حميد : كان مطرف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة قال فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره فقالوا : هذا مطرف يأتي الجمعة قال فقلت لهم وتعلمون عندكم الجمعة ؟ قالوا : نعم ونعلم ما تقول فيه الطير قلت : وما تقول فيه الطير ؟ قالوا : تقول رب سلم سلم يوم صالح .

    وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب " المنامات " وغيره عن بعض أهل عاصم الجحدري قال رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته لسنتين فقلت أليس قد مت ؟ قال بلى قلت فأين أنت ؟ قال أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم . قلت : أجسامكم أم أرواحكم ؟ قال هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قال قلت فهل تعلمون بزيارتنا لكم ؟ قال نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله وليلة السبت إلى طلوع الشمس . قال قلت فكيف ذلك دون الأيام كلها ؟ قال لفضل يوم الجمعة وعظمته .

    وذكر ابن أبي الدنيا أيضا عن محمد بن واسع أنه كان يذهب كل غداة سبت حتى يأتي الجبانة فيقف على القبور فيسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف . فقيل له لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين . قال بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده .

    وذكر عن سفيان الثوري قال بلغني عن الضحاك أنه قال من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته . فقيل له كيف ذلك ؟ قال لمكان يوم الجمعة .


  6. #36
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    [ يكره إفراده بالصوم ]

    الثانية والثلاثون أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم هذا منصوص أحمد قال الأثرم : قيل لأبي عبد الله صيام يوم الجمعة ؟ فذكر حديث النهي عن أن يفرد ثم قال إلا أن يكون في صيام كان يصومه وأما أن يفرد فلا . قلت رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصار الجمعة مفردا ؟ قال هذا إلا أن يتعمد صومه خاصة إنما كره أن يتعمد الجمعة .

    وأباح مالك وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام قال مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه . قال ابن عبد البر : اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة فروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقال قلما رأيته مفطرا يوم الجمعة وهذا حديث صحيح . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة قط . ذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ليث بن أبي سليم عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر .

    وروى ابن عباس أنه كان يصومه ويواظب عليه . وأما الذي ذكره مالك فيقولون إنه محمد بن المنكدر . وقيل : صفوان بن سليم .

    وروى الدراوردي عن صفوان بن سليم عن رجل من بني جشم أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صام يوم الجمعة كتب له عشرة أيام غرر زهر من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا

    والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له .

    قلت قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها البتة ففي " الصحيحين " عن محمد بن عباد قال سألت جابرا : أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ قال نعم . وفي " صحيح مسلم " عن محمد بن عباد قال سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت : أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة ؟ قال نعم ورب هذه البنية

    وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده واللفظ للبخاري .

    وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم

    وفي " صحيح البخاري " عن جويرية بنت الحارث " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس ؟ قالت لا . قال فتريدين أن تصومي غدا ؟ قالت لا . قال فأفطري وفي " مسند أحمد " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم الجمعة وحده

    وفي " مسنده " أيضا عن جنادة الأزدي قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة في سبعة من الأزد أنا ثامنهم وهو يتغدى فقال " هلموا إلى الغداء " فقلنا : يا رسول الله إنا صيام . فقال أصمتم أمس ؟ قلنا : لا . قال فتصومون غدا ؟ قلنا : لا . قال فأفطروا . قال فأكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فلما خرج وجلس على المنبر دعا بإناء ماء فشرب وهو على المنبر والناس ينظرون إليه يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة

    وفي " مسنده " أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وذكر ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال من كان منكم متطوعا من الشهر أياما فليكن في صومه يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر فيجمع الله له يومين صالحين يوم صيامه ويوم نسكه مع المسلمين

    [ علة كراهة صوم يوم الجمعة ]

    وذكر ابن جرير عن مغيرة عن إبراهيم إنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على الصلاة .

    قلت المأخذ في كراهته ثلاثة أمور هذا أحدها ولكن يشكل عليه زوال الكراهية بضم يوم قبله أو بعده إليه .

    والثاني : أنه يوم عيد وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم وقد أورد على هذا التعليل إشكالان . أحدهما : أن صومه ليس بحرام وصوم يوم العيد حرام . والثاني : إن الكراهة تزول بعدم إفراده وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد العام بل عيد الأسبوع والتحريم إنما هو لصوم عيد العام .

    وأما إذا صام يوما قبله أو يوما بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة وعيدا فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه بل يكون داخلا في صيامه تبعا وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في " مسنده " والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال قلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر يوم جمعه " . فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعا لا أنه كان يفرده لصحة النهي عنه .

    وأين أحاديث النهي الثابتة في " الصحيحين " من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح وقد حكم الترمذي بغرابته فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة ثم يقدم عليها ؟

    والمأخذ الثالث سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية وينضم إلى هذا المعنى : أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام كان الداعي إلى صومه قويا فهو في مظنة تتابع الناس في صومه واحتفالهم به ما لا يحتفلون بصوم يوم غيره وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه . ولهذا المعنى - والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي لأنها من أفضل الليالي حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر وحكيت رواية عن أحمد فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة فحسم الشارع الذريعة وسدها بالنهي عن تخصيصها بالقيام . والله أعلم .

    فإن قيل ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام ؟ قيل أما تخصيص ما خصصه الشارع كيوم الاثنين ويوم عرفة ويوم عاشوراء فسنة وأما تخصيص غيره كيوم السبت والثلاثاء والأحد والأربعاء فمكروه . وما كان منها أقرب إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام فأشد كراهة وأقرب إلى التحريم

    [ يوم اجتماع الناس ]

    الثالثة والثلاثون إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدإ والمعاد وقد شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوما يتفرغون فيه للعبادة ويجتمعون فيه لتذكر المبدإ والمعاد والثواب والعقاب ويتذكرون به اجتماعهم يوم الجمع الأكبر قياما بين يدي رب العالمين وكان أحق الأيام بهذا الغرض المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق وذلك يوم الجمعة فادخره الله لهذه الأمة لفضلها وشرفها فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته وقدر اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا وقدرا في الآخرة وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم وقرأ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا [ الفرقان : 24 ] وقرأ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم وكذلك هي في قراءته .

    ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرفه الأمم التي لها كتاب فأما أمة لا كتاب لها فلا تعرف ذلك إلا من تلقاه منهم عن أمم الأنبياء فإنه ليس هنا علامة حسية يعرف بها كون الأيام سبعة بخلاف الشهر والسنة وفصولها ولما خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام

    [علة قراءة سورتي السجدة والدهر في صلاة فجر يوم الجمعة ]

    وتعرف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه شرع لهم في الأسبوع يوما يذكرهم فيه بذلك وحكمة الخلق وما خلقوا له وبأجل العالم وطي السموات والأرض وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدا عليه حقا وقولا صدقا ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي ( الم تنزيل ) و ( هل أتى على الإنسان ) لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون من المبدإ والمعاد وحشر الخلائق وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته فيأتي بسجدة من سورة أخرى ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضل بسجدة وينكر على من لم يفعلها.

    وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها بالسورة المشتملة على التوحيد والمبدإ والمعاد وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء ومن آمن منهم وصدقهم من النجاة والعافية .

    كما كان يقرأ في العيدين بسورتي ( ق والقرآن المجيد) و ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) وتارة ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( هل أتاك حديث الغاشية ) وتارة يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة لما تضمنت من الأمر بهذه الصلاة وإيجاب السعي إليها وترك العلم العائق عنها والأمر بإكثار ذكر الله ليحصل لهم الفلاح في الدارين فإن في نسيان ذكره تعالى العطب والهلاك في الدارين ويقرأ في الثانية بسورة ( إذا جاءك المنافقون ) تحذيرا للأمة من النفاق المردي وتحذيرا لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة وعن ذكر الله وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد وحضا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر أسباب سعادتهم وتحذيرا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يسمعهم القرآن

    وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك كما صلى المغرب ب ( الأعراف ) وب ( الطور ) و ( ق ) . وكان يصلي الفجر بنحو مائة آية .

    [ كانت خطبته تقريرا لأصول الإيمان ]

    وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته فيملأ القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة به ولا تذكيرا بأيامه ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به ؟

    ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب جل جلاله وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ثم طال العهد وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها .

    فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ( ق) . قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان : ما حفظت ( ق ) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر وحفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ضعف " يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية تؤجروا وتحمدوا وترزقوا . واعلموا أن الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة من وجد إليها سبيلا فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي جحودا بها أو استخفافا بها وله إمام جائر أو عادل فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا وضوء له ألا ولا صوم له ألا ولا زكاة له ألا ولا حج له ألا ولا بركة له حتى يتوب فإن تاب تاب الله عليه ألا ولا تؤمن امرأة رجلا ألا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤمن فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان فيخاف سيفه وسوطه

    وحفظ من خطبته أيضا : الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا

    رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبه في الحج


    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

    كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى

    ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة

    ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي رواه مسلم . وفي لفظ كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته فذكره .

    وفي لفظ يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله وفي لفظ للنسائي وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

    وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد " أما بعد " . وكان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة ويكثر الذكر ويقصد الكلمات الجوامع

    وكان يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه

    وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين . ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس .

    وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض أو السؤال من أحد من أصحابه فيجيبه ثم يعود إلى خطبته فيتمها . وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة ثم يعود فيتمها كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي الله عنهما فأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته

    وكان يدعو الرجل في خطبته تعال يا فلان اجلس يا فلان صل يا فلان . وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها .

    وكان يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه.

    وكان يستسقي بهم إذا قحط المطر في خطبته

    وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه ولا لبس طيلسانا ولا طرحة ولا سوادا فإذا دخل المسجد سلم عليهم فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ولم يدع مستقبل القبلة ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بإيراد خبر ولا غيره .

    ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر وكان في الحرب يعتمد على قوس وفي الجمعة يعتمد على عصا . ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائما وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا البتة وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس .

    وكان منبره ثلاث درجات وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع يستند إليه فلما تحول إلى المنبر حن الجذع حنينا سمعه أهل المسجد فنزل إليه صلى الله عليه وسلم وضمه قال أنس : حن لما فقد ما كان يسمع من الوحي وفقده التصاق النبي صلى الله عليه وسلم . ولم يوضع المنبر في وسط المسجد وإنما وضع في جانبه الغربي قريبا من الحائط وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة .

    وكان إذا جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة أو خطب قائما في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قبلهم في وقت الخطبة .

    [ الأمر بالإنصات للخطبة ]

    وكان يقوم فيخطب ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيخطب الثانية فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة . وكان يأمر الناس بالدنو منه ويأمرهم بالإنصات ويخبرهم أن الرجل إذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا . ويقول من لغا فلا جمعة له

    وكان يقول من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليست له جمعة رواه الإمام أحمد .

    وقال أبي بن كعب : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ( تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال متى أنزلت هذه السورة ؟ فإني لم أسمعها إلى الآن فأشار إليه أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال إنه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال له أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق أبي " . ذكره ابن ماجه وسعيد بن منصور وأصله في " مسند أحمد " .

    وقال صلى الله عليه وسلم يحضر الجمعة ثلاثة نفر : رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة له إلى يوم الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله عز وجل يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها

    ذكره أحمد وأبو داود .

    [ لا سنة قبل الخطبة ]

    وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة ولم يكن الأذان إلا واحدا وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها وهذا أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة فإذا أكمله أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل وهذا كان رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة ؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي .

    والذين قالوا : إن لها سنة منهم من احتج أنها ظهر مقصورة فيثبت لها أحكام الظهر وهذه حجة ضعيفة جدا فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في الجهر والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها وتوافقها في الوقت وليس إلحاق مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق بل إلحاقها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا فيه .

    ومنهم من أثبت السنة لها هنا بالقياس على الظهر وهو أيضا قياس فاسد فإن السنة ما كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو سنة خلفائه الراشدين وليس في مسألتنا شيء من ذلك ولا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة ونظير هذا أن يشرع لصلاة العيد سنة قبلها أو بعدها بالقياس فلذلك كان الصحيح أنه لا يسن الغسل للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات .

    ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في " صحيحه " فقال باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها : حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وقبل العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين وهذا لا حجة فيه ولم يرد به البخاري إثبات السنة قبل الجمعة وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء ؟ ثم ذكر هذا الحديث أي أنه لم يرو عنه فعل السنة إلا بعدها ولم يرد قبلها شيء .

    وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين فإنه قال باب الصلاة قبل العيد وبعدها وقال أبو المعلى : سمعت سعيدا عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد . ثم ذكر حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما ومعه بلال الحديث . فترجم للعيد مثل ما ترجم للجمعة وذكر للعيد حديثا دالا على أنه لا تشرع الصلاة قبلها ولا بعدها فدل على أن مراده من الجمعة كذلك .

    وقد ظن بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلا عن الظهر - وقد ذكر في الحديث السنة قبل الظهر وبعدها - دل على أن الجمعة كذلك وإنما قال وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف بيانا لموضع صلاة السنة بعد الجمعة وأنه بعد الانصراف وهذا الظن غلط منه لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد المكتوبة حديث ابن عمر رضي الله عنه صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر وسجدتين بعد المغرب وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة

    فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلة بنفسها غير الظهر وإلا لم يحتج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر فلما لم يذكر لها سنة إلا بعدها علم أنه لا سنة لها قبلها .

    ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في " سننه " عن أبي هريرة وجابر قال جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له أصليت ركعتين قبل أن تجيء ؟ " قال لا . قال " فصل ركعتين وتجوز فيهما وإسناده ثقات .

    قال أبو البركات ابن تيمية : وقوله قبل أن تجيء يدل عن أن هاتين الركعتين سنة الجمعة وليستا تحية المسجد . قال شيخنا حفيده أبو العباس وهذا غلط والحديث المعروف في " الصحيحين " عن جابر قال دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال أصليت قال لا . قال فصل ركعتين .

    وقال إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة هذا معنى كلامه .

    وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي : هذا تصحيف من الرواة إنما هو أصليت قبل أن تجلس فغلط فيه الناسخ .

    وقال وكتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيحي البخاري ومسلم فإن الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما قال ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف .

    قلت : ويدل على صحة هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها لم يذكر واحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإمام على المنبر واحتجوا به على من منع من فعلها في هذه الحال فلو كانت هي سنة الجمعة لكان ذكرها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد .

    ويدل عليه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحية المسجد .

    ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضا ولم يخص بها الداخل وحده . ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في " سننه " قال حدثنا مسدد قال حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع قال كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك .

    وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنة قبلها وإنما أراد بقوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يصليهما في المسجد وهذا هو الأفضل فيهما كما ثبت في " الصحيحين " عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته

    وفي " السنن " عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل بالمسجد فقيل له فقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك .

    وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة فإنه تطوع مطلق وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام كما تقدم من حديث أبي هريرة ونبيشة الهذلي عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى المسجد فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام

    وفي حديث نبيشة الهذلي : إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له وإن وجد الإمام خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها هكذا كان هدي الصحابة رضي الله عنهم .

    قال ابن المنذر : روينا عن ابن عمر : أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ركعة . وعن ابن عباس أنه كان يصلي ثمان ركعات .

    وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق ولذلك اختلف في العدد المروي عنهم في ذلك وقال الترمذي في " الجامع " : وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا وإليه ذهب ابن المبارك والثوري .

    وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري : رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا يفصل بينهما بالسلام فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث علي وربما صلى بعد الست ستا أخر أو أقل أو أكثر .

    وقد أخذ من هذا بعض أصحابه رواية أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعا وليس هذا بصريح بل ولا ظاهر فإن أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي فإذا زال وقت النهي قام فأتم تطوعه إلى خروج الإمام فربما أدرك أربعا وربما لم يدرك إلا ركعتين . ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها بما رواه ابن ماجه في " سننه " حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية عن مبشر بن عبيد عن حجاج بن أرطأة عن عطية العوفي عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينها في شيء منها

    قال ابن ماجه باب الصلاة قبل الجمعة فذكره . وهذا الحديث فيه عدة بلايا إحداها : بقية بن الوليد : إمام المدلسين وقد عنعنه ولم يصرح بالسماع .

    الثانية مبشر بن عبيد المنكر الحديث . وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول شيخ كان يقال له مبشر بن عبيد كان بحمص أظنه كوفيا روى عنه بقية وأبو المغيرة أحاديثه أحاديث موضوعة كذب . وقال الدارقطني : مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها .

    الثالثة : الحجاج بن أرطأة الضعيف المدلس .

    الرابعة عطية العوفي قال البخاري : كان هشيم يتكلم فيه وضعفه أحمد وغيره .

    ذكر بعض الأحاديث المقلوبة

    وقال البيهقي : عطية العوفي لا يحتج به ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث والحجاج بن أرطأة لا يحتج به .

    قال بعضهم ولعل الحديث انقلب على بعض هؤلاء الثلاثة الضعفاء لعدم ضبطهم وإتقانهم فقال قبل الجمعة أربعا وإنما هو بعد الجمعة فيكون موافقا لما ثبت في الصحيح " ونظير هذا : قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري : للفارس سهمان وللراجل سهم قال الشافعي : كأنه سمع نافعا يقول للفرس سهمان وللراجل سهم فقال للفارس سهمان وللراجل سهم . حتى يكون موافقا لحديث أخيه عبيد الله قال وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ .

    قلت : ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد ؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط . وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا فانقلب على بعض الرواة فقال أما النار فينشئ الله لها خلقا .

    قلت : ونظير هذا حديث عائشة إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وهو في " الصحيحين " فانقلب على بعض الرواة فقال ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال

    ونظيره أيضا عندي حديث أبي هريرة إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه وأظنه وهم - والله أعلم - فيما قاله رسوله الصادق المصدوق " وليضع ركبتيه قبل يديه " . كما قال وائل بن حجر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه

    وقال الخطابي وغيره وحديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة . وقد سبقت المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله .

  7. #37
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    [ السنة بعد الجمعة ]

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين سنتها وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا .

    قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية : إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين . قلت وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعا وإذا صلى في بيته صلى ركعتين .

    وفي " الصحيحين " : عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته

    وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات والله أعلم .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

    كان صلى الله عليه وسلم يصلي العيدين في المصلى وهو المصلى الذي على باب المدينة الشرقي وهو المصلى الذي يوضع فيه محمل الحاج ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة واحدة أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد إن ثبت الحديث وهو في سنن أبي داود وابن ماجه وهديه كان فعلهما في المصلى دائما .

    وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه فكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة ومرة كان يلبس بردين أخضرين ومرة بردا أحمر وليس هو أحمر مصمتا كما يظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لم يكن بردا وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك .

    وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبسه والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهية شديدة .

    وكان صلى الله عليه وسلم يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات ويأكلهن وترا وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته . وكان يغتسل للعيدين صح الحديث فيه وفيه حديثان ضعيفان حديث ابن عباس من رواية جبارة بن مغلس وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي .

    ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة أنه كان يغتسل يوم العيد قبل خروجه وكان صلى الله عليه وسلم يخرج ماشيا والعنزة تحمل بين يديه فإذا وصل إلى المصلى نصبت بين يديه ليصلي إليها فإن المصلى كان إذ ذاك فضاء لم يكن فيه بناء ولا حائط وكانت الحربة سترته .

    وكان يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى وكان ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس ويكبر من بيته إلى المصلى .

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك . ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئا قبل الصلاة ولا بعدها .

    وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة فيصلي ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الخلال . وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة .

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة فقرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ بعدها ق والقرآن المجيد في إحدى الركعتين وفي الأخرى اقتربت الساعة وانشق القمر وربما قرأ فيهما سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية صح عنه هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك . فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبر خمسا متوالية فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين والقراءة يليها الركوع وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه والى بين القراءتين فكبر أولا ثم قرأ وركع فلما قام في الثانية قرأ وجعل التكبير بعد القراءة ولكن لم يثبت هذا عنه فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري . قال البيهقي : رماه غير واحد بالكذب .

    وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة قال الترمذي : سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث قال ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول وقال وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضا .

    قلت : يريد حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها . قال أحمد : وأنا أذهب إلى هذا . قلت : وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضرب أحمد على حديثه في " المسند " وقال لا يساوي حديثه شيئا والترمذي تارة يصحح حديثه وتارة يحسنه وقد صرح البخاري بأنه أصح شيء في الباب مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب وأخبر أنه يذهب إليه . والله أعلم

    [ كان يخطبهم في العيد قائما على الأرض ]

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكمل الصلاة انصرف فقام مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به . ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه ولم يكن يخرج منبر المدينة وإنما كان يخطبهم قائما على الأرض قال جابر : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن متفق عليه . وقال أبو سعيد الخدري : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم . . . الحديث . رواه مسلم .

    وذكر أبو سعيد الخدري : أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على راحلته مستقبل الناس وهم صفوف جلوس فيقول " تصدقوا " فأكثر من يتصدق النساء بالقرط والخاتم والشيء . فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم وإلا انصرف . وقد كان يقع لي أن هذا وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يخرج إلى العيد ماشيا والعنزة بين يديه وإنما خطب على راحلته يوم النحر بمنى إلى أن رأيت بقي بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في " مسنده " عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا داود بن قيس حدثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيد من يوم الفطر فيصلي بالناس تينك الركعتين ثم يسلم فيستقبل الناس فيقول تصدقوا وكان أكثر من يتصدق النساء وذكر الحديث .

    ثم قال حدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا أبو عامر حدثنا داود عن عياض عن أبي سعيد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر فيصلي بالناس فيبدأ بالركعتين ثم يستقبلهم وهم جلوس فيقول تصدقوا فذكر مثله وهذا إسناد ابن ماجه إلا أنه رواه عن أبي كريب عن أبي أسامة عن داود . ولعله ثم يقوم على رجليه كما قال جابر قام متوكئا على بلال فتصحف على الكاتب براحلته . والله أعلم .

    فإن قيل فقد أخرجا في " الصحيحين " عن ابن عباس قال شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب قال فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلال فقال يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا [ الممتحنة 12 ] . فتلا الآية حتى فرغ منها الحديث .

    وفي " الصحيحين " أيضا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى النساء فذكرهن الحديث . وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر أو على راحلته ولعله كان قد بني له منبر من لبن أو طين أو نحوه ؟ قيل لا ريب في صحة هذين الحديثين ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد وأول من أخرجه مروان بن الحكم فأنكر عليه وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة كما هو في " الصحيحين " فلعله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع أو دكان وهي التي تسمى مصطبة ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن فيخطبهن فيعظهن ويذكرهن . والله أعلم .

    [ كان يفتتح خطبه بالحمدلة ]

    وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير وإنما روى ابن ماجه في " سننه " عن سعد القرظ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبتي العيدين . وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به .

    وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء فقيل يفتتحان بالتكبير وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وقيل يفتتحان بالحمد . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهو الصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم

    وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله . ورخص صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة .

    وكان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق يوم العيد فيذهب في طريق ويرجع في آخر فقيل ليسلم على أهل الطريقين وقيل لينال بركته الفريقان وقيل ليقضي حاجة من له حاجة منهما وقيل ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق وقيل ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره وقيل لتكثر شهادة البقاع فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله وقيل وهو الأصح : إنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها .

    [ التكبير من فجر يوم عرفة ]

    وروي عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف

    لما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها فتقدم فصلى ركعتين قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة طويلة جهر بالقراءة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فأطال القيام وهو دون القيام الأول وقال لما رفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه من الركوع ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان فاستكمل في الركعتين أربع ركعات وأربع سجدات ورأى في صلاته تلك الجنة والنار وهم أن يأخذ عنقودا من الجنة فيريهم إياه ورأى أهل العذاب في النار فرأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه في النار وكان أول من غير دين إبراهيم ورأى فيها سارق الحاج يعذب ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة حفظ منها قوله إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا

    وقال لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت

    وفي لفظ ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع منها ورأيت أكثر أهل النار النساء . قالوا : وبم يا رسول الله ؟ قال بكفرهن . قيل أيكفرن بالله ؟ قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط

    ومنها : ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمن أو قال الموقن فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحا فقد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو قال المرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته

    وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل رحمه الله أنه صلى الله عليه وسلم لما سلم حمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم قال أيها الناس أنشدكم بالله هل تعلمون أني قصرت في شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني بذلك ؟ فقام رجل فقال نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك . ثم قال أما بعد فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى يعتبر بها عباده فينظر من يحدث منهم توبة وايم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وإنه - والله أعلم - لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة وإنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله سلف وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس فيزلزلون زلزالا شديدا ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده حتى إن جذم الحائط أو قال أصل الحائط وأصل الشجرة لينادي : يا مسلم يا مؤمن هذا يهودي أو قال هذا كافر فتعال فاقتله قال ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم بينكم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا : وحتى تزول جبال عن مراتبها ثم على أثر ذلك القبض .

    [ بيان الاختلاف في صفة صلاة الكسوف ]

    فهذا الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم من صفة صلاة الكسوف وخطبتها . وقد روي عنه أنه صلاها على صفات أخر . منها : كل ركعة بثلاث ركوعات ومنها: كل ركعة بأربع ركوعات ومنها : إنها كإحدى صلاة صليت كل ركعة بركوع واحد ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي ويرونه غلطا .

    قال الشافعي وقد سأله سائل فقال روى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركعات في كل ركعة قال الشافعي : فقلت له أتقول به أنت ؟ قال لا ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم ؟ يعني حديث الركوعين في الركعة فقلت هو من وجه منقطع ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد ووجه نراه - والله أعلم - غلطا قال البيهقي : أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير : حدثني من أصدق قال عطاء : حسبته يريد عائشة . . . الحديث وفيه فركع في كل ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات .

    وقال قتادة : عن عطاء عن عبيد بن عمير عنها : ست ركعات في أربع سجدات . فعطاء إنما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان لا باليقين وكيف يكون ذلك محفوظا عن عائشة وقد ثبت عن عروة وعمرة عن عائشة خلافه وعروة وعمرة أخص بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير وهما اثنان فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة .

    قال وأما الذي يراه الشافعي غلطا فأحسبه حديث عطاء عن جابر انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات الحديث .

    قال البيهقي : من نظر في قصة هذا الحديث وقصة حديث أبي الزبير علم أنهما قصة واحدة وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة وذلك في يوم توفي ابنه إبراهيم عليه السلام .

    قال ثم وقع الخلاف بين عبد الملك يعني ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر وبين هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كل ركعة فوجدنا رواية هشام أولى يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط لكونه مع أبي الزبير أحفظ من عبد الملك ولموافقة روايته في عدد الركوع رواية عمرة وعروة عن عائشة ورواية كثير بن عباس وعطاء بن يسار عن ابن عباس ورواية أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو ثم رواية يحيى بن سليم وغيره وقد خولف عبد الملك في روايته عن عطاء فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير : ست ركعات في أربع سجدات فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف ويوافقها عدد كثير أولى من روايتي عطاء اللتين إنما إسناد أحدهما بالتوهم والأخرى يتفرد بها عنه عبد الملك بن أبي سليمان الذي قد أخذ عليه الغلط في غير حديث .

    قال وأما حديث حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في كسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد قال والأخرى مثلها فرواه مسلم في " صحيحه " وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت وحبيب وإن كان ثقة فكان يدلس ولم يبين فيه سماعه من طاووس فيشبه أن يكون حمله عن غير موثوق به وقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان المكي الأحول فرواه عن طاووس عن ابن عباس من فعله ثلاث ركعات في ركعة .

    وقد خولف سليمان أيضا في عدد الركوع فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني في كل ركعة ركوعان .

    قال وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث فلم يخرج شيئا منها في " الصحيح " لمخالفتهن ما هو أصح إسنادا وأكثر عددا وأوثق رجالا وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات .

    قال البيهقي : وروي عن حذيفة مرفوعا أربع ركعات في كل ركعة وإسناده ضعيف . وروي عن أبي بن كعب مرفوعا خمس ركوعات في كل ركعة وصاحبا الصحيح لم يحتجا بمثل إسناد حديثه .

    قال وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد الركعات وحملوها على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها مرارا وأن الجميع جائز فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو بكر بن إسحاق الضبعي وأبو سليمان الخطابي واستحسنه ابن المنذر .

    والذي ذهب إليه البخاري والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته صلى الله عليه وسلم يوم توفي ابنه .

    قلت : والمنصوص عن أحمد أيضا أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان وسجودان .

    قال في رواية المروزي : وأذهب إلى أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات في كل ركعة ركعتان وسجدتان وأذهب إلى حديث عائشة أكثر الأحاديث على هذا . وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية . وكان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث ويقول هي غلط وإنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم . والله أعلم .

    وأمر صلى الله عليه وسلم في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة والله أعلم .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

    ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استسقى على وجوه . أحدها : يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا الوجه الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى فخرج لما طلعت الشمس متواضعا متبذلا متخشعا مترسلا متضرعا فلما وافى المصلى صعد المنبر - إن صح وإلا ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه وكبره وكان مما حفظ من خطبته ودعائه الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد اللهم لا إلا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغا إلى حين ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وحول إذ ذاك رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن وظهر الرداء لبطنه وبطنه لظهره وكان الرداء خميصة سوداء وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة والناس كذلك ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة ولا نداء البتة جهر فيهما بالقراءة وقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية .

    الوجه الثالث أنه صلى الله عليه وسلم استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردا في غير يوم جمعة ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الاستسقاء صلاة .

    الوجه الرابع أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل فحفظ من دعائه حينئذ اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار

    الوجه الخامس أنه صلى الله عليه وسلم استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة حجر ينعطف عن يمين الخارج من المسجد .

    الوجه السادس أنه صلى الله عليه وسلم استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بعض المنافقين لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوقد قالوها ؟ عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا فما رد يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا فأفعم السيل الوادي فشرب الناس فارتووا .

    وحفظ من دعائه في الاستسقاء اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل . وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة استسقى فيها .

    واستسقى مرة فقام إليه أبو لبابة فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره فأمطرت فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا : إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل فاستهلت السماء

    ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء فاستصحى لهم وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى مطرا قال اللهم صيبا نافعا وكان يحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر فسئل عن ذلك فقال لأنه حديث عهد بربه

    قال الشافعي رحمه الله أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه

    وأخبرني من لا أتهم عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه إليه وقال ما كان ليجيء من مجيئه أحد إلا تمسحنا وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح عرف ذلك في وجهه فأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه وذهب عنه ذلك وكان يخشى أن يكون فيه العذاب .

    قال الشافعي : وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا أنه كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا مجللا عاما طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا

    قال الشافعي رحمه الله وأحب أن يدعو الإمام بهذا قال وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمطر في أول مطرة حتى يصيب جسده .

    قال وبلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها [ فاطر 2 ] .

    [ طلب الإجابة عند نزول الغيث ]

    قال وأخبرني من لا أتهم عن عبد العزيز بن عمر عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند : نزول الغيث وإقامة الصلاة .

    قال البيهقي : وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لا يرد عند النداء وعند البأس وتحت المطر .

    وروينا عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة .

  8. #38
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

    كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار سفره لهجرته وسفره للجهاد وهو أكثرها وسفره للعمرة وسفره للحج .

    وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه ولما حج سافر بهن جميعا .

    وكان إذا سافر خرج من أول النهار وكان يستحب الخروج يوم الخميس ودعا الله تبارك وتعالى أن يبارك لأمته في بكورها

    وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم

    ونهى أن يسافر الرجل وحده وأخبر أن الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب

    وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر اللهم إليك توجهت وبك اعتصمت اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت

    وكان إذا قدمت إليه دابته ليركبها يقول بسم الله حين يضع رجله في الركاب وإذا استوى على ظهرها قال الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يقول الحمد لله الحمد لله الحمد لله ثم يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم يقول سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت

    وكان يقول ( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون

    وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا الأودية سبحوا .

    وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها .

    وذكر عنه أنه كان يقول اللهم إني أسألك من خير هذه القرية . وخير ما جمعت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها اللهم ارزقنا جناها وأعذنا من وباها وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا
    [ مبحث في قصر الصلاة ]

    وكان يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره ألبتة وأما حديث عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم فلا يصح . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وقد روي كان يقصر وتتم الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالتاء المثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين قال شيخنا ابن تيمية : وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم كيف والصحيح عنها أنها قالت إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه . قلت : وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وغيره إنها تأولت كما تأول عثمان وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي فغلط بعض الرواة فقال كان يقصر ويتم أي هو . والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه فقيل ظنت أن القصر مشروط بالخوف في السفر فإذا زال الخوف زال سبب القصر وهذا التأويل غير صحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة والآية قد أشكلت على عمر وعلى غيره فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له وقد يقال إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين الضرب في الأرض والخوف فإذا وجد الأمران أبيح القصران فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان وسميت صلاة أمن وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها وأنها لم تدخل في قصر الآية والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين والثاني يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما قالت عائشة : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع وإنما هي مفروضة كذلك وأن فرض المسافر ركعتان .

    وقال ابن عباس : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس .

    وقال عمر رضي الله عنه صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما بالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته

    ولا تناقض بين حديثيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس فقال صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم .

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف كما سنذكره هناك ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى .

    وقال أنس خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة متفق عليه .

    ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات قال إنا لله وإنا إليه راجعون صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان متفق عليه . ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما بل الأولى على قول وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر . وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر رضي الله عنه قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان في السفر لا يزيد على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان . يعني في صدر خلافة عثمان وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته وكان ذلك أحد الأسباب التي أنكرت عليه . وقد خرج لفعله تأويلات

    أحدها : أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا حديثي عهد بالإسلام والعهد بالصلاة قريب ومع هذا فلم يربع بهم النبي صلى الله عليه وسلم .

    التأويل الثاني : أنه كان إماما للناس والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته فكأنه وطنه ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو أولى بذلك وكان هو الإمام المطلق ولم يربع .

    التأويل الثالث أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت فضاء ولهذا قيل له يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر ؟ فقال لا . منى مناخ من سبق فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر . ورد هذا التأويل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة .

    التأويل الرابع أنه أقام بها ثلاثا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا فسماه مقيما والمقيم غير مسافر ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر وقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشرا يقصر الصلاة وأقام بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة .

    التأويل الخامس أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة فلهذا أتم ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين وقد منع صلى الله عليه وسلم المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نسكهم ورخص لهم فيها ثلاثة أيام فقط فلم يكن عثمان ليقيم بها وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وإنما رخص فيها ثلاثا وذلك لأنهم تركوها لله وما ترك لله فإنه لا يعاد فيه ولا يسترجع ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من شراء المتصدق لصدقته وقال لعمر : لا تشترها ولا تعد في صدقتك فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن .

    التأويل السادس أنه كان قد تأهل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم . فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن ابن أبي ذباب عن أبيه قال صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم رواه الإمام أحمد رحمه الله في " مسنده " وعبد الله بن الزبير الحميدي في " مسنده " أيضا وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم . قال أبو البركات بن تيمية : ويمكن المطالبة بسبب الضعف فإن البخاري ذكره في " تاريخه " ولم يطعن فيه وعادته ذكر الجرح والمجروحين وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان .

    وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت كان وطنها وهو أيضا اعتذار ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أيضا وأمومة أزواجه فرع عن أبوته ولم يكن يتم لهذا السبب . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا فقلت لها : لو صليت ركعتين فقالت يا ابن أختي إنه لا يشق علي

    قال الشافعي رحمه الله لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتمها عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم وقد قالت عائشة : كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم وقصر ثم روي عن إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت كل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة في السفر وأتم .

    قال البيهقي : وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء وأصح إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحارثي عن الدارقطني عن المحاملي حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم

    قال الدارقطني : وهذا إسناد صحيح . ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري عن عباس الدوري أنبأنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة أنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وأفطرت . قال أحسنت يا عائشة

    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا الحديث كذب على عائشة ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب . كيف وهي القائلة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

    قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك فما شأنها كانت تتم الصلاة ؟ فقال تأولت كما تأول عثمان . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر . أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون ؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم .

    وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن ؟ فقال له ابن عمر يا أخي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل

    وقد قال أنس خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة

    وقال ابن عمر : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهذه كلها أحاديث صحيحة .



    [كان يقتصر في سفره على الفرض والوتر وسنة الفجر من الرواتب ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض ولم يحفظ عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن ليدعهما حضرا ولا سفرا . قال ابن عمر وقد سئل عن ذلك فقال صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر وقال الله عز وجل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ الأحزاب 21 ] ومراده بالتسبيح السنة الراتبة وإلا فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه .

    وفي " الصحيحين " عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته قال الشافعي رحمه الله وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل ليلا وهو يقصر وفي " الصحيحين " : عن عامر بن ربيعة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته فهذا قيام الليل .

    وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن التطوع في السفر ؟ فقال أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس وروي عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها وروي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر .

    وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع الوتر وهذا هو الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئا ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفا على المسافر فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين فلولا قصد التخفيف على المسافر وإلا كان الإتمام أولى به ولهذا قال عبد الله بن عمر : لو كنت مسبحا لأتممت وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وهو إذ ذاك مسافر .

    وأما ما رواه أبو داود والترمذي في السنن من حديث الليث عن صفوان بن سليم عن أبي بسرة الغفاري عن البراء بن عازب قال سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر قال الترمذي : هذا حديث غريب . قال وسألت محمدا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه حسنا . وبسرة : بالباء الموحدة المضمومة وسكون السين المهملة .

    وأما حديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها فرواه البخاري في " صحيحه " ولكنه ليس بصريح في فعله ذلك في السفر ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة والرجال أعلم بسفره من النساء وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين ولم يكن ابن عمر يصلي قبلها ولا بعدها شيئا . والله أعلم .
    فصل [ صلاته على راحلته ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته حيث توجهت به وكان يومئ إيماء برأسه في ركوعه وسجوده وسجوده أخفض من ركوعه وروى أحمد وأبو داود عنه من حديث أنس أنه كان يستقبل بناقته القبلة عند تكبيرة الافتتاح ثم يصلي سائر الصلاة حيث توجهت به . وفي هذا الحديث نظر وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها كعامر بن ربيعة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا والله أعلم .

    وصلى على الراحلة وعلى الحمار إن صح عنه وقد رواه مسلم في " صحيحه " من حديث ابن عمر .

    وصلى الفرض بهم على الرواحل لأجل المطر والطين إن صح الخبر بذلك وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء فجعل السجود أخفض من الركوع .

    قال الترمذي حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح وثبت ذلك عن أنس من فعله

    فصل [ الجمع بين الصلاتين ]

    [ إعلال عجيب للحاكم لحديث صحيح ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب . وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء .

    وقدروي عنه في غزوة تبوك أنه كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر فيصليهما جميعا وكذلك في المغرب والعشاء لكن اختلف في هذا الحديث فمن مصحح له ومن محسن ومن قادح فيه وجعله موضوعا كالحاكم وإسناده على شرط الصحيح لكن رمي بعلة عجيبة قال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه حدثنا موسى بن هارون حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر ويصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب

    قال الحاكم : هذا الحديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن ثم لا نعرف له علة نعله بها . فلو كان الحديث عن الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث . ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل فقلنا : الحديث شاذ . وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال كان قتيبة بن سعيد يقول لنا : على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عد قتيب ة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة ثم قال فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة ثقة مأمون ثم ذكر بإسناده إلى البخاري . قال قلت لقتيبة بن سعيد مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ؟ قال كتبته مع خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني . قال البخاري : وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ .

    قلت : وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي حدثنا المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ فذكره . . . " فهذا المفضل قد تابع قتيبة وإن كان قتيبة أجل من المفضل وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به ثم إن قتيبة صرح بالسماع فقال حدثنا ولم يعنعن فكيف يقدح في سماعه مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة والحفظ والثقة والعدالة .

    وقد روى إسحاق بن راهويه : حدثنا شبابة حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل وهذا إسناد كما ترى وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه وقد روى له مسلم في " صحيحه " عن الليث بن سعد بهذا الإسناد على شرط الشيخين وأقل درجاته أن يكون مقويا لحديث معاذ وأصله في " الصحيحين " لكن ليس فيه جمع التقديم . ثم قال أبو داود : وروى هشام عن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضل يعني حديث معاذ في الجمع والتقديم ولفظه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن كريب عن ابن عباس أنه قال ألا أخبركم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر ؟ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال وإذا سافر قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر قال وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك ورواه الشافعي من حديث ابن أبي يحيى عن حسين ومن حديث ابن عجلان بلاغا عن حسين .

    قال البيهقي : هكذا رواه الأكابر هشام بن عروة وغيره عن حسين بن عبد الله . ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن حسين عن عكرمة وعن كريب كلاهما عن ابن عباس ورواه أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال ولا أعلمه إلا مرفوعا .

    وقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس قال حدثني أخي عن سليمان بن مالك عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير فراح قبل أن تزيغ الشمس ركب فسار ثم نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا لم يرح حتى تزيغ الشمس جمع بين الظهر والعصر ثم ركب وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب جمع بين المغرب وبين صلاة العشاء

    قال أبو العباس بن سريج : روى يحيى بن عبد الحميد عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا فإذا لم تزغ أخرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى .

    قال الشافعي : وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر لأن يتصل له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر وأرفق بالمزدلفة أن يتصل له المسير ولا يقطعه بالنزول للمغرب لما في ذلك من التضييق على الناس . والله أعلم .
    فصل [ كان يجمع إذا جد به السير ]

    ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من الناس ولا الجمع حال نزوله أيضا وإنما كان يجمع إذا جد به السير وإذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة وجعله من تمام النسك ولا تأثير للسفر عنده فيه . وأحمد ومالك والشافعي جعلوا سببه السفر ثم اختلفوا فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل ولم يجوزاه لأهل مكة وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمع والقصر بعرفة واختارها شيخنا وأبو الخطاب في عباداته ثم طرد شيخنا هذا وجعله أصلا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره كما هو مذهب كثير من السلف وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصا بأهل مكة .

    [ حد المسافة للقصر والفطر ]

    ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه

    وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك

    كان له صلى الله عليه وسلم حزب يقرؤه ولا يخل به وكانت قراءته ترتيلا لا هذا ولا عجلة بل قراءة مفسرة حرفا حرفا . وكان يقطع قراءته آية آية وكان يمد عند حروف المد فيمد الرحمن ويمد الرحيم وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته فيقول " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وربما كان يقول اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وكان تعوذه قبل القراءة .

    وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع . وخشع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه .

    وكان يقرأ القرآن قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة .

    وكان صلى الله عليه وسلم يتغنى به ويرجع صوته به أحيانا كما رجع يوم الفتح في قراءته إنا فتحنا لك فتحا مبينا وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه آ آ آ ثلاث مرات ذكره البخاري .

    وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله زينوا القرآن بأصواتكم وقوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقوله ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن علمت أن هذا الترجيع منه صلى الله عليه وسلم كان اختيارا لا اضطرارا لهز الناقة له فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا ليؤتسى به وهو يرى هز الراحلة له حتى ينقطع صوته ثم يقول كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله . ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا .

    وقد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري فلما أخبره بذلك قال لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا أي حسنته وزينته بصوتي تزيينا وروى أبو داود في " سننه " عن عبد الجبار بن الورد قال سمعت ابن أبي مليكة يقول قال عبد الله بن أبي يزيد : مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس منا من لم يتغن بالقرآن . قال فقلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع

  9. #39
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    [ اختلاف الناس في معنى التغني بالقرآن ]

    قلت : لا بد من كشف هذه المسألة وذكر اختلاف الناس فيها واحتجاج كل فريق وما لهم وعليهم في احتجاجهم وذكر الصواب في ذلك بحول الله تبارك وتعالى ومعونته فقالت طائفة تكره قراءة الألحان وممن نص على ذلك أحمد ومالك وغيرهما فقال أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان ما تعجبني وهو محدث . وقال في رواية المروزي : القراءة بالألحان بدعة لا تسمع وقال في رواية عبد الرحمن المتطبب : قراءة الألحان بدعة وقال في رواية ابنه عبد الله ويوسف بن موسى ويعقوب بن بختان والأثرم وإبراهيم بن الحارث : القراءة بالألحان لا تعجبني إلا أن يكون ذلك حزنا فيقرأ بحزن مثل صوت أبي موسى وقال في رواية صالح زينوا القرآن بأصواتكم معناه أن يحسنه وقال في رواية المروزي : ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن وفي رواية قوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقال كان ابن عيينة يقول يستغني به . وقال الشافعي : يرفع صوته وذكر له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع فيها فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان وأنكر الأحاديث التي يحتج بها في الرخصة في الألحان .

    وروى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة فقال لا تعجبني وقال إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم وممن رويت عنه الكراهة أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي . وقال عبد الله بن يزيد العكبري : سمعت رجلا يسأل أحمد ما تقول في القراءة بالألحان ؟ فقال ما اسمك ؟ قال محمد قال أيسرك أن يقال لك : يا موحمد ممدودا قال القاضي أبو يعلى : هذه مبالغة في الكراهة . وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي : أوصى إلي رجل بوصية وكان فيما خلف جارية تقرأ بالألحان وكانت أكثر تركته أو عامتها فسألت أحمد بن حنبل والحارث بن مسكين وأبا عبيد كيف أبيعها ؟ فقالوا : بعها ساذجة فأخبرتهم بما في بيعها من النقصان فقالوا : بعها ساذجة قال القاضي : وإنما قالوا ذلك لأن سماع ذلك منها مكروه فلا يجوز أن يعاوض عليه كالغناء .

    قال ابن بطال : وقالت طائفة التغني بالقرآن هو تحسين الصوت به والترجيع بقراءته قال والتغني بما شاء من الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك والنضر بن شميل قال وممن أجاز الألحان في القرآن ذكر الطبري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى : ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى ويتلاحن وقال من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن فقال له عمر : اعرض علي سورة كذا فعرض عليه فبكى عمر وقال ما كنت أظن أنها نزلت قال وأجازه ابن عباس وابن مسعود وروي عن عطاء بن أبي رباح قال وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان . وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان . وقال محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان وهذا اختيار ابن جرير الطبري .

    قال المجوزون - واللفظ لابن جرير - الدليل على أن معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع قراءته كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه - ما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن ومعقول عند ذوي الحجا أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به . وروي في هذا الحديث ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به قال الطبري : وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا قال ولو كان كما قال ابن عيينة يعني : يستغني به عن غيره لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع قال الشاعر

    تغن بالشعر إما كنت قائله
    إن الغناء لهذا الشعر مضمار

    قال وأما ادعاء الزاعم أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب .

    وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى :

    وكنت امرءا زمنا بالعراق
    عفيف المناخ طويل التغن

    وزعم أنه أراد بقوله طويل التغني : طويل الاستغناء فإنه غلط منه وإنما عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع الإقامة من قول العرب : غنى فلان بمكان كذا : إذا أقام به ومنه قوله تعالى : كأن لم يغنوا فيها [ الأعراف 92 ] واستشهاده بقول الآخر

    كلانا غني عن أخيه حياته
    ونحن إذا متنا أشد تغانيا

    فإنه إغفال منه وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنى : إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه كما يقال تضارب الرجلان إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه وتشاتما وتقاتلا . ومن قال هذا في فعل اثنين لم يجز أن يقول مثله في فعل الواحد فيقول تغانى زيد وتضارب عمرو وذلك غير جائز أن يقول تغنى زيد بمعنى استغنى إلا أن يريد به قائله إنه أظهر الاستغناء وهو غير مستغن كما يقال تجلد فلان إذا أظهر جلدا من نفسه وهو غير جليد وتشجع وتكرم فإن وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم لأنه يوجب على من تأوله أن يكون الله تعالى ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال وهذا لا يخفى فساده . قال ومما يبين فساد تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن إلا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة وإن كان كذاك فهو غلط من وجهين أحدهما : من اللغة والثاني : من إحالة المعنى عن وجهه . أما اللغة فإن الأذن مصدر قوله أذن فلان لكلام فلان فهو يأذن له إذا استمع له وأنصت كما قال تعالى : وأذنت لربها وحقت [ الانشقاق 2 ] بمعنى سمعت لربها وحق لها ذلك كما قال عدي بن زيد :

    إن همي في سماع وأذن

    بمعنى في سماع واستماع . فمعنى قوله ما أذن الله لشيء إنما هو ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن . وأما الإحالة في المعنى فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون له انتهى كلام الطبري
    قال أبو الحسن بن بطال : وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضا بما رواه ابن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموا القرآن وتغنوا به واكتبوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من العقل قال وذكر عمر بن شبة قال ذكر لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله يتغنى بالقرآن يستغني به فقال لم يصنع ابن عيينة شيئا حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال كانت ل داود نبي الله صلى الله عليه وسلم معزفة يتغنى عليها يبكي ويبكي . وقال ابن عباس : إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا تكون فيهن ويقرأ قراءة يطرب منها الجموع .

    وسئل الشافعي رحمه الله عن تأويل ابن عيينة فقال نحن أعلم بهذا لو أراد به الاستغناء لقال " من لم يستغن بالقرآن " ولكن لما قال يتغنى بالقرآن علمنا أنه أراد به التغني .

    قالوا : ولأن تزيينه وتحسين الصوت به والتطريب بقراءته أوقع في النفوس وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع ومعانيه إلى القلوب وذلك عون على المقصود وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء وبمنزلة الأفاويه والطيب الذي يجعل في الطعام لتكون الطبيعة أدعى له قبولا وبمنزلة الطيب والتحلي وتجمل المرأة لبعلها ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح . قالوا : ولا بد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض التوحيد والتوكل وعن السفاح بالنكاح وعن القمار بالمراهنة بالنصال وسباق الخيل وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني ونظائره كثيرة جدا .

    قالوا : والمحرم لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة أو خالصة وقراءة التطريب والألحان لا تتضمن شيئا من ذلك فإنها لا تخرج الكلام عن وضعه ولا تحول بين السامع وبين فهمه ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف كما ظن المانع منها لأخرجت الكلمة عن موضعها وحالت بين السامع وبين فهمها ولم يدر ما معناها والواقع بخلاف ذلك .

    قالوا : وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلى كيفية الأداء وتارة يكون سليقة وطبيعة وتارة يكون تكلفا وتعملا وكيفيات الأداء لا تخرج الكلام عن وضع مفرداته بل هي صفات لصوت المؤدي جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه وإمالته وجارية مجرى مدود القراء الطويلة والمتوسطة لكن تلك الكيفيات متعلقة بالحروف وكيفيات الألحان والتطريب متعلقة بالأصوات والآثار في هذه الكيفيات لا يمكن نقلها بخلاف كيفيات أداء الحروف فلهذا نقلت تلك بألفاظها ولم يمكن نقل هذه بألفاظها بل نقل منها ما أمكن نقله كترجيع النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفتح بقوله " آ آ آ " . قالوا : والتطريب والتلحين راجع إلى أمرين مد وترجيع وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمد صوته بالقراءة يمد " الرحمن " ويمد " الرحيم " وثبت عنه الترجيع كما تقدم .

    قال المانعون من ذلك الحجة لنا من وجوه . أحدها : ما رواه حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم رواه أبو الحسن رزين في " تجريد الصحاح " ورواه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " . واحتج به القاضي أبو يعلى في " الجامع " واحتج معه بحديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم ذكر شرائط الساعة وذكر أشياء منها : أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم غناء

    قالوا : وقد جاء زياد النهدي إلى أنس رضي الله عنه مع القراء فقيل له اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء وقال يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره رفع الخرقة عن وجهه

    قالوا : وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن المطرب في أذانه من التطريب كما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن رواه الدارقطني .

    وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ترجيع . قالوا : والترجيع والتطريب يتضمن همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود وترجيع الألف الواحد ألفات والواو واوات والياء ياءات فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك غير جائز قالوا : ولا حد لما يجوز من ذلك وما لا يجوز منه فإن حد بحد معين كان تحكما في كتاب الله تعالى ودينه وإن لم يحد بحد أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديد الأصوات وكثرة الترجيعات والتنويع في أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء كما يفعل أهل الغناء بالأبيات وكما يفعله كثير من القراء أمام الجنائز ويفعله كثير من قراء الأصوات مما يتضمن تغيير كتاب الله والغناء به على نحو ألحان الشعر والغناء ويوقعون الإيقاعات عليه مثل الغناء سواء اجتراء على الله وكتابه وتلاعبا بالقرآن وركونا إلى تزيين الشيطان ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام ومعلوم أن التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاء قريبا فالمنع منه كالمنع من الذرائع الموصلة إلى الحرام فهذا نهاية إقدام الفريقين ومنتهى احتجاج الطائفتين .

    وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين أحدهما : ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه فهو مطبوع لا متطبع وكلف لا متكلف فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح المحمود وهو الذي يتأثر به التالي والسامع وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها .

    الوجه الثاني : ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرءونه بشجى تارة وبطرب تارة وبشوق تارة وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له بل أرشد إليه وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن وفيه وجهان أحدهما : أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله والثاني : أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

    كان صلى الله عليه وسلم يعود من مرض من أصحابه وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد عمه وهو مشرك وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودي ولم يسلم عمه .

    وكان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله فيقول كيف تجدك ؟

    وذكر أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه فيقول هل تشتهي شيئا ؟ فإن اشتهى شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به .

    وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما

    وكان يقول امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت وكان يدعو للمريض ثلاثا كما قاله لسعد : اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا

    وكان إذا دخل على المريض يقول له لا بأس طهور إن شاء الله
    [ الرقية والاسترقاء ]

    وربما كان يقول كفارة وطهور وكان يرقي من به قرحة أو جرح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا هذا في " الصحيحين " وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأنهم لا يرقون ولا يسترقون . فقوله في الحديث " لا يرقون " غلط من الراوي سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك . قال وإنما الحديث " هم الذين لا يسترقون " . قلت : وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب لكمال توحيدهم ولهذا نفى عنهم الاسترقاء وهو سؤال الناس أن يرقوهم . ولهذا قال وعلى ربهم يتوكلون فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه وثقتهم به ورضاهم عنه وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئا لا رقية ولا غيرها ولا يحصل لهم طيرة تصدهم عما يقصدونه فإن الطيرة تنقص التوحيد وتضعفه .

    قال والراقي متصدق محسن والمسترقي سائل والنبي صلى الله عليه وسلم رقى ولم يسترق وقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه

    فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ويمسح بهما ما استطاع من جسده ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات قالت عائشة : فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرني أن أفعل ذلك به

    فالجواب أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ . أحدها : هذا .
    والثاني : أنه كان ينفث على نفسه .
    والثالث قالت كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها وفي لفظ رابع كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث وهذه الألفاظ يفسر بعضها بعضا . وكان صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده على جسده كله . فكان يأمر عائشة أن تمر يده على جسده بعد نفثه هو وليس ذلك من الاسترقاء في شيء وهي لم تقل كان يأمرني أن أرقيه وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده ثم قالت كان يأمرني أن أفعل ذلك به أي أن أمسح جسده بيده كما كان هو يفعل .

    ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام أن يخص يوما من الأيام بعيادة المريض ولا وقتا من الأوقات بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلا ونهارا وفي سائر الأوقات . وفي " المسند " عنه إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرفة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وفي لفظ ما من مسلم يعود مسلما إلا بعث الله له سبعين ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسي وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح

    وكان يعود من الرمد وغيره وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ويقول اللهم اشفه وكان يمسح وجهه أيضا . وكان إذا يئس من المريض قال إنا لله وإنا إليه راجعون


  10. #40
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع


    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز والصلاة عليها واتباعها ودفنها
    وما كان يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك

    كان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي مخالفا لهدي سائر الأمم مشتملا على الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه وعلى إقامة عبودية الحي لله وحده فيما يعامل به الميت . وكان من هديه في الجنائز إقامة العبودية للرب تبارك وتعالى على أكمل الأحوال والإحسان إلى الميت وتجهيزه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله ويستغفرون له ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه حفرته ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه ثم يتعاهده بالزيارة له في قبره والسلام عليه والدعاء له كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا .

    فأول ذلك تعاهده في مرضه وتذكيره الآخرة وأمره بالوصية والتوبة وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور من لطم الخدود وشق الثياب وحلق الرءوس ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك .

    وسن الخشوع للميت والبكاء الذي لا صوت معه وحزن القلب وكان يفعل ذلك ويقول تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب

    وسن لأمته الحمد والاسترجاع والرضى عن الله ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين وحزن القلب ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه وأعظمهم له حمدا وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه ورحمة للولد ورقة عليه والقلب ممتلئ بالرضى عن الله عز وجل وشكره واللسان مشتغل بذكره وحمده .

    ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده جعل يضحك فقيل له أتضحك في هذه الحالة ؟ قال إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم فقالوا : كيف يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن الله ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف فإنه أعطى العبودية حقها فاتسع قلبه للرضى عن الله ولرحمة الولد والرقة عليه فحمد الله ورضي عنه في قضائه وبكى رحمة ورأفة فحملته الرأفة على البكاء وعبوديته لله ومحبته له على الرضى والحمد وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما فشغلته عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرأفة

    [ الإسراع بتجهيز الميت ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الإسراع بتجهيز الميت إلى الله وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه في الثياب البيض ثم يؤتى به إليه فيصلي عليه بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره فيقيم عنده حتى يقضي ثم يحضر تجهيزه ثم يصلي عليه ويشيعه إلى قبره ثم رأى الصحابة أن ذلك يشق عليه فكانوا إذا قضى الميت دعوه فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه . ثم رأوا أن ذلك يشق عليه فكانوا هم يجهزون ميتهم ويحملونه إليه صلى الله عليه وسلم على سريره فيصلي عليه خارج المسجد .

    [ حكم الصلاة على الميت في المسجد ]

    ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد وربما كان يصلي أحيانا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له وقد اختلف في لفظ الحديث فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن في الأصل " فلا شيء عليه " وغيره يرويه فلا شيء له وقد رواه ابن ماجه في " سننه " ولفظه فليس له شيء ولكن قد ضعف الإمام أحمد وغيره هذا الحديث قال الإمام أحمد : هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة وقال البيهقي : هذا حديث يعد في أفراد صالح وحديث عائشة أصح منه وصالح مختلف في عدالته كان مالك يجرحه ثم ذكر عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنه صلى عليهما في المسجد .

    قلت : وصالح ثقة في نفسه كما قال عباس الدوري عن ابن معين : هو ثقة في نفسه . وقال ابن أبي مريم ويحيى : ثقة حجة فقلت له إن مالكا تركه فقال إن مالكا أدركه بعد أن خرف والثوري إنما أدركه بعد أن خرف فسمع منه لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف . وقال علي بن المديني : هو ثقة إلا أنه خرف وكبر فسمع منه الثوري بعد الخرف وسماع ابن أبي ذئب منه قبل ذلك . وقال ابن حبان : تغير في سنة خمس وعشرين ومائة وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن الثقات فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز فاستحق الترك انتهى كلامه .

    وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط . وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا وحديث عائشة مسلكا آخر فقال صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة وترك ذلك آخر الفعلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما نقلت . ورد ذلك على الطحاوي جماعة منهم البيهقي وغيره . قال البيهقي : ولو كان عند أبي هريرة نسخ ما روته عائشة لذكره يوم صلي على أبي بكر الصديق في المسجد ويوم صلي على عمر بن الخطاب في المسجد ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره .

    قال الخطابي : وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلى عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه قال ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت متأولا على نقصان الأجر وذلك أن من صلى عليها في المسجد فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه وأن من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه وأحرز أجر القيراطين وقد يؤجر أيضا على كثرة خطاه وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد .

    وتأولت طائفة معنى قوله فلا شيء له أي فلا شيء عليه ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان كما قال تعالى : وإن أسأتم فلها [ الإسراء 7 ] أي فعليها فهذه طرق الناس في هذين الحديثين .

    والصواب ما ذكرناه أولا وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد . والله أعلم

    فصل

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تسجية الميت إذا مات وتغميض عينيه وتغطية وجهه وبدنه

    وكان ربما يقبل الميت كما قبل عثمان بن مظعون وبكى وكذلك الصديق أكب عليه فقبله بعد موته صلى الله عليه وسلم وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة وكان لا يغسل الشهداء قتلى المعركة وذكر الإمام أحمد أنه نهى عن تغسيلهم وكان ينزع عنهم الجلود والحديد ويدفنهم في ثيابهم ولم يصل عليهم .

    وكان إذا مات المحرم أمر أن يغسل بماء وسدر ويكفن في ثوبيه وهما ثوبا حرامه إزاره ورداؤه وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه وكان يأمر من ولي الميت أن يحسن كفنه ويكفنه في البياض وينهى عن المغالاة في الكفن وكان إذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه وجعل على رجليه من العشب

    فصل [ لم يكن يصلي على المدين ]

    وكان إذا قدم إليه ميت يصلي عليه سأل هل عليه دين أم لا ؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه وإن كان عليه دين لم يصل عليه وأذن لأصحابه أن يصلوا عليه فإن صلاته شفاعة وشفاعته موجبة والعبد مرتهن بدينه ولا يدخل الجنة حتى يقضى عنه فلما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ويتحمل دينه ويدع ماله لورثته .

    فإذا أخذ في الصلاة عليه كبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهرا وقال لتعلموا أنها سنة وكذلك قال أبو أمامة بن سهل : إن قراءة الفاتحة في الأولى سنة

    ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب . ولا يصح إسناده . قال شيخنا : لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل هي سنة وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة .

    وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال أنا والله أخبرك : تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتقول اللهم إن عبدك فلانا كان لا يشرك بك وأنت أعلم به إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده

    فصل [ الدعاء للميت في الصلاة عليه ]

    ومقصود الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت لذلك حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقل عنه ما لم ينقل من قراءة الفاتحة والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم . فحفظ من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار

    وحفظ من دعائه اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده

    وحفظ من دعائه اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر ومن عذاب النار فأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم

    وحفظ من دعائه أيضا : اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت رزقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وتعلم سرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها

    [ التكبير في الصلاة على الجنازة ]

    وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخلاص الدعاء للميت وكان يكبر أربع تكبيرات وصح عنه أنه كبر خمسا وكان الصحابة بعده يكبرون أربعا وخمسا وستا فكبر زيد بن أرقم خمسا وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبرها ذكره مسلم .

    وكبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على سهل بن حنيف ستا وكان يكبر على أهل بدر ستا وعلى غيرهم من الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا ذكره الدارقطني .

    وذكر سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة أنه قال كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا . وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده .

    والذين منعوا من الزيادة على الأربع منهم من احتج بحديث ابن عباس أن آخر جنازة صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعا . قالوا : وهذا آخر الأمرين وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله صلى الله عليه وسلم هذا . وهذا الحديث قد قال الخلال في " العلل " : أخبرني حرب قال سئل الإمام أحمد عن حديث أبي المليح عن ميمون عن ابن عباس فذكر الحديث . فقال أحمد هذا كذب ليس له أصل إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث .

    واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس أن الملائكة لما صلت على آدم عليه الصلاة والسلام كبرت عليه أربعا وقالوا : تلك سنتكم يا بني آدم وهذا الحديث قد قال في الأثرم : جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة فسمعت أبا عبد الله قال رأيت أحاديثه موضوعة فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن الملائكة لما صلت على آدم كبرت عليه أربعا واستعظمه أبو عبد الله وقال أبو المليح كان أصح حديثا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا .

    واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة لما صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالت هذه سنتكم يا بني آدم وهذا لا يصح . وقد روي مرفوعا وموقوفا . وكان أصحاب معاذ يكبرون خمسا قال علقمة قلت لعبد الله إن ناسا من أصحاب معاذ قدموا من الشام فكبروا على ميت لهم خمسا فقال عبد الله ليس على الميت في التكبير وقت كبر ما كبر الإمام فإذا انصرف الإمام فانصرف

    فصل [ التسليم من صلاة الجنازة ]

    وأما هديه صلى الله عليه وسلم في التسليم من صلاة الجنازة فروي عنه أنه كان يسلم واحدة . وروي عنه أنه كان يسلم تسليمتين . فروى البيهقي وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر أربعا وسلم تسليمة واحدة

    لكن قال الإمام أحمد في رواية الأثرم : هذا الحديث عندي موضوع ذكره الخلال في " العلل " . وقال إبراهيم الهجري حدثنا عبد الله بن أبي أوفى : أنه صلى على جنازة ابنته فكبر أربعا فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمسا ثم سلم عن يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا ؟ فقال إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع أو هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال ابن مسعود : ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ذكرهما البيهقي . ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري ضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو حاتم وحديثه هذا قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عنه وقال كبر عليها أربعا ثم قام ساعة فسبح به القوم فسلم ثم قال كنتم ترون أن أزيد على أربع وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أربعا ولم يقل ثم سلم عن يمينه وشماله . ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي عنه كذلك ولم يقل ثم سلم عن يمينه وشماله . وذكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه .

    قال البيهقي : ثم عزاه للنبي صلى الله عليه وسلم في التكبير فقط أو في التكبير وغيره . قلت : والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك أنه كان يسلم واحدة ذكره الإمام أحمد عنه . قال أحمد بن القاسم قيل لأبي عبد الله أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين ؟ قال لا ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وواثلة بن الأسقع وابن أبي أوفى وزيد بن ثابت . وزاد البيهقي : علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبا أمامة بن سهل بن حنيف فهؤلاء عشرة من الصحابة وأبو أمامة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين

    [ رفع اليدين في صلاة الجنازة ]

    وأما رفع اليدين فقال الشافعي : ترفع للأثر والقياس على السنة في الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبرها في الصلاة وهو قائم قلت : يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر وأنس بن مالك أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرا على الجنازة ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في أول التكبير ويضع اليمنى على اليسرى ذكره البيهقي في السنن .

    [ وضع اليمين على الشمال في صلاة الجنازة ]

    وفي الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرهاوي .
    [ الصلاة على القبر ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى مرة على قبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا .

    قال أحمد رحمه الله من يشك في الصلاة على القبر ؟ ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته الجنازة صلى على القبر من ستة أوجه كلها حسان فحد الإمام أحمد الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعده وحده الشافعي رحمه الله بما إذا لم يبل الميت ومنع منها مالك و أبو حنيفة رحمهما الله إلا للولي إذا كان غائبا .
    فصل [ الصلاة على الطفل ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على الطفل فصح عنه أنه قال الطفل يصلى عليه وفي " سنن ابن ماجه " مرفوعا صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم

    قال أحمد بن أبي عبدة : سألت أحمد : متى يجب أن يصلى على السقط ؟ قال إذا أتى عليه أربعة أشهر لأنه ينفخ فيه الروح .

    قلت فحديث المغيرة بن شعبة الطفل يصلى عليه ؟ قال صحيح مرفوع قلت ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيرها ؟ قال قد قاله سعيد بن المسيب .

    فإن قيل فهل صلى النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم يوم مات ؟ قيل قد اختلف في ذلك فروى أبو داود في " سننه " عن عائشة رضي الله عنها قالت مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة . . . فذكره .

    وقال أحمد في رواية حنبل هذا حديث منكر جدا ووهى ابن إسحاق . وقال الخلال وقرئ على عبد الله حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل قال حدثنا جابر الجعفي عن عامر عن البراء بن عازب قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا

    وذكر أبو داود عن البهي قال لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقاعد وهو مرسل والبهي اسمه عبد الله بن يسار كوفي .

    وذكر عن عطاء بن أبي رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة . وهذا مرسل وهم فيه عطاء فإنه قد كان تجاوز السنة .

    فاختلف الناس في هذه الآثار فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث عائشة كما قال الإمام أحمد وغيره قالوا : وهذه المراسيل مع حديث البراء يشد بعضها بعضا ومنهم من ضعف حديث البراء بجابر الجعفي وضعف هذه المراسيل وقال حديث ابن إسحاق أصح منها .

    ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصل عليه فقالت طائفة استغنى ببنوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قربة الصلاة التي هي شفاعة له كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه .

    وقالت طائفة أخرى : إنه مات يوم كسفت الشمس فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه .

    وقالت طائفة لا تعارض بين هذه الآثار فإنه أمر بالصلاة عليه فقيل صلي عليه ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف وقيل لم يصل عليه وقالت فرقة رواية المثبت أولى لأن معه زيادة علم وإذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات

  11. #41
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع


    فصل [ الصلاة على المنتحر والغال والمقتول حدا ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي على من قتل نفسه ولا على من غل من الغنيمة .

    واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا كالزاني المرجوم فصح عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى على الجهنية التي رجمها فقال عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ؟ فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى ذكره مسلم .

    وذكر البخاري في " صحيحه " قصة ماعز بن مالك وقال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلى عليه وقد اختلف على الزهري في ذكر الصلاة عليه فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق فلم يذكروها وهم إسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي ونوح بن حبيب والحسن بن علي ومحمد بن المتوكل وحميد بن زنجويه وأحمد بن منصور الرمادي .

    قال البيهقي : وقول محمود بن غيلان : إنه صلى عليه خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه . وقد اختلف في قصة ماعز بن مالك فقال أبو سعيد الخدري : ما استغفر له ولا سبه وقال بريدة بن الحصيب إنه قال استغفروا لماعز بن مالك فقالوا : غفر الله لماعز بن مالك . ذكرهما مسلم .

    وقال جابر : فصلى عليه ذكره البخاري وهو حديث عبد الرزاق المعلل وقال أبو برزة الأسلمي : لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن الصلاة عليه ذكره أبو داود .

    قلت حديث الغامدية لم يختلف فيه أنه صلى عليها وحديث ماعز إما أن يقال لا تعارض بين ألفاظه فإن الصلاة فيه هي دعاؤه له بأن يغفر الله له وترك الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبا وتحذيرا وإما أن يقال إذا تعارضت ألفاظه عدل عنه إلى حديث الغامدية :

    فصل [ أبحاث المشي أمام الجنازة والإسراع بها ]

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى على ميت تبعه إلى المقابر ماشيا أمامه . وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين من بعده وسن لمن تبعها إن كان راكبا أن يكون وراءها وإن كان ماشيا أن يكون قريبا منها إما خلفها أو أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها . وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرملون بها رملا وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود .

    وكان أبو بكرة يرفع السوط على من يفعل ذلك ويقول لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا قال ابن مسعود رضي الله عنه سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال ما دون الخبب رواه أهل السنن وكان يمشي إذا تبع الجنازة ويقول لم أكن لأركب والملائكة يمشون فإذا انصرف عنها فربما مشى وربما ركب .

    وكان إذا تبعها لم يجلس حتى توضع وقال إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والمراد وضعها بالأرض .

    قلت : قال أبو داود روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة . قال وفيه " حتى توضع بالأرض " ورواه أبو معاوية عن سهيل وقال " حتى توضع في اللحد " . قال وسفيان أحفظ من أبي معاوية وقد روى أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد لكن في إسناده بشر بن رافع قال الترمذي : ليس بالقوي في الحديث وقال البخاري : لا يتابع على حديثه وقال أحمد : ضعيف وقال ابن معين : حدث بمناكير وقال النسائي : ليس بالقوي وقال ابن حبان : يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها .

    فصل [ الصلاة على الغائب ]

    ولم يكن من هديه وسنته صلى الله عليه وسلم الصلاة على كل ميت غائب . فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق أحدها : أن هذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقال أبو حنيفة ومالك : هذا خاص به وليس ذلك لغيره قال أصحابهما : ومن الجائز أن يكون رفع له سريره فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد وإن كان على مسافة من البعد والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة .

    قالوا : ويدل على هذا أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلي على كل الغائبين غيره وتركه سنة كما أن فعله سنة ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة ويرفع له حتى يصلي عليه فعلم أن ذلك مخصوص به . وقد روي عنه أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب ولكن لا يصح فإن في إسناده العلاء بن زيد ويقال ابن زيدل قال علي بن المديني : كان يضع الحديث ورواه محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس . قال البخاري : لا يتابع عليه .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي صلى الله عليه وسلم صلى على الغائب وتركه وفعله وتركه سنة وهذا له موضع وهذا له موضع والله أعلم والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد وأصحها : هذا التفصيل والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقا .
    فصل [القيام للجنازة ]

    وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قام للجنازة لما مرت به وأمر بالقيام لها وصح عنه أنه قعد فاختلف في ذلك فقيل القيام منسوخ والقعود آخر الأمرين وقيل بل الأمران جائزان وفعله بيان للاستحباب وتركه بيان للجواز وهذا أولى من ادعاء النسخ .
    فصل حكم الدفن وسنية اللحد

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ألا يدفن الميت عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا حين يقوم قائم الظهيرة .

    وكان من هديه اللحد وتعميق القبر وتوسيعه من عند رأس الميت ورجليه ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله . وفي رواية بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله . ويذكر عنه أيضا أنه كان يحثو التراب على قبر الميت إذا دفن من قبل رأسه ثلاثا .

    وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه وسأل له التثبيت وأمرهم أن يسألوا له التثبيت .

    [ تلقين الميت ]

    ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم وأما الحديث الذي رواه الطبراني في " معجمه " من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله

    ولكن لا تشعرون ثم يقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما . فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه ؟ قال فينسبه إلى حواء : يا فلان بن حواء .

    فهذا حديث لا يصح رفعه ولكن قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقت عليه الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله . فقال ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه وكان ابن عياش يروي فيه . قلت : يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة . وقد ذكر سعيد بن منصور في " سننه " عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا : إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره يا فلان قل لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام نبيي محمد
    فصل [ لا تعلى القبور ولا تشيد ]

    ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا بناؤها بآجر ولا بحجر ولبن ولا تشييدها ولا تطيينها ولا بناء القباب عليها فكل هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم .

    وقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن ألا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه فسنته صلى الله عليه وسلم تسوية هذه القبور المشرفة كلها ونهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه .

    وكانت قبور أصحابه لا مشرفة ولا لاطئة وهكذا كان قبره الكريم وقبر صاحبيه فقبره صلى الله عليه وسلم مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطين وهكذا كان قبر صاحبيه .
    فصل [ لا تتخذ القبور مساجد ]

    ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله

    ونهى عن الصلاة إلى القبور ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا ولعن زورات القبور .

    وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ وألا يجلس عليها ويتكأ عليها ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها وتتخذ أعيادا وأوثانا .
    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور

    كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية .

    وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت من الدعاء والترحم والاستغفار . فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به والإقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت وهم ثلاثة أقسام إما أن يدعوا الميت أو يدعوا به أو عنده ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق

    فصل [ حكم التعزية وعدم الاجتماع لها ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره وكل هذا بدعة حادثة مكروهة . وكان من هديه السكون والرضى بقضاء الله والحمد لله والاسترجاع ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه أو رفع صوته بالندب والنياحة أو حلق لها شعره .

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما يرسلونه إليهم وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشيم والحمل عن أهل الميت فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام الناس .

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ترك نعي الميت بل كان ينهى عنه ويقول هو من عمل الجاهلية وقد كره حذيفة أن يعلم به أهله الناس إذا مات وقال أخاف أن يكون من النعي

    فصل صلاة الخوف

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أن أباح الله سبحانه وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه وهذا كان من هديه صلى الله عليه وسلم وبه تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف .

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يصف المسلمين كلهم خلفه ويكبر ويكبرون جميعا ثم يركع فيركعون جميعا ثم يرفع ويرفعون جميعا معه ثم ينحدر بالسجود والصف الذي يليه خاصة ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو فإذا فرغ من الركعة الأولى ونهض إلى الثانية سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول مكانهم لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين وليدرك الصف الثاني مع النبي صلى الله عليه وسلم السجدتين في الركعة الثانية كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه وفيما قضوا لأنفسهم وذلك غاية العدل فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ولحقوه في التشهد فيسلم بهم جميعا .

    وإن كان العدو في غير جهة القبلة فإنه كان تارة يجعلهم فرقتين فرقة بإزاء العدو وفرقة تصلي معه فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى وتجيء الأخرى إلى مكان هذه فتصلي معه الركعة الثانية ثم تسلم وتقضي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام .

    وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم يقوم إلى الثانية وتقضي هي ركعة وهو واقف وتسلم قبل ركوعه وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية فإذا جلس في التشهد قامت فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد فإذا تشهدت يسلم بهم .

    وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين فتسلم قبله وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين ويسلم بهم فتكون له أربعا ولهم ركعتين ركعتين .

    وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعتين ويسلم فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة .

    وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا فيكون له ركعتان ولهم ركعة ركعة وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها . قال الإمام أحمد كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز .

    وقال ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه أو تختار واحدا منها ؟ قال أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن .

    وظاهر هذا أنه جوز أن تصلي كل طائفة معه ركعة ركعة ولا تقضي شيئا وهذا مذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله وطاووس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق بن راهويه .

    قال صاحب " المغني " : وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك وأصحابنا ينكرونه . وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف صفات أخر ترجع كلها إلى هذه وهذه أصولها وربما اختلف بعض ألفاظها وقد ذكرها بعضهم عشر صفات وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة

    والصحيح ما ذكرناه أولا وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من اختلاف الرواة . والله أعلم .
    التعديل الأخير تم بواسطة متواصل ; 05-22-2010 الساعة 05:37 PM

  12. #42
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة

    هديه في الزكاة أكمل هدي في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها . وقد راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه وقيد النعمة بها على الأغنياء فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له .
    [ الأصناف التي تجب فيها الزكاة ]

    ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال وهي أكثر الأموال دورانا بين الخلق وحاجتهم إليها ضرورية .

    أحدها : الزرع والثمار .

    الثاني : بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم .

    الثالث الجوهران اللذان بهما قوام العالم وهما الذهب والفضة .

    الرابع أموال التجارة على اختلاف أنواعها .

    [ وقت وجوبها ]

    ثم إنه أوجبها مرة كل عام وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها واستوائها وهذا أعدل ما يكون إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب الأموال ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين فلم يكن أعدل من وجوبها كل عام مرة .
    [ نصاب الزكاة ]

    ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها وسهولة ذلك ومشقته فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا من الأموال وهو الركاز . ولم يعتبر له حولا بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به .

    وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت مشقة تحصيله وتعبه وكلفته فوق ذلك وذلك في الثمار والزروع التي يباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها ويتولى الله سقيها من عنده بلا كلفة من العبد ولا شراء ماء ولا إثارة بئر ودولاب .

    وأوجب نصف العشر فيما تولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح وغيرها . وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من رب المال بالضرب في الأرض تارة وبالإدارة تارة وبالتربص تارة ولا ريب أن كلفة هذا أعظم من كلفة الزرع والثمار وأيضا فإن نمو الزرع والثمار أظهر وأكثر من نمو التجارة فكان واجبها أكثر من واجب التجارة وظهور النمو فيما يسقى بالسماء والأنهار أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح وظهوره فيما وجد محصلا مجموعا كالكنز أكثر وأظهر من الجميع .

    ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساة كل مال وإن قل جعل للمال الذي تحتمله المواساة نصبا مقدرة المواساة فيها لا تجحف بأرباب الأموال وتقع موقعها من المساكين فجعل للورق مائتي درهم وللذهب عشرين مثقالا وللحبوب والثمار خمسة أوسق وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب وللغنم أربعين شاة وللبقر ثلاثين بقرة وللإبل خمسا لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسها أوجب فيها شاة . فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسا وعشرين احتمل نصابها واحدا منها فكان هو الواجب .

    ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض وفوقه ابن لبون وبنت لبون وفوقه الحق والحقة وفوقه الجذع والجذعة وكلما كثرت الإبل زاد السن إلى أن يصل السن إلى منتهاه فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد المال .

    [ أصناف من يأخذ الزكاة ]

    فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قدرا يحتمل المواساة ولا يجحف بها ويكفي المساكين ولا يحتاجون معه إلى شيء ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء فوقع الظلم من الطائفتين الغني يمنع ما وجب عليه والآخذ يأخذ ما لا يستحقه فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين وفاقة شديدة أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة والرب سبحانه تولى قسم الصدقة بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان من الناس
    أحدهما : من يأخذ لحاجة فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل .
    والثاني : من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون لإصلاح ذات البين والغزاة في سبيل الله فإن لم يكن الآخذ محتاجا ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة

    فصل [ إعطاؤه من هو أهل للزكاة ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا علم من الرجل أنه من أهل الزكاة أعطاه وإن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب . وكان يأخذها من أهلها ويضعها في حقها .

    [ تفريق الزكاة على المستحقين من أهل البلد ]

    وكان من هديه تفريق الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال وما فضل عنهم منها حملت إليه ففرقها هو صلى الله عليه وسلم ولذلك كان يبعث سعاته إلى البوادي ولم يكن يبعثهم إلى القرى بل أمر معاذ بن جبل أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ويعطيها فقراءهم ولم يأمره بحملها إليه .
    [ بعث السعاة لجباية الزكاة ]

    ولم يكن من هديه أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار وكان يبعث الخارص فيخرص على أرباب النخيل تمر نخيلهم وينظر كم يجيء منه وسقا فيحسب عليهم من الزكاة بقدره وكان يأمر الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه عليهم لما يعرو النخيل من النوائب وكان هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتصرم وليتصرف فيها أربابها بما شاءوا ويضمنوا قدر الزكاة ولذلك كان يبعث الخارص إلى من ساقاه من أهل خيبر وزارعه فيخرص عليهم الثمار والزروع ويضمنهم شطرها وكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة فأرادوا أن يرشوه فقال عبد الله تطعموني السحت ؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي لك وحبي إياه أن لا أعدل عليكم فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض
    [ بعض الأصناف التي لا تجب فيها الزكاة ]

    ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل والرقيق ولا البغال ولا الحمير ولا الخضراوات ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا العنب والرطب فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بين ما يبس منه وما لم ييبس

    فصل [ زكاة العسل ]

    واختلف عنه صلى الله عليه وسلم في العسل فروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي واديا يقال له سلبة فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك فكتب عمر إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء

    وفي رواية في هذا الحديث من كل عشر قرب قربة

    وروى ابن ماجه في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه أخذ من العسل العشر

    - 12 - وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي سيارة المتعي قال قلت : يا رسول الله إن لي نحلا . قال أد العشر " قلت : يا رسول الله احمها لي فحماها لي

    وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر

    قال الشافعي : أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم قلت يا رسول الله اجعل لقومي من أموالهم ما أسلموا عليه ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعملني عليهم ثم استعملني أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما قال وكان سعد من أهل السراة قال فكلمت قومي في العسل فقلت لهم فيه زكاة فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى . فقالوا : كم ترى ؟ قلت العشر . فأخذت منهم العشر فلقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبرته بما كان . قال فقبضه عمر ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين ورواه الإمام أحمد ولفظه للشافعي .

    [ من قال ليس في العسل الزكاة ]

    واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها فقال البخاري : ليس في زكاة العسل شيء يصح وقال الترمذي : يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير شيء . وقال ابن المنذر : ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع فلا زكاة فيه وقال الشافعي : الحديث في أن في العسل العشر ضعيف وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز .

    قال هؤلاء وأحاديث الوجوب كلها معلولة أما حديث ابن عمر فهو من رواية صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار عن نافع عنه وصدقة ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما وقال البخاري : هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وقال النسائي : صدقة ليس بشيء وهذا حديث منكر .

    وأما حديث أبي سيارة المتعي فهو من رواية سليمان بن موسى عنه قال البخاري : سليمان بن موسى لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر ففيه أسامة بن زيد بن أسلم يرويه عن عمرو وهو ضعيف عندهم قال ابن معين : بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء وقال الترمذي : ليس في ولد زيد بن أسلم ثقة .

    وأما حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة : فما أظهر دلالته لو سلم من عبد الله بن محرر راويه عن الزهري قال البخاري في حديثه هذا : عبد الله بن محرر متروك الحديث وليس في زكاة العسل شيء يصح .

    وأما حديث الشافعي رحمه الله فقال البيهقي : رواه الصلت بن محمد عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن ( هو ابن أبي ذباب عن منير بن عبد الله عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن الحارث بن أبي ذباب . قال البخاري : عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه وقال علي بن المديني : منير هذا لا نعرفه إلا في هذا الحديث كذا قال لي . قال الشافعي : وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل وإنما هو شيء رآه فتطوع له به أهله . قال الشافعي : واختياري أن لا يؤخذ منه لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه وليست ثابتة فيه فكأنه عفو .

    وقد روى يحيى بن آدم حدثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال ليس في العسل زكاة

    قال يحيى : وسئل حسن بن صالح عن العسل ؟ فلم ير فيه شيئا . وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئا . قال الحميدي حدثنا سفيان حدثنا إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن معاذ بن جبل أنه أتى بوقص البقر والعسل فقال معاذ : كلاهما لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء .

    وقال الشافعي : أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر قال جاءنا كتاب من عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أبي وهو بمنى أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة وإلى هذا ذهب مالك والشافعي .

    [ من قال في العسل زكاة ]

    وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضا وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها . وقد سئل أبو حاتم الرازي عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه ؟ قال نعم . قال هؤلاء ولأنه يتولد من نور - 15 - الشجر والزهر ويكال ويدخر فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار . قالوا : والكلفة في أخذه دون الكلفة في الزرع والثمار ثم قال أبو حنيفة : إنما يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر فإن أخذ من أرض الخراج لم يجب فيه شيء عنده لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراج لأجل ثمارها وزرعها فلم يجب فيها حق آخر لأجلها وأرض العشر لم يجب في ذمته حق عنها فلذلك وجب الحق فيما يكون منها .

    وسوى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك وأوجبه فيما أخذ من ملكه أو موات عشرية كانت الأرض أو خراجية .

    ثم اختلف الموجبون له هل له نصاب أم لا ؟ على قولين . أحدهما : أنه يجب في قليله وكثيره وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله والثاني : أن له نصابا معينا ثم اختلف في قدره فقال أبو يوسف : هو عشرة أرطال .

    وقال محمد بن الحسن : هو خمسة أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلا بالعراقي . وقال أحمد : نصابه عشرة أفراق ثم اختلف أصحابه في الفرق على ثلاثة أقوال . أحدها : إنه ستون رطلا والثاني : إنه ستة وثلاثون رطلا .

    والثالث ستة عشر رطلا وهو ظاهر كلام الإمام أحمد والله أعلم .

    فصل [ دعاؤه صلى الله عليه وسلم لجابي الزكاة ]

    [ النهي عن الأخذ من كرائم الأموال ]

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل بالزكاة دعا له . فتارة يقول اللهم بارك فيه وفي إبله وتارة يقول اللهم صل عليه ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال في الزكاة بل وسط المال ولهذا نهى معاذا عن ذلك .

    فصل [ التصرف في الصدقة ]

    وكان صلى الله عليه وسلم ينهى المتصدق أن يشتري صدقته وكان يبيح للغني أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير وأكل صلى الله عليه وسلم من لحم تصدق به على بريرة وقال هوعليها صدقة ولنا منها هديه " .

    وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة كما جهز جيشا فنفدت الإبل فأمر عبد الله بن عمرو أن يأخذ من قلائص الصدقة وكان يسم إبل الصدقة بيده وكان يسمها في آذانها

    وكان إذا عراه أمر استسلف الصدقة من أربابها كما استسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر

    [ من تجب عليه ومقدارها ]

    فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم وعلى من يمونه من صغير وكبير ذكر وأنثى حر وعبد صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب .

    وروي عنه أو صاعا من دقيق وروي عنه نصف صاع من بر .

    والمعروف أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء ذكره أبو داود .

    وفي " الصحيحين أن معاوية هو الذي قوم ذلك وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضا .

    فمنها : حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع من بر أو قمح على كل اثنين رواه الإمام أحمد وأبو داود .

    وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا في فجاج مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير مدان من قمح أو سواه صاعا من طعام قال الترمذي : حديث حسن غريب .

    وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاع من حنطة وفيه سليمان بن موسى وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم .

    قال الحسن البصري : خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال أخرجوا صدقة صومكم فكأن الناس لم يعلموا . فقال من هاهنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير فلما قدم علي رضي الله عنه رأى رخص السعر قال قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل شيء رواه أبو داود وهذا لفظه والنسائي وعنده فقال علي : أما إذ أوسع الله عليكم فأوسعوا اجعلوها صاعا من بر وغيره وكان شيخنا رحمه الله يقوي هذا المذهب ويقول هو قياس قول أحمد في الكفارات أن الواجب فيها من البر نصف الواجب من غيره .

    فصل [ وقت إخراج صدقة الفطر وكذا الأضحية ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد وفي " السنن " عنه أنه قال من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات

    وفي " الصحيحين " عن ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة

    - 21 - ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة وهذا هو الصواب فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ناسخ ولا إجماع يدفع القول بهما وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام لا على وقتها وأن من ذبح قبل صلاة الإمام لم تكن ذبيحته أضحية بل شاة لحم . وهذا أيضا هو الصواب في المسألة الأخرى وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضعين .
    فصل [ لا تعطى صدقة الفطر إلا للمساكين ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة ولا أمر بذلك ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم بل أحد القولين عندنا : إنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة , وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية .

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع

    كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله وكان لا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة .

    وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه . وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل ببعير جابر .
    وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بحاله وقوله فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى .

    وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر وانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه

    فصل في أسباب شرح الصدور وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم

    فأعظم أسباب شرح الصدر التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه . قال الله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه [ الزمر 22 ] . وقال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ الأنعام 125 ]

    فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه ومنها : النور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب . فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصعبه .

    وقد روى الترمذي في " جامعه " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح . قالوا : وما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه .

    ومنها : العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو العلم النافع فأهله أشرح الناس صدرا وأوسعهم قلوبا وأحسنهم أخلاقا وأطيبهم عيشا .

    ومنها : الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك . حتى إنه ليقول أحيانا : إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب النفس ونعيم القلب لا يعرفه إلا من له حس به وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر أفسح وأشرح ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن فرؤيتهم قذى عينه ومخالطتهم حمى روحه .

    ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى وتعلق القلب بغيره والغفلة عن ذكره ومحبة سواه فإن من أحب شيئا غير الله عذب به وسجن قلبه في محبة ذلك الغير فما في الأرض أشقى منه ولا أكسف بالا ولا أنكد عيشا ولا أتعب قلبا فهما محبتان محبة هي جنة الدنيا وسرور النفس ولذة القلب ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها بل حياتها وقرة عينها وهي محبة الله وحده بكل القلب وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه .

    ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر وهي سبب الألم والنكد والعناء وهي محبة ما سواه سبحانه .

    ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه .

    ومنها : الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا وأنكدهم عيشا وأعظمهم هما وغما . وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلا للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثيابه ويعفي أثره وكلما هم البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه

    ومنها الشجاعة فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا لا فرحة له ولا سرور ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه متعلق القلب بغيره .
    وإن هذا النعيم والسرور يصير في القبر رياضا وجنة وذلك الضيق والحصر ينقلب في القبر عذابا وسجنا .

    فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض ولا بضيق صدر هذا لعارض فإن العوارض تزول بزوال أسبابها وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه فهي الميزان والله المستعان .

    ومنها بل من أعظمها : إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه وتحول بينه وبين حصول البرء فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه وهو للمادة الغالبة عليه منهما .

    ومنها : ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم فإن هذه الفضول تستحيل آلاما وغموما وهموما في القلب تحصره وتحبسه وتضيقه ويتعذب بها بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم وما أنكد عيشه وما أسوأ حاله وما أشد حصر قلبه ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم وكانت همته دائرة عليها حائمة حولها فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم [ الانفطار 13 ] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى : وإن الفجار لفي جحيم [ الانفطار 14 ] وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى .

    والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر واتساع القلب وقرة العين وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي وأكمل الخلق متابعة له أكملهم انشراحا ولذة وقرة عين وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره وقرة عينه ولذة روحه ما ينال فهو صلى الله عليه وسلم في ذروة الكمال من شرح الصدر ورفع الذكر ووضع الوزر ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباعه والله المستعان . وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم وعصمته إياهم ودفاعه عنهم وإعزازه لهم ونصره لهم بحسب نصيبهم من المتابعة فمستقل ومستكثر . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه

  13. #43
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع


    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في في الصيام

    [ المقصود من الصيام وفوائده ]

    لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين .

    وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال فإن الصائم لا يفعل شيئا وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر وذلك حقيقة الصوم .

    وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلت البقرة 185 ] .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم الصوم جنة .

    وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام وجعله وجاء هذه الشهوة .

    والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة بهم وإحسانا إليهم وحمية لهم وجنة . وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي وأعظم تحصيل للمقصود وأسهله على النفوس .

    ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة وألفت أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدريج

    [ زمن فرضية الصيام ]

    وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات وفرض أولا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا وللحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام - 30 - المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام .

    وكان للصوم رتب ثلاث إحداها : إيجابه بوصف التخيير . والثانية تحتمه لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة

    فصل [ إكثار العبادات في رمضان ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف

    [ الوصال ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " يطعمني ربي ويسقيني ]

    وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة وكان ينهى أصحابه عن الوصال فيقولون له إنك تواصل فيقول لست كهيئتكم إني أبيت - وفي رواية إني أظل - عند ربي يطعمني ويسقيني

    وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين .

    أحدهما : أنه طعام وشراب حسي للفم قالوا : وهذه حقيقة اللفظ ولا موجب للعدول عنها .

    الثاني : أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل

    لها أحاديث من ذكراك تشغلها
    عن الشراب وتلهيها عن الزاد

    لها بوجهك نور تستضيء به
    ومن حديثك في أعقابها حادي

    إذا شكت من كلال السير أوعدها
    روح القدوم فتحيا عند ميعاد

    ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضى عنه وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفي به معتن بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب ؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانا إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه وتمكن حبه منه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا ؟ ولهذا قال إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني .

    ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم لما كان صائما فضلا عن كونه مواصلا وأيضا فلو كان ذلك في الليل لم يكن مواصلا ولقال لأصحابه إذ قالوا له إنك تواصل " لست أواصل " . ولم يقل " لست كهيئتكم " بل أقرهم على نسبة الوصال إليه وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك بما بينه من الفارق كما في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل في رمضان فواصل الناس فنهاهم فقيل له أنت تواصل . فقال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى .

    وسياق البخاري لهذا الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا : إنك تواصل . قال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال . فقال رجل من المسلمين إنك يا رسول الله تواصل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني .

    وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الوصال فأبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر الهلال لزدتكم . كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال .

    وفي لفظ آخر لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم إني لست مثلكم أو قال إنكم لستم مثلي فإني أظل يطعمني ربي ويسقيني فأخبر أنه يطعم ويسقى مع كونه مواصلا وقد فعل فعلهم منكلا بهم معجزا لهم فلو كان يأكل ويشرب لما كان ذلك تنكيلا ولا تعجيزا بل ولا وصالا وهذا بحمد الله واضح .

    وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة للأمة وأذن فيه إلى السحر وفي " صحيح البخاري " عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر

    [ الاختلاف في حكم الوصال وترجيح المصنف بجوازه من السحر إلى السحر ]

    فإن قيل فما حكم هذه المسألة وهل الوصال جائز أو محرم أو مكروه ؟ قيل اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال . أحدها : أنه جائز إن قدر عليه وهو مروي عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف وكان ابن الزبير يواصل الأيام ومن حجة أرباب هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوصال كما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة أنه نهى عن الوصال وقال إني لست كهيئتكم فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما فهذا وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال ولو كان النهي للتحريم لما أبوا أن ينتهوا ولما أقرهم عليه بعد ذلك .

    قالوا : فلما فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويقرهم علم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم وقد قالت عائشة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم متفق عليه .

    وقالت طائفة أخرى : لا يجوز الوصال منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري رحمهم الله قال ابن عبد البر : وقد حكاه عنهم إنهم لم يجيزوه لأحد قلت : الشافعي رحمه الله نص على كراهته واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريم أو تنزيه ؟ على وجهين واحتج المحرمون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : والنهي يقتضي التحريم .

    قالوا : وقول عائشة : " رحمة لهم " لا يمنع أن يكون للتحريم بل يؤكده فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم بل سائر مناهيه للأمة رحمة وحمية وصيانة .

    قالوا : وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا لهم كيف وقد نهاهم ولكن تقريعا وتنكيلا فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال وأحسوا منه الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله والخشوع في فرائضه والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة والجوع الشديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه تبين لهم حكمة النهي عن الوصال والمفسدة التي فيه لهم دونه صلى الله عليه وسلم

    قالوا : وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف ولئلا ينفر عن الإسلام ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنها ليست بصلاة وأن فاعلها غير مصل بل هي صلاة باطلة في دينه فأقره عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم

    قالوا : وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه .

    قالوا : وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه . فقال إني لست كهيئتكم ولو كان مباحا لهم لم يكن من خصائصه .

    قالوا : وفي " الصحيحين " من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم وفي " الصحيحين " نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى . قالوا : فجعله مفطرا حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر وذلك يحيل الوصال شرعا .

    قالوا : وقد قال صلى الله عليه وسلم لا تزال أمتي على الفطرة أو لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر
    وفي " السنن " عن أبي هريرة عنه لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر إن اليهود والنصارى يؤخرون
    وفي " السنن " عنه قال قال الله عز وجل أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا

    وهذا يقتضي كراهة تأخير الفطر فكيف تركه وإذا كان مكروها لم يكن عبادة فإن أقل درجات العبادة أن تكون مستحبة .

    والقول الثالث وهو أعدل الأقوال أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر وهذا هو المحفوظ عن أحمد وإسحاق لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر رواه البخاري .

    وهو أعدل الوصال وأسهله على الصائم وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه تأخر فالصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره والله أعلم
    فصل [ ثبوت رمضان ]

    وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما صام بشهادة ابن عمر وصام مرة بشهادة أعرابي واعتمد على خبرهما ولم يكلفهما لفظ الشهادة .

    فإن كان ذلك إخبارا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة . فإن لم تكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما .


    [ حكم صوم يوم الغيم ]

    وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صامه . ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم وكان يفعل كذلك فهذا فعله وهذا أمره ولا يناقض هذا قوله فإن غم عليكم فاقدروا له فإن القدر هو الحساب المقدر والمراد به الإكمال كما قال فأكملوا العدة والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غم كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري فأكملوا عدة شعبان .

    وقال لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة . والذي أمر بإكمال عدته هو الشهر الذي يغم وهو عند صيامه وعند الفطر منه وأصرح من هذا قوله الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة .

    وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى . وقال الشهر ثلاثون والشهر تسعة وعشرون فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين . وقال لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين وقال لا تروها الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة .

    وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤيته فإن غم عليه عد شعبان ثلاثين يوما ثم صام صححه الدارقطني وابن حبان .

    وقال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين . وقال لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن أغمي عليكم فاقدروا له . وقال لا تقدموا رمضان وفي لفظ لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صياما فليصمه .

    والدليل على أن يوم الإغمام داخل في هذا النهي حديث ابن عباس يرفعه لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين ذكره ابن حبان في " صحيحه " . فهذا صريح في أن صوم يوم الإغمام من غير رؤية ولا إكمال ثلاثين صوما قبل رمضان .

    وقال لا تقدموا الشهر إلا أن تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة

    وقال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

    وفي النسائي : من حديث يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس يرفعه صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوما فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة عدة شعبان

    وقال سماك عن عكرمة : عن ابن عباس : تمارى الناس في رؤية هلال رمضان فقال بعضهم اليوم . وقال بعضهم غدا . فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه رآه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال نعم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فنادى في الناس صوموا " . ثم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله يوما

    وكل هذه الأحاديث صحيحة فبعضها في " الصحيحين " وبعضها في " صحيح ابن حبان " والحاكم وغيرهما وإن كان قد أعل بعضها بما لا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها وتفسير بعضها ببعض واعتبار بعضها ببعض وكلها يصدق بعضها بعضا والمراد منها متفق عليه .

    [ سرد المصنف لروايات من صام يوم الغيم ]

    فإن قيل فإذا كان هذا هديه صلى الله عليه وسلم فكيف خالفه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص والحكم بن أيوب الغفاري وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر - 41 - وخالفه سالم بن عبد الله ومجاهد وطاووس وأبو عثمان النهدي ومطرف بن الشخير وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني وكيف خالفه إمام أهل الحديث والسنة أحمد بن حنبل ونحن نوجدكم أقوال هؤلاء مسندة ؟ فأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الوليد بن مسلم : أخبرنا ثوبان عن أبيه عن مكحول أن عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة ويقول ليس هذا بالتقدم ولكنه التحري

    وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال الشافعي : أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن علي بن أبي طالب قال لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .

    وأما الرواية عن ابن عمر ففي كتاب عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن عمر قال كان إذا كان سحاب أصبح صائما وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا وفي " الصحيحين " عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وإن غم عليكم فاقدروا له .

    زاد الإمام أحمد رحمه الله بإسناد صحيح عن نافع قال كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما

    وأما الرواية عن أنس رضي الله عنه فقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال رأيت الهلال إما الظهر وإما قريبا منه فأفطر ناس من الناس فأتينا أنس بن مالك فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من أفطر فقال هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يوما وذلك لأن الحكم بن أيوب أرسل إلي قبل صيام الناس إني صائم غدا فكرهت الخلاف عليه فصمت وأنا متم يومي هذا إلى الليل

    وأما الرواية عن معاوية فقال أحمد حدثنا المغيرة حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال حدثني مكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .

    وأما الرواية عن عمرو بن العاص . فقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب أخبرنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عمرو بن العاص أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان

    وأما الرواية عن أبي هريرة فقال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي مريم مولى أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقول لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني

    وأما الرواية عن عائشة رضي الله عنها فقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خمير عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان قال قالت عائشة : لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان - 43 - وأما الرواية عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فقال سعيد أيضا : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر قالت ما غم هلال رمضان إلا كانت أسماء متقدمة بيوم وتأمر بتقدمه

    وقال أحمد : حدثنا روح بن عباد عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان .

    وكل ما ذكرناه عن أحمد فمن مسائل الفضل بن زياد عنه . وقال في رواية الأثرم : إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائما وإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطرا وكذلك نقل عنه ابناه صالح وعبد الله والمروزي والفضل بن زياد وغيرهم .

    [الجواب على من صام يوم الغيم ]

    فالجواب من وجوه

    أحدهما : أن يقال ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالفا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما غاية المنقول عنهم صومه احتياطا وقد صرح أنس بأنه إنما صامه كراهة للخلاف على الأمراء ولهذا قال الإمام أحمد في رواية الناس تبع للإمام في صومه وإفطاره والنصوص التي حكيناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله إنما تدل على أنه لا يجب صوم يوم الإغمام ولا تدل على تحريمه فمن أفطره أخذ بالجواز ومن صامه أخذ بالاحتياط .

    الثاني : أن الصحابة كان بعضهم يصومه كما حكيتم وكان بعضهم لا يصومه وأصح وأصرح من روى عنه صومه عبد الله بن عمر قال ابن عبد البر : وإلى قوله ذهب طاووس اليماني وأحمد بن حنبل وروي مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر ولا أعلم أحدا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم قال وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم . قلت : المنقول عن علي وعمر وعمار وحذيفة وابن مسعود المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعا وهو الذي قال فيه عمار من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم

    [ترجيح المصنف لجواز صوم يوم الغيم احتياطا والنهي عنه تطوعا ]

    فأما صوم يوم الغيم احتياطا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه وإلا فهو تطوع . فالمنقول عن الصحابة يقتضي جوازه وهو الذي كان يفعله ابن عمر وعائشة . هذا مع رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غم هلال شعبان عد ثلاثين يوما ثم صام . وقد رد حديثها هذا بأنه لو كان صحيحا لما خالفته وجعل صيامها علة في الحديث وليس الأمر كذلك فإنها لم توجب صيامه وإنما صامته احتياطا وفهمت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن الصيام لا يجب حتى تكمل العدة ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنه لا يجوز .

    وهذا أعدل الأقوال في المسألة وبه تجتمع الأحاديث والآثار ويدل عليه ما رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما ورواه ابن أبي رواد عن نافع عنه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين

    وقال مالك وعبيد الله عن نافع عنه فاقدروا له فدل على أن ابن عمر لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين بل جوازه فإنه إذا صام يوم الثلاثين فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطا ويدل على ذلك أنه رضي الله عنه لو فهم من قوله صلى الله عليه وسلم اقدروا له تسعا وعشرين ثم صوموا كما يقوله الموجبون لصومه لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه ولا يأمر به ولبين أن ذلك هو الواجب على الناس .

    وكان ابن عباس رضي الله عنه لا يصومه ويحتج بقوله صلى الله عليه وسلم لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين

    وذكر مالك في " موطئه " هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر كأنه جعله مفسرا لحديث ابن عمر وقوله فاقدروا له

    وكان ابن عباس يقول عجبت ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين كأنه ينكر على ابن عمر .

    [بعض المسائل التي ترخص بها ابن عباس وتشدد بها ابن عمر ]

    وكذلك كان هذان الصاحبان الإمامان أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص وذلك في غير مسألة . وعبد الله بن عمر : كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد وكان يمنع من دخول الحمام وكان إذا دخله اغتسل منه وابن عباس : كان يدخل الحمام وكان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ولا يقتصر على ضربة واحدة ولا على الكفين وكان ابن عباس يخالفه ويقول التيمم ضربة للوجه والكفين وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته ويفتي بذلك وكان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى وكان ابن عباس يقول ما أبالي قبلتها أو شممت ريحانا

    وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلي الصلاة التي ذكرها ثم يعيد الصلاة التي كان فيها وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثا مرفوعا في " مسنده " والصواب أنه موقوف على ابن عمر . قال البيهقي : وقد روي عن ابن عمر مرفوعا ولا يصح قال وقد روي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح . والمقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط .

    وقد روى معمر عن أيوب عن نافع عنه أنه كان إذا أدرك مع الإمام ركعة أضاف إليها أخرى فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو . قال الزهري : ولا أعلم أحدا فعله غيره .

    قلت : وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة وإنما محله عقيب الشفع .

    [الدليل على أن الصحابة لم يصوموا الغيم على سبيل الوجوب]

    ويدل على أن الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب أنهم قالوا : لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان ولو كان هذا اليوم من رمضان حتما عندهم لقالوا : هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره . والله أعلم .

    ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابا وتحريا ما روي عنهم من فطره بيانا للجواز فهذا ابن عمر قد قال حنبل في " مسائله " : حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال سمعت ابن عمر يقول لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه

    قال حنبل وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبيدة بن حميد قال أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال سألوا ابن عمر . قالوا : نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء ؟ فقال أف أف صوموا مع الجماعة فقد صح عن ابن عمر أنه قال لا يتقدمن الشهر منكم أحد وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما

    وكذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأيتم الهلال فصوموا لرؤيته وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما

    فهذه الآثار إن قدر أنها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظا ومعنى وإن قدر أنها لا تعارض بينها فهاهنا طريقتان من الجمع إحداهما : حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم .

    والثانية حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابا لا وجوبا وهذه الآثار صريحة في نفي الوجوب وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك فيجعل أحدهما يوم شك والثاني يوم يقين مع حصول الشك فيه قطعا وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعا مع شكه هل هو منه أم لا ؟ تكليف بما لا يطاق وتفريق بين المتماثلين والله أعلم .


  14. #44
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,996
    Thanks
    54,953
    Thanked 43,772 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: السيره النبويه للدكتور طارق السويدان باسلوب رائع

    ..............

  15. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  16. #45
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    8,189
    Thanks
    3,008
    Thanked 5,600 Times in 2,542 Posts

    افتراضي رد: السيرة النبوية الشريفه

    يعطيك الف العافيه يا عميد المنتدى......

    واعتذر عن تأخري بالمشاركه لعدم الانتباه !!



    استغفر الله العظيم واتوب اليه من كل ذنب عظيم




  17. The Following 2 Users Say Thank You to أشرف أسعد For This Useful Post:


 

 
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الاردن في الاحاديث النبوية
    بواسطة abo musa في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-28-2011, 10:23 AM
  2. ((القلادة الذهبية في السيرة النبوية))
    بواسطة متواصل في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-22-2011, 11:00 PM
  3. (موسوعة السيرة النبوية)
    بواسطة متواصل في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-03-2010, 06:11 PM
  4. الهجرة النبويه الشريفه
    بواسطة متواصل في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-25-2009, 02:29 PM
  5. منتج فلم "ملك الخواتم" يجهز لفيلم عن (السيرة النبوية) بتمويل قطري
    بواسطة Abu Ibrahim في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11-03-2009, 01:45 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

Copyright 2009 - 2017, Stocks Experts Network. All rights reserved
BACK TO TOP