النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

  1. #1
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,546
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

    الجزائر: عين على العاصمة المثلثة


    دكتور محيي الدين عميمور
    تابع الجمهور الجزائري بكل اهتمام أحداث السودان، ربما ليستلهم من تطوراتها ما يُمكّنه من تفادي أي عثرات تؤثر على الأهداف الكبرى للحراك الجماهيري الجزائري الذي أدهش العالم بسلميته وفعاليته وحجمه، وهو ما يعود الفضل الأول فيه للمواطن الجزائري بقدر ما يجب أن يُحسَب بعضُ فضله للجهات الأمنية، قرارا وتنفيذا، وهو ما يجعلني أطالب مصالح الأمن بسرعة الكشف عن المجموعات التي قيل أنه ألقي عليها القبض، مسلحة، داخل تجمعات الحراك، وتقديمها للمحاكمة فورا، حرصا على مصداقية البيانات الأمنية.
    والواقع أن السنوات الأخيرة التي عاشها الوطن العربي وضعت تحت تصرف الجميع، وبفضل المعايشة المباشرة والتقدم المعلوماتي، تجارب متعددة في الانتفاضات الشعبية والتحركات الجماهيرية، ومن المؤكد أنها حملت في طياتها الكثير من محاولات الاختراق والاحتواء واستفزاز المصالح الأمنية.
    كانت التجربة الأولى التي توقف عندها كل وطني جزائري هو ما حدث عندما استقيل الرئيس الشاذلي بن جديد بعد التناقض السياسي الذي عرفته البلاد نتيجة لانتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول للانتخابات التشريعية التي أجريت في ديسمبر 1991.
    يومها ألغي الدور الثاني، واضطر الرئيس، بشكل أو بآخر، للاستقالة، وقيل يومها إن المجلس الوطني (البرلمان) سبق حلّه (وهو ما نفاه رئيس المجلس عبد العزيز بلخادم آنذاك) وبأن المؤهل الثاني لرئاسة الدولة، أي رئيس المجلس الدستوري (يومها عبد الملك بن حبيلص) اعتذر عن تحمل المسؤولية، وهكذا تحمل مسؤوليةَ مواجهة الفراغ القيادي مجلسٌ أعلى للأمن، لم يكن كثيرون يعرفون وجوده.
    واستُدعي من المغرب، حيث كان يعيش في منفىً اختياري، محمد بو ضياف، وهو واحد ممن عرفوا بالأحرار الخمسة، حيث كلف برئاسة لجنة أطلق عليها فيما بعد المجلس الأعلى للدولة، وضمت وزير الدفاع اللواء خالد نزار، والعقيد والسفير السابق علي كافي، بصفته الأمين العام لمنظمة المجاهدين، والمحامي علي هارون، بصفته ممثلا لما اصطلح على تسميته بالولاية الثورية السابعة، أي فرنسا (والذي كان صلة وصْلٍ مع بو ضياف) والدكتور التيجيني هدام، عميد مسجد باريس آنذاك، ليمثل التيار الإسلامي.
    وكان يمكن أن تسير الأمور بشكل مقبول، برغم أنها لم تكن تطبيقا فعليا للدستور، لولا أن المنطق الأمني فرض نفسه بشكل بالغ العنف، منطلقه الرئيسي خنقُ ما كان يُسمّى “الجبهات الثلاث”، والتي انتصرت بنسب متفاوتة في الانتخابات التشريعية، وهي الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس) وجبهة القوى الاشتراكية (أول الأحزاب المعارضة) وجبهة التحرير الوطني، الخاسر الأكبر في الانتخابات.
    واستأثرت بمقاليد الأمور، وتحت رعاية وتوجيه المصالح الأمنية، تجمعات للأقليات السياسية والفكرية المتناقضة مع جبهات الأغلبية، أصطلح على تسميتها بالقوى الاستئصالية، ومن بينها أحزاب كان قد تم تكوينها لمنافسة تيار الأغلبية، ولا تملك أي قاعدة شعبية تمكنها من المنافسة الحقيقية والديموقراطية لذلك التيار، وبعضها يحاول اليوم استنساخ ما حدث آنذاك، وأدى إلى حملات اعتقال لكل من عُرف عنهم نشاط في إطار “الفيس”، وضعوا في محتشدات جنوب البلاد، في جهل مطلق لقاعدة معروفة تقول بأن المحتشدات، خصوصا إذا اتسم التعامل فيها بالقسوة المبالغ فيها، تتحول في لحظة ما إلى حاضنة للعنف.
    وأتذكر أنني قلت لواحد من أقوى رجال الظل وهو وزير الداخلية آنذاك، الجنرال العربي بلخير: سيُحمّلك التاريخ مسؤولية كبيرة في زراعة العنف بفتحك لمعتقلات الجنوب (وهو ما كنت نشرته منذ عدة سنوات، عندما كان الجنرال سفيرا في المغرب، ولم يكذبني أحد)
    ويجيبني بلخير بما لم أكن أتوقعه: “دكتور، صدّقني عندما أقول لك إنني قرأت خبر المعتقلات في الصحف كما قرأته أنت.”
    ووقع بو ضياف نفسه أسيرا لمنطق الاستئصال، وكنت قلت في حديث سابق إنه كان المفروض أن يستعيد قيادة جبهة التحرير الوطني، مع أحمد بن بله (الذي كان رفيقه مع علي مهساس في الخطوات الأولى لإشعال الثورة) وحسين آيت أحمد، ليقيم شرعية ثورية جديدة، في غياب الشرعية الدستورية التي راحت مع نتائج الانتخابات التشريعية الملغاة.
    وعرفت الجزائر عشرية دموية رهيبة، ما زالت ذكرياتها عالقة في أذهان كل الجزائريين، وبوجه خاص في ذهن المؤسسة العسكرية التي لا تريد أن تعيد تجربة التسعينيات المأساوية.
    وكانت التجربة الثانية التي تابعتها القوى السياسية في الجزائر ما عرفته تونس، وإن كانت المقارنات محدودة جدا نتيجة لطبيعة أداء الجيش التونسي، الذي كان دائما بعيدا عن أي مشاركة في العمل السياسي، في حين أن الجيش الوطني الشعبي في الجزائر، ومنذ ثورة التحرير، كان في مراحل متتالية جزءا من الفعل السياسي، ولو بشكل غير مباشر، بمساهمته الفعلية في مشاريع التنمية الوطنية، وبحيث كان أبناؤه يحظون بخُمْس عدد المشاركين في مؤتمرات جبهة التحرير الوطني قبل مرحلة التعددية.
    وكانت التجربة الثالثة التي كانت سلبياتها موضع دراسة في أوساط مختلفة الثورة المصرية في فبراير 2011، والتي تميزت بتجاهل الرئيس حسني مبارك، أو من كانوا وراء موقفه، لقواعد الدستور.
    وهكذا قال نص البيان الذي تلاه نائب الرئيس ومدير المخابرات عمر سليمان بأن الرئيس “يتنحى” عن رئاسة الجمهورية، وليس “يستقيل” من مهامها.
    وكُلف بإدارة شؤون البلاد مجلس عسكري في تناقض مع أحكام الدستور، وصدرت إعلانات دستورية لتفادي الفراغ، ولكنها كانت عمليات ترقيع لا تعالج الخلل الأصلي، ودخلت البلاد في دوامة تحالفات غير طبيعية، وعاشت تناقضات مؤسفة نتيجة لحماقات بعض القيادات ومزايدات البعض الآخر.
    وكانت النتيجة ثورة مضادة ليس هذا مجال التوقف عند كل تفاصيلها.
    ولن أتوقف عند تجربتي ليبيا وسوريا، لمجرد أن الشعب الجزائري كان يرفض مجرد التفكير في احتمال عقد أي مقارنات مع ما عرفه البَلدان، ولدرجة أن من عناصر سخط الجمهور الجزائري على الوزير الأول السابق هو تحذيره من حدوث ما عرفته سوريا من دمار، لم يكن الشعب هو المسؤول الأول عنه.
    والآن، والسودان ينهي حكم الرئيس عمر البشير، يتابع الشعب الجزائري ما يحدث في بلاد العاصمة المثلثة باهتمام بالغ لعدة أسباب، أبسطها حجم كبير من المحبة يربطنا بالشعب السوداني، وخصوصا منذ ما عرف إعلاميا بموقعة “أم درمان”.
    لكن السبب الرئيسي هو أن الفاعل الرئيسي في الأحداث جماهيرُ الشعب السوداني، وهو ما يمكن اعتباره موازيا لما تعيشه الجزائر منذ 22 فبراير، خصوصا وأن الجماهير هناك ترفع شعارا مماثلا لشعار “فليرحلوا جميعا”.
    وألاحظ أن انقلاب السودان قامت به قيادات أمنية، وأهم هذه العناصر استبعدت عندنا من مجال السلطة منذ سنوات، وبغض النظر عمّا إذا كان بعض عناصرها وراء محاولة ركوب موجة الحراك الشعبي أو التأثير على مجرى الأمور.
    لكن الفرق بين الوضعية في الجزائر وفي السودان هو أن الاستعمار القديم لكل من البلدين ليس بنفس القرب منهما، سواء تعلق الأمر بالجغرافيا أو باللغة أو بالفكر السياسي أو بالعلاقات الاجتماعية والمالية أو بالتأثير الإعلامي.
    والفرق الثاني هو أن تنحية الرئيس تمت في السودان بشكل انقلابي مباشر نددت به جهات دولية كثيرة من بينها الاتحاد الإفريقي، وترفضه المؤسسة العسكرية في الجزائر مما يثبت حكمة القيادة الجزائرية وحرصها على عدم التناقض مع المجتمع الدولي.
    ويجب أن نتذكر دائما بأن صانع القرار في الجزائر يجد نفسه اليوم أسيرا لوضعية معقدة، نتيجة لقرار الرئيس السابق بالاستقالة المتعجلة، وهو ما كنتُ أول من ندد به هنا وشرحت أهم معطياته، وكانت النتيجة أننا نجد في الطريق قنابل موقوتة، كان من الممكن تفاديها حرصا على استقرار البلاد، وبحيث أن هناك اليوم من يتهم الرئيس بأنه فعل ذلك عامدا متعمدا لينتقم من الشعب الذي طالب بتنحيه.
    وكنت قلت إن الرئيس كان يعرف أن هناك تحفظات كثيرة على عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة، وكان في مقدوره بالتالي أن يُعيّن في الثلث الرئاسي، وهو الذي يختار عادة رئاسة المجلس وما زالت فيه مقاعد شاغرة، عددا من الشخصيات التي تمكن مجلس الأمة من اختيار إحداها لرئاسة الدولة في المرحلة الانتقالية التي يتم خلالها الاستعداد للانتخابات الرئاسية.
    وكان الرئيس، أو من يتخذ القرار باسمه، يعرف، وبناء على ردود الفعل الأولية، أن اختيار الوزير الأول لم يكن اختيارا موفقا، وأن هناك فراغا مرتبطا باللجنة المكلفة بتنظيم الانتخابات، وكان واجب الرئيس بالتالي، وقبل أن يقدم استقالته، أن يختار وزيرا أولا آخرَ، وأن يُعيّن لجنة الانتخابات، أو رئيسها على الأقل، بعد تحديد الإجراءات اللازمة لتمكنها من القيام بدورها.
    وهكذا فتحت الاستقالة المتعجلة الباب أمام مزايدات من لفظتهم الجماهير للمطالبة بمجلس رئاسي يعطيهم فرصة التموقع في مراكز قيادية، ما كان لهم أن يوجدوا فيها عن طريق الاستشارة الانتخابية، وهم يبررون مطالباتهم بهتافات الشباب: “فليرحلوا جميعا”، متجاهلين أنهم من بين المطالَبين (بفتح اللام الثانية) بهذا الرحيل.
    ولأن المؤسسة العسكرية أصرت على التنفيذ الحرفي للدستور بدأت أصوات مبحوحة تتهمها بأنها أدارت ظهرها لمطالب الشعب، وهذه الأصوات هي التي تسعى اليوم لتأزيم الوضع بتركيز المطالب مرحليا على تنحية الباءات الثلاثة، بمناورة لفظية تستكمل شعار “الشرعية الشعبية”، بشعار مراوغ يقول: ” إيجاد حلول سياسية لأزمة يعجز الدستور عن حلها”، وهو محاولة الوصول لنفس الهدف اللا شرعي بشعارات تدّعي الشرعية.
    والغريب هنا هو تواطؤ أقصى اليمين مع أقصى اليسار، وتحالف قيادات لائكية مع قيادات إسلامية، وكلاهما لم يكن يوما محل إجماع الجماهير، ولن يكون يوما كذلك، بمفرده أو مع حليفه.
    والأكثر إثارة للاستغراب أن توجهات إسلامية لها وجودها الفاعل في الشارع أرادت أن تنتقم من ظلم السلطة، وهو ظلم لا ينكره إلا أحمق أو جاهل، فراحت تدعم من كانوا وراء البطش بها لمجرد أن هؤلاء هم اليوم ضد السلطة القائمة، وسيتفوقون على أنفسهم في البطش بخصومهم لو انتصروا هذه المرة أيضا.
    وفوجئنا اليوم بأن قناة “النهار” تبث صورة جماعة من الملتحين تتقدمهم فتاة صغيرة محجبة ترفع مصحفا، بينما ينادي الجميع بشعارات “الفيس” (دولة إسلامية) وبنفس الشعار الذي يطالب برحيل الجميع، وبدا بأن هذه التظاهرة ليست عفوية ولا تلقائية.
    وكنت أشرت إلى جماعة خرجت في بداية الحراك واضطرها المتظاهرون إلى الاختفاء لأنها ركزت على الشعارات الإسلامية، لكن تظاهرة اليوم سارت في نفس الاتجاه الذي يعمل للضغط على المؤسسة العسكرية، وبرز في أحد جوانب التظاهرة علم لأصحاب النزعة البربرية، تم إخفاؤه بسرعة.
    وهكذا نلاحظ تنمر جهات كثيرة للضغط على المؤسسة العسكرية، وهو ما نجده في العدد الكبير من اللافتات الضخمة واللوحات الكبيرة والملصقات المصورة بحرفية كبيرة والتي تتفق فيما بينها على الدعوة لرحيل الجميع، وكلها مما لا يستطيع إنجازه مواطنون عاديون، مما يؤكد أن محاولات ركوب الحراك الشعبي العفوي متواصلة.
    وسنلاحظ أيضا تكاثر ما اصطلح على تسميته بالذباب الإلكتروني، وأسميه أنا “البقّ” الإلكتروني، والذي يحاول الإساءة لكل من ينادي بتحكيم الدستور والاستعداد لانتخابات قادمة تعطي الشعب الديموقراطية التي يبتغيها.
    ويبقى أن هناك في الساعات الأولى لما حدث في السودان درسان، الأول أبرزته ردود الفعل الدولية الرافضة للانقلاب، وسيتلقى العقلاء من المعارضين عندنا (أكرر..العقلاء) هذا الدرس باهتمام، بقدر ما سيدعم موقف المؤسسة العسكرية في تمسكها بالتطبيق الحرفي للدستور.
    والعجيب هنا أنه، وبرغم بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية بعد أقل من 90 يوما، فإن المعارضة فشلت في الاتفاق على ترشيح شخصية معينة، وفي الجزائر منها الكثير، لمنصب رئاسة الجمهورية، لمجرد أن كلا يطمع في السلطة وبرغم أن كلا يعرف أنه عاجز عن الوصول لها ديموقراطيا، وهكذا بدأت أصوات تشكك مسبقا في إمكانية إجراء انتخابات نزيهة، بدلا من أن تقترح ضمانات واضحة، كمنع أفراد القوات النظامية من التصويت في الثكنات، ومطالبة المؤسسة الأمنية العسكرية بتحقيق رقابة مزدوجة على الانتخابات، يمكن أن تضاف إليها رقابة شعبية من سكان الأحياء ومن ممثلي الحراك الشعبي.
    وراح البعض يُكثف الضغط على المؤسسة العسكرية، وعلى رئيس أركان الجيش تحديدا، لكي يعطي فلول المعارضة نصيبا من “تموقعٍ قيادي” في مؤسسات سيادية، تحسّ أنها لن تستطيع تحقيقه عبر صندوق الانتخابات، وذلك بما يضمن لكثيرين من عناصرها عدم التعرض لأي حساب، لأنه كان، بشكل أو بآخر، مستفيدا من النظام ومتواطئا معه.
    ومن هنا يؤكد من لا يزالون يستجدون مجلسا رئاسيا خارج إطار الشرعية الدستورية بأن القضية مجرد أطماع شخصية، وهو ما بدأت الجماهير الواعية تدركه تدريجيا. الدرس الثاني الموجه لشباب الحراك، وهو أن ردود الفعل الشعبية في السودان استمدت قوتها من أنها تمثل ردود فعل لهيئات وفئات منظمة وليس لأفراد ركبوا الحراك الشعبي بطريقة أو بأخرى وراحوا يزايدون لابتزاز المؤسسة العسكرية وتحقيق التموقع المستهدف، بعيدا عن الاختيار الديموقراطي.
    وقد “بُحّ” قلمي، إن صح التعبير، وأنا أطالب القضاة والأساتذة والطلبة والمحامين وكل الفئات باختيار من يمثلهم في أي حوار مع السلطة، فهذا هو مصدر القوة الرئيسي الذي سوف يمكن الحراك الشعبي من فرض إرادته، وليس اللافتات الكبيرة والهتافات الجهورية والتصريحات البلاغية عبر الفضائيات.
    وهنا فقط يستطيع الشعب أن يراقب عملية الانتخابات، هذا إذا كان من ينادون بسيادة الشعب يؤمنون حقا بسيادة الشعب.
    ويبقى أن هناك استنتاجان رئيسيان، أولهما أننا، وبرغم كل الجهود في ميدان التعليم، لم ننجح في إعداد نخبة مثقفة، وأقل …نخبة، أي طليعة متناسقة الجهود متكاملة الأداء، تقود نهضة حقيقية لا تستجدي بالضرورة عواطف الجماهير، بل تواجهها بالحقائق الموضوعية التي تضمن الخروج السليم من أي أزمة حقيقية.
    وباستثناء عدد محدود من المثقفين راحوا يحللون الأحداث بالمنطق العلمي السليم البعيد عن التهريج البلاغي، وعددٍ آخر فضل المتابعة بدون المشاركة، فإن أكثر المثقفين نشاطا هم من يعملون في إطار اتجاهات حزبية أو عقائدية معينة، وهم أكثر حيوية، لأن الإحساس بمشاعر الأقلية، عن خطأ أو عن صواب، يعطي دافعا أقوى للحيوية والنشاط، وربما كان هناك من ارتبطوا، أو رُبطوا، بمواقع فقدت نفوذها في مرحلة سابقة وتحاول اليوم الانتقام من الجميع.
    وهكذا عرفت قنوات التلفزة تكاثرا قططيا أو أرنبيا لعشرات المحللين الإستراتيجيين والكتاب السياسيين والمتخصصين الإعلاميين والباحثين الأكاديميين والخبراء الدوليين الخ الخ، راح كثير منهم يروج لأفكار اتجاهات معينة باحثة عن التموقع السياسي، أو يداعب عواطف الجماهير الحماسية برفع سقف المطالب، وكان أكثرهم نشاطا بالطبع بعض من تختارهم قناة فرانس 24، وقناة الجزيرة إلى حدّ كبير، ويضاف إلى الجميع بعض من نتضامن معهم في نضالهم ضد الثورة المضادة، لكنهم ممن يتناقضون، لأسباب واضحة ومبررة، مع كل ما يرون أنه حكم للعسكر.
    وأنصح، بكل تواضع، بالعودة لمقالي عن “الجيش والعسكر”.

  2. #2
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,546
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

    الجزائر: الجيش والعسكر.. قصة عملي مستشارا لبومدين ومفارقاتها


    محيي الدين عميمور
    لمن تساءل مستنكرا: لماذا أعود، أقول بدون تواضع مفتعل: إنني أختفي عندما لا أرى فائدة من وجودي وأعود عندما أظن عكس ذلك، ويبقى عقد التعامل المعنوي قائما بيني وبين المنبر الذي يحمل كلماتي والرفقاء الذين يرحبون باستقبالها، ولا يزعجني أن يرفض قارئ استشهادي بمن لا يُحبّهم، فأنا استشهدت يوما بالجنرال “دوغول” عندما سخّر من المستوطنين الفرنسيين، واستعرتُ عبارة “موشي دايان” عندما سخّر من العرب الذين لا يقرءون، ومدحتُ “بريجيت باردو” عندما جرّمَتْ حسناء باريس علنا قادة الجيش السري الفرنسي، فالمهم عندي هو الرسالة التي يحملها المضمون.
    وإذا كنت أعبر عن سعادتي بردود الفعل الكريمة التي تفضل بها العديد من القراء والتي تخفف من إحباطي وتؤكد أن جمرات الوطنية والوعي لا تزال ملتهبة تنتظر فرصة جديدة، فإنني أتوقف عند ملاحظات غاب عنها، في تصوري، إدراك المنطق الاستراتيجي الذي أردته للحديث، فراحت تطرح قضايا أرى أنها، وبرغم أهميتها، ليست اليوم على قائمة أسبقياتي، كقضية الصحراء الغربية، جوهر المشكلة في المغرب العربي.
    وبرغم أن القارئ الكريم الذي أثار هذه القضية استعمل توقيعا رمزيا، وهو ما يُضعف حماسي لأي حوار، فقد رأيت أن أضع القضية في نفس السياق الذي تناوله رفقاء آخرون، لمجرد أنه يؤكد دور الطرف الأجنبي في جلّ ما نعيشه، وبأن “مخبر الأمم” هو حقيقة واقعة دائمة، وبأن التاريخ ليس مؤامرة لكن المؤامرة جزء منه فاعل فيه ومؤثر عليه.
    من هنا أكرر ما قلته منذ سنوات بأن اتفاقية فك الاشتباك، التي سالت فيها دموع الجنرال الغمصيّ العظيم، جسّدت الإجهاض السياسي لحرب أكتوبر 1973 المجيدة، وكانت خطوة أولى نحو اتفاقية “كامب دافي”د بكل تداعياتها، مرورا بإعادة ضخ النفط، وفتح قناة السويس مجانا وبدون مقابل سياسي من الغرب، وباغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز وإشعال فتيل الحرب الأهلية في لبنان، وفي الوقت نفسه تأزيم الوضع في الشمال الإفريقي، بما يهدف إلى جعل الصحراء الغربية فخا عسكريا مماثلا لفخ اليمن الذي غرق فيه الجيش المصري، ويغرق فيه دائما كل من لم يدرك أن أرض سبأ أكثر وعورة من أرض أفغانستان، وكان الهدف آنذاك أن ينشغل المغرب العربي بما يُلهيه عن دعم نضال المشرق العربي، الذي عرف مشاركة القوات المسلحة الجزائرية في معارك سيناء ومساهمة القوات الملكية المغربية في معركة الجولان.
    وأنا لا أجرّم أحدا بعينه لأن هذا ليس هدفي، لكنني أضع ” علامات تساؤل حول دور أطراف معينة في دفع الأمور إلى وضعية الصدام، وفي الوقت نفسه أسجل، للأمانة، حكمة كلّ من الرئيس هواري بو مدين والملك الحسن الثاني، حيث أنهما تحكّما في الوضع لكيلا يجتاز الصراع خطوطا حمراء بما يُدمّر إلى الأبد كل احتمالات الوئام المستقبلية.
    وأذكر هنا بما قلته في الحديث الماضي وما أكرره في معظم ما أتناوله، من أنه ستكون هناك دائما في حديثي ثغرات أعجز عن ملئها، فأنا لا أدعي أنني وسعت كل شيئ علما، وأترك للقادرين على استكمال ما عجزت عنه فرصة المساهمة في كل جهد يعمل على إشعال شمعة ضئيلة تبدد بعض الظلام.
    ولقد كان مضمون حديثي الماضي أن الاتهامات الموجهة للعسكر في الأزمات السياسية بل والأخلاقية التي تعرفها الكثير من بلداننا يمكن أن تكون مغالطة لا بد من تفنيدها.
    فالذي حدث هو أن مُكلفين بالتنفيذ انتزعوا سلطة القرار، وأن أجهزة ما، دورها هو الرقابة والإبلاغ عن كل ما يمكن أن يضر بمصلحة الوطن، تركت مهمتها الأصلية وراحت تتلذذ بممارسة السلطة والنفوذ، جاعلة ممن يمسكون بالبندقية والمدفع ويتحركون بالدبابة وبالطائرة عصيّا ترهب بها من لا ينسجمون مع رؤيتها للأمور.
    وهذه الأجهزة هي أسيرة رؤية قاصرة ومرضية لأنها ترى البشر من خلال عيوبهم الإنسانية، ولكنها تسعد بتلك العيوب بل وتشجع عليها لأنها وسيلتها في السيطرة والنفوذ.
    وعندما تصبح هذه الأجهزة صاحبة الرأي الأول والأخير في تعيين إطارات الدولة ومسؤوليها في مختلف المستويات والممسكة الرئيسية بالقرارات المصيرية في كل المجالات فإن المنتسبين لها يصبحون قِبلة الولاء الوظيفي، طمعا أو خوفا، لأن من ترضى عنه مُرشحٌ لِمجدِ المسؤوليات العليا ومكاسبها، مع ضمان الحماية من الخصوم والمنافسين، ومن لا ترضى عنه يُلْقى به “وراء الشمس″، طبقا للتعبير الشعبي المصري.
    وهنا يمكن أن تتحول النخب التي تعتز بها الأوطان إلى مجرد مكلفين بمهمة، وسواء تعلق الأمر بأساتذة جامعيين أو بصحفيين مرموقين أو بفنانين مشهورين، وكل هؤلاء يذكرون بصورة الفونوغراف الشهير الذي كان يحمل عنوان “صوت سيده”.
    وكان أول من لفت نظري في كتاباته إلى هذه القضية الكاتب الراحل العقيد أحمد حمروش في سلسلته الرائعة عن ثورة يوليو 1952، فهو يبرز كيف تضخم جهاز الأمن بشكل متزايد، حيث أن السهولة التي تم بها الانقلاب العسكري جعلت الرئيس جمال عبد الناصر يعيش حالة توجس دائمة من احتمال تكرر العملية، وهو ما عجز عن تفهمه رئيس آخر بعد ذلك بعقود، فأعطى القط مفتاح المطبخ.
    وربما غاب عن القيادة العليا أنه إذا كان الدفاع عن أجهزة الأمن هو من أول واجبات كل وطني يدرك أهمية الأمن والاستقرار للوطن، ناهيك عن يكون هذا الوطني هو رأس الدولة، فإن هذا يتطلب حماية رجال الأمن من أنفسهم، خصوصا عندما تتضخم مسؤولياتهم في ظروف معينة إلى حدّ قد يخلق الإحساس لدى بعضهم بأنهم كيان متميز عن بقية خلق الله من العاملين في خدمة الوطن، والحماية الأساسية هي فرض نظام رقابة ومحاسبة من جهة، ومن جهة أخرى عدم السماح بأن يُخلّد مسؤول مَهْما كان في منصب أيا كان.
    وأعود مرة أخرى لقضية القوات المسلحة، خصوصا وأن أحد الرفقاء وجّه لي ما يشبه العتاب الأخوي على ما رآه تبرئة للمؤسسة التي تتحمل المسؤولية الأولى، كما قال، في الخراب الذي نعيشه.
    وأنا أعتز بأنني من أبناء جيش التحرير الوطني الجزائري الذي التحقت به بعد انقطاعي عن الدراسة الطبية بعد منتصف الخمسينيات لألتحق بصفوف الثورة، ويومها كان الجزائري يرى أن هناك مناضلين يرتدون الزيّ “المدني” ويقومون بواجبهم في إطار معين، وهناك مناضلون يرتدون الزيّ “العسكري” ويقومون بواجبهم في إطار آخر، يتكامل مع الإطار الأول.
    ويقيني هو أن القوات المسلحة في بلدان العالم الثالث هي الهيكل العظمي للدولة الذي يكسوه لحم المؤسسات الدستورية وتنظيمات المجتمع المدني، ولعل مما يؤكد هذا اليقين الدور الذي قام به في بناء جزائر السلم والازدهار الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، وأتذكر هنا أن وزير الدفاع آنذاك، العقيد هواري بو مدين، اختار للجيش زيّا رماديّ اللون، ليقول بأن هذا جيش يختلف تماما، عقيدة وتكوينا ودورا وأداء، عن القوات الفرنسية التي كانت ترتدي الزي كاكيّ اللون.
    ومن الجدير بالتذكّر أن الجزائري كان يستعمل تعبير “الجيش”، في حديثه عن القوات المسلحة الوطنية وتعبير “العسْكرْ” في إشارته للقوات الأجنبية، وأعتقد أن نفس الشيئ كان موجودا على مستوى الوطن العربي كله.
    ماذا حدث إذن ليفرض وجوده على الساحة تعبير “العسْكر” القدحي، وأصبح يطلق على التنظيم الذي يضمّ أبناءنا وإخواننا وجيراننا، عندما وضعت قياداتهم في أيديهم أحدث الواردات من الأسلحة الفتاكة ليواجهوا بها شعبا أعزلَ لا يُطالب إلا بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية ؟
    هذا هو السؤال الذي أبحث عن إجابته، لأن تحقيق اللحمة بين الشعوب وقواتها المسلحة هي الطريق السليم للخروج من الأزمة المدمرة، وأي كلام غير هذا هو مجردُ أحلام يقظة.
    وأعود للتعبير الذي استعمله أحمد حمروش، والذي أعتمدُ عليه لأن واقع الحياة الثقافية في الوطن العربي أعطى للأشقاء في مصر فرصة كشف الكثير من الحقائق التي تعجز بقية الأقطار العربية، في معظمها، عن تناولها.
    كانت مصر قد عرفت ما يُسمّى البوليس السياسي الذي يتتبع المعارضين لنظام الحكم، تماما كما كانت المصالح الاستعمارية الفرنسية في الجزائر قد أقامت شبكة كبيرة من رجال الشرطة السرية، من بينهم العديد من أبناء البلد نفسه، ولعلها كانت أكثر كثافة مما عرفته مراكش وتونس، لكن المهمة كانت واحدة.
    وبتغير النظام أو بحصول البلاد على الاستقلال ورثت السلطة الجديدة أعدادا من أولئك الذين كانوا في خدمة النظام القديم، وكان عليهم، بتأثير عقد الماضي، أن يتفننوا في خدمة النظام الجديد، الذي استعمل بعضهم للاستعانة بخبرتهم وبملفاتهم في حماية نفسه من الأخطار التي يتوقع أن يواجهها.
    ويحاول من أسميتهم يوما “الطلقاء” اختراق قيادات الأمن الجديدة، ويكون من أهم أهدافهم محاولة استبعاد كل العناصر الوطنية التي لا تنسجم مع إرادتهم في إحكام الطوق على القيادة المباشرة، ثم التسرب إلى المستويات العليا في فترة لاحقة.
    ولست هنا أبالغ، سواء في تقرير الواقع أو في رفض التعميم، لأن أمانة التحليل الذي يسعى للوصول إلى الهدف الوطني المطلوب تفرض الالتزام المطلق بالنزاهة، والسير على منطق “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا”.
    ومثال بسيط، ألجأ له معتذرا لمن يرى أنني أقحم الذاتية فيما أرويه، وعذري هو أنني أتحدث كشاهد ليس من حقه استعمال أسلوب الشخص الثالث، الذي عُرِف به “هركول بوارو” في قصص “أغاثا كريستي”.
    في ديسمبر 1970 تم اتصال بين محيط الرئيس الراحل هواري بو مدين والعبد الضعيف، مضمونه أن الرئيس يريدني أن أعمل إلى جانبه في رئاسة الجمهورية.
    وأصبت بالذعر، فأنا طبيب لا ناقة لي ولا جمل في العمل السياسي، الذي كنت أكتفي بممارسته مناضلا بسيطا في حزب جبهة التحرير الوطني وكاتبا متواضعا في مجلة الجيش.
    ونجح الرئيس الراحل في اصطيادي بعد نحو ستة أشهر من التهرب، وبدأت عملي معه مستشارا في أول يونيو 1971.
    وبعد سنين عرفت أنه بمجرد أن عُرف اتجاه بو مدين نحو تعييني قال له بعض من لا أعلم من هم إلى يومنا هذا بأنهم يملكون معلومات تؤكد أنني، وخلال دراستي في المشرق العربي، كنت على صلة بمصالح أجنبية كانت تستعملني بشكل أو بآخر.
    وما لم يكن يعرفه أولئك هو أن الرئيس الراحل كان يعرف من أنا منذ بداية الخمسينيات، عندما كنا طلبة في القاهرة، ثم تابع مسيرتي خلال عملي في القوات البحرية، طبيبا ومحافظا سياسيا، وهو كان يعتمد على أكثر من مصدر معلوماتيّ، من بينها قادة عسكريون ومناضلون حزبيون ومجاهدون سابقون وضباط مخابرات محترفون، واختياري لم يكن بالتالي مجرد إجراء غير مدروس من رجل لا يعرف الارتجال.
    ومن هنا كان ردّه البسيط على فاعلي الخير !! : عليكم بإعداد ملف مُوثق لأتخذ اللازم.
    كان هذا منذ نحو خمسين سنة، ولم يظهر أي ملف حتى الآن، وأكدت حدوث قضايا من هذا النوع كلماتٌ قالها يوما العقيد علي تونسي مدير الأمن العسكري في الستينيات والسبعينيات في تصريح إعلامي لصحيفة المجاهد يناير 2005، علّقتُ عليه في حينه، وجاء فيه أن: “إطارات وطنية كثيرة تعرضت للتهميش نتيجة معلومات مضللة من بعض العاملين في مجال الأمن”، وحدث أن تونسي اغتيل بعد ذلك في ظروف ملتبسة
    وتمر الأيام، وتحدث قصة طريفة بعد أن بدأت عملي إلى جانب الرئيس.
    كنت أعيش في العاصمة، وأمارس حياتي كأي شاب أعزب، لا يدّعي عصمة ولا زهدا، ويتصرف كإنسان متزن ينتزع الاحترام والتقدير من كل من يعيشون حوله.
    ويستدعيني الأمين العام لرئاسة الجمهورية يومها ذات يوم ليقول لي أن “الجماعة” (وهو التعبير المستعمل في الإشارة للخابورجية، بتعبير الصديق الحاج يعلا) رأوني في أحد مطاعم حي “ديلي إبراهيم” ومعي فتاة غير معروفة، وكنت أتناول مشروبات مشبوهة.
    لم أكن أتصور بأن هناك من يتتبع خطواتي حيث لم يكن في تصرفاتي ما أخجل منه، وهو ما قلته للدكتور أمير بحدة، مذكرا إياه بأنني أصادق مستويات محترمة، وأعرف حدودي في ما آكله وأشربه.
    وانتهى الأمر معه عند هذا الحدّ، لكنني ظللت شهورا وأنا أتوقع لوما أو عتابا من الرئيس الذي كنت على شبه يقين من الأمين العام بلّغه، كالعادة، بالأمر، وبصيغة لا أعرفها، أو أنه سمع بالأمر ممن كان يُهمه تشويه سمعتي، وربما كانت الرواية التي سمعها أكثر سوءاً، حيث كان “المعرّبون” أكثر استهدافا للتشهير، لكن التعامل مع الرئيس ظل عاديا تماما، ومع ذلك ظللت أعاني التوتر النفسي طوال تلك المدة، لأنني كنت أحرص على نقاء صورتي أمام من منحني ثقته، ولم أجرؤ على أي مبادرة في ذلك الصدد.
    وذات يوم استدعاني الرئيس ليطرح عليّ، بشكل بدا عابراً، سؤالا يتعلق بواحد من رفاقنا من طلبة القاهرة، كان قد عُيّن في سفارتنا بعاصمة عربية، وروى لي الرئيس متألما ما بلغه من أن الزميل السابق يستغل وضعيته الديبلوماسية لتهريب المخدرات، وهو يريد أن يعرف ما إذا كنت أعرف شيئا عن تلك التصرفات.
    وراح عقلي يعمل بسرعة لا تدركها كل الحاسوبات لو كانت قد وصلتنا آنذاك، وأجبت الرئيس بكل هدوء وبساطة قائلا: سيادة الرئيس، ما أعرفه أن هذا الزميل “يمكن أن يرتكب” ما نرتكبه نحن جميعا كشباب من علاقات نسائية أو مشروبات مختلفة الأنواع، لكنني لم أعرف عنه أي تعامل مع المخدرات.
    وابتسم الرئيس ابتسامة بدت لي ماكرة، تذكرتُ وأنا أكتبها اليوم بعد نحو خمسين سنة عبارة الجنرال دوغول الشهيرة في يونيو 1958 ( JE VOUS AI COMPRIS) ثم صرفني بأسلوبه المعتاد قائلا: “الله يعاونك”، ولم يتناول معي الأمر إطلاقا بعد ذلك، وهي صورة للتفهم الذي كان يتحلّى به، رغم أنه كان في حياته الشخصية بعيدا عن ممارسة ما يتناقض مع تكوينه الشخصي ولتدينه العميق وتفهمه لالتزامات المسؤول، وأستطيع أن أجزم أنه لم يذق نقطة خمر طوال حياته.
    كان “الجماعة” إذن يتابعونني، لكنني واصلت حياتي كما أردتها، بل إنني لم أحاول أن أستعين بواحد من أقرب مساعدي العقيد قاصدي مرباح وهو الرائد (آنذاك) علي تونسي، الذي نَمتْ صداقة ومودة بيني وبينه منذ عملي في البحرية، وكنا نتناول العشاء معا في نادي الضباط “الكورنيش”، ثم نلتقي مساء في شقتي بشارع أول نوفمبر لنسهر كما يسهر الشباب، وكان من رفقائنا آنذاك خالد نزار ومحمد تواتي وعبد الرحيم ستوتي وأصدقاء وصديقات ضاعت أسماؤهم من الذاكرة بفعل السنين.
    وظللت على علاقة ودية مع تونسي عندما بدأت عملي في الرئاسة، وكنت حازما معه يوما عندما قال لي ضاحكا: لماذا لا تعمل معنا ؟ وأجبته: أنا أعمل معكم بالأسلوب الذي أراه مناسبا، لكنني لن أكون يوما مجرد عميل.
    والغريب أن ما حدث مع الرئيس هواري بو مدين في السبعينيات حدث فيما بعد مع الرئيس عبد العزيز بو تفليقة في الألفية الثالثة.
    وأترك قراءة ما وراء السطور وما بينها لمن يريد.
    وقد يكون للحديث بقية.
    كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق

  3. #3
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,546
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

    الجزائر: وقفة تذكّرٍ وتأمل


    دكتورمحيي الدين عميمور
    لا أعرف مرحلة عاشت فيها السلطة الجزائرية عزلة رهيبة كهذه التي تعيشها اليوم، وهي تتعرض لعملية رجم شرسة تجاوز عنفها ما تتعرض له زانية مع ابنها في يوم من أيام رمضان.
    ويتحالف ضد السلطة من لا يفرق بين السلطة والنظام، ومن أضير يوما في حق من حقوقه أو خيّل له ذلك، ومن تغلي في نفسه طموحات كانت مجرد أطماع لم يستطع تحقيقها، ويضاف إلى ذلك عمليات تشويه مقصودة تقف وراءها اتجاهات إيديولوجية وأفكار كولونيالية وانطباعات خاطئة.
    ولست أعني بهذا تبرئة نظام الحكم في الجزائر من الأخطاء والانحرافات، فقد ارتكب العديد من الانحرافات وبعضها كان بتواطئ من يهاجمونه اليوم ويرتدون مسوح الأطهار.
    لكنني أعتقد أن هذه الهجمة الشرسة تفتقد كل ضوابط التوازن والعدالة في التعامل مع شؤون الدولة واحتياجات المجتمع، وتخلط، بوجه خاص، بين كل المراحل التي عاشتها جزائر الاستقلال، وبحيث أصبحنا اليوم نسمع من يدين كل ما عرفته الجزائر منذ 1962.
    وأنا أعرف بأن هناك مراحل من حياة الأمم والشعوب قد يكون من أسباب تألق البعض فيها جهوريّة الصوت والقدرة على المراوغة البلاغية واتهام السلطة بكل ما هو سيئ وقبيح، بقدر ما يمكن أن تستفز كره الشارع وغضبه كلمة خير يقولها إنسان، إيمانا واحتسابا، في حق من تتهاطل عليهم حجارة الرجم ولعنات الجماهير، ومن يرفض النظرة السلبية التي تلوث صورة الجزائر، ثورة ومسيرة وطنية ومواقف نضالية، عند أشقاء كثيرين قد لا تتوفر لديهم معطيات الحقيقة في أرض الواقع.
    استثار كل هذا في نفسي مقطع جاء في “الفيس بوك” أول أمس، قدم فيه ناشره فقرة من خطبة للرئيس الجزائري الراحل، هواري بو مدين، جاء فيها حديث عن منطقة القبائل تقول بأنها “تتميز بالتعصب وبالانغلاق وبالعداء للمنطلقات الوطنية”.
    كانت هي فعلا كلمات الرئيس، بالصوت وبالصورة، وعلق عليها من كان واضحا أنه من خصومه الألداء ليندد بمزاعم عنصرية الرئيس الراحل وادعاء كرهه للقبائل (المنتمين للمنطقة الوسطى من الشمال الجزائري ويكونون التجمع الكبير الثاني للمتحدثين بالأمازيغية، والتجمع الأكبر هو الشاوية في الشرق الجزائري ومنه برزت أهم الزعامات التاريخية مثل يوغورطة 140 ق.م. وتاكفاريناس 24 م.) وليقول بأن كل مآسي الجزائر الحالية هي من صنع يديه ومن نتائج سياسته.
    وقبل أن أتناول صلب الموضوع أتوقف لحظات عند الحكم الأخير للمعلق لأقول بأن بو مدين مات منذ أكثر من أربعين سنة، وبأن أردوغان نجح في تصحيح مسيرة تركيا في أقل من عشر سنوات على توليه الحكم، ونفس الأمر نجح فيه مهاتير في ماليزيا، بدون التوقف عند سنغافورة وكوريا الجنوبية.
    وبغض النظر عن أن ما تعيشه الجزائر حاليا من أزمات لا ينفي ما تم تحقيقه من إنجازات هائلة طوال حكم الرؤساء الذين تتابعوا على قيادة الجزائر، ابتداء من الرئيس الأول أحمد بن بله، وحتى خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، وقد أعود لهذا الأمر من بعد، فإن عملية التشويش التي تقوم بها بعض العناصر على مسيرة استقلال الجزائر تفرض التوقف لتوضيح الأمور، حتى لا يُخدع المواطن بمعلومات مشوهة هدفها الرئيسي تدمير معنوياته وإفقاده الثقة بماضيه ليفقد العزيمة في حاضره والأمل في مستقبله، وحتى لا نفقد حب الأشقاء والاحترام الذي يستحقه بلد الشهداء وكعبة المناضلين.
    ولأن الأمر يتعلق اليوم بثاني رؤساء الاستقلال أذكر بأن أول خطوات الرئيس بو مدين إثر توليه قيادة البلاد في منتصف الستينيات كانت، وبجانب البرنامج الوطني للتنمية، إقرار برنامج إضافي خاص لتنمية منطقتين، عرفتا بسوء أحوالهما المعيشية بفضل الظلم الاستعماري، وهما منطقة الصحراء ومنطقة القبائل، والتي كان المؤرخ الجزائري يطلق عليها في كتابه بالفرنسية (FLN. Mirage et réalité) تعبير ملاذ البؤس (Le sanctuaire de la pauvreté).
    وعندما نتابع مسيرة بو مدين ونطالع قائمة رفاقه ومساعديه نجد فيهم عددا كبيرا من أبناء منطقة القبائل، فعلى رأس أهم المصالح في المؤسسة العسكرية، وهي العمود الفقري للجزائر، نجد أن مدير المخابرات العسكرية قاصدي مرباح، هو من منطقة القبائل، مثله مثل مدير الخدمات الاجتماعية في الجيش عبد المجيد آوشيش، ومدير المحافظة السياسية الهاشمي حجريس، والقائد العام للطيران الحربي سعيد آيت مسعودان، وقائد المدرعات سليم سعدي، ومدير الهندسة العسكرية رشيد ميدون، وقائد الصاعقة خالد نزار، ومدير مدرسة أشبال الثورة عبد الحميد جوادي، ونجد من بين الوزراء في مراحل مختلفة المجاهد المعروف محمد السعيد معزوزي ووزير المالية إسماعيل محروق، وهو قبائلي مسيحي رغم قلة عدد المسيحيين في الجزائر، كما نجد وزير التجارة العياشي ياكر، ووزير العمل مولود أومزيان، ووزيري الشؤون الدينية العربي سعدوني ثم مولود قاسم، ووزير أكثر من وزارة بوعلام بن حمودة، ونجد نفس التعيينات في مختلف مصالح الدولة وولاياتها ودوائها وإداراتها وشركاتها الوطنية ومؤسساتها الكبرى مثل الخطوط الجوية وبعثاتها الديبلوماسية في الخارج.
    ولعلي أضيف بأن السائق الشخصي للرئيس بو مدين ومحل أسراره هو عمي الطيب، أو الهاشمي، وهو أيضا من منطقة القبائل، كبعض عناصر الأمن الرئاسي الخاص ومن بينهم رقم (2) الصادق آيت مصباح.
    والذي حدث هو أن القيادة الجزائرية، وسواء في عهد بن بله أو بو مدين أو الشاذلي بن جديد أو اليمين زروال لم تكن تجعل من الانتماء الجغرافي مسوغا للتعيين في أي وظيفة أو مبررا للإقصاء منها.
    وأعترف بأن هذا اختل في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس بو تفليقة، وهو ما ليس مبررا على الإطلاق لما نعيشه من تهجم على مسيرة جزائر الاستقلال، وخصوصا ممن كانوا أكثر من استفاد منها، مباشرة أو عبر استغلال بعض ثغرات برامج التنمية فيها، بل وأحيانا بالابتزاز.
    ويبقى السؤال الأهم، وهو لماذا يكون الرئيس بو مدين من أكثر الذين يستهدفهم العداء، وسواء من اليمين الإسلامي المتطرف، أو بعض شرائحه التي تدعي الاعتدال، أو من اليسار اللائكي الذي يطلق عليه الاتجاه الفرانكولائكي، بل إن كل من يتبنى طرح بومدين أو يحاول مجرد الدفاع عن مواقفه يتعرض لنفس العداء، ويُحاصر في كل تحركاته السياسية والاجتماعية.
    والإجابة نجدها في تمسك بو مدين بالانتماء العربي الإسلامي، وحرصه على الوحدة الوطنية وجذورها الثورية، ورفضه لأي صراع طبقي مع الحرص على رعاية وتنمية الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى مواقفه الدولية المعروفة التي ترى أن الصراع هو بين الشمال والجنوب، وضرورة إصلاح النظام الاقتصادي الدولي، بجانب نظرته الوحدوية للعلاقات الإقليمية، وخصوصا في منطقة المغرب العربي.
    ولعل أكثر ما كان يزعج كثيرين قوله في أكثر من مناسبة إنه “ليس مدينا لفرنسا بأي شيئ”.
    وما حدث هو أن بو مدين كان وما يزال لغزا غامضا بالنسبة للمصالح الفرنسية، التي تعرف الكثير عن كل القيادات التي عرفت التكوين الفرنسي، أو كانت جزءا، بشكل أو بآخر، من الإدارة الفرنسية، العسكرية أو المدنية.
    ويروي الصحفي المصري الفرنسي بول بالطا أن الرئيس الفرنسي الجنرال شارل دوغول طلب من المصالح الأمنية الفرنسية في بداية الستينيات، وعلى مشارف استقلال الجزائر، قائمة بأسماء القيادات الجزائرية، مع تسجيل ملاحظات أمام كل اسم تُبينُ أهمية صاحبه وإمكانيات التعامل معه في المستقبل.
    وأعدت المخابرات القائمة، وجاء أمام اسم هواري بو مدين: “ضابط غامض لا مستقبل له”.
    ويقول بالطا إن دوغول، وطبقا لما سمعه منه شخصيا، كتب أمام التعليق بخط يده ما معناه : استنتاج خاطئ، يُراجع”، وربما كان هذا هو ما جعل خصم بو مدين اللدود الرئيس “جيسكار ديستان” يقول مؤخرا في تصريح صحفي فوجئ به عندنا كثيرون: “لن تستطيع الجزائر تعويض رئيس بحجم بو مدين”.
    وسنجد من مواقف بو مدين، التي جرّت عليه عداوات كثيرة رفضه لاحتكار أي شريحة بشرية لأيٍ من معطيات الهوية الجزائرية، فهو يرفض أن تحتكر مجموعة حق الانتماء للعمق الجزائري النوميدي أو الأمازيغي، وترى نفسها أكثر أصالة من “هؤلاء الأعراب الذين جاءونا من الشرق”، ومن بين مزاعمها ما جاء على لسان إحدى الثدييات مؤخرا، والتي قالت: “العرب الذين جاءونا برسالة الإسلام عليهم أن يتصرفوا كساعي البريد، الذي يُسلم الرسالة ثم يعود من حيث أتى !! وهو، بجانب منطقه الغبي، يتجاهل أن العرب ليسو فقط أهل منطقة الحجاز أو الجزيرة العربية وحدها.
    ومن نفس المنطلق كان بو مدين يرفض أن يعطي أيٌّ لنفسه حق تكفير الآخرين أو تجسيد الدين في نفسه أو في جماعته، أو كوسيلة للدفاع عن الرأسمالية الطفيلية انطلاقا من تفسير مشوه لقوله تعالى: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق”، وكأن الرزق لا يكون إلا في المال والجاه وليس أيضا في الصحة والحكمة والبنين وما إلى ذلك.
    وكان رفض بو مدين أداء “العمرة” خلال إحدى زياراته السياسية للمملكة العربية السعودية سببا في اتهامه بإهمال واجب ديني، في حين أنني رويت ما قاله لي شخصيا وأنا أحاول إثناءه عن موقفه : “القاعدة هي النية، وأنا جئت هنا لأقوم بعمل سياسي، ومن يريد العمرة عليه أن يؤديها بماله الخاص” (وفهمت أنه لم يكن يريد لكرم الضيافة أن يؤثر في صلابة موقفه فيما يتعلق بأسعار النفط، وهو ما كنت رويته بالتفصيل الممل، مذكرا برد فعل الدكتور اليماني في حضرة الملك خالد)
    هذه، باختصار شديد، سطور آمل أن تساعد كثرين على فهم بعض ما تعيشه الجزائر اليوم.

  4. #4
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,546
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

    الجزائر: وتاريخ أهمله التأريخ


    دكتور محيي الدين عميمور
    نقلت وكالة الأنباء الفرنسية تصريحات لمن يرفعون صرخات الدفاع عن حقوق الإنسان بصفة انتقائية، مضمونها الهجوم على رئيس أركان الجيش الجزائري، الذي كان صرّح بأن هناك قوىً أجنبية، لم يُحددها، تدعم عملية الإخلال بالاستقرار في الجزائر، وهكذا تتكامل الوكالة مع التلفزة الفرنسية التي تتعامل هي أيضا مع ما يحدث في الجزائر بصفة انتقائية، لهذا أواصل استعراض تصرفات فرنسية قديمة أتصور أن من واجبنا الاحتفاظ بوجودها حية في الأذهان، لأن الماضي ضوء كشاف ينير طريق الحاضر ويمكن من خوض مسيرة المستقبل، في انتظار ما سيكشف عنه الغد القريب.
    وكنت تناولت العمل الخبيث الذي كان يسهر على تحقيقه في السبعينيات مدير المخابرات الفرنسي الأسطوري “الكونت دو مارانش”، والذي حمل عنوان نادي “السفاري”، وكان البند الأول هو التحكم في القارة السمراء، وعلى ضوء مخطط جهنمي كان وراءه “جاك فوكار”، الذي كان يسمى “رجل إفريقيا” ويقف وراء أهم الانقلابات التي عرفتها مستعمرات فرنسا السابقة، بدءا بالغابون في 1966، ولمصلحة الدولة الفرنسية وشركاتها البترولية.
    وكان البند الثاني في ملف دو مارانش هو الإسلام، والذي أتوقف عنده لسبب رئيسي هو أنني أتصور بأن الجزائر هي من أقدر البلدان العربية على التحرك إسلاميا في أوروبا وفي فرنسا على وجه التحديد، وخصوصا إذا أمكن تحقيق التكامل والانسجام مع دول المغرب العربي، والمغرب الأقصى في المقدمة، وإذا كانت هناك إرادة مخلصة لدى المرجعيات “السنية” في الوطن العربي كله، وبعيدا عن حسابات البقالين ومناورات المخابرات وعناصرها، وإذا أمكن خلق التكامل مع المؤسسات الدينية في المشرق العربي، وعلى رأسها الأزهر، بعيدا عن روح الاستعلاء الممقوت وإدعاءات الفوقية، وبشرط أن تتصرف تلك المؤسسات بأسلوب أكثر عالمية وأقل إقليمية وأبعد بقدر الإمكان عن إرادة السلطات التنفيذية، والتي جعلت الشيخ خالد الجندي (وهذا لقبه وليس صفته) ينهى عن سبّ إسرائيل، بحجة أن إسرائيل نبيٌّ واجبنا أن نحترمه كبقية الأنبياء.
    ومعروف أن للجزائر أكبر جالية إسلامية في أوربا، وكانت، مع المملكة المغربية، من أهم ركائز مسجد باريس، الذي افتتحه في 16 يوليو 1926 الرئيس الفرنسي غاستون دوميرغ ( الذي تحول من البروتستانتية إلى الكاثوليكية ليضمن بقاءه في منصبه بعد أن كان سلفه ألكسندر ميلييران، غير الكاثوليكي، قد اضطر للاستقالة بضغوط من اليسار الفرنسي، وهو أمر يثير تساؤلات كثيرة لأنه يحدث في بلد يرفع لافتة العلمانية ولكنه يرفض أن يرأسه غير كاثوليكي، وليس فقط غير مسيحي)
    وافتتح المسجد بحضور مولاي يوسف، والد السلطان محمد الخامس، أهم رموز الوطنية في الشمال الإفريقي والذي أدى عزله في منتصف الخمسينيات إلى ثورة الشعب المغربي ضد الوجود الفرنسي، وكان ذلك من شرارات الثورة في المغرب العربي ضد الاستعمار الفرنسي.
    وكان أول أئمة المسجد قدور بن غبريط، وهو فرنسي من أصل جزائري، وهو والد وزيرة التربية في الحكومة قبل الأخيرة للرئيس بة تفليقة، والتي نجحت في استثارة كل الوطنيين ضد اختياراتها التربوية وكانت من العناصر التي أشعلت تصرفاتها الحراك الجزائري، ورُويَ أن معظم مستشاريها كانوا فرنسيين وفرانكوفيليين.
    كان مسجد باريس قلعة روحية ينضوي تحتها أبناء المغرب العربي في المهجر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وبرغم السيطرة الفرنسية الإدارية على المسجد فقد كان للجزائر وجودها المؤثر في نشاطه.
    ولا مجال لاستعراض ما حدث خلال مرحلة الثورة وأقفز سريعا إلى مرحلة الاستقلال حيث تميز الوجود الجزائري بتكوين ودادية الجزائريين في أوروبا، وتألق على رأس الودادية عبد الكريم غريب.
    ولم يكن سرّا أن في فرنسا سلطات لا ترضي عن وجود جزائري فعال، ومن هنا فإن المخابرات الفرنسية فكرت في اختراق الساحة الإسلامية للالتفاف حول التأثير الجزائري، الذي بدا، في الستينيات والسبعينيات، مشاكسا وغير منسجم مع المطامع الفرنسية في المنطقة وفي القارة الإفريقية.
    وبدأ ذلك التفكير يتبلور أكثر فأكثر بعد التأميمات التي قامت بها الجزائر ابتداء من 1966، عندما أممت المناجم وانتهاء بعام 1971، عام تأميم البترول (وأرجو أن أذكر هنا أنه بعد تأميمات المناجم احتضنت باريس الأكاديمية البربرية بحجة الدفاع عن الثقافة “البربرية” وهو ما لم تفكر فيه فرنسا منذ 1830 إذا صحّ الادعاء أن الهدف كان ثقافيا محضا، ولن أذكر بهوية الأعضاء المؤسسين وبتاريخهم في خدمة العلم الفرنسي والأهداف الفرنسية، وكان من عناصر الأكاديمية “جاك بينيت”، الذي ابتكر علماً ضراراَ يسخر منه جزائريون بتسميته علم “الفورشيطة” (شوكة الأكل) وهي الرمز الموجود على علم “بينيت” ويشبه آلة التعذيب الحديدية التي كانت تستعملها محاكم التفتيش الإسبانية ضد المسلمين في نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر، وكانت عبارة عن كتلة حديدية لها شوكتان علويتان وسفليتان، تُثبّت تحت الفك لتنغرس الشوكتان العلويتان فيه وتحول دون فتح الفم بارتكاز الجزء الأسفل على الصدر، وأصبحت رمزا للعداء ضد الإسلام، ولعل هذا هو سرّ اختيار الصهيوني الفرنسي لها.
    وقرر دو مارانش تشجيع إحدى الدول الإسلامية على الوجود في الساحة الفرنسية، بشرط أن : “يُحْسَن اختيار الدولة، ويكون مضمونا عدم تناقض نشاطها مع الاتجاهات الفرنسية، وارتأى أن تكون الدولة المهيأة للقيام بهذا الدور هي المملكة العربية السعودية (هيكل – العربي التائه – ص 125) وكان وجود كمال أدهم في مجموعة السفاري تحصيل حاصل، وهكذا أرسِل إلى باريس علماء دينٍ سعوديون”.
    ولكن عملية الاختراق لم تتم كما أراد لها دو مارانش، وكان من الأسباب أن معظم مسلمي فرنسا “مالكيون أشعريون”، حتى ولو لم يكن معظمهم يعرف ما معنى المالكي الأشعري، ولكنه تأثير العمق التاريخي والأعراف السائدة في دول المغرب العربي.
    وتنفجر الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات، وكانت إسرائيل أكبر متخوف من آثارها ونتائجها، ويتجاوب معها الفرنسيون المصابون بعقدة ذنب تجاه اليهود، وهو ما أحسنت إسرائيل استثماره، وساهم في ذلك العديد من يهود الجزائر الذين نزحوا إلى فرنسا بعد انتصار الثورة الجزائرية، وكان من بينهم “غاستون غارناسيا”، المدعو “أنريكو ماسياس”، الممنوع من دخول الجزائر منذ تهليله لانتصار إسرائيل في 1967، والمُرحّبُ به في بلاد دفعت الثمن غاليا آنذاك.
    ونجح اللوبي الصهيوني في إشعال ثورة الشارع الفرنسي ضد الرئيس دوغول، بتجنيد شباب كانت مشاكله تتراكم في السنوات الأخيرة، وكانت الخلفية الصهيونية هي الانتقام من الجنرال، الذي كانت تصريحاته في 1967 متجاوبة إلى حد كبير مع الحق العربي بقدر إدانتها للغلو الإسرائيلي، وانفجرت أحداث مايو 1968 بقيادة “كوهين بندت”، والاسم يدل على المُسمّى كما تدل البعرة على البعير، ولقيت تلك الأحداث دعما كبيرا من المخابرات الأمريكية عقابا للرئيس الفرنسي على خروجه من الحلف الأطلسي، ليكون ذلك رادعا ضد من يُفكر في الخروج عن إرادة واشنطون، وانتهى الأمر بالاستفتاء الذي فشل فيه دوغول وخرج على إثر ذلك من السلطة.
    لكن اختراق الساحة الإسلامية ظل عنصرا سائدا في السياسة الفرنسية، ولسبب ما سقط التفكير في الدور السعودي بعد خروج دو مارانش من موقعه وتغير القيادات المعنية، وتغير الطرف الإسلامي فأصبح مصريا، وكان الراعي العربي المقترح هو الأزهر، الذي لم يُعارض ولم يرفض، ولعله انتظر “إشارة من الدولة تشير إلى ما تراه صالحا للأزهر وللبلد” (هيكل ص 128-) وكان واضحا أن هناك تجاهلا تاما لمسجد باريس، خصوصا وقد عرفت الجزائر أحداثا همشت الاهتمام بالمسجد، الذي كان سفارة شعبية للجزائر في أرض الغربة الأوربية كلها وليس في فرنسا وحدها، وعلى وجه التحديد عندما انهارت ودادية الجزائريين في أوروبا بعد العددية الحزبية (وليس التعددية) التي جاءت نتيجة لأحداث أكتوبر 1988.
    وهكذا تجاذب القصور التقصير، وتكامل الإهمال واللامبالاة، واختلط الجهل بالتجاهل، وعجزنا عن تقديم الإسلام للغرب كما نراه وكما يجب أن يكون، بل ووصلنا في مرحلة ما إلى محاولة التبرؤ منه بعد أحداث اختلط فيها سوء التقدير مع سوء التدبير، وعجزنا عن تنظيم أبنائنا في المهجر، خصوصا بعد انفجار التناقض المغربي الجزائري، وتركنا أبناءنا، هنا وهناك، نهبا للفتاوى المستوردة والأفكار الغريبة عن مجتمعنا وعن أخلاقياته، وكان هذا أمرا دفع ويدفع المغرب العربي ثمنه غاليا.
    في هذا الإطار يجب أن نضع الأحداث التي اصطلح على تسميتها اليوم بالإرهاب الإسلامي.
    فقد كان ما يصل إلى المهاجرين المسلمين من أنباء وطنهم وما يرونه من صور التعامل مع رفاقهم تذكيرا بعبارة قالها، خلال الفترة الاستعمارية، ضابط جزائري في الجيش الفرنسي برتبة كولونيل: “العربي عربي ولو كان الكولونيل بن داوود”، وكان هذا مما تأثر به الشباب، الذين عرفوا المهجر في نهايات القرن الماضي، عندما كان الواحد منهم يسير بجانب حائط الحياة، منتظرا في كل لحظة شرطيا يمسك بتلابيبه ليمارس عليه نفوذه.
    وربما كان سبب الفشل الفرنسي الرئيسي في استيعاب حركة الشباب المهاجر هو أن الفرنسيين حاولوا دراسة الظواهر التي تقلقهم من أبناء الجنوب على ضوء دراسات أعدّت على أساس الفهم الفرنسي والمنطق الفرنسي والنظرة الفرنسية والتحليل الفرنسي، المُتّسم بالتعالي والغطرسة، ولم تدرك السلطات أن للعربيّ منطقه وأسلوب حياته ومنطلق أفكاره، ولو كان لا يعرف من اللغة العربية إلا … “بَاردون، موش يعرف عربي”.
    ولكي نفهم هذا الأمر، يجب أن ندرك أن نظام الأسرة في المغرب العربي بوجه عام كان نظاما أبويّا، حيث يدين الجميع للأب بالسمع والطاعة، وتنتقل سلطته المعنوية للابن الأكبر، ولدرجة أن الابن الأصغر في العائلة في كثير من المناطق يسير متأخرا عدة خطوات عن أخيه الأكبر، الذي لا تناديه الأخت باسمه، وإنما بكلمة: سيدي.
    واختلّ كل هذا في المهجر، فالأسَرُ ألقِيَ بها في أحياء جانبية أصبحت أقرب إلى “غيطو” ولم تندمج تماما في المجتمع الفرنسي، وأصبح شبابها يعاني من تناقضات اجتماعية نشأت عن تأثير نداءات التحضر والتقدم التي تتناثر في المجتمعات الغربية، والإغراءات المتواصلة التي يتعرض لها الشاب والفتاة، وانحياز السلطات لفتاة تخرج عن إرادة أسرتها.
    وهكذا تعثر دور رب الأسرة ثم تلاشى، وبدأت “الشيزوفرانيا” تفعل فعلها لدى كثير من الشباب الذي أصبح يعيش وضعية ضياع، فمرجعية الأسرة ذابت، وخصوصا بالنسبة للفتيات، مع ملاحظة ردّ فعل إخوتهن الذكور، الذين لم يتخلصوا من الأعراف العربية الإسلامية إلا فيما يتعلق ببنات الآخرين.
    ولم يكن باستطاعة المجتمع الفرنسي أن يعطي لهؤلاء الشباب مرجعية ذات مصداقية، فتعبيرات الحرية والإخاء والمساواة تأخذ غالبا أساليب انتقائية.
    وحقيقي أن الناس هناك يتميزون بأدب التعامل، وبونجور وميرسي وأورفوار هي عملة يومية رائجة، لكن الغريب عن الديار فكريا وعاطفيا، حتى ولو كان يعيش فيها جثمانيا، يُحسّها كمجرد صورة ملونة لورقة عملة بنكية، لا تشتري حبة زيتون.
    وكان الملجأ الروحي والمرجعية الفكرية لمن يريد تفادي الالتحاق بتجمعات الشباب على نواصي الطرق في الأحياء الهامشية هو رجال الدين، لكن مجتمع الحرية والعدالة والمساواة قضى تماما على كل دور فعال لهؤلاء.
    فبينما تتولى مؤسسات الكنائس والبيَع اختيار رهبانها وحاخاماتها بالاختيار الكهنوتي تطبيقا للتوجهات اللائكية المُعلنة، فان “انتقاء” الأئمة الإسلاميين يمر غالبا عبر عناصر قسم الشرطة في الحيّ، ممن يتخصصون في تجنيد المخبرين وتوظيف المنحرفات، أو من خلال مستويات أعلى في مخابرات حماية التراب الوطني (DST) وهو ما يمكن أن يُفسّر تصرّف ذلك الإمام الذي يدعو في التلفزة الفرنسية للإسلام “الجمهوري” (Islam Républicain) ومفهومه، تشكيلة الطقوس الدينية الظاهرية التي يكتفي بها أي أمّي يقال له أن هذا هو طريق الجنة وضمان التخلص من مضايقات الشرطة.
    وما لم تدركه السلطات الفرنسية أن هذا الطراز من رجال الدين، والذي تعرف مثيله بلدان عربية وإسلامية كثيرة، هو السبب في ضياع مصداقية الأئمة الذين أصبحوا يحملون صفة “علماء السلطان”، ففقدوا أي تأثير إيجابي على الشباب بل والأقل شبابا، وتملك بعضَهم الحقدُ على رفض الشباب له، فبالغ في عدائه لهم، كما رأينا من الشيخ علي جمعة وأمثاله في مصر وفي غير مصر، ويضاف لهذا تلك “التوبة” النصوح لدي رجال دين انحرفوا عن فتاواهم بـ180 درجة عندما أمر الأمير بذلك.
    ولأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ فقد دخل إلى ساحة الحياة ملتحون جدد، تلقوا قدرا محدودا من المعلومات الدينية جعلت الواحد منهم مجرد “ميكانيكي” شؤون فقهية، ولأن هذا لا يكفي للتجنيد ولاكتساب هيبة القيادة وتبرير ضخامة العمامة لجأ هؤلاء إلى أكثر العناصر فاعلية، وهو خلق حالة “بارنويا” حادّة يمكنها أن تجذب شبابا متورمي النفس بالسخط على مجتمع يتعالى عليهم، ويرفض تقبلهم في عالم أصبح قرية صغيرة وغابة كبيرة، وجعل من بلدانهم مثال الخنوع ومن قادتهم رمز التبعية ومن قيَمهم الدينية محل السخرية.
    وأضيف إلى هذا ما سبق أن قلته من ممارسة السلطات الفرنسية للانتقائية في تعاملها مع أبناء المغرب العربي بشكل عام، حيث لا تثق إلا في من يتأكد لها أنهم ملكيون أكثر من الملك، وأقصد الملك …الفرنسي.
    وهنا ندرك سبب القلق الذي تشعر به اليوم سلطات فرنسية نتيجة لما يحدث في الجزائر، وخصوصا لأنها لم تعد تعرف خبايا كل ما يحدث عندنا، فمعظم من كانت تلجأ لهم وتعتمد عليهم لا يوجدون اليوم حيث تتخذ القرارات وتُعرف كل المعطيات.
    وللحديث بقية، خصوصا إذا كشفت التحقيقات القضائية ما يخفي على الكافة.
    آخر الكلام.
    * – أجد نفسي مضطرا للاعتذار للجنرال توفيق بعد أن حرفت بعض الصحف ما قلته في حديثي الأسبق، حيث نسبت لي أنني حمّلته مسؤولية “كل” ما أصيبت به الجزائر منذ بداية التسعينيات، وأنا أعتذر تعبيرا عن سخطي لأنني أرفض أن يحاول البعض تصفية حساب مع الجنرال بما يُظهرني كأنني أطعن جريحا، وما كتبته هو معلومات معروفة للجميع في الجزائر، ومضمون حديثي كان قد صدر في كتاب لي منذ نحو خمس سنوات، وقبل إحالة الجنرال للتقاعد في 2015.



    مفكر ووزير اعلام جزائري سابق

  5. #5
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,546
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: الجزائر: عين على العاصمة المثلثة

    الجزائر: المأزق الوهمي

    دكتور محيي الدين عميمور
    تشهد الجمعة الثالثة عشرة ما يبدو أنه وقفة تأملية يراجع فيها الكثيرون مسيرة الأسابيع الماضية، بينما تتردد إشاعات عن محاولات استفزاز يُعد لها بعض من لم ينجحوا في فرض منطقهم على مسيرة الأحداث.
    وكثيرون ممن ساهموا في تكوين الكتلة الهامة من “تسونامي” الحراك عبر التراب الوطني بدءوا يكتشفون بأن هناك توجهات فكرية وعقائدية وخلفيات مصلحية وأطماع سياسية تكثف محاولاتها لانتزاع حق الحديث باسم الشباب الرائع الذي خرج بتلقائية لا سابقة لها لكي يرفض حكم عصابة مارست مع البلاد عملية تشبه اختطاف طائرة، وتبدو في الأفق استفزازات تبحث عن شهادة مفتعلة تبرر استعداء المؤسسات الدولية الخبيرة في اللطم والندب والعويل، وليس بعيدا أن تبرز استفزازات أكثر خطورة تستبيح دماء المواطنين، المدنيين والعسكريين على حد سواء.
    وبدأ شعور جديد يسيطر على معظم الساحات الوطنية، مضمونه أن الهدف الحقيقي للحراك قد تحقق باستقالة الرئيس عبد العزيز بو تفليقة وانتهاء مهزلة العهدة الخامسة وبروز دور القوات المسلحة في حماية انتفاضة الشباب ضد الرداءة بكل صورها وفي كل مستوياتها، بغض النظر عن أن الاستقالة “ارتكبت” بشكل متعجل ترك على الساحة السياسية قنابل موقوتة يجري العمل على تفكيكها بمثابرة عنيدة وبحرص مثير للإعجاب مع العمل على انتزاع ألغام كانت قد زرعت منذ سنوات.
    وتجلى ذلك الشعور في تناقص عدد المتظاهرين في العديد من ولايات الوطن، مما أدى إلى تكاثر المحاولات المحمومة لتجميع أكبر عدد ممكن في وسط العاصمة الجزائرية والشرايين المؤدية إليه، وإلى درجة محاولة نقل أعداد هامة من مناطق مجاورة شُحنت ضد إجراء الانتخابات الرئاسية لنفس الأسباب التي سبق ذكرها، بحجة أن العاصمة هي للجميع، وكان الهدف هو تضخيم الصُّور التي تنقلها التلفزة عن تجمعات مركزة ترفع شعارات معينة محاولة الإيحاء بأن ما تعبر عنها اللافتات الضخمة والهتافات الهادرة تترجم إرادة 40 مليون جزائري، وكان من نتيجة هذا أن بهتت رمزية ساحة البريد المركزي، نتيجة لعزوف كثيرين عن التجمع فيها تاركين المجال لمن يعملون على إعطاء صورة معينة لتوجهات الحراك، ولبعض الفضوليين الباحثين عن كاميرات التلفزة.
    ورُويَ لي أن كثيرين لاحظوا محاولات إقصائية لبعض المتظاهرين في مواقع مختارة تحظى بالتغطية الإعلامية الواسعة لسهولة الوصول إليها، مثل ساحة “موريس أودان”، بينما تم حشد طلبة بصفة انتقائية من بعض المعاهد ذات التكوين الفرنسي على وجه التحديد للزج بهم في وسط العاصمة، وكلها ممارسات لم تخفَ أهدافها الإعلامية عن المتابعين الواعين.
    وتألقت مدن معينة مثل برج بو عريريج، التي بدأ كثيرون يعتبرونها عاصمة الحراك الحقيقي، حيث التزم المتظاهرون هناك بنفس الخط الذي انطلقت به الانتفاضة في 22 فبراير الماضي، بعيدا عن أي تصعيد أو مزايدات، وبالحرص على رفع العلم الوطني والعلم الوطني وحده.
    وبدا شعبنا في قمة الوعي الفكري وهو يقارن بين أمرين متناقضين، أولهما المطالبة المُلحّة برحيل الحكومة الحالية التي شكلها الرئيس السابق، والتي رأى كثيرون أنها عملية انتقامية أسقطت ما كان بقي من تعاطف مع الرئيس المُستقيل، ودرجة أن أحد باعة الفاكهة ممن يحملون قدرا من الثقافة، قال لي وأنا أجس نبض انطباعاته: “الله يطول عمره”.
    وأحسّ البائع بأنني فوجئت بدعائه، وعرفت فيما بعد أنه جامعي يُساعد والده في حانوته، فأجاب “ليس من مات فاسترح بميْتٍ إنما الميت ميت الأحياء”، ثم أضاف، بِكُرْه لم أكن أتوقع حجمه: أريده أن يظل حيا لينطبق عليه قوله تعالى: “ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئا”، أريده أن يقارن بين المجد الذي منحناه إياه وبين الذل الذي أوصل نفسه بنفسه إليه.
    الأمر الثاني المتناقض مع هذه المشاعر الغاضبة، التي أتفهمها بقليل من العناء لكنني قد لا أتقبلها بنفس السهولة، هو أن كثيرين عبروا عند تقديرهم لحكومة تصريف الأعمال التي يرأسها نور الدين بدوي، وهو ما أدهشني حيث فوجئت بحجم من الوعي الوطني العميق كنت أتصور أنه ليس سلعة رائجة لدى الكافة.
    وأستطيع القول أن هذا أسعدني لأنني لا أحب لجماهيرنا أن تبدو على صورة دهماء روما ورعاعها ممن كانوا يهتفون بحماس متشنج بحماس للأسود الضارية وهي تلتهم العبيد في ساحات الملعب الإمبراطوري، أو يطالبون الأسير المصارع بأن يُجهز على خصمه، الأسير أيضا.
    وعندما أمعنت التفكير في الأمر وصلت إلى اليقين بأن موقف الوزير الأول وأعضاء الحكومة يجسد قدرا هاما من الوطنية والشعور بروح المسؤولية، حيث يرفضون الاستقالة ويتمسكون بالثبات في مواقعهم في حين أنهم يعرفون أنهم مكروهون من الشارع بل وعاجزون عن متابعة الأشغال في المؤسسات التابعة لوزارتهم، بعد أن لوحظ أن مجموعات من الأشخاص غير بريئة تعترض طريقهم بتهجم واضح، تكاد شراسته وافتقاره لأبجديات الاحترام لممثلي الدولة يعطي أسوأ الانطباعات عن نوعية أولئك الأشخاص وحقيقة دوافعهم، غضبا مشروعا أو حماسا حزبيا أو ارتزاقا متعدد الجوانب، ويتزايد يقين المسؤولين الذي يكظمون غضبهم ويكتمون ألمهم النفسي بأن العملية منظمة لدفعهم إلى الاستقالة بشكل أكثر تعجلا من استقالة رئيس الجمهورية، التي أوقعتنا في المأزق الكبير.
    والوزراء يعرفون بأن استقالة الحكومة ستضع البلاد في وضعية فراغ حكومي يفتح الباب أمام المجهول، لأن المادة (93) من الدستور تعطي حق تشكيل الحكومة لرئيس الجمهورية فقط وليس لرئيس الدولة، ولقد كنت اقترحت شخصيا أن يستقيل الوزراء ويتم التعامل مع الدستور بقراءة سياسية للمادة المذكورة يجد لها المجلس الدستوري مخرجا، برغم أنني أدرك أن هذا لا يزيد عن أن يكون أقل الحلول سوءًا.
    لكن الأمانة وروح المسؤولية تقتضي القول بأن هذا الصبر الذي يتحلى به الوزير الأول وأعضاء حكومته هو دليل تفكير حكيم وموقف شجاع جدير بالتقدير، وقد قرأت لواحد ممن يطلق عليهم تعبير “الرويبضة” بأن القضية هي تمسك بمرتب الوزير، وهذا القائل يجهل أن الوزير يظل يعامل كوزير ولو كان قضى يوما واحدا في الوزارة ثم استقال أو أقيل لغير سبب مخل بالشرف أو متناقض مع التزامات المنصب.
    لكن المأزق يبقى قائما، ويحاول كثيرون اقتراح الحلول، وهي وضعية تذكرني بتعبير قاله يوما الجنرال “شارل دوغول” عندما حدثوه على احتمال وجود فراغ سياسي (vide politique) فقال بسخريته اللاذعة : أخشى أن نغرق بكثرة الموجود (un trop plein)
    وواقع الأمر أن حجم المعلقين السياسيين والمحللين الاستراتيجيين والخبراء الإعلاميين والاخصّائيين الأكاديميين قد تكاثر بحيث أصبح لدينا جيشٌ جنرالاته أكثر من عدد جنوده، وهذا ما يدفعني أحيانا إلى تفادي تقديم أي اقتراح، خصوصا وأنا أعلم أن القيادات العليا تتحسس من الاقتراحات العلنية وتنزعج منها، وخصوصا إذا كانت صائبة، وهي تفضل تلقي الاقتراحات في تقارير سرية، من المنتج إلى المستهلك بتعبيرات زمان، وهي طريقة يرفضها أي مثقف محترم يعرف أن التقارير قد تعتبر نوعا من “الشيتة” أو استجداء “الرعاية”، وسوف تقبر في خزائن مصفحة إذا لم تلقَ في سلة المهملات.
    ولأنني أعرف أن الوقت كالسيف، وهو في مرحلة كهذه أخطر من قنبلة النابالم، أجازف اليوم بتقديم تصوري في نقاط محددة.
    * – أفضل التعامل مع المادة 93 بما يسمح لرئيس الدولة من تعيين حكومة جديدة، وعدم الخروج بسنتيمتر واحد غير هذا عن نص الدستور، لأن هذا قد يقود إلى الخروج عن النص أمتارا أو كيلومترات، ويبقى الرأي النهائي للمجلس الدستوري.
    * – في حالة صعوبة تحقيق هذا الاقتراح يتم اللجوء إلى إعلان دستوري مضمونه الأساسي التمسك بالدستور الحالي باستثناء المواد التالية:
    – المادة 93 ليكون لرئيس الدولة حق تعيين الحكومة.
    – المادة 173 يُعفى رئيس الجمهورية من رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، ويتم اختيار رئيس المجلس بالانتخاب من بين أعضاء المجلس، ويكون مسؤولا أمامه وأمام البرلمان بغرفيتيه (وليس أمام الرئيس أو الوزير الأول أو وزير العدل)
    – المادة 194 تتشكل لجنة لتنظيم الانتخابات برئاسة رئيس المجلس الأعلى للقضاء وبعضوية قضاة من بينهم رئيس مجلس الدولة، وتكون للجنة فروع ولائية يتم تنظيمها بالتشاور مع القضاة، وتضع وزارة الداخلية والولاة ومصالح الأمن كل الإمكانيات تحت تصرف هذه اللجنة، ولا تتدخل في عملهم.
    وتراجع هذه اللجنة القوائم الانتخابية بالتعاون مع كل السلطات التي تحتاج إلى مساهمتها، عسكرية أو مدينة، ويمكنها أن تطلب دعم أستاذة جامعيين أو موثقين محلفين.
    المادة 194 مكرر : كل محاولة للتأثير على مجرى الانتخابات ونتائجها تعاقب بالسجن لمدة خمس سنوات مع الحرمان من الحقوق المدنية وغرامة مالية.
    المادة 208 يتم تعديل الدستور بعد الانتخابات الرئاسية في حدود ستة أشهر، وذلك بعد مناقشة شعبية لكل بنوده لمدة شهرين، وتكون المناقشات علنية، ويستفتى الشعب على الدستور الجديد ويمكن أن يتم الاستفتاء على بنود معينة بصفة منفردة.
    هل من قراء يُثرون أو يضيفون، وأهم من هذا هل هناك قراء …يقرءون.؟
    آخر الكلام:
    * – شخصيات سياسية، أو يبدو لها كذلك، أبدت من نحو ثلاثة شهورا نشاطا هائلا في الاستعداد والإعداد للانتخابات الرئاسية، واختارت مرشحها، ولسبب ما انفضت عنه وتركته قائما، وهي اليوم ترفض إجراء الانتخابات بادعاء الخوف من التزوير، علما بأن من يقومون على مراكز الاقتراع اليوم هُمْ هُمْ من كانوا يقومون بذلك بالأمس، ولا مجال لاستيراد خبراء من سويسرا قبل عشر سنوات !!.
    ومثلهم من نظم انتخابات 1991 التي اعترف العربي بلخير رحمه الله بنزاهتها رغم أنها أفسدت المخططات الموضوعة.
    * – غار أو نفق الجامعة المركزية في الجزائر أطلق عليه المتظاهرون اسم “غار حراك”، على وزن غار “حراء”، واحد من التعبيرات الطريفة التي تفتقت عنها أذهان الشباب.
    * – ما بني على باطل يبقى باطلا، عن التنافر بين أفراد نفس التيار السياسي أتحدث، وإذا كان الغراب دليل قوم ..الخ.
    وليت الحلفاء الإستراتيجيين لجمهورية باديس نوفمبر يراجعون أنفسهم قبل لأن يودي التاكتيك بالإستراتيجية، وخوخك خوك ..لا يغرك صاحبك


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. «الأتمتة» تغزو المصارف العالمية وتهدد بفقدان آلاف الوظائف
    بواسطة Abu Ibrahim في المنتدى الإقتصاد العالمي World Economy
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 01-25-2017, 06:53 PM
  2. الأتمتة تقتل المهارة البشرية.. لكن هناك حل
    بواسطة متواصل في المنتدى عالم التكنولوجيا
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-28-2014, 08:42 PM
  3. الملك عبد الله في ثلوج العاصمة
    بواسطة متواصل في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-15-2013, 11:01 AM
  4. صور جميلة من العاصمة عمان
    بواسطة متواصل في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 06-28-2011, 09:32 AM
  5. القبض على لص سرق 32 منزلا في العاصمة عمان
    بواسطة AnAs في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 09-27-2010, 08:12 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

BACK TO TOP