مؤسس بنوك: اقتصاد العالم الإسلامي يُستنزف والزكاة حل سحري

الاستهلاك بالعالم الإسلامي يرتفع خلال رمضان بنسبة تزيد على 40%
حنين ياسين-
تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية في الدول العربية والإسلامية بشكل متصاعد في ظل ما تواجهه من أزمات وصراعات سياسية وعسكرية، تنعكس بمجملها على الظروف الإنسانية والمعيشية لسكان تلك البلاد.
ومع حلول شهر رمضان المبارك تتحول هذه الأزمات إلى ما يشبه الشبح الذي يطارد الفقراء الذين لا يجدون ما يسدون به رمق أطفالهم، في الوقت الذي تستنزف به أموال ميسوري الحال على منتجات استهلاكية مستوردة، ترهق كاهل الاقتصاد العربي والإسلامي وتبدد موارده المالية.
"الخليج أونلاين" حاول عبر حوار عميق مع المستشار الاقتصادي في الأمم المتحدة، وأحد مؤسسي المصارف الإسلامية في اليمن الدكتور منير سيف، مناقشة أهم الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالدول العربية والإسلامية، وبحث أسبابها وتداعياتها، ومحاولة إيجاد حلول عملية لها.

-الفقر
يقول الخبير الاقتصادي منير سيف، إن نسبة الفقراء في العالم الإسلامي بحسب أحدث الإحصائيات بلغت نحو 33%، وهو ما يشير إلى أن الدول الإسلامية تعاني من مشكلة الفقر بشكل كبير.
ويوضح أن معدلات الفقر المرتفعة ترجع إلى عوامل رئيسية أهمها أن سياسات الدول الإسلامية لا تسير في الاتجاه الصحيح نحو تخفيض أعداد الفقراء، إضافة إلى الفساد والفوضى السياسية الموجود بتلك الدول.
ويشير إلى أن العالم الإسلامي ليس فقيراً بالمال والثروات والموارد؛ فالدول الإسلامية والعربية لديها مقومات تجعلها في مصاف الدول الغنية، إلا أن العديد من العوامل والسياسات ساهمت في ظهور مشكلة الفقر في هذه الدول.
ومن هذه العوامل، وفق سيف، عدم تطبيق خطط واقعية تعالج مشكلة الفقر، والافتقار لسياسة التكافل الاجتماعي وعدالة توزيع الثروة، فلو أقدمت الدول العربية والإسلامية الغنية على استثمار أموالها في الدول الفقيرة فسيكون حتماً لذلك أثر كبير في الأخذ بيد تلك البلدان للتخلص من أزمات الفقر.
وتشمل العوامل المسببة للفقر أيضاً افتقار الدول العربية الفقيرة للقدرة على خلق بيئة استثمارية ناجحة تجذب استثمارات الدول الغنية غير المسلمة، الأمر الذي أوجد مخاوف لدى الأخيرة تجاه الاستثمار في هذه الدول.
ويقول سيف: "الدول العربية والإسلامية الفقيرة لديها أنظمة حاكمة تعاني من فقر في الإدارة والقيادة، ما تسبب باستشراء الفساد في أجهزتها الحكومية ممَّا يصيب الجانب الاستثماري بشلل تام، وعدم القدرة على خلق فرص استثمارية واقتصادية أو تحقيق التمكين الاقتصادي في مجتمعاتها، ما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر وغياب التنمية".

- أموال الزكاة
ويعتقد المختص في الاقتصاد الإسلامي أنه إضافة إلى العوامل سابقة الذكر، فإن عدم دفع أموال الزكاة بطريقة منظمة وعادلة يساهم في زيادة معدلات الفقر.
ويوضح أن الزكاة حينما فرضت بالشريعة الإسلامية كان الهدف منها إعادة توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء، فلو دفع الأغنياء زكاة أموالهم بشكل عادل وذهبت تلك الأموال إلى صندوق أوقاف خاص، وتم هندسة تصريف تلك الأموال لأغنت المسلمين ليس في البلدان التي دفعت فيها الزكاة فقط ولكن خارج نطاق تلك الدول.
ودعا كل الدول الإسلامية إلى إنشاء صندوق أوقاف خاص بأموال الزكاة يتوافق مع متطلبات العصر الحديث.
ويشير إلى أن ذلك الصندوق في حال تم إدارته بشكل سليم سيكون "حلاً سحرياً"، وسينجح سريعاً في إنعاش الاقتصادات الإسلامية وإنهاء أزماتها.

- الاستهلاك في رمضان
يقدر الخبير الاقتصادي أن الاستهلاك في جميع دول العالم الإسلامي، سواء الغنية أو الفقيرة، خلال شهر رمضان، يرتفع بنسبة تزيد على الـ40% مقارنة ببقية أشهر السنة.
ويرى سيف أن لتلك العادات الاستهلاكية آثاراً إيجابية وسلبية، وجانبها الإيجابي يتمثل في أنها تعد فرصة للتجار حيث يزداد الطلب على بضائعهم، خاصة الغذائية منها، خلال شهر رمضان وتنتعش الأسواق.
لكن المختص الاقتصادي يوضح أن ذلك الانتعاش المؤقت للأسواق في رمضان لا يرفع نسبة النمو الاقتصادي إلا بشكل طفيف.
في المقابل فإن نسبة الاستهلاك العالية التي تفوق الحاجة البشرية تتحول إلى نقمة، فهي تقود العديد من الأسر نحو الاقتراض ومن ثم الإفلاس، وذلك يتسبب مستقبلاً بهبوط حاد في الاستهلاك وركود اقتصادي.
ويطالب سيف بضرورة تنظيم حملات توعية وتثقيف مكثفة في المجتمعات العربية والإسلامية حول مخاطر الاستهلاك وأهمية الادخار.
ويقول: "الاستهلاك الكبير حوّل الدول العربية والإسلامية إلى دول مستوردة غير مصدرة ودائنة لا مدينة، ما تسبب بإنهاك اقتصاداتها".

- واقع الاقتصاد الإسلامي
يعتبر المستشار الاقتصادي العربي أن الدول العربية والإسلامية ما زالت بعيدة عن تطبيق سياسات الاقتصاد الإسلامي بمعاييره القوية والناجحة التي ستخلق فرصاً كبيرة لصعود اقتصادات تلك الدول.
ويصف اقتصاد العالم الإسلامي بأنه "ضعيف رغم امتلاكه كل مقومات النجاح بفعل الموارد والثروات الطبيعية الهائلة التي يزخر بها".
ويوضح أن "العالم الإسلامي لا يستطيع إدارة نفسه بسبب التشتت والفوضى التي أصيبت بها بعض دوله".
ويقول: "الدول الخليجية وكثير من الدول العربية تمتلك قوة اقتصادية هائلة ولديها مصارف تملك أصولاً كبيرة يمكنها من خلالها تحقيق قفزات كبيرة في الاقتصاد، لكن الاضطرابات السياسية التي تعيشها المنطقة أثرت على الاقتصاد ما اضطر المستثمرين ورجال الأعمال إلى البحث عن فرص استثمارية بديلة".
ويضيف: "أثبتت التجارب العالمية والأزمات المالية الحادة التي مرت بها اقتصادات الدول العملاقة أن الاقتصاد الإسلامي هو الأمل، فهو يقدم حلولاً ناجعة ودائمة ويقدم استثماراً حقيقياً يعتمد على مشاركة المال في المشروعات الحقيقية التي تخلق فرص عمل وتقلل معدلات الفقر والبطالة".
ويؤكد أن تطبيق سياسات الاقتصاد الإسلامي ينهي حالة الركود والتضخم، فعندما مرت اقتصادات العالم بأزمات مالية وسيولة خانقة ظهرت المصارف الإسلامية بامتلاكها مبالغ نقدية كبيرة كفيلة بأن تخلق نمواً اقتصادياً كبيراً.

- الاقتصاد العالمي
يعتقد الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات كبيرة من أهمها مشكلة الطاقة والصراعات السياسية والعسكرية والأمن البيئي والفقر والفوضى في كثير من الدول، واختلال التوازن في الاقتصادات العالمية وخاصة الدول الكبرى، وظهور قوى جديدة، إضافة إلى أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وارتفاع أرقام الدين في الدول ذات الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان والصين.
ويرى أن من أخطر الأزمات التي يواجهها الاقتصاد الدولي عدم قدرته على مكافحة الفقر، حيث يعيش نصف سكان العالم على أقل من دولارين في اليوم، ويموت نحو 30 ألف طفل يومياً، ونحو 11 مليون إنسان سنوياً بسبب الفقر.
ووفق سيف، فإن تحديات الاقتصاد العالمي تنعكس على الاقتصاد العربي والإسلامي نتيجة ارتباط العالم بنظام "العولمة".
ويقول: "تأثر العالم الإسلامي بالأزمات الاقتصادية العالمية يتطلب من دوله تغيير منهاجها في تعامل بعضها مع بعض، مثل إنشاء سوق إسلامية مشتركة تحدث تغييراً اقتصادياً جديداً ونموذجياً ناجحاً".
ويضيف: "الدول العربية والإسلامية تستطيع خلق تكامل فيما بينها، فهي تمتلك ثروات وموارد طبيعية وقوى بشرية وعقولاً مفكرة هائلة، ويمكن استثمارها بشكل يحدث طفرة في اقتصادات هذه الدول".
يذكر أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة يبلغ نحو 2.64 تريليون دولار تساهم دول مجلس التعاون الخليجي الست بأكثر من نصف هذا الناتج، بما يعادل 56.4%، بحسب بيانات العام 2017.
ويمثل الاقتصاد العربي ما نسبته 1.9% من مجموع الناتج المحلي العالمي الذي بلغ 74.152 تريليون دولار في العام 2017.