النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟

  1. #1
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,522
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟

    "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟


    بينما يصب العالم تركيزه على مسألة التأثير الروسي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ينفذ الكرملين بدون ضجيج غارات في منطقة أخرى تُعد ذات أهمية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا، إنها دول شمال أفريقيا الخمس الواقعة على طول الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.

    التقى المسؤولون الروس مع المسؤولين الجزائريين بأحد أحواض بناء السفن في سان بطرسبرغ خلال الشهر الماضي ليفتحوا زجاجة شمبانيا احتفالًا بأولى غواصتين تسمى "الثقب الأسود"، التي بُنيت من أجل البحرية الجزائرية. وانتشرت في نفس اليوم أنباءً تفيد بأن روسيا قد نشرت قوات خاصة وطائرات بدون طيار في قاعدة عسكرية تقع غرب مصر وتعود إلى العصر السوفيتي؛ كي تدعم قائد إحدى الميليشيات في ليبيا المجاورة لمصر. كما سافر أمين مجلس الأمن الروسي في نهايات العام الماضي إلى المغرب، حيث دعا الملك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأن يرد الزيارة التي كان زارها إلى موسكو في بدايات العام ذاته. وفي تونس، حيث تضاعف حجم السياحة الروسية في عام 2016 عشرة أضعاف، وقع الكرملين خلال الخريف الماضي على اتفاقية لبناء محطة طاقة نووية.


    كانت مصر، وهي أكبر دولة عربية في العالم، جوهرة تاج السوفييت في الشرق الأوسط حتى انشقاقها نحو المعسكر الأمريكي في أواخر السبعينات، لتضطلع منذ ذلك الحين بدور أهم حلفاء واشنطن في شمال أفريقيا. غير أن القاهرة شرعت في توسيع علاقاتها مع روسيا بصورة منهجية بعد أن أطاح الفريق أول -آنذاك- عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي في 2013. أبقت إدارة الرئيس باراك أوباما، التي كانت تدرك التكتيكات الأمنية الثقيلة التي تتبعها القاهرة من أجل القضاء على المعارضة، على بعض المسافات بينها وبين السيسي الذي لجأ بدوره إلى روسيا لمساعدته في ملء هذا الفراغ. وفي عام 2015، زار بوتين القاهرة، حيث امتلأت شوارع القاهرة بلافتات تحمل صورته، ليرد الرئيس الروسي بإهداء السيسي بندقية كلاشينكوف جديدة.


  2. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  3. #2
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,522
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟






    موسكو الضعيفة: الوجه الآخر لأسطورة الصعود الروسي

    على تخوم مدينة همدان الإيرانية، حيث تقبع قاعدة الشهيد نوجه الجوية، كانت إيران على موعد مع استقبال ضيف غير مُعتاد صبيحة السادس عشر من أغسطس الماضي؛ طائرات عسكرية أجنبية سُمِح لها بالهبوط ثم الانطلاق من إيران، في أول مرة يستخدم فيها جيش أجنبي الأراضي الإيرانية خلال عملياته العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.


    لم تدُم سرية الخبر طويلًا، حيث أعلنت روسيا سريعًا أنها استخدمت القاعدة بالفعل في نقل مجموعة من طائرات توبوليف-22 وسوخوي-34 إلى الأجواء السورية لاستهداف معاقل "الإرهابيين" هناك، بل وأنها حصلت على إذن من حكومة العراق بعبور الطائرات عبر الأجواء العراقية وصولًا لمدينة حلب.


    لم يكن جورج كِنان، الدبلوماسي الأمريكي العريق المتوفي عام 2005، ليصدق إن قيل له قبل وفاته بأن الشرق الأوسط سيكون مرتعًا للطيران الروسي بهذا الشكل خلال عقد واحد فقط، وأن الولايات المتحدة لن تجد حليفًا يعينها على الجماعات المسلحة المعادية لها سوى جماعات أخرى مماثلة ولكن محسوبة على القومية الكردية في شمال سوريا، في حين ستتوتّر علاقاتها بحلفائها التقليديين في مصر وتركيا والخليج بينما تفقد هيمنتها على العراق لصالح إيران.



    القوات الجوية الروسية (وكالة الأنباء الأوروبية)


    كان كِنان أحد رواد سياسة الاحتواء الأمريكية تجاه الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، وضرورة تطوير إستراتيجية لاحتواء الرغبة الروسية في التوسع، لا الاصطدام بها مباشرة، لحماية المناطق الهامة لأمن الولايات المتحدة ومصالحها، وهي رؤية أثرت على صناع القرار الأمريكيين بدرجات مختلفة خلال الحرب الباردة، ويُعزو لها البعض سقوط الاتحاد السوفيتي بالفعل عام 1990.


    يبدو غريبًا إذن أن يعود الروس بتلك القوة بعد رُبع قرن، بل وبنجاحات عسكرية ودبلوماسية لم يكن السوفييت أنفسهم ليحلموا بها في أوج قوتهم، في وقت يمرون فيه بأزمة اقتصادية تحت وطأة العقوبات الغربية وهبوط أسعار النفط والغاز، وفي وقت لا يزال فيه التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي واضحًا وقادرًا على إيقافهم. فهل يشهد العالم صعود قوة الروس من جديد إذن على حساب الأمريكيين في الشرق الأوسط وشرق أوروبا؟


    دمشق والدونباس: ملء المساحات الشاغرة


    تبدو الإجابة سهلة لأول وهلة، فالوضع في أوكرانيا وجيورجيا وسوريا، والعلاقات الوطيدة مع إيران والعراق، والآن تركيا ومصر، تقول بأن هنالك صعودًا روسيًا واضحًا مقابل تراجع أمريكي سريع خلال إدارة باراك أوباما، لكن نظرة أعمق على ما جري خلال السنوات الخمس الماضية تكشف لنا مشهدًا أكثر تركيبية من الخطاب الرائج إعلاميًا بخصوص "صعود روسيا على حساب أمريكا."


    لنلفت الانتباه أولًا إلى أن تقدّم الروس في شرق أوروبا والشرق الأوسط لم يتأتى بإزاحة النفوذ الأمريكي عبر الاصطدام به، كما هي العادة حين تشهد منطقة ما "صعود" قوة جديدة فيها تجلب اصطدامًا صريحًا مع قادة المنظومة القديمة، وهو ما جرى مع الألمان في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ويجري مع الصين حاليًا في شرق آسيا.


    على النقيض، لم يكن تقدُّم الروس انتصارًا في مواجهة، لكنه في الحقيقة كان ممكنًا فقط بسبب رغبة الأمريكيين أنفسهم بالتراجع عن موقعهم السابق بالخليج والمشرق، وكذا شرق أوروبا، لأسباب عديدة، أولها سقوط أهمية النفط الخليجي من حسابات الأمن الأمريكية، وثانيها حاجة الإدارة الأمريكية للانتباه إلى احتواء الصين في شرق آسيا، ونقل جزء من الثقل الأمريكي الدولي من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادي.


    لا تنتمي الولايات المتحدة جغرافيًا لأي من أوروبا أو الشرق الأوسط، ومن ثم كان متوقعًا حين تتضاءل مصالحها فيهما أن تسحب ثقلها منهما -ولو جزئيًا- لتوجيهه لمناطق أكثر أهمية وقربًا لها، أما الروس على الناحية الأخرى فيملكون أسبابًا تاريخية وجغرافية لن تتغير أبدًا للبحث عن دور في هاتين المنطقتين، وهو دور تكشفت مساحاته رويدًا بينما بدأ تضاؤل الاهتمام الأمريكي، بل ويمكن القول بأن موسكو حاولت جس النبض في تحركاتها العسكرية المرة تلو الأخرى للتأكد من عدم رغبة -وليس عدم قدرة- الأمريكيين على ردعها كما كانوا ليفعلوا في التسعينيات.



    تقدم الروس ليستعيدوا مواقع عدة لهم في شرق أوروبا، لكنها مواقع كانت شاغرة فعليًا بتحول اهتمام الأمريكيين عنها، وهو ما جرى بالمثل في سوريا.

    وكالة الأنباء الأوروبية


    كانت أول تجربة روسية عام 2008، حين استحوذ الجيش الروسي على مقاطعتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من جيورجيا خلال خمسة أيام، وتلاها عام 2014 استحواذه على شبه جزيرة القرم ذات الموقع المركزي في البحر الأسود، ثم الزج بمجموعات مسلحة موالية لروسيا في منطقة "الدونباس" بشرق أوكرانيا، والتي باتت فعليًا جزءًا من نطاق الهيمنة الروسية، وحاجزًا ضد قدرة أوكرانيا على التحرُّك والانضمام لأي تشكيلات سياسية أو عسكرية أوروبية.


    تقدم الروس إذن ليستعيدوا مواقع عدة لهم في شرق أوروبا، لكنها مواقع كانت شاغرة فعليًا بتحول اهتمام الأمريكيين عنها، وهو ما جرى بالمثل في سوريا، حين أبدى الروس مرة أخرى الرغبة في التحرك وقلب موازين الحرب السورية، في نفس الوقت الذي أيقنوا فيه بأن واشنطن لا ترغب بالتحرّك وإن امتلكت القدرة نظريًا على إيقافهم. ولكن لماذا قد لا يرغب الأمريكيون بالتحرُّك لوقف روسيا؟


    واشنطن: تراجع الخطر الروسي



    حاملة الطائرات الروسية الوحيدة كوزنيتشوف (وكالة الأنباء الأوروبية)

    قبل خمسة أعوام، نشر أستاذ العلوم السياسية الأمريكي المرموق، جوزيف ناي، كتابًا بعنوان مستقبل القوة، تحدث فيه عن تراجع دور العوامل "الكلاسيكية" في تحديد موازين القوى، والتي ساعدت على خلق العداء الصفري الواضح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وأبرزها مركزية السلاح النووي أثناء الحرب الباردة، والقوة العسكرية بشكل عام، والقدرات الصناعية التقليدية.


    في المقابل، تظهر اليوم عوامل أخرى مثل التقدم التكنولوجي وحروب الإنترنت، أو ما أسماه جوزيف ناي "القوة الذكية"، والأهم من كل ذلك، أولًا، صعود الاقتصادات الآسيوية كمنافس رئيسي للقوى الغربية التقليدية باستخدام تلك الأدوات، وثانيًا، قدرة كيانات أخرى كالميليشيات -بل ومجرد الأفراد- على استخدام تلك الأدوات إلى جانب الدول التقليدية، على عكس الحال أثناء الحرب الباردة والتي قلما شهدت بروز جماعات مسلحة بالشكل الذي نراه اليوم.


    باستثناء تفوقها الملحوظ في مجال الحروب الإلكترونية، لا تبدو روسيا اليوم قوة ذكية بأي حال، ومن ثم لا تشكل خطرًا على الأمريكيين إلا بترسانتها النووية من ناحية، والتي تشكل رادعًا عسكريًا لاحتلال روسيا فقط ولا يمكن استخدامها في كافة الصراعات المعاصرة، وقدرتها على التغلغل الإلكتروني من ناحية أخرى، وهو الملف الوحيد الأكثر تهديدًا للولايات المتحدة كما كشفت الانتخابات الرئاسية الأمريكية.


    عدا ذلك، ثمة فجوة كبيرة ومتزايدة في الواقع بين القوتين العسكريتين، فمعظم الأسلحة الروسية اليوم تنتمي للحقبة السوفيتية، بما في ذلك حاملة الطائرات الروسية الوحيدة "كوزنيتسوف،" والتي يقابلها لدى الأمريكيين عشر حاملات موزعة حول العالم، وهو ما يُضاف لعجز الميزانية الروسية عن مواكبة نظيرتها الأمريكية البالغة عشرة أضعافها نتيجة للأزمة الاقتصادية في روسيا، ومن ثم فإن ميزانية عسكرية كتلك الموجودة بالصين -وتفوق ثلث نظيرتها الأمريكية- تبدو أكثر تهديدًا للأمريكيين على المدى البعيد في قدرتها على اللحاق بواشنطن.



    تنصب هواجس الولايات المتحدة في القرن الجديد إذن على انتقال الثقل الاقتصادي العالمي لآسيا، والصين على وجه الخصوص، وتشرذم القوى العالمية خارج نطاق الدول التقليدية، في حين تتراجع على الأرض حدة الخطر الروسي، بل وتجعل من الروس أنفسهم حلفاء محتملين لمواجهة هذه الهواجس، والتي تُقلقهم على الأرجح أكثر من الأمريكيين أنفسهم، الأمر الذي تكشفه الحرب في سوريا حيث يجري بالفعل تنسيق مرشح للتزايد بين الولايات المتحدة وروسيا، بل ولعل السماح لروسيا بلعب ذلك الدور يكون ما تفضّله واشنطن بالفعل على ترك المنطقة للجماعات المسلحة أو لدول مثل إيران.


    موسكو: الهشاشة الكامنة


    "ليس هناك أي نشاط زراعي على الناحية الروسية. مجرد غابات ليس إلا، وحين تسأل الروس عن سبب عزوفهم عن الزراعة يقولون بأن الجو ليس جيدًا، وأنه يستحيل زراعة أي محصول هنا. بيد أنك تمُر إلى الناحية الصينية لترى الزراعة في كل مكان من حولك رُغم أن ما يفصلهما مائتا متر فقط ولا بد أن يكون الجو مماثلًا،" بتلك الكلمات وصف أحد الصحافيين الإيطاليين ما رآه في مدينة بلاغوفِشتشنسك الحدودية بين روسيا الصين، وهي رواية متكررة من مدن حدودية عديدة تزدهر على الناحية الصينية بينما يقبع النصف الروسي في الظلام.


    بعيدًا عن مساحات البحرين الأسود والمتوسط الشاغرة، والتي لا يواجه فيها العملاق الروسي سوى قوى عسكرية غير نظامية ومتشرذمة، ودون استنفار ضخم لقواته البرية، تنكشف لنا مكامن الهشاشة الروسية إذا ما نظرنا للمساحات الشاسعة التي هيمنت عليها روسيا سابقًا في آسيا وتواجه فيها في الحقيقة الاقتصاد الصيني، والذي بات الشريك التجاري الأول لبلدان آسيا الوسطى كلها عدا كازاخستان.


    لا تقتصر نقاط الضعف الروسي على التخلف عن منافسة الصين في قلب آسيا، بل وفي حاجتها إلى الاستنفار العسكري المستمر بطول منطقة الشرق الأقصى وسيربيا داخلها (المماثلة في حجمها تقريبًا لحجم الولايات المتحدة أو الصين) نتيجة لقلة النشاط الاقتصادي فيها -كما يكشف لنا الصحافي الإيطالي- والناجم عن تركز تعداد السكان الروسي -أوروبي المنشأ بطبيعة الحال- في أقصى الغرب، في حين يقبع أقصى الشرق بواحدة من أقل الكثافات السكانية بالعالم.


    كنتيجة لمساحتها الشاسعة، تشكل الحاجة المستمرة لحمايتها عسكريًا ضغطًا على الاقتصاد الروسي حتى في أفضل حالاته، وهي مسألة تعيقه عن اتخاذ المسار الطبيعي -على غرار الولايات المتحدة والصين- لتنمية بقية القطاعات المدنية والهامة، والتي تنبني عليها في النهاية عوامل "القوة الذكية" المذكورة أنفًا، علاوة على امتلاك تلك المساحة الكبيرة لحدود مفتوحة على أعداء كُثُر في أوروبا وآسيا بشكل يزيد من الحاجة للجاهزية العسكرية المستمرة في بلد ضعيف اقتصاديًا ولا يتجاوز تعداده 150 مليون -وهي واحدة من إشكاليات الكيان الروسي التاريخي، والذين يعود لحملة استيطان وإبادة قام بها الروس في سيبريا وشمالي شرق آسيا- على العكس من الولايات المتحدة التي تمتلك سياسة ديمغرافية ناجحة بضعف التعداد السكاني، وتتمتع بعُزلة جغرافية تحمي شرقها وغربها.


    يُضاف لكل ذلك غياب أية تحالفات كبرى لروسيا تستطيع أن تتبادل فيها الأدوار العسكرية مقابل الاستفادة اقتصاديًا وعلميًا، وهي مسألة حتمية لأية قوة "عالمية" في القرن الجديد، على سبيل المثال، يمتلك الأمريكيون في نهاية المطاف تحالفًا اقتصاديًا وثقافيًا مع أوروبا واليابان وكندا وأستراليا بصورة تعزز تبادل الأدوار بينهم، علاوة على انتشارهم بطول العالم كله، في حين تنكفئ روسيا على تحالفاتها مع دول فقيرة وصغيرة في جوارها المباشر مثل بيلاروسيا وأرمنيا وكازاخستان وكوريا الشمالية.


    بشكل عام، لا تبدو هنالك أية دروس مستفادة من الحرب الباردة في موسكو باستثناء الرغبة في محاكاة نموذج التغلغل الأمريكي، وهو نموذج يهيمن على صناع القرار في موسكو ممن يحاولون رد تدخلات الغرب في شرق أوروبا الأمس، بدعم اليمين المتطرف المُعادي لوحدة أوروبا اليوم بالمال، والتلاعب عبر الاستخبارات تارة والحروب الإلكترونية تارة أخرى بما أمكن الوصول له في المنظومتين الأوروبية والأمريكية، وهي إستراتيجية لا تبدو أنها كفيلة باستعادة روسيا لأمجادها بينما تعاني من أزمة ديمغرافية واقتصادية أشد من جوارها الأوروبي.







    لم يتغيّر الكثير في موسكو على الأرجح منذ عصر السوفييت بعودة معظم عناصر الاستخبارات السوفيتية السابقة للسُلطة، بما في ذلك الرئيس فلاديمير بوتين، وهي عقليات تهيمن عليها محاولة استعادة الهيبة الروسية ومداواة جراح الحرب الباردة، والقيام بتحركات وبث رسائل بهذا المعنى في الجوار الروسي مستوحاة من تحركات الأمريكيين العسكرية والاستخباراتية لإسقاط الاتحاد السوفيتي، دونما النظر لأية أسباب أخرى لنجاح المشروع الأمريكي القرن الماضي.


    بيد أنه ثمة فجوة كبيرة بين تلك العقلية وما يتطلبه القرن الجديد دونًا عن غيره، وهي فجوة ستترك روسيا حبيسة "ذهنية إسرائيلية" إن جاز القول منصبة على حماية جغرافيا لا تنتمي لها وديمغرافيا هشة بكل ما في حوزتها من قوة عسكرية ونشاطات استخباراتية، دون النظر في أهمية مواكبة الأمريكيين والصينيين في شتى المجالات المدنية الأخرى، وهي ذهنية لعل الإسرائيليين أنفسهم أقل اتصافًا بها اليوم بالنظر للكثير من معالم القوة الذكية التي حازوها بالفعل على مر العقود.


    تتقدم روسيا إذن لملء مساحات إقليمية شاغرة في أوكرانيا وسوريا، وكأنها عملاق جريح يتغنّى باصطياد ذبابة، لكنها على النقيض عاجزة عن المواجهات الكبرى كما فعلت يومًا ما، فهي لا تملك إلا ضجيج التدخل الإلكتروني في الانتخابات الأمريكية، وانتصارات على مجموعات مسلحة ضعيفة ومتشرذمة، في حين تكشف كافة المؤشرات الاقتصادية والعسكرية الثقيلة بأنها في الواقع لا تزال قوة من قوى الأمس على مستوى العالم إن لم يكن تراجعها مرشحًا للاستمرار، أما القرن الجديد فهو إما أمريكي كسابقه، أو صيني، أو ربما كليهما في آن

  4. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  5. #3
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,522
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟





    أين تذهب مغامرات "بوتين" بالاقتصاد الروسي؟

    في عام 1978 اندلعت ثورة في أفغانستان على حكومة نور محمد تراقي، واتسعت رقعة الاحتجاجات حتى تحولت إلى حرب أهلية، طلبت الحكومة الأفغانية حينها من الاتحاد السوفيتي أن يتدخل مرارًا لقمع المعارضة بناءً على اتفاقية التعاون والصداقة الموقعة بين الطرفين، لتدخل القوات الروسية برًا وجوًا الأراضي الأفغانية في ديسمبر (كانون الأول) عام 1979، وتهاجم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة الأفغانية المدعومة آنذاك من واشنطن والرياض ولندن. دمرت القوات السوفيتية كل شيء تقريبًا، البيوت والقرى والحقول والماشية، ما ولّد بغضًا كبيرًا لدى الشعب الأفغاني تجاه السوفييت، واستمر الاتحاد السوفيتي في قتاله ضد المعارضة، يغنم منهم ويغنمون منه لمدة عقد كامل.



    قُدرت التكلفة الاقتصادية للحرب السوفيتية في أفغانستان بـأربعة إلى خمسة مليارات دولار عام 1985، وكان مستوى المعيشة داخل الاتحاد السوفيتي أقل بكثير مما عليه الوضع وقتها في أوروبا الشرقية والغرب، وعانت شعوب الاتحاد السوفيتي وخصوصًا في روسيا من مستويات فقر كبيرة، فهناك نقص دائم في الحصص الغذائية، وطوابير طويلة تقف على المخازن، والفقر المدقع يضرب معظم السكان. ولكن نظام الرئيس ميخائيل جوربتشوف اعتاد على التعامل مع أزمات أكبر من ذلك، دون التفريط في ذرة واحدة من قبضة الدولة على المجتمع والاقتصاد. فالظروف السياسية داخل الاتحاد كانت أقل ازعاجًا، مع تواصل 20 عامًا من القمع بلا هوادة وسجن المعارضين والتخلص منهم داخل المعسكرات والسجون، أو إجبارهم على الهجرة.



    لم تكن هناك أية علامات على اتجاه الاقتصاد السوفيتي نحو كارثة، فالأمور بدت طبيعية بشكل كبير، والناتج المحلي الإجمالي من عام 1981 إلى عام 1985 كان ينمو بمعدل 1.9% سنويًا في المتوسط، رغم تباطؤه مقارنة بنموه في فترة الستينيات والسبعينيات، فإنه كان ينمو. هذا النمو الواهن استمر حتى عام 1989، بينما لم يكن عجز الموازنة السوفيتي أيضًا يشي بشيء كارثي فلم يتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهبطت أسعار النفط بشكل حاد من 66 دولارا للبرميل عام 1980 إلى 20 دولارا عام 1986 ما شكل ضربة قوية للاقتصاد السوفيتي. كان هناك ركود واضح ومقلق، ولكنه كما أشار بيتر روتلاند الأستاذ في جامعة ويسليان "الأمراض المزمنة بعد كل شيء ليست بالضرورة قاتلة".. بشكل مفاجئ، في 26 ديسمبر (كانون الأول) عام 1991، قتلت الأمراض المزمنة الاتحاد السوفيتي وانهار بشكل مدوي لم يتوقعه أحد.



    الصفعة الأوروبية.. والركلة النفطية
    حينما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، وتدخلت في شرق أوكرانيا، أراد الأوروبيون والغرب أن يوجعوا الاقتصاد الروسي، وفي يوليو (تموز) لعام 2014 سُنّت عقوبات اقتصادية على روسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وغيرهم من الحلفاء والشركاء بالتنسيق فيما بينهم.



    توقف فرض العقوبات على تطور الأوضاع داخل أوكرانيا وتحديدًا على تنفيذ البنود الواردة في اتفاقيات ميسنك الموقعة بعد ذلك بين جميع الأطراف، لذا كان من المقرر أن تنقضي العقوبات في يوليو (تموز) 2015 إلا أنه جرى تجديدها من قبل الدول الغربية، ثم جددت ثانية في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وفي 15 ديسمبر (كانون الأول) 2016 اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل وقرروا تمديد العقوبات من جديد لمدة ستة أشهر أخرى، أما عقوبات الولايات المتحدة وكندا فهي مستمرة دون أجل معين، وإن كان من المحتمل أن تُرفع من قبل واشنطن قريبًا بعد تولى دونالد ترامب الرئاسة، صاحب اللقب الشهير عالميًا (صديق بوتين).



    لم يكد يستوعب الاقتصاد الروسي ما يحدث بسبب فرض العقوبات الغربية، إلا وقد تلقى ضربة جديدة من قبل أسعار النفط. يُصنف الاقتصاد الروسي بأنه اقتصاد ريعي مثل اقتصادات المملكة السعودية وفنزويلا وغيرها من الدول المعتمدة بشكل رئيس على النفط، لذا عندما تراجعت أسعاره بدءًا من يوليو (تموز) 2014، بعد أن وصلت قبلها إلى ما يقارب 110 دولار للبرميل، واستمر الهبوط إلى ما دون النصف، أثر ذلك على الإيرادات العامة الروسية، فعلى سبيل المثال كانت الإيرادات في النصف الأول من 2014 حوالي 97 مليار دولار من إمدادات النفط الخام، بينما بلغت هذه الإيرادات في النصف الأول من عام 2015 حوالي 56 مليار دولار فقط. ومن ثم بدأ الاقتصاد الروسي في الهبوط هو الآخر.



    الاقتصاد الروسي يئن
    "نعم، العقوبات أحدثت ضررًا، نحن لم ننكر ذلك. أنا أعني ضررًا اقتصاديًا. الشيء الأكثر إيلامًا، وهو ما أود أن أخصه بالذكر هنا، هو انخفاض الدخل الحقيقي للسكان، ونتيجة لذلك، حدث انخفاض في الطلب على السلع الاستهلاكية." - سيرجي إيفانوف، رئيس إدارة الكرملين، متحدثًا عن تأثير العقوبات الغربية على روسيا، في يوليو (تموز) 2015.

    اتحدت العقوبات الغربية مع انهيار أسعار النفط في منتصف عام 2014 لتصنع معًا السهم الذي اخترق "كعب أخيل" للاقتصاد الروسي. فمثلما تسبب السهم في قتل أخيل البطل الأسطوري في الميثولوجيا الإغريقية، كادت العقوبات مع أسعار النفط أن تفعل. في خريف عام 2014 قدر وزير الاقتصاد الروسي أليكسي أليكاف أن التكاليف المباشرة للعقوبات المالية قد وصلت إلى حوالي 90 مليار دولار، أي حوالي 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي للعام نفسه، وأكمل أن هذا المبلغ أيضًا هو الذي تحتاجه موسكو من أجل إعادة تمويل ديونها الخارجية، ثم في أغسطس (آب) 2015 مسح البنك المركزي الروسي تقييمَ الخسائر الناجمة عن العقوبات المالية الغربية وانخفاض أسعار النفط بين منتصف عامي 2014: 2016، فوجد أنها ستكون بين 4.2%، و4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوقفت رؤوس الأموال عن التدفق إلى روسيا، وقررت الموجودة الخروج قبل تفاقم الأزمة، ومن ثم عجزت البنوك والمؤسسات الأخرى عن تمويل ديونها أو تمويل القروض.


    والأمر الذي شكل إيلامًا لهذه المؤسسات بشكل أكبر، هو محدودية الفرص المتاحة أمامها للحصول على رؤوس أموال من جهات أخرى بعيدًا عن الغرب، فهناك قيود تقليدية خاصة بالأسواق الآسيوية، فكان التعاون معها في الماضي في نطاق ضيق للغاية، ولها طبيعة تحكمية بشكل أكبر من المؤسسات الغربية، كما أن نطاقها يظل ضيقًا مقارنة بالغرب، والشيء المؤثر بشكل أكبر هو أن هذه الأسواق تراعي هي الأخرى العقوبات الغربية، فعولمة التدفقات المالية تفرض هذه المراعاة. نتيجة ذلك كانت انخفاض مستوى إعادة تمويل الديون، فاضطرت جميع القطاعات إلى بيع الأصول الأجنبية للحصول على الأموال اللازمة لسداد ديونها، فعلى سبيل المثال في الربع الثالث من عام 2014 باع القطاع المصرفي أصولًا أجنبية بحوالي 30 مليار دولار، ولوحظ الأمر نفسه في القطاعات الأخرى.



    لم تترك الحكومة الروسية مؤسساتها للانهيار رويدًا، فقدم البنك المركزي ووزارة المالية خطة أساسها مساعدة هذه المؤسسات على حساب الموازنة العامة، ومن ثم بدأ نزيف جديد للاحتياطات الأجنبية للدولة الروسية، فوصلت المساعدات من الدولة للقطاع المصرفي وحده بين نهاية عام 2014 وشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فظهر العجز في الموازنة، وأدى هذا الأمر إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، إذ انخفض في عام 2015 بنسبة 3.7% مرة واحدة. فبدأت بوادر ركود الاقتصاد الروسي بالكامل، مع عجز السوق المحلي على جذب رؤوس أموال أجنبية من الخارج.



    وتمثلت الإشكالية في الدعم الحكومي أن الإيرادات العامة انخفضت هي الأخرى بسبب انخفاض أسعار النفط، ومع وصول سعر برميل النفط لـ30 دولارا فقط في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي 2016، تفاقم عجز الموازنة العامة الروسية، واضطرها للجوء بشكل أكبر للاحتياطات الدولية.



    "مثلت العقوبات ضربة قوية لدور روسيا العالمي، دور يعد دعامة أساسية من دعائم النظام الروسي داخليًا، فاقدًا للكثير من التأثير والنفوذ. ومن ثم كان للقيصر الروسي فلاديمير بوتين الذي لا يحسن إدارة الأمور الاقتصادية كما يصفه البعض أن يبحث عن مخرج."

    أما نزيف كعب أخيل على مستوى قطاع الطاقة الروسي المشمول بالعقوبات الدولية الضخمة، أثر سلبًا على حالة ميزانيتها، ومن ثم فرصها في تنفيذ مشاريع بنية تحتية متعلقة بالطاقة، وأول من رضخ للأمر الواقع هي مجموعة روسنفت، عملاق الطاقة الروسي الذي أعلن عن حاجته لتعديل ميزانيته الاستثمارية، وعدلها بالفعل في يوليو (تموز) 2014. وفي مارس (آذار) 2015 أعلن عن انخفاض نفقاته الاستثمارية بنسبة تصل إلى 30%، من 14 مليار دولار عام 2014 إلى 9.8 مليار دولار عام 2015.



    أما نوفاتيك عملاق الغاز الروسي أعلن هو الآخر أن خططه الاستثمارية ستُعدّل في مارس (آذار) عام 2015، وخفّضت ميزانيتها لعام 2015 بنسبة 21%، وزادت التخفيض في عام 2016. ما يُظهر عنف الأزمة التي مرت بها المؤسسات والشركات الروسية جراء العقوبات الغربية مع انخفاض أسعار النفط، على سبيل المثال طلبت روسنفت من الحكومة الروسية تقديمَ دعم مالي بقيمة 1.5 تريليون روبل من صندوق الضمان الاجتماعي الوطني أي ما يعادل 45 مليار دولار في أغسطس (آب) 2014، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2014 ارتفع المبلغ ليصل إلى 2 تريليون روبل أو 60 مليار دولار، وكان هذا المبلغ يمثل أكثر من نصف أموال الصندوق. وفي مايو (آيار) 2015 أعلنت الشركة أنها تخطط لأخذ قرض مقداره 10 تريليون روبل من البنوك الروسية أي حوالي 300 مليار دولار.



    لا يفاقم تأخير الوصول لرؤوس الأموال بشكل مباشر من أوضاع المؤسسات السيئة فحسب، وإنما يؤخر أيضًا تنفيذ مشاريع البنية التحتية الروسية الكبرى، التي كان من المتوقع أن تبدأ في جلب الإيرادات، وخاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال الذي تعتمد عليه روسيا كثيرًا في إيراداتها العامة، مثل حقل الغاز يامال الا ان جي، المشروع الروسي الواعد في مجال الغاز المسال ذو القدرة الإنتاجية المقدرة بـ23 مليار متر مكعب من الغاز، فجرى إيقافه لعدم قدرة الأطراف المشاركة فيه على توقيع اتفاقيات قروض بسبب العقوبات الغربية على شركات الطاقة والبنوك التي كان من المفترض أن تساهم في تمويل المشروع. ومن الممكن أن تؤدي العقوبات إلى انسحاب الشركات الروسية من مشروعات بنية تحتية أيضًا مثل خطط بناء مصانع تسييل غاز وبتروكيماويات، ما دفع وزير الاقتصاد الروسي إلى التصريح بشكل واضح في مارس (آذار) 2015 أن مشروع بناء مصنع بيتروكيماويات لشركة روسنفت لن يكون له أولوية في منح الدعم من قبل صندوق الضمان الاجتماعي الوطني.



    جعلت الردود الروسية على العقوبات الغربية (من حظر لواردات اللحوم والجبن والأسماك والخضروات والفاكهة ومنتجات الألبان من الدول المشاركة) الوضعَ أسوأ بكثير في روسيا، فلم تضر سوى المواطنين الروس أنفسهم، وأدت إلى تدهور خطير في الاستهلاك وارتفاع في معدلات التضخم، فكانت التدابير الروسية بمثابة عقوبات ضد السكان.



    في عام 2015 بلغت ارتفاعات الأسعار للحوم ووالخضروات والفاكهة من 15 إلى 25%، ما أضر بالطبقات المتوسطة في روسيا حيث يصعب الحصول على منتجات بديلة محلية للمواد الغذائية المستوردة بأسعار مناسبة وبالجودة نفسها. على الناحية الأخرى لم يتأثر الاتحاد الأوروبي كثيرًا بالإجراءات الروسية، بل على العكس، ففي عام 2015 نمت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول أخرى بمعدل 4.8%، وولد الضغط الاقتصادي حالة خانقة للاقتصاد والاستهلاك في روسيا شيئًا فشيئًا. صندوق النقد الدولي في 2015 قال إن العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي قد أدت إلى انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 1.5% ولكن إذا استمرت العقوبات لسنوات فسيرتفع الانخفاض ليصل إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي. وخلصت دراسة حديثة جرت من خلال فريق الخبراء الاقتصادي المكون من يافسي جارفيتش وإليا بريلابسكي، إلى أن روسيا سوف تخسر بين عامي 2014 و2017 بسبب العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط، حوالي 600 مليار دولار. وسيصل هروب رؤوس الأموال خلال الفترة نفسها إلى 280 مليار دولار ثلاثة أرباعها بسبب العقوبات الغربية وحدها.



    مثلت العقوبات ضربة قوية لدور روسيا العالمي، دور يعد دعامة أساسية من دعائم النظام الروسي داخليًا، فاقدًا للكثير من التأثير والنفوذ، ومن ثم كان للقيصر الروسي فلاديمير بوتين أن يبحث عن مخرج. بوتين الذي لا يحسن إدارة الأمور الاقتصادية كما يصفه البعض. في الأمور السياسية والعسكرية يبقى بوتين القوي، وإذا ما حلت الأمور الاقتصادية فالضعف هو سيد الموقف. التدهور الاقتصادي يحرج بوتين بشدة أمام شعبه، والأكثر من ذلك هو استمراره. نجح بوتين في بداية فرض العقوبات في تعبئة الرأي العام حول معاداة الغرب، ولكن الضغوط الاقتصادية تبدل وتحول المواقف.



    في استطلاع للرأي تم في ديسمبر (كانون الأول) 2014 كان يعتقد 72% من الروس أن هدف العقوبات هو "إضعاف وإهانة روسيا"، ومن ثم كان الموقف العام هو الوقوف بجوار القيادة لمساندة العدوان الخارجي. وفي استطلاع آخر للرأي تم في أواخر 2015، تبين أن 74% لديهم مشكلات حقيقية بسبب العقوبات، و58% قلقون حول عزل روسيا دوليًا، ورأى 75% أن روسيا ينبغي عليها تطبيع العلاقات من جديد مع الغرب، وقال 62% إنهم لم يكونوا مستعدين لحدوث "تدهور كبير في نمط حياتهم" عجلته العقوبات المتبادلة بين روسيا والغرب. وتعني هذه الأرقام أن الروس لم يعودوا يتحملون فاتورة معاداة الغرب، وتثبت أن استعداد الروس لتقديم التضحيات قد لا يستمر لأجل غير مسمى، فرهان الكرملين على استمرار تقديم هذه التضحيات أصبح على المحك، واحتمالية تحوله قريبًا إلى غضب تجاه السلطات التي تسببت بأفعالها في الصعوبات الاقتصادية المستمرة يبدو مسألة وقت فقط.



    هناك بعض الدول الأوروبية التي تضغط لرفع العقوبات عن روسيا مثل إيطاليا والمجر واليونان وسلوفاكيا، ولكن دون جدوى. وفي تجديد العقوبات الأخير الذي جرى في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2016، طلبت إيطاليا وسلوفاكيا تخفيف العقوبات؛ لأنها تسببت في أضرار بمليارات اليوروات للمصدرين في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الطلب لم يلق آذانًا أوروبية صاغية. بعد كل ذلك، كان على الرئيس الروسي أن يجد مخرجًا من الكماشة التي وضعها الغرب عليه.



    بوتين "لقد وجدتها"



    في خضم ثورات الربيع العربي في عام 2011؛ تندلع ثورة في سوريا على حكم الرئيس السوري بشار الأسد، وتتحول الاحتجاجات إلى حرب أهلية شاملة، ثم في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2015 يطلب الرئيس السوري من نظيره الروسي المساعدة العسكرية لقمع المعارضة المسلحة، من ثم يمنح مجلس الشيوخ الروسي الإذن بتوجية ضربات جوية في سوريا، فتبدأ وزارة الدفاع في توجيه تلك الضربات، دون ذكر استراتيجية واضحة لعملياتها. فقط قالت موسكو إن الهجمات لضرب أهداف تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش".


    هذه هي المرة الأولى التي تشن فيها روسيا عملًا عسكريًا كبيرًا خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق منذ نهاية الحرب الباردة. دمرت وحرقت القوات الروسية كل شيء خارج حدود سيطرة قوات النظام السوري. قتل للمدنيين وهدم للمباني والقرى وحرق للزروع والماشية. ما ولّد بغضًا كبيرًا لدى الشعب السوري المناهض للنظام تجاه القوات الروسية.



    أراد بوتين أن يعيد روسيا من جديد كقوة عظمى على الساحة العالمية، وأراد استعادة النفوذ والتأثير الذي فقده بسبب العقوبات الغربية، إضافة إلى استعراض القوة والإمكانات الكبيرة التي وصلت إليها روسيا على صعيد التسليح، من خلال استخدام أنواع جديدة من الأسلحة الحديثة، وأراد كسر العزلة الدولية التي فرضها عليه الغرب، والأهم أنه امتلك ورقة رابحة في مواجهة الغرب، فالتدخل الروسي في سوريا أدى لتهجير الملايين إلى الدول المجاورة وعلى رأسها تركيا، ومن ثم ولّد ضغطًا غير مسبوق على الأوروبيين بسبب تدفق اللاجئين والمهاجرين رسميًا وبطريقة غير شرعية. فيضان بشري أوله سوريا ووسطه تركيا وآخره دول الاتحاد الأوروبي. وبالفعل خلقت روسيا لأوروبا أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.




    "بالطبع تطلبت العملية العسكرية في سوريا تكاليف معينة، ولكن معظمها جرى توفيره من قبل وزارة الدفاع، من أموال وزارة الدفاع المدرجة في ميزانيتها لعام 2015 المخصصة لإجراء مناورات وتدريبات قتالية والبالغة حوالي 33 مليار روبل (حوالي 478 مليون دولار). لقد أعدنا توجيه هذه الموارد المالية لتمويل الوحدات (الروسية) في سوريا.. بعد العملية في سوريا هناك حاجة لمصاريف إضافية لسد النقص في الذخيرة وإصلاح المعدات.. هذه التكاليف مبررة وضرورية" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متحدثًا حول التكاليف الاقتصادية للعمليات الروسية في سوريا، في 17 مارس (آذار) 2016.


    هكذا إذن هي تكاليف العمليات كما حددها الرئيس الروسي، 478 مليون دولار فقط. ولكن العديد من الجهات المتخصصة في الشؤون العسكرية قالت إن العمليات تكلفت أكثر من ذلك بكثير. فصحيفة آر بي كى ديلي الروسية قالت إن العمليات الروسية في سوريا منذ بدايتها وحتى تاريخ 16 مارس (آذار) 2016 تكلفت 38 مليار روبل أي 550 مليون دولار. وإذا كانت العمليات العسكرية تكلف أربعة ملايين دولار يوميًا وفقًا لشركة جينز أي إتش إس، فإن تكلفة العمليات العسكرية من 30 سبتمبر (أيلول) 2015 بداية العمليات إلى 17 مارس (آذار) وهو تاريخ إعلان الرئيس الروسي سحب بعض القوات الروسية من سوريا، هي حوالي 660 مليون دولار حتى الآن.

  6. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  7. #4
    متداول محترف الصورة الرمزية متواصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    66,522
    Thanks
    54,729
    Thanked 43,295 Times in 23,929 Posts

    افتراضي رد: "التسلل البطيء".. كيف يغزو الروس شمال أفريقيا اقتصاديا وعسكريا؟

    لماذا لم ينهار الاقتصاد الروسي حتى الآن؟


    يوضح سيرجي اليكساشنكو، النائب الأول السابق لمحافظ البنك المركزي الروسي والنائب السابق لوزير المالية الروسي، في مجلة ذا إنترناشيونال إنترست الأمريكية في الأول من يوليو (تموز) من عامنا الحالي 2016، سِرَّ صمود الاقتصاد الروسي وعدم انهياره رغم الصعوبات الكبيرة التي يواجهها. فيقول إن الخبراء كانوا يتوقعون في أوائل عام 2015 تراجعا في الاقتصاد الروسي بمعدل من 8 إلى 10%، بسبب انهيار الروبل، وانخفاض الإيرادات العامة للدولة بسبب انخفاض أسعار النفط، وهروب رؤوس الأموال بسبب العقوبات الغربية، ومع ذلك لم يحدث أي شيء من هذا القبيل.


    ويرجع ذلك لثلاثة أسباب رئيسة هي: الأول، أن القاعدة في الاقتصاد الروسي هي إنتاج وتصدير المواد الخام والسلع. فعلى عكس الأزمة المالية العالمية في 2008، 2009، فإنه ليس هناك أزمة في الاقتصاد العالمي، والمستهلك الرئيس للمواد الخام الروسية (أوروبا والصين والشرق الأوسط) مستمرون في النمو الاقتصادي، وإن كان ذلك بشكل غير متساو. فلم يكن هناك أي انخفاض في الطلب على المواد الخام الروسية هذه المرة، على عكس ما حدث قبل ست سنوات. وعلاوة على ذلك، فالمنتج الرئيس للصادرات الروسية، وهي المنتجات النفطية والمكررة، قد سجلت زيادة طفيفة في الإنتاج والتصدير كذلك. الزيادة في أسعار النفط الذي يستفيد منه قطاع الطاقة في روسيا، يعود بالفائدة على الموازنة الروسية أيضًا من خلال زيادة حصيلة الضرائب، والعكس بالعكس. علاوة على ذلك، فقد استفادت جميع الصناعات الموجهة للتصدير من انخفاض قيمة الروبل، ومن سياسة الحكومة تجميد الأجور في القطاع العام، فانخفض ضغط العمال من أجل رفع الأجور. وقد سمح كل ذلك لقطاع المواد الخام من الحفاظ على الإنتاج والحفاظ على الاستثمارات اللازمة.



    ثانيًا، بحلول عام 2015، أطلقت الحكومة الروسية برنامجا مكثفا لتمويل المشتريات العسكرية المتقدمة وإعادة الاستثمار في الصناعات الدفاعية، والتي هي أساسا مملوكة للدولة. وبناء على ذلك، فقد نما إنتاج الصناعات العسكرية بنسبة من 15 إلى 20% سنويًا، والنمو نفسه استمر في 2016. هذا النمو السريع في الصناعة العسكرية من الواضح أنه أفاد العديد من القطاعات الصناعية الأخرى، ومنع التدهور في الصناعة ككل.



    ثالثًا، بفضل الإصلاحات في التسعينيات، أصبح الاقتصاد الروسي سوقًا واحدة، بمعنى أنه يميل للتوازن بفعل معدل صرف الروبل المعوم تعويمًا حرًا. فعلينا الاعتراف أن السلطات الروسية لم تلجأ فقط لتثبيت أسعار الصرف بسبب انهيار الروبل، وإنما الفكرة لم تكن مطروحة من الأساس. ونتيجة لذلك، كان الاقتصاد قادرًا على التكيف بسرعة مع الصدمات سواء الخارجية مثل تراجع أسعار النفط وانخفاض قيمة الروبل بمقدار 50%، أو الداخلية كفرض حظر على واردات الغذاء من الدول الغربية. على الرغم من التأثيرات الكبيرة لهذا الحظر، مثل ارتفاع معدل التضخم إلى 17% في ربيع عام 2015، وانخفاض مستوى الاستهلاك الخاص بمعدل 10%، وانخفاض الواردات بنسبة 40%.



    في العام 2010 كانت سوريا تنتج 385 ألف برميل من النفط يوميًا، وبدأ الإنتاج يقل رويدًا رويدًا مع احتدام الحرب الأهلية. تمتلك سوريا العديد من حقول النفط، أبرزها يوجد في مناطق دير الزور، والحسكة، والرقة، وتدمر، وبانياس. كانت معظمها يقع في قبضة تنظيم الدولة، والبعض الآخر تحت سيطرة القوات الموالية للنظام السوري، وعدد منها في قبضة المعارضة. ولكن منذ بدأت روسيا عملياتها العسكرية في سوريا لمساندة القوات النظامية، بدأت تسيطر الأخيرة على مناطق تابعة لتنظيم الدولة والمعارضة، ويومًا بعد يوم تستعيد السيطرة على باقي المناطق التي تحتوي على آبار النفط.

    في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) من عامنا الحالي 2016، ذكرت وكالة الأنباء الإيطالية آكي، نقلًا عن مصادر في مدينة اللاذقية بسوريا أن "القوات الروسية استولت تقريبًا على مصفاة بانياس"، وأن نظام الأسد "أخلى بناءً إداريًا من جميع موظفيه وموجوداته، وسلمه للروس، حيث يقيم به الآن ضباط وتقنيون روس، يشرفون بالإضافة إلى مهامهم العسكرية على كل ما يتعلق بالمصفاة وتشغيلها وإيراداتها وخطط عملها، وحتى القرارات الإدارية فيها دون أن يحتكوا بالعمال والموظفين"، وأكدت الوكالة أن الشركة السورية لنقل النفط التي تتخذ من المصفاة مقرًا لها: "باتت مربوطة بالقرار الروسي أيضًا، ولا يحق للإدارة التصرف دون إذن خطي مُسبق من الخبراء الروس".

    مصفاة بانياس هي من أكبر المصافي في سوريا إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، ويوجد بالمدينة الساحلية بانياس الميناء النفطي الوحيد في سوريا، ولن تكون مصفاة بانياس الأولى ولا الأخيرة. ومن ثم فيبدو أن القيصر الروسي يتطلع إلى تمويل جزء من عملياته العسكرية في سوريا وتقليل خسائره الاقتصادية من خلال النفط السوري، ولن يمانع النظام السوري في مهادنة الحليف الرئيس الذي يشكل الضمانة الأساسية لبقائه ووجوده. ولكن هل يدعه تنظيم الدولة الإسلامية، والمعارضة السورية ينتفع بالهدية؟



    جوربتشوف وبوتين.. ذرية بعضها من بعض

    مر أكثر من عام على التدخل الروسي في سوريا، ومع ذلك لم يبد الاتحاد الأوروبي والغرب أي بوادر للتراجع عن العقوبات التي فرضتها على روسيا، حتى في الوقت القريب. الاقتصاد الروسي دخل في شرك الركود العميق.



    في ظل استمرار الظروف السابقة لوقت أطول، فلن يصمد كعب أخيل طويلًا، ومن غير المستبعد أن نستيقظ في يوم من الأيام لنجده مقتولًا على قارعة الطريق، أو منهارًا بشكل يضاهي الانهيار الذي حدث عام 1991.

  8. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. نسخة خفيفة من فيسبوك للإنترنت "البطيء"
    بواسطة متواصل في المنتدى عالم التكنولوجيا
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-07-2015, 09:21 AM
  2. فيفا يدرس تعديل قاعدة "التسلل"وإلغاء البطاقات الحمراء
    بواسطة سعد 300 في المنتدى الصالـــة الرياضيـــــة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-26-2011, 12:00 AM
  3. شمام يسبب التسمم ببكتيريا "الليستيريا" بأمريكا
    بواسطة أبو حلا في المنتدى الصـحــــة والـغـــــذاء
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-11-2011, 12:18 PM
  4. مشروب "بلو" الاسرائيلي يغزو الأسواق الأردنية
    بواسطة اللورد في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-06-2010, 05:09 PM
  5. أوروبا تستورد "الشمس" من شمال أفريقيا
    بواسطة mahmoud_asad في المنتدى الإقتصاد العالمي World Economy
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-23-2010, 04:45 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

BACK TO TOP