النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

  1. #1
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية
    أسامة يوسف
    23 فبراير 2019
    لطالما مثل السلام الاقتصادي الجانب أو الشق الاقتصادي في كافة التسويات السياسية، أو ما يسمى بمبادرات "السلام الأميركية" بين إسرائيل والأطراف التي وقعت اتفاقيات تسوية (منظمة التحرير الفلسطينية، مصر والأردن)، أو لم تُبرم اتفاقيات ولكنها اكتفت بنمط علاقات سرية كما في بعض دول الإقليم العربية، وتمظهر السلام الاقتصادي بشكلٍ واضح في واقع السلطة الفلسطينية بعد مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى، وتشكل مشروع السلطة المسنود أميركياً في الضفة الغربية بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، ولكنه بقي مستتراً بين إسرائيل وكلٍ من مصر في اتفاقية كامب ديفيد التي وقعت عام 1978، والمملكة الأردنية في اتفاقية وادي عربة عام 1994، واقتصر على الدعم الأميركي السنوي العسكري والاقتصادي المباشر، وعبر وكالة التنمية الأميركية "USAID" ومؤسسات أخرى بصورة غير مباشرة، وقد شكل الجانب الاقتصادي في سياق عملية التسوية متلازمة لكل الاتفاقيات الأساسية أو الملحقة بين إسرائيل والعرب، وحافظ على مكونه الجوهري في الاتفاقيات حتى في أوقات الأزمات، وقد يتآكل بعض الوقت أو يكون عرضة للمد والجزر وفقاً لمتغيرات قد لا ترغب فيها إسرائيل أو الإدارة الأميركية ولكن لا يصل لحد القطيعة.

    شكل ومضمون السلام الاقتصادي
    من التبسيط المخل اختزال السلام الاقتصادي بصيغته الأميركية أو الإسرائيلية في مشاريع اقتصادية مشتركة، أو مخططات تتعلق بالبنية التحتية أو الطاقة، بل هو مفهوم واسع بأهداف بعضها تكتيكية، والبعض الآخر يتعلق برؤى استراتيجية بعيدة المدى، وإن بدا في مظهره العام بمساعدات مادية سنوية مباشرة وبعض المشاريع لاقتصادية المشتركة، إلا أن له أشكالاً أخرى غير مباشرة تتعدى البعد الجغرافي أحيانا، ومن التبسيط أيضاً اعتبار السلام الاقتصادي بماله الأميركي وبمشاريعه الإقليمية الإسرائيلية الطموحة وصفة لتحقيق سلام حقيقي قائم على رد الحقوق ونصرة المظلومين، وإحداث حالة رخاء ورفاهية وازدهار شامل يطاول جميع الأطراف بلا استثناء، وإنما في المحصلة خدمة الأهداف الأميركية وتمكين المشروع الصهيوني في المنطقة، ومن أبرز أشكال السلام الاقتصادي:

    - المعونات المالية الأميركية السنوية المباشرة، في شقها العسكري أو الاقتصادي، إذ كان الشق الاقتصادي حاضراً وبقوة في معاهدات التسوية التي وقعها الكيان الإسرائيلي، وفي جزء منه المعونات السنوية، فبمجرد انفضاض مراسيم التوقيع على الاتفاقيات كانت الدبلوماسية الأميركية تستنفر دولياً لجمع أكبر عدد من الدول الداعمة خاصة الأوروبية لمؤتمرات دعم السلام "وتشجيع الأطراف وإقناعها بخيار السلام وثماره"، وعليه تلقت السلطة الفلسطينية مساعدات مالية أميركية مباشرة بمعدل 60 مليون دولار سنوياً في الفترة 1994-2000، وارتفعت إلى 512 مليون دولار في عهد بوش الابن، بينما قفزت في السنة الأولى لباراك أوباما عام 2009 إلى مليار دولار، وارتفعت مجدداً إلى مليار دولار عام 2013، قبل أن تتراجع مرة أخرى إلى 497 مليون دولار، ثم سجلت 557 مليون دولار عام 2015، و457 مليون دولار عام 2016، و285 مليون دولار في السنة الأولى لحكم ترامب، وتوقفت للصفر مع بداية عام 2019 في سياق تفعيل آليات الضغط الأميركية لتمرير مخطط تصفية القضية الفلسطينية "صفقة القرن"، أما مصر التي وقعت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 فقد تلقت معونات ومساعدات أميركية عسكرية سنوية قدرها 1.3 مليار دولار، ومساعدات اقتصادية بحوالي 250 مليون دولار، وفي العام 2017 حصلت مصر على 1.23 مليار، خُصص 1.1 مليار للدعم العسكري والأمني، فيما لم تتجاوز المساعدات الخاصة بالتعليم الـ37 مليوناً، والإنسانية 26 مليوناً، بينما بلغ الدعم المخصص للنمو الاقتصادي 45 مليوناً، ووفقاً لـ خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، حصلت مصر على 69 مليار دولار من الولايات المتحدة منذ عام 1979 حتى الآن.

    أما المملكة الأردنية التي وقعت مع إسرائيل على اتفاق وادي عربة عام 1994 فقد تلقت عام 2017 معونات أميركية بمبلغ 1.21 مليار؛ 510 ملايين لصالح الجوانب العسكرية والأمنية، و213 مليوناً للموازنة العامة، و188 مليوناً للخدمات الإنسانية الإغاثية، و82 مليون دولار للتعليم، و60 مليوناً للمجال الصحي، ونظراً لتوتر الأوضاع الداخلية في الأردن في ظل التراجع الاقتصادي وحالة الاضطراب الإقليمي تم تجديد اتفاقية المساعدات عام 2018 لمدة خمس سنوات بتشجيع من الكونغرس الأميركي، لتغطي الأعوام من 2018 وحتى 2022 بقيمة اجمالية 6.375 مليارات دولار.

    المعونات المالية المباشرة من خارج الولايات المتحدة، وهي المعونات التي تتلقاها الدول أو الكيانات المعنية من أطراف حليفة للولايات المتحدة، في إطار تفاهمات بين الولايات المتحدة وبين دول أو تكتلات سياسية أو اقتصادية كالاتحاد الأوروبي، وهي المعونات التي لا تمر دون ضوء أخضر أميركي، حتى المساعدات التي تقدم دون تفاهمات مسبقة نظراً لظروف طارئة فهي تتم ربما بإيعاز أميركي أو على الأقل موافقة علنية أو ضمنية، وقد نشط الاتحاد الأوروبي بعد تأسيس السلطة الفلسطينية مباشرة بعد اتفاق أوسلو عام 1993 بتقديم مساعدات سنوية مباشرة لخزينة السلطة الفلسطينية في سياق تعاطي دول الاتحاد مع الشق الاقتصادي من التسوية بينما الولايات المتحدة تعاطت مع الجانب السياسي بشكله الطاغي بالإضافة إلى جزء من الاقتصادي، ولا يقتصر الأمر على دول الاتحاد الأوروبي، فقد قدمت دول حليفة للولايات المتحدة مساعدات للسلطة مثل اليابان وكندا وأستراليا ودول أخرى، حتى الدول العربية خاصة الخليجية لا يمكن أن تقدم مساعدات مالية دون الإذن الأميركي.

    التسهيلات المالية من المؤسسات المالية الدولية أو من دول بعينها، فقد حصلت الدول المعنية على قروض طويلة وقصيرة الأجل، وودائع، واستثمارات وتسهيلات مالية أخرى من مؤسسات دولية كالبنك الدولي، ومن دول غربية ذات فوائض مالية، وهي أيضاً لا تتم إلا بموافقة أميركية ضمنية أو علنية، فهذه ليست مؤسسات وجمعيات خيرية، والأموال المقدمة أياً كان شكلها أو هدفها هي أدوات لتحقيق أهداف وأجندات سياسية، مثلاً عندما كان الانقلاب في مصر على وشك الانهيار المالي عام 2017 وافق البنك الدولي على تقديم قرض بأكثر من 12 مليار دولار على شكل شرائح وضمن شروط معينة تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، وهو أيضا لا يتم إلا بعد الموافقة الأميركية.

    - المشاريع التي تطرحها إسرائيل أو الولايات المتحدة ذات البعد المحلي أو الإقليمي، والتي تتعلق بمشاريع البنية التحتية، ومشاريع الطاقة وتحلية المياه، والربط الإقليمي بطرق برية وسكك حديدية، أو مشاريع الربط الكهربائي وإمدادات الغاز، أو مشاريع متعددة الأهداف مثل المشروع المشترك لقناة البحرين بين البحر الأحمر والبحر الميت بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، ويعتبر رئيس الوزراء ورئيس الدولة شمعون بيريز السابق المنظر الأبرز لمشاريع السلام الاقتصادي، فقد أعد مخططاً كاملا عقب اتفاق أوسلو لمشروع إقليمي متكامل اطلق عليه مشروع الشرق الأوسط الجديد، ومشروع إسرائيل كاتس وزير البنية التحتية الإسرائيلي في حكومة نتنياهو الذي يتمحور حول ربط الخليج برياً بإسرائيل من خلال شبكة سكك حديدية إلى مدينة وميناء حيفا على ساحل البحر المتوسط.

    وآخر المشاريع الإقليمية التي وجدت لها تطبيقاً على أرض الواقع توقيع الحكومة الأردنية ممثلة بشركة الكهرباء الوطنية، أيلول/سبتمبر2016 اتفاقية مع شركة "نوبل إنيرجي" الأميركية المطورة لحوض البحر المتوسط، لاستيراد الغاز الإسرائيلي بـ10 مليارات دولار للـ15 سنة القادمة، وتوقيع عقد لبيع الغاز الإسرائيلي إلى مصر في شباط/فبراير 2018 بقيمة 15 مليار دولار على مدار السنوات العشر القادمة، وتشكيل منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) في يناير/ كانون الثاني 2019، بمشاركة كلٍ من إسرائيل ومصر والأردن وقبرص واليونان وإيطاليا وفلسطين، والذي يهدف حسب ما أعلنته الدول المشاركة إلى "تأمين احتياجات الدول الأعضاء من الطاقة لصالح رفاهية شعوبها، وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وبناء بنية جديدة واستخدام البنية التحتية المتاحة.

    السلام الاقتصادي والغايات الأساسية
    ساد خطاب السلام الأميركي ومعه المؤسسات المالية الدولية والدول الغربية الداعمة نمط من التعابير والشعارات والمصطلحات التي تحمل من الشكل أكثر من المضمون، وتتغلف بعبارات تحجب الحقيقة وتقدم صورة مغايرة للواقع، فقد سادت شعارات “دعم خطوات بناء الثقة والسلام الحقيقي"، ودعم وإسناد الأطراف لتشجيعها على الانخراط في السلام المنشود، والتأسيس لشرق أوسط جديد يسوده الرخاء والسلام في سياق التعاون الإقليمي، ولكن تبقى الأهداف الحقيقية ومعها المخرجات النهائية هي الأهم، وتبقى الحقائق الشاهدة على غايات هذا السلام هي المعيار، ومن التجربة طوال السنوات الماضية من عمر السلام الاقتصادي يتضح أهم الأهداف الحقيقية:

    - دعم اتفاقيات التسوية وتوفير أسباب الديمومة والصمود أمام رياح التغيير العاتية التي قد تهب في أي صحوة للشعوب العربية الرافضة لصيغة السلام الأميركي الإسرائيلي، ومن الثابت أن اتفاقيات التسوية الأميركية هي بالأساس لصالح إسرائيل ولمشروعها الاستيطاني الاستعماري، وهدفت إلى ترسيخ مكانة إسرائيل في المنطقة كقوة مهيمنة، وادماجها كدولة طبيعية في المحيط العربي تمارس التطبيع وتمد جسور العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية بما يخدم مشروعها الاستعماري.

    - تعزيز الاتكالية والاعتماد على الآخرين وتثبيط روح المبادرة، واستبدال قيم العمل والإنتاجية والابداع بقيم التكاسل والنكوص، كما تهدف كما في الحالة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو مباشرة، وفي بعض المناطق كما في الضفة الغربية بعد عام 2007 إلى خلق أولويات واهتمامات مصلحية لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني بعيداً عن الهم الوطني العام، وإيجاد نمط معيشي معين يصعب الفكاك منه ويجعل من الصعب التخلي عنه في وقت تحتاج فيه القضية الوطنية إلى روح ثورية متقدة تعلي من قيم التضحية والبذل والعطاء.

    - تشكل طبقة سياسية مميزة متحالفة مع طبقة موازية من رجال الأعمال، تجتمع على منافع مشتركة ومصالح متشابكة، تتحول مع الوقت إلى طبقة منتفعة انتهازية فاسدة تتقاطع مصالحها مع مصالح وتوجهات الدول والهيئات المانحة والتي بالضرورة تصب في خدمة دولة الاحتلال وفي مخططاتها لترسيخ مكانتها وتحولها إلى دولة طبيعية مركزية في المنطقة، ومع المصالح المتراكمة والسلوك الانتهازي يصبح من السهل على الولايات المتحدة رأس الحربة في مشاريع السلام الاقتصادي وحليفتها إسرائيل تطويع هذه الطبقة وجرها إلى مربع السلام المزعوم بروح مصلحية انتهازية منزوعة من الروح الوطنية.

    - توفير أدوات ضغط مالية واقتصادية فعالة لدى الدول والمؤسسات المانحة وبالتحديد الولايات المتحدة يتم توظيفها لتحقيق أهداف سياسية حينما يحين وقتها، فالبنك الدولي ووزارة الخارجية الأميركية ولجان الكونغرس المسؤولة عن إقرار المساعدات الخارجية ليست جمعيات خيرية، وليس في اهتماماتها معاناة الشعب الفلسطيني ولا الشعوب العربية، بل لخدمة الأجندة الأميركية الإسرائيلية التي تتموضع على النقيض من مصالح وطموحات الشعوب العربية وقضيتها المركزية العادلة القضية الفلسطينية، ولطالما فعلت الإدارة الأميركية أدواتها الاقتصادية للضغط على القيادة الفلسطينية وآخرها قطع كل أشكال الدعم الأميركي المباشر للسلطة الفلسطينية والإنسانية عبر "USAID" والمعونات السنوية لأونروا الخاصة باللاجئين الفلسطينيين والتي تقدر بـ 360 مليون دولار، وذلك بعد رفض السلطة الفلسطينية التعاطي مع مخطط ما يسمى بصفقة القرن.

    من الواضح أن السلام الاقتصادي هو مكون أساسي في صيغة التسويات الأميركية الإسرائيلية مع العرب والفلسطينيين وهو يخدم الشق السياسي ولا يشكل بديلاً عنه، ومن التجربة يتضح أن السلام الاقتصادي بمكوناته المالية ومشاريعه المحلية والإقليمية لم يقدم إلا القليل للقضايا العربية المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولم يخدم سوى المشروع الإسرائيلي في ترسيخ وجوده في المنطقة وفي حملات التطبيع المبرمجة، وفي تشكل طبقة انتهازية فاسدة تخلت عن قيم الولاء والانتماء، وقبلت طواعية التساوق مع المشاريع الأميركية الإسرائيلية المشبوهة.


  2. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  3. #2
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    الخيارات الفلسطينية في مواجهة السلام الاقتصادي
    محمد عبدالقادر
    23 فبراير 2019
    تمضي واشنطن قدمًا في تنفيذ مشروعها الموسوم بصفقة القرن مغلفة إياها بالسلام الاقتصادي، وهي منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة وإعلانه عن صفقة القرن وتبنيه خطط السلام الاقتصادي لم تتوقف عن إرسال الخبراء والسياسيين والسفراء في بعثات مكوكية إلى منطقة الشرق الأوسط وعدد من دول العالم المختلفة لجس النبض واستطلاع المواقف وتجنيد المناصرين لدعم سياستها الجديدة، ورغم أنه حتى اللحظة لم يتم الإعلان بشكل رسمي عن فحوى تفاصيل الصفقة رسميا، إلا أن مراميها وخطوطها العريضة واضحة وبائنة بشكل لا ضبابية فيه، فهي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية وفق رؤية جديدة عنوانها التنمية الاقتصادية والإنسانية ولا تشمل تلك الرؤية إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 عاصمتها القدس الشرقية، ولا عودة ولا تعويض للاجئين ولا حتى تحقيق لأدنى الحقوق السياسية الفلسطينية المشروعة بالإجماع الأممي والقانون الدولي، هذا على الجانب الفلسطيني، أما ما يتعلق منها بالعلاقات العربية الإسرائيلية فتسعى السياسة الأميركية الجديدة إلى توفير مرقد مريح لدولة الاحتلال الإسرائيلي تحت ضوء الشمس في معظم العواصم العربية إن لم يكن كلها، وتشريع التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين إسرائيل والأنظمة العربية، وفتح باب التطبيع بكافة مجالاته وأشكاله على مصراعيه مع دولة الاحتلال، على قاعدة المصالح المشتركة والتعاون ضد ما يسمى التهديد الإيراني من دون إنجاز شيء من الحقوق الفلسطينية التي وضعت كشرط للسلام مع إسرائيل في مبادرة السلام العربية، ويمكن اعتبار ذلك أنه من أشد المخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية حيث لا شيء أكثر إضرارًا بها من رفع الدعم العربي عنها وفصلها عن عمقها العربي والإسلامي، وقد كشف مؤتمر وارسو للسلام الاقتصادي الكثير من سوءة العرب وقدم أيضًا الكثير لإسرائيل، ويمكن اعتبار المؤتمر مقدمة افتتاحية لتنفيذ صفقة القرن تحت غطاء الاقتصاد والصفقات التنموية والإنسانية.

    يدرك الفلسطينيون بالطبع مدى الخطر الذي يحدق بقضيتهم ويدركون مدى الضرر الذي يمكن أن يلحق بحقوقهم وثوابتهم في حال نجحت واشنطن في تحويل مسار السلام من السياسي إلى الاقتصادي، لكنهم ومع ذلك لم يتجهزوا بما يكفي من التدابير اللازمة لحماية قضيتهم ولم يأخذوا بما يجب عليهم الأخذ به لصد الهجمة والتخفيف من آثارها، فالحديث الدائر والوقائع الجارية تدلل على أن القضية الفلسطينية تواجه خطرًا حقيقيًا على وجودها واستهدافًا مباشرًا لأركانها الأساسية ومحاولات متقدمة لإسقاط الحقوق الفلسطينية وشطبها من أجندة الصراع، وليس مجرد مضايقات يمكن أن تنجلي ولا منعطفات يمكن تجاوزها، مما يعني ضياع الأرض والمقدسات وذهاب التضحيات والدماء والآهات والعذابات الفلسطينية هدرًا وبلا ثمن.

    لم يتزحزح الموقف الفلسطيني عن مربع الرفض والتنديد إلى مربع الفعل السياسي المؤثر والمجدي لإفشال المخططات الأميركية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ضعف الطرف الفلسطيني وقلة الوسائل المتاحة وضيق المساحة التي يمكن له المناورة فيها، سواء على مستوى السلطة الوطنية الفلسطينية أو منظمة التحرير والأحزاب والتنظيمات الفلسطينية المختلفة، وضرورة أن تكون الإجراءات الفلسطينية مستطاعة وتستميل شعوب العالم وتتماشى مع روح القوانين الدولية إذ إن الكثير من الإجراءات يمكن أن تفشل لعدم واقعيتها ولمثاليتها العالية أو استحالة تنفيذها، فليس مطلوبًا من الفلسطينيين صناعة المعجزات إنما إدامة المحاولة بلا يأس وطرق كل الأبواب ودق كل الجدران بقوة وعزيمة، وأن يحسنوا استخدام كل وسيلة متوفرة وتسخيرها لتصب في صالحهم ابتداءً من الجهود الدبلوماسية والسياسية وليس انتهاءً بالفعاليات الشعبية والجماهيرية.

    للمناورة السياسية والمراوغة واللعب على وتر الوقت في أمر كهذا دور مهم جدًا، وإن توفر للطرف الفلسطيني فرصة ذلك في ما يخص صفقة القرن أو السلام الاقتصادي على وجه العموم فليفعل وليحسن استغلالها لمصلحة قضيته، وهو بذلك يمكن أن يحقق الحد المعقول من الآمال والطموحات الفلسطينية أو أن يكسب على أقل الاحتمالات عامل الوقت ريثما تتغير الظروف أو تطرأ تغيرات على الواقع فيميل لناحية المصالح الفلسطينية أو يكبح جماح الهجمة ولو قليلًا كما حدث أعقاب قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، مع ضرورة التحرك في كل الاتجاهات في وقت واحد لكسب الأصدقاء وحشد المتضامنين والمناصرين من دول العالم، خاصة تلك التي يمكن أن تناوئ الإرادة الأميركية وتتصدى لها عبر المنابر والبرلمانات السياسية الدبلوماسية، وإن كان من مأخذ في رفض السلطة الوطنية الفلسطينية لمشاريع السلام الأميركية لأنها لا تستجيب لحقوق الشعب الفلسطيني في الحدود الدنيا، قد وفّر لإسرائيل حجة وذريعة تكسب بها تعاطف المجتمع الدولي وتمكنها من التهام الأرض وتغير الوقائع والإمعان في التنكر للحقوق الفلسطينية، وتعزز من مضيها قدمًا في نسج العلاقات مع أطراف عربية وعالمية بذريعة أن الفلسطينيين يرفضون كل شيء ولا يرغبون في التقدم في مسيرة السلام، وكان من المفترض ألا تحدث القطيعة بين السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة إنما أن تفرض نفسها عليها لتكون شريكًا في التخطيط للمرحلة المقبلة علها تنجح في اللعب على المتناقضات والاستفادة من التحالفات الإقليمية المتباينة بما يمكنها من اقتناص مصالحها من بين أنياب هذه التحالفات، بدلًا من تركها تخطط للفلسطينيين كما يحلو لها ويتوافق مع مصالحها، خصوصًا أن إمكانية الانسحاب متوفرة في أي وقت، ولن تعجز حينها السلطة عن إيجاد مبررات منطقية لذلك.

    لا يمكن بحال من الأحوال أن يستطيع طرف فلسطيني مهما كانت قوته وعلاقاته ووزنه الإقليمي أن يتصدى المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية ولا أن يواجه الإرادة الإسرائيلية والأميركية منفردًا، ولن تتطوع دول العالم للتحالف معه ومناصرته لتحصيل حقوقه حتى إن أقروا بمشروعيتها وأحقيتها، وهذا يحتم على الفلسطينيين أن ينجزوا مصالحتهم الداخلية، وأن يجبر الكسر الحاصل في عنق الوطن، فقد أضر الانقسام بالفلسطينيين أكثر مما يمكن للقضية تحمله، وقدمهم لقمة سائغة للاحتلال الذي وجد في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية نقطة إيجابية لصالحه استغلها أفضل استغلال وعمل على ترسيخها وتعميقها حتى يصلا إلى الانفصال التام بينهما، فيستطيع حينها أن يتعامل مع كل منهما على انفراد وبشكل مستقل عن الآخر، وقد اهترأت الألسنة وذابت الأقلام وهي تكتب عن ضرورة إنهاء الانقسام واستعادة اللُحمة الوطنية الفلسطينية.

    يجب في حال لم تفلح جهود المصالحة ولم يتم تحقيق التوافق، أن تُشكل القيادة الفلسطينية ائتلافا فلسطينيا يجمع تحت ظلاله الأحزاب الفلسطينية والهيئات والمؤسسات الوطنية والشخصيات الاعتبارية، يتجاوز الأجندات الحزبية والمصالح الفئوية وينطلق متسلحًا بشرعية منظمة التحرير كجهة يعترف بها العالم ويتعامل معها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وليس من الضروري وفقًا لذلك انضمامهم لها إنما الهدف هو تجاوز نقاط الاختلاف الداخلي والتوجه للعالم بفريق واحد ولسان واحد وخطة واحدة ينصهر الجميع في بوتقتها ويسخر لها طاقاته وإمكاناته ويدعمها بموارده وخبراته، وذلك انطلاقًا من الحرص على القضية الفلسطينية وحماية لها مما تتعرض له من هزات توشك أن تُسقط بنيانها.

    إن أكبر مأخذ يمكن أن يسجل على الفلسطينيين أنهم لم يبلوروا مشروعًا فلسطينيًا للتسوية السلمية يراعي الحقوق الفلسطينية ويتوافق مع الرؤية الدولية وينسجم مع قواعد السلام العالمية، وعرضه على الدول المختلفة وتسويقه واجتذاب المناصرين له، ولو أنهم فعلوا ذلك وأحسنوا إخراجه وترويجه لكان الواقع الفلسطيني بالتأكيد في حال أفضل مما هو عليه ولتحول الفلسطينيون من موقف الدفاع السلبي عن الحقوق إلى الدفاع الإيجابي المقرون بمشروع ينافس المشاريع الخارجية.

    يمكن للجاليات الفلسطينية والعربية في الغرب أن تؤدي دورًا مهمًا ورائدًا في إفشال وإعاقة خطط السلام الاقتصادي المضرة بالفلسطينيين وحقوقهم وذلك لمقدرتها على الاحتكاك المباشر بالجمهور الأوروبي والغربي وإمكانية تحريكه للضغط على حكوماته من خلال إقناعه بحقوق الشعب الفلسطيني وإفهامه ما يمارس ضد الفلسطينيين من قمع وإرهاب، ومن المتوقع أن يربك تحرك الشارع الغربي الحسابات الأميركية أكثر مما يربكه تحرك الشارع الفلسطيني والعربي في حال أُحسن إبراز ما نصت عليه الشرائع والمواثيق الدولية من حقوق للفلسطينيين تتجاهلها وتتجاوزها مبادرات السلام الاقتصادي وصفقة القرن، إذ أن المواطن الغربي أقدر على فهم القضايا من خلال القوانين والشرائع الدولية وتزداد دافعيته للمشاركة والضغط حينما يجد أن ما يدافع عنه يتعلق بمبادئه الديمقراطية.

    وفي سياق المسارات الفلسطينية التي يجب سلوكها من أجل إحباط محاولات تمرير السلام الاقتصادي وإسقاط محاولات فرضه على أرض الواقع تبرز أهمية حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات الـ BDS، والتي أثبتت جدارتها في إزعاج كيان الاحتلال الإسرائيلي والتضييق عليه وتهديد مصالحه في الغرب والعالم الحر، وإن كانت إسرائيل تتضرر من شيء فإن على الفلسطينيين أن يأخذوا به وأن يدعموه ويعززوا من قوته حتى وإن كانت نتائجه ضعيفة أو بعيدة الأمد، ويتحتم على الفلسطينيين الانتباه وتدارك الأمر واستباق الهجمة على قضيتهم وحقوقهم، حتى لا تضيع وتشطب على حين غفلة منهم.


  4. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  5. #3
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    إسناد السلطة... مشروع لهندسة الضفة الغربية
    محمود سالم
    23 فبراير 2019
    بدت الضفة الغربية وكأنها على أبواب مرحلة سياسية واقتصادية جديدة بعد التغير في رأس السلطة عقب رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، ثم تبلور العهد الجديد وبدأت ملامحه في البروز بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وإحكام السلطة الفلسطينية قبضتها على الضفة الغربية بعد عام 2007، ومع تسلم سلام فياض رئاسة الوزراء وهو الاقتصادي الذي عمل لسنوات في البنك الدولي فإن توجه السلطة بدا واضحاً بانخراط دولي أكبر وبجوانب اقتصادية طاغية وميدان عمل أوسع في ترسيخ مؤسسات الحكم، وتعزيز سلطة القانون، وتحقيق متطلبات الأمن لتعبيد الطريق أمام الدولة المستقبلية المنشودة.
    تم إقرار خطّة إصلاح السلطة الفلسطينيّة المعروفة بخطّة المائة يوم، لتنظيم ماليّة السلطة الفلسطينيّة وتعزيز مؤسسات السلطة كشرط مسبق لتنفيذ الالتزامات الواردة في خريطة الطريق "خطة إنهاء انتفاضة الأقصى"، وأهمّها نزع سلاح المقاومة الفلسطينيّة، وبعد صيف عام 2007 وتشكل حكومة سلام فياض كانت الرؤية الأميركية وبالضرورة الإسرائيلية تقتضي إبراز نموذجين متمايزين، نموذج الازدهار والرخاء الاقتصادي وسيادة القانون والاستقرار الأمني وتمثله الضفة الغربية، ونموذج الفقر والبؤس والبنية التحتية المتهالكة وغياب سلطة القانون ويمثله قطاع غزة.
    تبنت حكومة فياض صيغة مبتكرة تنسجم مع رؤية الطريق الثالث التي يمثلها فياض في المجلس التشريعي الفلسطيني، بعد أن فشل "من وجهة نظرهم" الخيار الأول المتمثل في المقاومة المسلحة وما آلت إليه الأمور خلال انتفاضة الأقصى، ووصول الخيار الثاني وهو مشروع التسوية إلى طريق مسدود بعد صعود اليمين الصهيوني إلى الحكم والقضاء عملياً على الأرض على الجوانب التي تخص الفلسطينيين في اتفاق أوسلو، تمثلت المقاربة الجديدة في تحقيق تنمية اقتصادية، وبناء مؤسسات حديثة تجسد مبادئ الحكم الرشيد، وتعزيز الأمن وسلطة القانون، وبالمحصلة تشكيل واقع ونموذج حكم أمام العالم، يرسخ قناعة بأن الفلسطينيين قادرون على إدارة أنفسهم بطريقة تسمح لهم بالحصول على دولة معترف بها دولياً، وهو ما ترجم عملياً في برامج حكومات السلطة المتوالية بعد عام 2007 والتي ركزت على أبعاد ثلاثة: بناء المؤسسات، "التنمية" الاقتصادية، الأمن، والحديث لا يدور عن كامل الجغرافيا الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو وإنما فقط عن الضفة الغربية، وهو ما ينسجم بالكامل مع مخطط اليمين الصهيوني بالسلام الاقتصادي، ومع مخطط دايتون للسلام أو الاسم الرسمي "خطة عملية للرئاسة الفلسطينية لعام 2007" التي أعدتها الإدارة الأميركية في مارس/ آذار 2007 بعد توقيع اتفاق مكة للمصالحة والذي فشل بعد أسابيع من توقيعه، وتشمل ثلاثة محاور؛ السياسة والحكم، والمحور الاقتصادي والسياسات الأمنية، وتناول المحور الاقتصادي رواتب الموظفين، وحركة الأموال والبضائع، والمشاريع التنموية، وتضمن البند الأخير(المشاريع التنموية) إعداد خطة عمل بالتنسيق مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي تحدد القطاعات الأساسية والمجالات والمشاريع التي تحتاج للتمويل، خلال مدة 6-9 أشهر، تركز بشكل اساسي على مواجهة وتخفيف الفقر والبطالة.
    جاء مؤتمر أنابوليس الذي عقد في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، ومؤتمر باريس "للدول المانحة للدولة الفلسطينية" في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2007 تتويجاً للجهود الدولية لإسناد السلطة الفلسطينية ودعم مشاريعها التنموية في الضفة الغربية مالياً، وأقر مؤتمر باريس الخطة التي أعدها فياض وهي “خطة الإصلاح والتنمية متوسطة الأمد للأعوام 2008-2010"، ونجح المؤتمر في تعهدات مالية بـ 7.4 مليارات دولار.
    ووفقا لسلطة النقد الفلسطينية، تلقت السلطة مساعدات دولية بحوالي 9.246 مليارات دولار؛ 1.322 مليون دولار عام 2007، 1.978 مليون عام 2008، و 1402 ملايين عام 2009، و 1277 مليونا عام 2010، و977.5 مليونا عام 2011، و 932.1 مليونا عام 2012، و 1358 مليونا عام 2013، كما تلقت السلطة الفلسطينية بين 2012 و2016 ما يقارب 4.481 مليارات دولار من المساعدات، حوالي 40% منها من مانحين عرب و60% من مانحين أجانب
    وشجعت إسرائيل أيضا على زيادة الأموال الواردة إلى الضفة الغربية، وتقليص حجم البطالة من خلال السماح لمزيد من الأيدي العاملة في الضفة الغربية للعمل داخل فلسطين المحتلة ومستوطنات الضفة، وبحسب تقديرات دائرة الإحصاء الفلسطيني يملك نحو 80 ألف فلسطيني تصاريح عمل رسمية داخل المستوطنات والأراضي المحتلة عام 1984، بالإضافة إلى عشرات آلاف العمال بلا تصاريح، وهؤلاء تصعب معرفة عددهم، ويعتبر قطاع البناء الأكثر استقطابًا للعمال، وبعده الزراعة ومن ثم الصناعة، وبحسب التقديرات الرسمية الإسرائيلية، تدر رواتب العمال في إسرائيل على الاقتصاد الفلسطيني من 1.8-2.2 مليار دولار سنويًا، أي نحو 40% من الاقتصاد الفلسطيني الكلي، وتصرف معظم هذه الأموال في السوق الفلسطيني.

    شيوع ثقافة الاستهلاك
    في ظل الوفرة المالية النسبية، وارتفاع المدخولات، ونشاط المؤسسات الدولية في رام الله وغيرها من مدن الضفة، برزت طبقة مميزة من رجال الأعمال والساسة والتجار وكبار الموظفين في قطاعي الأمن والوزارات الحكومية، كما ازدهرت بعض القطاعات حصراً كمشاريع البنية التحتية والعقارات وقطاع البنوك، طبعاً لم يكن قطاع الإنتاج من بينها، وساعدت البيئة العامة على الاستهلاك من خلال تشجيع قطاع البنوك بتقديم تسهيلات للحصول على قروض قصيرة وطويلة الأجل، ووفق سلطة النقد الفلسطينية فإن حجم التسهيلات التي حصلت عليها مدن الضفة الغربية خلال العام 2012 (القروض الشخصية وقروض القطاع الخاص، ولا تشمل قروض القطاع العام)، بلغت نحو 2.3 مليار دولار، مقابل 429 مليون دولار في قطاع غزة، وخلال العام 2017 بلغت القروض التي حصل عليها عملاء البنوك من الضفة الغربية 5.5 مليارات دولار، بينما بلغت 986 مليون دولار في غزة.

    مدينة روابي نموذجاً لفكرة السلام الاقتصادي
    في سياق العهد الجديد للسلطة الفلسطينية في الضفة تم إقرار تشييد مدينة روابي في مؤتمر بيت لحم الاقتصادي عام 2008، وتم الشروع في إقامة المدينة عام 2012 على تلال شمال شرق رام الله، بتكلفة 1.4 مليار دولار، بشعارها الرسمي "سكن، عمل، حياة"، تهدف إلى بناء مدينة حديثة، تناسب وصف الجنرال الأميركي دايتون بـ"الفلسطيني الجديد"، وهي نموذج للمدينة الحديثة الذكية المزدهرة، تعبر عن قيم العمل والإنتاج والتسامح بعيداً عن العنف والصدام والقتلى والجرحى، وتضم في ثناياها طبقة ثرية تمتد إلى قطاع من الطبقة المتوسطة التي تجد لها مثيلا في المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي لا يمكن النظر إلى مدينة روابي إلا في سياق مشروع السلام الاقتصاديّ، حيث تعمل على إعادة تصنيع الاحتلال بطرقٍ جديدة تتناسب مع التحوّل في صيغة التسوية المنشودة وطغيان وتجاوز البُعد الاقتصادي للإطار السياسي الأعم والأشمل.

    تراجع الروح الثورية وانحسار في القيم الوطنية
    رغم التضحيات وعمليات المقاومة البطولية وروح الصمود التي يبديها قطاع عريض من القاطنين في الضفة الغربية، إلا أن المشهد العام خلال السنوات القليلة الماضية يوحي بأن الروح الثورية المعهودة تاريخياً في الضفة الغربية خاصة سنوات انتفاضة الأقصى تراجعت، والقيم الوطنية وروح المبادرة لمقاومة الاحتلال استبدلت بقيم الحرص على بعض المصالح والتحسب أكبر من الاحتلال وإجراءاته، وهذا ما تجسد في غياب تحرك جماهيري أو غضبة عارمة خلال حروب غزة الثلاث وسقوط آلاف الشهداء والجرحى، وكانت ردة الفعل باهته لا ترقى لمستوى الأحداث، وأقرب إلى ردة فعل لا تتجاوز ردات فعل في مناطق مجاورة، كما أن ردات الفعل لم تنسجم أيضاً مع تغول الاحتلال على المسجد الأقصى وتدنيس المقدسات، ولكن عندما أعلنت حكومة السلطة الفلسطينية قانون الضمان الاجتماعي عام 2018 الذي يشمل خصم 7% من الراتب لصالح صندوق الضمان خرج عشرات الآلاف على طول مدن الضفة الغربية وعرضها على مدى أسابيع حتى أوقفه الرئيس محمود عباس بعد شهرين من إقراره. ويبدو مما سبق أنّ الخطط الموضوعة لتدجين الفلسطينيين في الضفة الغربية قد نجحت.


  6. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  7. #4
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    تاريخ من المبادرات ورفض فلسطيني دائم
    أنور زين الدين
    23 فبراير 2019
    بدأ مصطلح السلام الاقتصادي يتردد بكثرة بعد وصول بنيامين نتنياهو لرئاسة الوزراء في إسرائيل العام 2008، لكن جذور فكرة السلام الاقتصادي بدأت مطلع السبعينيات ونفذها موشي ديان عندما تبنى ما أطلق عليه "الجسور المفتوحة" وذلك بالسماح بتصدير المنتجات الفلسطينية إلى الأسواق العربية، وفي عام 1986 أطلق وزير الخارجية الأميركية جورج شولتز مفهوما مشابها عندما قال "بتحسين حياة الفلسطينيين" كمدخل لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لكن اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 عطل تمرير الفكرة وإن لم ينهها.
    مع انطلاق مؤتمر مدريد مطلع التسعينيات عاد مصطلح السلام الاقتصادي من جديد ليصبح المسار السياسي برمته محكوما بالأبعاد الاقتصادية التي ستصبح مدخلا للتعاون والتطبيع، سيعود بنيامين نتنياهو عندما يصبح لأول مرة رئيسا لحكومة إسرائيل منتصف التسعينيات لطرح مفهوم السلام الاقتصادي بدلا من الحقوق السياسية وسيمرر ويروج لفكرة المناطق الصناعية والمشاريع الاقتصادية المشتركة كبديل للحل السياسي المستند إلى، والقائم والمكفول وفق قرارات الشرعية الدولية.

    يُستدعى السلام الاقتصادي على شكل عملية إنقاذ، والهدف واحد وإن تعددت أدواته، والمستهدف تصفية القضية الفلسطينية إعمالا للفرضية التي قامت بموجبها إسرائيل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وهو ما يعني التنكر للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي وحقه في أن يكون له دولة وسيادة.

    تدحرجت المحاولات وتعددت منافذها فكانت مبادرة وزير الخارجية الأميركي جون كيري عام 2014 التي تبنتها الرباعية الدولية تحت مسمى المبادرة الاقتصادية الفلسطينية وقد احتوت على برنامج واسع من المشاريع الاستثمارية الدولية في الاقتصاد الفلسطيني (تزيد قيمتها عن 11 مليار دولار). وكنظيراتها تبخرت مبادرة كيري عقب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة العام 2014 واندلاع موجة جديدة من انتفاضة القدس في الضفة الغربية عام 2015.
    دخلت خطة تمرير السلام الاقتصادي حيز العلنية برعاية أميركية في سبتمبر/أيلول 2013 عندما مررت واشنطن مخطط تطوير الاقتصاد الفلسطيني كبديل لتعطل وانسداد مفاوضات التسوية وللدقة كبديل عن المفاوضات من الأساس، وكانت السلطة آنذاك قد تلقت خطة من الإدارة الأميركية لتطوير الاقتصاد الفلسطيني بنحو أربعة مليارات دولار على هيئة استثمارات وليس أمولا نقدية، وشملت الخطة التي أعدتها واشنطن واللجنة الرباعية الدولية في حينها قطاعات الزراعة والطاقة والسياحة والصناعة وغيرها من قطاعات وجاءت الخطة التي تسلمتها السلطة في حوالي 200 صفحة مفصلة على أن يمتد تنفيذها لثلاث سنوات.
    حذّرت حركة حماس في 30 مايو 2013 من تداعيات رضوخ السلطة الفلسطينية للضغوط الدولية التي تدفع باتجاه التطبيع الكامل مع الاحتلال، على حساب الأرض والثوابت والمقدسات. وقالت الحركة في بيان لها: "ننظر ببالغ الخطورة لمساعي الاحتلال في تكثيف مشاريعه الاستيطانية التي تستهدف الأرض الفلسطينية ومعالمها ومقدساتها في ظل الحديث عن سلام اقتصادي مزعوم واستئناف المفاوضات العبثية بين السلطة والاحتلال لاسيما بعد إعلان الاحتلال "الإسرائيلي" اليوم عن بناء نحو ألف وحدة استيطانية في القدس المحتلة ".

    رفضت السلطة الفلسطينية خلال اجتماعها في 15 يناير/كانون الثاني 2014 مقترحات كيري، لكن الأخير لم يدخر جهداً للضغط عليها، تحت طائلة التهديد تارة بقطع المساعدات المالية عن السلطة، وأخرى بركن ملف التسوية في زاوية التجاهل إلى حدّ الإهمال، وترك الفلسطينيين يقارعون الاحتلال وممارساته العدوانية اليومية بأنفسهم، تزامنا مع الترويج لمزاعم تحميلهم مسؤولية إفشال الجهود الأميركية للتوصل إلى "سلام محمود" في المنطقة.
    لم يتأخر رد الفصائل الفلسطينية على مخطط تمرير الترويض من بوابة الاقتصاد فجاء رد حماس على لسان القيادي والنائب عنها في المجلس التشريعي إسماعيل الأشقر قائلا: "إن القوى الحية للشعب الفلسطيني لا يمكن أن تقبل بإلغاء حقوقها والعبث بقضيتها الوطنية مقابل سلام اقتصادي يعطي أرضها للاحتلال". مضيفا أن السلام الاقتصادي "رشوة تُعطى للسلطة الفلسطينية لتنفيذ ما تريده إسرائيل وأميركا". وأوضح "إن الأموال التي ستتدفق إنما هي أموال سياسية يراد منها جر السلطة في رام الله إلى مزيد من التنازلات للاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن أميركا "لا يهمها إلا مصلحة إسرائيل وتضرب بعرض الحائط كل المصالح الأخرى".
    في حين عبرت حركة الجهاد الإسلامي على لسان الناطق الرسمي باسمها داود شهاب بأن ثمن التسهيلات الاقتصادية هو السكوت عن الاستيطان والتهويد وسياسة فرض الوقائع على الأرض التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي. واعتبر شهاب أن السلام الاقتصادي "استبدال لوعود منح الفلسطينيين دولة أو دويلة"، ورغم ذلك أكد أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من خطة السلام الاقتصادي لأن جزءاً من الأموال سيعود لخزينتها.

    أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعلى لسان عضو اللجنة المركزية فيها جميل مزهر، فأكدت أن السلام الاقتصادي في الأساس هو مشروع طرحته الحكومة الإسرائيلية بزعامة بنيامين نتنياهو "ويراد منه تقديم تسهيلات ورشاوى اقتصادية مقابل الأمن لإسرائيل". وذكر مزهر أن "الشعب الفلسطيني يناضل من أجل حريته وعودة لاجئيه وقدسه وأرضه ولا يقاتل من أجل مقايضة كل هذه الثوابت والحقوق بتسهيلات ورشاوى اقتصادية".
    والآن جاء الرئيس الأميركي ترامب وإدارته اليمينية الجديدة لتتماهى بالكامل مع توجهات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة نتنياهو الذي يؤمن بفكرة السلام الاقتصادي والتي يعتبرها بديلاً عن الحلول السياسية وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
    لم يتوقف الموقف الفلسطيني عند الرفض والتحذير لكنه انتقل لمرحلة المواجهة أو على الأقل التعطيل فاستدار إلى استحداث مسيرات العودة ورفع الحصار لتعاد القضية الفلسطينية إلى المشهد وتتقدمه مرة أخرى، ولأن المواجهة سجال تحرك الوسطاء لاحتواء مسيرات العودة ليصبح بحث التهدئة وإنهاء الحصار قناة أخرى جديدة يراد بها ومن خلالها تمرير وترويض الوعي الفلسطيني، ولكن إذا كانت التهدئة وإنهاء الحصار مطلب وطني وشعبي وإنساني مشروع فمن الهام وضعه في إطار التصور الوطني الفلسطيني الذي من الضروري أن يكون موحداً في مواجهة صفقة الرئيس الأميركي ونالد ترامب ترامب التي تتبنى بالكامل مشروع نتنياهو المجسد بمفهوم "السلام الاقتصادي".

    المواقف مطلوبة ولكنها لا تكفي، وبالتالي من الهام جداً أيضا الحذر من الأدوات الإسرائيلية التي باتت تفكك المشهد الفلسطيني ومن الهام جدا بلورة موقف فلسطيني موحد وواحد وإرجاء الخلاف والانقسام وتقديم المصالحة والتصالح والمواجهة والتصدي للمخطط، ففي الوقت الذي تدعي فيه إسرائيل تقديم تسهيلات لغزة تعاقب السلطة وتقرصن أموالها. ويحضرني قول الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني في 17 فبراير/شباط 2019 عندما قال: "إن حكومة الاحتلال، تعتقد بفرض الحصار المالي، أن ذلك يدفع القيادة الفلسطينية للتماشي مع خطة ما يعرف بالسلام الاقتصادي على حساب الحقوق السياسية والقانونية، ولم تدرك إدارة ترامب أن الشعب الفلسطيني لا يشترى بالمال السياسي، فهو صاحب قضية وطنية، دفع من أجلها الآلاف من الشهداء والأسرى".

    ونحن اليوم في انتظار الأفعال بعد الأقوال، لمواجهة كل هذه المؤامرات التي تستهدف القضية الفلسطينية ولمنع أي استغلال من قبل المطبعين العرب مع الاحتلال الإسرائيلي للوضع الفلسطيني الداخلي، وعلينا أنّ نذهب إلى مصالحة حقيقية وترتيب البيت الفلسطيني ومنظمة التحرير لتضم الجميع ولنكون شركاء في القرار كما نحن شركاء في المصير.


  8. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  9. #5
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    سلام السوبر ماركت
    ماجد عزام
    23 فبراير 2019
    انطلقت فكرة صفقة القرن شكلاً ومضموناً من رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حل صراع عجز أسلافه السابقون عن حله. هنا ثمة بُعد شخصي أو نفسي يتعلق بالنرجسية والغطرسة والعجرفة لدى ترامب الذي تعاطى مع الصراع أيضاً بذهنية رجل الأعمال الذي لا يعجز أو يفشل في أي صفقة يريد إبرامها.
    ذهنية الصفقة إذن، التي تحمل أساساً مضمونا اقتصاديا تحكّمت تماماً بتعاطي الإدارة مع الصراع في فلسطين، خاصة مع إيكال الملف إلى صهر الرئيس سمسار العقارات - الفاشل - جاريد كوشنير.
    ضمن هذه الذهنية، وفي ظل التماهي الأيديولوجي التام لكوشنير وفريقه – المبعوث جيسون غرينبلات والسفير ديفيد فريدمان- مع الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية تمت صياغة أو بلورة معادلة تتبنى المواقف والرؤى السياسية الأمنية الإسرائيلية للحلّ في مقابل إعطاء الفلسطينيين حوافز وإغراءات اقتصادية للقبول بالصفقة. هذا ما عرف تاريخياً بالسلام الاقتصادي الذي كان أيضاً أحد مفاهيم رؤى اليمين الإسرائيلي للحلّ.
    في تعريف السلام الاقتصادي يمكن القول إنه عبارة عن نزع أو تجاهل الأبعاد التاريخية القومية السياسية العسكرية الأمنية للصراع، مقابل التركيز على البعد الاقتصادي تحديداً في تبنّي أو تلبية للمطالب الفلسطينية والتنازل عن أو في الحد الأدنى تأجيل مطالبهم الأساسية الأخرى.
    هذا المصطلح تحديداً، كان أحد ألاعيب اليمين الإسرائيلي لتأجيل القضايا الصعبة، وقضايا الحلّ النهائي: القدس، اللاجئون الحدود لصالح التركيز على القضايا المرحلية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية للفلسطينيين في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، أي أن السلام الاقتصادي هدف أساساً إلى تكريس وحتى تأبيد الواقع الحالي، وتأجيل الحل إلى أمد لا نهائي أيضاً كتعبير عن قناعة اليمين أن الصراع في فلسطين قابل للإدارة فقط، وليس الحلّ، ويفترض أن يكون هذا بأقل ضرر أو ثمن ممكن من الناحية الإسرائيلية.
    المعطيات السابقة تبدت كلها في التمهيد الأميركي لصفقة القرن عبر الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ووقف تمويل وكالة أونروا مع السعي لإصدار تعريف لمصطلح لاجئ، بحيث ينطبق على من هجروا في النكبة عام 1948 فقط، دون أبنائهم وأحفادهم وسلالتهم، وكل ذلك بالتزامن مع إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ووقف المساعدات الاقتصادية عن السلطة الفلسطينية لإجبارها على القبول بالصفقة المنتظرة، أو على الأقل عدم مقاطعة الجهود الأميركية والانفتاح على مناقشة الصفقة والتفاوض على حلها.
    مع شطب القدس واللاجئين، وعدم القبول بحلّ الدولتين بشكل صريح، حتى إنكار وجود الاحتلال نفسه كما قال السفير الأميركي الصهيوني لدى تل أبيب، وأحد صناع الصفقة ديفيد فريدمان والحديث عن كيان فلسطيني على أكثر من نصف الضفة الغربية دون القدس القديمة طبعاً، ودون غور الأردن، بعد ضم إسرائيل التجمعات الاستيطانية الكبرى. بتنا أمام حكم ذاتي موسع وسلام اقتصادي يتمثل في جلب مساعدات للسلطة بمليارات الدولارات، وإقامة مشاريع اقتصادية كبرى في المناطق الخاضعة لسيطرتها بما يشمل غزة التي لا تتحدث الصفقة عنها صراحة، لكنها مشمولة بالمشاريع وتحسين الأحوال الاقتصادية الاجتماعية ضمن الحل النهائي.
    بمعنى آخر نحن أمام مقايضة تشمل التنازل عن الحقوق المشروعة، بل ثوابت القضية الفلسطينية مقابل المعونات والمساعدات الاقتصادية، والاعتراف من جهة أخرى بكيان الحكم الذاتي الموسع الخاضع تماماً للهيمنة الإسرائيلية على كل المستويات حتى الاقتصادية منها تحت غطاء الدولة الفلسطينية مع علم ونشيد، ومشاركة في الأولمبياد مثل بورتريكو وماكرونيزيا كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ذات مرة.
    ثمة نسخة أسوأ من السلام الاقتصادي يروج لها زعيم حزب اليمين الجديد، المتطرف نفتالي بينيت وزير التعليم الحالي الذي سيكون ركنا مهما في الحكومة الجديدة تحت اسم سلام السوبر ماركت تتضمن ضم المناطق ج من الضفة الغربية -تبلغ ستين بالمائة منها- بشكل رسمي إلى إسرائيل، وإعطاء حكم ذاتي بلدي موسع للفلسطينيين -حتى دون غطاء أو شعار الدولة الفلسطينية- في بقية الضفة وحزمة مساعدات اقتصادية كبرى وتسهيلات في حرية الحركة للبضائع والمواطنين في المنطقة، بما في ذلك حق التسوق في التجمعات التجارية الإسرائيلية الكبرى، في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية وحتى في إسرائيل نفسها.
    المفارقة الأكثر إيلاماً ربما أن الدعم الاقتصادي للكيان الفلسطيني مقابل التنازل عن الحقوق الأساسية بما فيها السيادة وتقرير المصير سيأتي من الدول العربية تحديداً من الدول الخليجية، ومن هنا تكمن أهمية الموقف الفلسطيني الرسمى الرافض، والذي سيقطع الطريق على أي تفكير عربي في التساوق اقتصادياً مع الصفقة سيئة الصيت، ولو من باب دعم الفلسطينيين ومساعدتهم.
    في النقاشات الإسرائيلية التمهيدية لمفاوضات كامب ديفيد الثانية صيف العام 2000، سأل رئيس الوزراء إيهود باراك قادة أجهزته الأمنية عن النسبة التي قد يقبلها الرئيس ياسر عرفات؛ هل هي ثمانون أو تسعون بالمائة من الضفة الغربية مع مساعدات وتسهيلات اقصادية طبعاً، الجنرال عاموس مالكا رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية أمان آنذاك، أجابه أن عرفات ليس تاجر عقارات ولا يفكر بهذه الطريقة، هو يقبل الحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً كما بقية الزعماء العرب في مفاوضاتهم السابقة مع الدولة العبرية.
    ومن هنا، وفي السياق الفلسطيني وكما الشهيد عرفات، لا يمكن كذلك التقليل من رفض قيادة السلطة الحالية الحازم والجدي لمصطلحات وألاعيب السلام الاقتصادي حتى تحت مسمى الدولة، في سياق صفقة القرن التي تدعمها قيادة الدولة الأقوى في العالم، الاستمرار في العناد والرفض مهم جداً لقطع الطريق على أي تساوق عربي أو دولي مع الصفقة سيئة الصيت، إلا أن الأمر لا يمكن أن ينجح ويسير على النحو المأمول على المدى الطويل دون تغيير جذري في الساحة الداخلية الفلسطينية، عبر قيادة منتخبة ديموقراطياً تدير السلطة والمنظمة بعيداً عن ذهنية الاستبداد والاستئثار والفساد، وتتبنى نهجا اقتصاديا مستقلا شفافا ونزيها في سياق إدارة الصراع مع الاحتلال وفق المقاومة الشعبية السلمية بوتيرة منخفضة، دون الاستسلام أمامه ودون النيل من أو تدمير النسيج الاقتصادي الاجتماعي للشعب الفلسطيني، لتمكينه من الصمود أكثر في سياق الصراع الماراثوني الطويل مع إسرائيل

  10. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  11. #6
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    من يتصدى لصفقة القرن
    حيّان جابر
    23 فبراير 2019
    يفرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهم مرتكزات صفقة القرن قبل الإعلان عن حيثياتها، من الإصرار على طمس أهم الحقوق الفلسطينية كمقدمة لتصفية مجمل القضية، إلى تعميم نموذج هيمنة إسرائيل على مناطق السلطة ومؤسسات السلطة الفلسطينية اقتصاديا وأمنيا، على المستوى العربي، تحت مسميات وعناوين براقة، مثل السلام الاقتصادي والضرورات الأمنية في مواجهة كل ما يزعزع أمن واستقرار المنطقة. إذ يحاول الأميركيون النجاح في ذلك عبر استغلال الظروف العربية والفلسطينية السائدة حاليا، من تصاعد حدة الصراعات العسكرية والسياسية في المنطقة، فلسطينيا– فتح وحماس-، وعربيا – كالصراع الخليجي-، ومع بعض القوى الإقليمية كإيران. إلى استغلال الأزمات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على دول المنطقة، لا سيما النفطية منها، التي أدت إلى تراجع وتذبذب أسعار النفط، خصوصا بعد دخول النفط الصخري كمنافس حقيقي لمصدر دخلها الأساسي، مما أدى إلى تخبط وتراجع عائدات المتنفذين العرب منه، وهو ما دفع الحكام إلى البحث عن بدائل اقتصادية جديدة، تدر لجيوبهم المزيد من الثروات المشبوهة والسرية، عبر الترويج للمشاريع الاستثمارية الريعية وخصوصا من خلال التعاون مع الاحتلال، سواء داخل مناطق السلطة أو في مجمل المنطقة العربية كما يتم الترويج له إعلاميا، وكأننا مقبلون على إعلان تحالف استثماري ريعي في المنطقة بقيادة وإدارة الاحتلال.
    لذا يبدو أن الجسم الرسمي العربي والفلسطيني غير معني في مواجهة صفقة القرن؛ إذا ما استثنينا بعض التصريحات الجوفاء؛ أو إفرازاتها المباشرة كالاعتراف الأميركي بالقدس كعاصمة "إسرائيل"، ونقل السفارة الأميركية إليها، وتقويض عمل أونروا وقطع الدعم المالي الأميركي عنها، وهو ما يؤدي إلى حصارها، ويحد من دورها في وسط اللاجئين، الأمر الذي يمثل خطوة أولى من أجل تحقيق الهدف الأميركي –الإسرائيلي الساعي إلى إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني بصورة تخالف مجمل القوانين الدولية، وبما يضمن تقليص أعداد اللاجئين بشكل كبير. بالإضافة إلى احتضان جولات مستشار الرئيس الأميركي كوشنر، والمبعوث الأميركي الخاص بالشرق الوسط غرينبلات، في المنطقة العربية، وخصوصا لدى بعض العواصم الخليجية، التي تهدف وفق تصريحاتهم إلى تمويل صفقة القرن قبل الإعلان عنها، وتأمين غطاء عربي لها.
    إذ يتم تسويق المسار القديم الجديد المدعو السلام الاقتصادي، على اعتباره نافذة نحو مستقبل فلسطيني وعربي مشرق وزاخر بالرفاه والنعيم الاقتصادي، في مقابل تنازلنا عن حقوقنا المسلوبة كفلسطينيين وعرب. وإن كانت التسريبات عن طبيعة السلام الاقتصادي المزعوم؛ ومراجعة تجربة السلطة الفلسطينية الاقتصادية، تؤكد أن الرفاه سوف ينحصر في إطار ضيق يحيط بالقوى الحاكمة والمتنفذة، القادرة على ضبط الأوضاع الشعبية والتي تلبي جميع مطالب الاحتلال وداعميه، حيث لن يكون هناك اقتصاد فلسطيني مستقل عن الاحتلال، وقادر على تلبية حاجات المجتمع دون الحاجة إلى القروض والمنح المشروطة. بالتزامن مع تسويق التطبيع الأمني مع الاحتلال تحت عناوين مختلفة، وأهمها التصدي إلى التهديد والخطر الإيراني؛ حيث يعتبر مؤتمر وارسو نموذجا عن الانطلاق من ثانوية المخاطر التي يمثلها الاحتلال الإسرائيلي علينا وعلى المنطقة، لصالح أولوية التعاون الأمني معه من أجل ضرب المشروع الإيراني في المنطقة. وهو ما لن نخوض في تفكيكه وتحليله الآن، بل سوف نكتفي بالإشارة إلى كونه بوابة لفرض تعريف الاحتلال للإرهاب، وفرض مواجهته وفق المنهج والأسلوب "الإسرائيلي"، كما يعمل على فرض التنسيق والتواصل الأمني مع الاحتلال في المنطقة، وبالشكل الذي يخدم ويحمي الاحتلال، وإن كان متخفيا بشعارات مختلفة. وكأننا مقبلون على تحكم أمني إسرائيلي كامل في مجمل المنطقة، سوف يضرب فكر وثقافة المقاومة والنضال من أجل استعادة الحقوق.
    لذلك، وفي ضوء العجز العربي والفلسطيني الرسمي الواضح، وفي ضوء توافق مصالح النظام العربي والفلسطيني ضمنا مع مضمون الصفقة، يحق لنا التساؤل عن كيفية التصدي لهذه الصفقة وطرق مواجهتها. وعليه أعتقد أن لا جدوى تذكر من التعويل، أو انتظار تغير جذري تجاه قضايانا العادلة والصفقات المشبوهة مثل صفقة القرن، في الخطاب الرسمي العربي، وفي مجمل المنظومة السياسية الفلسطينية من خطاب منظمة التحرير الفلسطينية والقوى الممثلة ضمنها، إلى القوى والحركات غير الممثلة فيها وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد. في حين علينا تلمس حجم الاحتقان الشعبي المتصاعد خصوصا داخل فلسطين، والبحث عن وسائل دعمه وتأطيره وحمايته من فساد وعبث المنظومة السياسية الفلسطينية. إذ تحول المناخ السياسي الفلسطيني والعربي عموما إلى أحد العوامل التي تهدد إمكانيات تطور مظاهر السخط والغضب الشعبي، وتمنع تحولها إلى ظاهرة منظمة وواعية وقادرة على مواجهة التحديات الكبيرة المحيطة بنا وعلى رأسها صفقة القرن.
    وبالتالي فنحن في مرحلة مركبة تقتضي مواجهة صفقة القرن على قدم المساواة مع ضرورة التصدي لإفرازات النظام السياسي الفلسطيني والعربي، الذي يعمل على تقويض الحركة والنضال الشعبي، وحرفه نحو صراعات جانبية وفئوية تصب في صالح الاحتلال وداعميه، وعلى تناقض مع المصالح الشعبية الطبيعية. لذا من الخطأ حصر صفقة القرن في القرارات الأميركية فقط، أو في البنود التي سوف تتضمنها الخطة الأميركية التي يعتزم طرحها بعد انتخابات الكنيست؛ كما أعلن أكثر من مسؤول أميركي؛ بل علينا أن نعي تركيبتها الكاملة، التي تنتهي بحيثيات الصفقة وتبدأ من لحظة تقويض حركة التحرر الفلسطينية، وحجز الفضاء السياسي الفلسطيني في أطر قائمة على المحاصصة الفصائلية والنخبوية وأحيانا العربية، مما حولها إلى مجموعات محدودة العدد وضيقة الأفق وسلبية التأثير، أو بالأصح ذات أثر مدمر على مستقبل فلسطين والفلسطينيين. ومنها تحولت إلى مجرد أدوات لقوى خارجية عربية وإقليمية وعالمية، وفق الجهة الداعمة، وهو ما همشها وهمش تأثيرها خصوصا في مواجهة المخططات الدولية والأميركية، الأمر الذي خدم الاحتلال ومهد الطريق أمامه كي يفرض وقائع جديدة على الأرض برعاية أميركية ودولية، وفي ظل صمت رسمي عربي وفلسطيني، إن لم نقل في ظل تواطؤ عربي وفلسطيني. طبعا لا تتساوى جميع القوى والأطراف العربية والفلسطينية في الخنوع للاحتلال وخدمته، لكنها ساهمت في تهيئة المناخ المناسب لفرض الصفقات المشبوهة مثل صفقة القرن، وكبح جماح الحركة الشعبية وإعاقة إمكانيات تطورها ونضوجها على مدار الحقبة الماضية، حتى أصبحنا في خضم صراع مباشر مع الاحتلال وداعميه الدوليين، ومع الخانعين والخاضعين له من الفلسطينيين خصوصا.

  12. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  13. #7
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,735
    Thanks
    54,738
    Thanked 43,381 Times in 24,014 Posts

    افتراضي رد: السلام الاقتصادي... رؤية شاملة للمبادرات الأميركية

    وارسو ممر جديد للتطبيع
    ثابت العمور
    23 فبراير 2019
    أُسدل الستار عن مؤتمر وارسو، لكن الستار رفع عن مشهد آخر مختلف في ملامحه ومعالمه وتبعاته، ويبدو أن بعض العرب قد رفعوا برقع الحياء فمضوا بعيداً في اقترابهم من إسرائيل، ومن دون الاستغراق في مبررات المؤتمر ومن دعا إليه وأسباب الدعوة إليه والمشاركة فيه، فإننا أمام مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وواحدة من مخرجات هذا المؤتمر أننا عملياً لم يعد بمقدورنا الحديث مهنياً وموضوعياً وسياسياً عما كان يسمى صراع عربي إسرائيلي. يبدو أننا كنا أمام خدعة كبيرة وما فعله المؤتمر أنه أزاح الستار عن كثير من الخدع.
    بدت الخدعة الأولى في الهدف المعلن للمؤتمر، وقد قيل إنه من أجل تطوير حلول مشتركة وإجراءات ضمان للسلام والأمن في الشرق الأوسط وبحث المشاكل الإنسانية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب وأمن الطاقة والتهديدات السيبرانية وغيرها من قضايا مُررت، وعندما انتهى المؤتمر لم تخرج توصية واحدة تتناول آليات مواجهة كل هذه التحديات، فكانت أولى الخدع، ثم كيف يبحث السلام والأمن في الشرق الأوسط في حين تغيب القضية الفلسطينية من جدول الأعمال ويغيب ممثلوها فكانت هذه الخدعة الثانية.
    ذهب العرب هذه المرة إلى وارسو على وقع التغول الإسرائيلي والتهويد والعربدة والاستيطان، لبوا دعوة وزير الخارجية الأميركي على وقع الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعلى وقع العقوبات الأميركية على السلطة الفلسطينية، وعلى وقع إغلاق مكاتب منظمة التحرير هناك، وعلى وقع معاقبة ملايين اللاجئين، وعلى وقع الحصار المفروض على غزة من عقد من الزمان وأكثر، ولم يكتفوا بالذهاب فقط لكنهم اقتربوا من نتنياهو حد الاحتضان.
    لم يكن مؤتمر وارسو الذي شاركت فيه عشر دول عربية، ست منها خليجية، جنباً إلى جنب مع رئيس وزراء إسرائيل إلا إعلانا عربيا رسميا بالتخلي عن القضية الفلسطينية والمضي في التطبيع حتى الوصول إلى إنشاء حلف إقليمي تقوده إسرائيل لمواجهة ما يسمى "البعبع الإيراني"، وكأن مواجهة إيران عربيًا لا تتم إلا بالاقتراب من إسرائيل حد التحالف معها.
    وصف نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، في كلمته التي ألقاها أمام مؤتمر وارسو، المشهد باختصار بأن حقبة جديدة بدأت وقال : "بدأنا حقبة جديدة .. نتنياهو وقادة كل من البحرين والسعودية والإمارات يتقاسمون الخبز معاً". في حين غرّد المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، من داخل قاعة الاجتماعات في وارسو، قائلًا إن "ميكروفون نتنياهو كان معطلا فقام (وزير خارجية اليمن) اليماني بإعارته ميكروفونه"، وتابع أن "نتنياهو علق على ذلك مازحاً: هذا شكل جديد من التعاون بين إسرائيل واليمن". وإن دلالات إعطاء الميكروفون لنتنياهو أعمق من أن تكون مجرد مزحة.
    وقد حرص نتنياهو على تكريس فكرة أن العلاقات العربية الإسرائيلية تمر بـ"مرحلة جديدة" عبر بوابة "التهديد الإيراني"، تعترف خلالها دول عربية بـ"حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها"، وتسعى إلى "علاقات مباشرة معلنة في بعض الحالات وسرية في حالات أخرى" مع إسرائيل، بمعزل عن القضية الفلسطينية. لم يحرص نتنياهو على السرية مطولاً فقبل عودته من وارسو سرّب مكتبه مقطعاً مصوراً من إحدى الجلسات المغلقة في المؤتمر، تحدث خلالها وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد، ووزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، وعبروا عن قناعتهم بأن القضية الفلسطينية، وفقا لرؤيتهما السياسية، تفقد مركزيتها لمصلحة "التهديد الإيراني".
    وعندما سئل وزير الخارجية البحريني، عن مستقبل علاقات بلاده بإسرائيل قال: إن إقامة علاقات دبلوماسية بين بلاده وإسرائيل "ستحدث عندما يحين وقتها"، ويبدو أنّ الوقت قد حان في عرف وزير خارجية البحرين، لكنّ إيران هي من تعيقه.
    لم يأت الوزير على ذكر شروط السلام ولم يطلب من صديقه نتنياهو ضرورة الانسحاب من أية أراض فلسطينية تحتلها إسرائيل ولم يطلب منه التوقف عن الاستيطان واستباحة المسجد الأقصى، لكنه يرى أن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، لا يتحقق إلا إذا أوضح للإيرانيين "أنه إذا أرادوا أن يعاملوا كدولة طبيعية، فعليهم أن يتصرفوا كدولة طبيعية ". فهل تتصرف إسرائيل كدولة طبيعية؟!
    مؤتمر وارسو أعفى إسرائيل من الاستحقاقات كافة، وحوّلها من عدو إلى صديق وحليف، ومهد لنتنياهو الأرضية لتمرير مخطط إسرائيل الكبرى، وفي المؤتمر عثر على "مكان تحت الشمس"، لم تعد إسرائيل قلقة بعد هذا المؤتمر ولم يعد أحد من العرب يريد إلقاءها في البحر، استطاع نتنياهو أن يشغل العرب وأن يخلق لهم عدواً اسمه إيران، في حين يستبيح هو وطائراته وغواصاته الأجواء العربية فيقصف في سيناء والسودان ولبنان وسورية ويعلن ذلك ويتبجح به، لم يعد مطلوباً من إسرائيل تقديم استحقاقات مبادرة السلام العربية وبإمكانها الاسترخاء والتفرغ لمشاريعها ولاختراق القارة السمراء والتجسس على العرب كيفما تشاء، وبإمكانها قتل ما شاءت وقتما شاءت من الفلسطينيين لم تعد هناك أراضٍ عربية أو حتى فلسطينية مطلوب تحريرها أو حتى الانسحاب منها.
    لقد أعطى العرب لنتنياهو أكثر مما توقع كان يريد من المؤتمر أن يضمن له تذكرة الفوز في الانتخابات القادمة فأعطاه الكرم العربي أكثر مما طلب، أعطوه فرصة ليحقق حلمه بالاجتماع مع المسؤولين العرب ويلتقط معهم الصور التذكارية ليقول إن التطبيع قائم ومستمر ويتمدد، لقد أعطوه مفاتيح "صفقة القرن" ليتفرد ويستفرد بالقضية الفلسطينية التي غيبها العرب عن قصد.
    لقد رسخ مؤتمر وارسو أن قضية فلسطين لم تعد صمام الأمان في الشرق الأوسط، ولم تعد قضية العرب الأولى، وإنه يمكن التطبيع والتعاون بين إسرائيل والدول العربية، بدون حاجة إلى تسويتها، إن الهدف الأساس والوحيد لإدارة ترامب ولنتنياهو من مؤتمر وارسو هو التطبيع، ولم يكن "البعبع الإيراني" أكثر من طعم للعرب وقد ابتلعوه.
    لقد أخرج مؤتمر وارسو العلاقات العربية - الإسرائيلية من السرية إلى العلنية، ومن التطبيع إلى التحالف، معلناً أن العرب ماضون وفق ما تريده إدارة ترامب أي الاقتراب من إسرائيل حد التحالف، وبالتالي لم تعد إسرائيل عدواً يراد أن يُلقى به في البحر بل باتت صديقاً وحليفاً، وهذا أخطر ما أفرزه المؤتمر في التصور العربي الرسمي.
    خاصة أنّ المؤتمر يأتي في توقيت غاية في الأهمية في ما يتعلق بالعلاقات العربية البينية وبواقع الدول العربية داخلياً، إن هذا المؤتمر لم يكن ليعقد ويخرج بهذه المخرجات العربية- الإسرائيلية لو لم يتعثر الربيع العربي بالثورات المضادة التي قادتها الإمارات والسعودية.
    ووفق مخرجات مؤتمر وارسو لم تعد القضية الفلسطينية أولوية في الأجندات العربية عموماً وأجندة بعض دول الخليج بشكل خاص، وبات القفز عليها وتجاوز استحقاقاتها والذهاب إلى التطبيع مقدماً على كل الشعارات والمبادرات.
    وبافتراض أن إيران عدو يستحق المواجهة هل تتم مواجهتها بالاقتراب والتحالف مع إسرائيل، هل فكرت أو بحثت دول الخليج عن بدائل وخيارات أخرى لمواجهة إيران مثلا بخلاف التطبيع مع إسرائيل، ما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل لدول الخليج لمواجهة إيران، إن العرب يخرجون الجمل ليحل محله الفيل.
    لقد أسقط العرب في مؤتمر وارسو من حساباتهم محورين غاية في الأهمية واستبدلوهما بالتطبيع الأول هو القضية الفلسطينية والثاني الرأي العام العربي الشعبي، وقدموا التطبيع مع إسرائيل على علاقاتهم البينية، وبالتالي فإن التطبيع محفوف بمخاطر لم يستحضرها عرب وارسو: تاريخياً لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية ومكوناتها كونها قضية حاضرة وقادرة على قلب الطاولة، وثانياً ترويض الشعوب العربية لا يمكن أن يستمر ويمر، خاصة إذا استهدف هذا الترويض تمرير التطبيع مع إسرائيل.


  14. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. انتفاضة ضد السلام الاقتصادي
    بواسطة متواصل في المنتدى الأخبــــــــار السياسية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2012, 04:47 AM
  2. الملك والملكة يشاركان في الملتقى الاقتصادي في مدينة صن فالي الأميركية
    بواسطة mahmoud_asad في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-09-2010, 10:20 PM
  3. السلام العالمية":جدول زمني لاستكمال الاستحواذ على السلام بنيان
    بواسطة mahmoud_asad في المنتدى الأسواق العربية Arab Markets
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-25-2010, 04:51 PM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-17-2009, 09:03 AM
  5. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-04-2009, 01:51 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

BACK TO TOP