التعايش مع السرطان .. العودة إلى العمل تزيد فرص النجاة


أليشا كليج من لندن - Financial Times


عندما علم جيميل بات أنه مصاب بسرطان الغدد الليمفاوية، ركز على علاجه ولم يشغل باله بالعمل. لكنه وجد أن العزلة غير مناسبة له. فقد غاب عن المكتب الذي عمل فيه مدير مشاريع - وعدم اضطلاعه بمهام تصرفه عن التفكير في المرض جعلت وضعه أسوأ.
يقول "لقد اتخذت قرارا مبكرا في الأمر. بالنسبة لي مقياس العودة إلى الحالة الطبيعية مرة أخرى هو قدرتي على العمل".
تم تشخيص حالة بات وتبين أنه مصاب بالسرطان في عام 2015. وعلى الرغم من انتكاس حالته في عام 2016 وخضوعه لعملية زرع خلايا جذعية في العام الماضي، إلا أن الشاب البالغ من العمر 36 عامًا، والذي يعمل في شركة إكسا AXA للتأمين في المملكة المتحدة، يقول إن وجود أشياء أخرى في جدول أعماله اليومي بخلاف مواعيد المستشفى يعد جزءا من عملية العلاج والتعافي.
فهو يشعر بالمتعة في الوقت الذي يقضيه في مكتبه، لكنه اضطر إلى إجراء تعديلات بسبب ضعف جهاز المناعة لديه. قبل مرضه لم يكن شديد الحرص على تجنب الجراثيم. أما الآن فهو يتجنب المصافحة والتشارك في المكاتب، ويحمل مناديل مطهرة لتنظيف مقابض الأبواب قبل الإمساك بها.
يقول "يبدو الأمر نوعا ما الوسواس القهري، وربما يكون كذلك، لكن من الناحية النفسية، إنه انتصار. ولأكون صريحًا، فأنا لا أمرض بين فترات العلاج في غالب الأمر".
تشير تقديرات مركز ماكميلان لدعم مرضى السرطان في المملكة المتحدة إلى وجود 890 ألف شخص في سن العمل يتعايشون مع مرض السرطان. وأن 85 في المائة من العاملين الذين تم تشخيص إصابتهم بالمرض يقولون إن الاستمرار في العمل أمر مهم بالنسبة لهم، لكن الإحصاءات العالمية غير مشجعة.
وفقاً لتحليل مكثف أجري عام 2009 لعدد من البحوث الدولية، الناجون من السرطان عرضة لعدم الحصول على وظائف بمعدل يزيد 1.4 مرة عن الأشخاص الأصحاء. وذلك يضيف إلى كثير من الخبرات الضائعة. وكما يلاحظ ديفيد شاتس، مؤسس "أستريد" Astriid، وهي منصة لمواءمة مهارات الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ومساعدتهم على مواصلة العمل: "المهندس الماهر المصاب بالسرطان يبقى مهندسا ماهرا".
وسواء بسبب الرغبة في الحفاظ على الخصوصية أو الخوف من الفصل، يفضل بعض الناس عدم إخبار صاحب العمل بأنهم مصابون بالسرطان. بدلاً من ذلك يحاولون تدبر أمرهم واستغلال أوقات العطلات لتلقي العلاج. ويمكن فهم ردود الفعل التي من هذا القبيل. فبحسب مركز ماكميلان، نحو خُمْس العاملين المصابين بالسرطان يقولون إنهم يعانون نوعا من التمييز. لكن باربارا ويلسون، مؤسِّسة "العمل مع السرطان"، وهي مؤسسة اجتماعية، تحذر من أن الموظفين الذين يخفون مرضهم يُضعِفون حقوقهم.
بموجب قانون المساواة في المملكة المتحدة، وفي كثير من الحالات في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى، يصنف السرطان باعتباره إعاقة. وهذا يؤهل الناس للحصول على تعديلات معقولة، مثل إجراء تعديلات على المهام المناطة بهم وتقديم فترات استراحة إضافية، ويحمي من المعاملة غير العادلة - لكن فقط في حال كان رب العمل على علم بإصابتهم بهذا المرض.
إذا قرر المريض عدم إخبار زملائه، فإن ويلسون تنصحه بأن يخبر "على الأقل مدير الموارد البشرية والمدير المباشر". في هذه الحالة حتى لو توترت العلاقة، فإن موقفك من الناحية القانونية هو الأقوى.
وعندما يتعلق الأمر بالموافقة على ترتيبات العودة إلى العمل، فإن شاتس الذي تم تشخيص حالته بسرطان كلى متقدم في عام 2015، ينصح الموظفين بأخذ زمام المبادرة حيثما أمكن.
يقول شاتس، القائد السابق في البحرية الملكية "كانت هناك مرحلة في علاجي عندما قلت لنفسي: إذن، هذا كل شيء. حياتي المهنية انتهت". كان شاتس قد بلغ للتو 50 عاما من العمر عندما علم أن آلام الظهر الغامضة التي كان يعانيها هي أحد أعراض سرطان الكلى المتقدم، الذي انتشر في جسمه. فبعد المسؤوليات والمهام الكثيرة" فجأة، لم يعد لدي شيء أفعله. هذا يجعلك تتشكك في قدراتك، وفي جدواك. وتتساءل: ما الهدف من وجودي هنا؟".
في مواجهة احتمال الدخول في مرحلة تقاعد تهيمن عليها فحوص طبية، تفاوض شاتس مع صاحب العمل، "اتحاد الصناعة البريطانية"، للعمل يومًا واحدًا في الأسبوع. وبدأ إنشاء "أستريد" منظمة خيرية عبر الإنترنت، لمساعدة الآخرين ممن هم مثل حالته "يريدون أن يكونوا معروفين بالأمور التي يمكنهم فعلها، وليس من خلال وصفهم بحالتهم الطبية".
المنصة التي تم إنشاؤها من قبل متطوعين من شركة البرمجيات السحابية "سيلزفورس" في إطر مبادرة خيرية، بحيث تجمع بين العاملين الذين تحول ظروفهم دون الالتزام بساعات العمل العادية مع الشركات التي تحتاج إلى عمال لمشاريع ومهام غير عاجلة. مثلا، قد تدفع شركة صغيرة لمحاسب لقضاء بضعة أيام في الشهر يتولى خلالها لمراجعة حساباتها، أو أحد المختصين في تكنولوجيا المعلومات لإنشاء موقع لها على الإنترنت. يقول شاتس "إذا كنت على استعداد للتحلي بالمرونة، ستفسح المجال لمخزون المواهب بداخلك".
ويلاحظ أن التركيز الإيجابي حسّن من نوعية حياتي، "فعندما أفكر في يومي، لا أفكر في السرطان على الإطلاق، لأن الشيء الذي يشغل ذهني هو أستريد. فهي بمنزلة المحفز لي والدافع لموهبتي. وهذا ما أريده للأشخاص الآخرين".
يقول "إذا أعطيت رئيسك في العمل حلا، فإنك تسهل الحياة على نفسك". بالنسبة له يعني ذلك أن يكون مسؤولا أمام شخص كان في السابق من مرؤوسيه والتخلي عن المسؤوليات لتجنب السفر.
لكن ماذا لو شعرت بأنك غير قادر على تحمل هذا الوضع؟ هذا مجال يمكن أن تفيد فيه جمعيات الناشطين، بحسب ما تقول إليزابيث هيرون، وهي طبيبة عامة عادت للعمل في كانون الثاني (يناير) بعد تلقي علاج لسرطان الثدي. رغم خلفيتها الطبية، تقول هيرون مع اقتراب فترة علاجها من الانتهاء، ازدادت مخاوفها. فبعد غياب لمدة عام واحد "حتى الأمور العملية البسيطة مثل تذكر كيفية تشغيل أجهزة الإنذار" كانت تبدو مرهقة تماما.
وإدراكاً منها للضغوط على زملائها خططت للعودة الفورية، لكن تم إقناعها من قبل اختصاصي إعادة التأهيل جمعية مرضي السرطان الخيرية "ماجيز" بأن تأخذ الوقت الكافي للتغلب على الآثار الجانبية وتحسين القدرة على التحمل من خلال ممارسة الرياضة.
وتحدث الاختصاصي إلى مديرها وساعد على إعداد خطة لبناء مهام عمل لكامل اليوم على مدى ثلاثة أشهر، بدلاً من غمر نفسها بالأعمال في يوم واحد. القواعد الخاصة بعلاج الحالات المرضية، التي تعمل بها الشركات، يمكن أن تؤثر على كيفية تعامل الأشخاص مع السرطان. بالنسبة لبات، الاستحقاقات المدفوعة للأمراض الحرجة خففت من القلق بشأن كيفية دفع تكاليف العلاج. لكنه يقول بالنسبة لكثير من الناس "الكفاح من أجل الحصول على المال هو جزء مهم من المحنة".
ليندا أيلو، التي ترأس الموارد البشرية الدولية في شركة البرمجيات السحابية "سيلزسفورس"، تقول من الجيد الحصول على بعض الإرشادات التي يجب أن يتبعها المديرون، لكن الأهم هو معاملة الموظفين بشكل فردي، مشيرة إلى أن هناك نحو 200 نوع من السرطان، يؤثر كل منها على الناس بشكل مختلف.
تقول "ليس هناك كتاب خدع ينفع في كل موقف". وتعد تدريب المديرين على دعم أعضاء الفريق المصابين بالسرطان أمراً في غاية الأهمية، بالرغم من أن القليل من الشركات تفعل ذلك، كما تظهر البحوث.
وتلاحظ إيما هولدن، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة سكرودرز، أن "السرطان شيء مخيف"، وقد يتطرق الرؤساء إلى هذا الموضوع بشكل خفي، أو قد لا يتداولونه على الإطلاق. وربما لا تكون لديهم أي فكرة عن التعب الذي يعانيه كثير من الناجين من السرطان بعد أشهر من انتهاء العلاج.
تقول "غالباً ما يفترض الناس أن التعافي سيكون خطيا، ولكنه ليس كذلك. فقد تأتي فترات تشعر فيها بأنك في أحسن حال، ومن ثم تأتي فترات تكون فيها متعبًا حقًا وتحتاج فقط إلى الابتعاد عن المكتب".
بدأ بوت، بدعم من رئيسه، العمل من المنزل لبضع ساعات، بينما كان يستعيد نظامه المناعي. بعد ذلك كان يأتي في ساعات الصباح إلى المكتب واستمر ذلك لأيام.
يقول "ما زلت على طريق التعافي، وسيكون هناك عديد من التقلبات. لكن منذ بداية العام الجديد حاولت أن أكون في المكتب يوميا والأمر ناجح إلى حد كبير". ولا تزال لديه عقبات للتخلص منها، لكن العودة إلى الوضع على مرمى البصر.