صلاح .. نجم يسطع أبعد كثيرا من ملاعب الكرة








رولا خلف من لندن - Financial Times


نشأت في عائلة مفتونة بليفربول منذ فترة طويلة قبل أن يضع أي منا قدمه في بريطانيا، ناهيك عن زيارة المدينة. مثل كثير من الأطفال في العالم النامي، كان أشقائي مهتمين للغاية بكرة القدم الإنجليزية، ولم يكن هناك فريق يثير إعجابهم مثل ليفربول.
كانت مغامرتي الصغيرة مع الفريق محصورة في وقت محدد ولاعب واحد: كيني دالجليش، نجم ليفربول في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، الذي تخيّلت اسمه على أنه رومانسي. سرعان ما تلاشى افتتاني المراهق بدالجليش، لكن اهتمامي بليفربول (أولادي، الذين نشأوا في لندن يشجعون تشيلسي) تجدد في الآونة الأخيرة بسبب العلاقة بين كرة القدم والاندماج الاجتماعي.
يتجسد هذا التقارب في محمد صلاح (25 عاما)، المولود في مصر، والمهاجم المثير في ليفربول وأفضل لاعب في كرة القدم الإنجليزية اليوم (فاز بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، وتوِّج أفضل لاعب بحسب تصويت زملائه المحترفين، وكذلك بحسب رابطة كتاب كرة القدم). ومنذ التوقيع مع ليفربول العام الماضي أصبح محمد رمزا للمسلمين الشباب في بريطانيا.
في أجزاء من أوروبا حيث تنشط الشعوبية وكراهية الأجانب، يمكن للحية، أو المسجد، أو حتى الاسم أن يجعل الرجل المسلم الشاب يشعر بعدم الارتياح. "الملك المصري"، كما يناديه المشجعون، يطلق لحيته بفخر، ويصلي قبل المباريات، ويهوي إلى الأرض سجودا لله عندما يسجل الأهداف. سمّى ابنته مكة، باسم أقدس بقعة لدى المسلمين.
إسلام صلاح لا يختلف عن إسلام أي شخص آخر. لكن معجبيه يحبونه. فجأة أصبح ذلك يبدو أمرا رائعا. من المثير للدهشة أن مشجعي ليفربول اقتبسوا أغنية دوجي الرائجة في عام 1996 "جيد بما يكفي" Good Enough للهتاف لصلاح، وانتشرت بسرعة عبر الإنترنت وتقول كلماتها: "إذا كان يعتبر جيدا بما يكفي بالنسبة لك، فهو جيد بما فيه الكفاية بالنسبة لي. إذا سجل عددا قليلا آخر من الأهداف، فسأكون مسلما أيضا (...) إذا كان جيدا بما يكفي بالنسبة لك، فهو جيد بما فيه الكفاية بالنسبة لي. يجلس في المسجد، هذا هو المكان الذي أريد أن أكون فيه".
في مسقط رأسه مصر، نجومية صلاح العالمية هي مصدر فخر وقضية نادرة للوحدة الوطنية. يحظى بشعبية كبيرة لدرجة أن بعض الناخبين كتبوا اسمه على أكثر من مليون ورقة اقتراع متلفة في انتخابات آذار (مارس) الرئاسية.
ولأنه نشأ في قرية فقيرة في دلتا النيل، وتذكر كيف كان عليه أن يسافر لأكثر من أربع ساعات للتدريب لمدة خمسة أيام في الأسبوع، فهو مصدر إلهام للملايين من الشباب المصريين الذين لديهم أحلام كبيرة.
من مصر، انتقل صلاح إلى نادي إف سي بازل السويسري، ثم إلى تشيلسي الذي فشل في تقدير موهبته وأعاره إلى فريقين إيطاليين. وبتوقيع ليفربول عقدا معه في العام الماضي، أصبح ثاني أفضل هداف للنادي خلال موسم واحد.
صلاح بالطبع ليس أول لاعب ولا آخر لاعب مسلم في العالم الغربي. كرة القدم الإنجليزية تضم عشرات من الرياضيين المسلمين، بمن فيهم ساديو مانيه وإيمري كان، زميلا صلاح في ليفربول. قبل صلاح ابتهج العالم العربي بزين الدين زيدان، اللاعب الفرنسي من أصل جزائري الذي أصبح الآن مديرا لريال مدريد (واحد من الرياضيين الذين يعتبرهم صلاح مثلا أعلى). أبعد من كرة القدم يوجد مشاهير مسلمون في كل مجال، من الطب إلى الموضة والهندسة المعمارية.
صلاح يختلف لأن له أهمية خاصة بالنسبة للشبان المسلمين، لا سيما في الغرب - حيث هم هدف للشك والريبة في البلدان ذات السياسات الشعبوية الفطرية التي تشهد طفرة جديدة. شهرته ونجاحه يقدمان صورة مختلفة عن الشباب المسلم في وقت كان فيه صعود "داعش"، واستهداف الجماعة للشبان المسلمين الغربيين بنسخة ملتوية من الإسلام، والهجمات الإرهابية في المدن الأوروبية أمورا جعلت من الإسلام قضية استقطبت الرأي الغربي.
في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء، تصاعدت المواقف ضد المسلمين في السنوات الأخيرة. هناك أماكن في أوروبا حيث يعتقد الناس أن الإسلام لا ينتمي إلى بلدهم ويرون الدين الإسلامي تهديدا للحضارة الغربية.
لا يحب صلاح الحديث عن دينه. في المقابلات، يبدو معتدلا ومتواضعا، وضحكته العصبية تشي بحيرته الطفيفة بشأن وضع نجوميته. يفضل أن يسلط الضوء على هويته لاعب كرة قدم ويبقي انتباهه مركّزا على استعادة أيام مجد ليفربول الذي كان عليه في شبابي. لكن منذ تلك الأيام أصبحت كرة القدم الإنجليزية أكثر عالمية. على الرغم من أن صلاح قد لا يدرك ذلك، إلا أن موهبته لها صدى أبعد كثيرا من اللعبة، وكذلك أبعد كثيرا من ليفربول.