الأسواق ليست مستعدة لـ 4 زيادات في أسعار الفائدة

Financial Times







جون أوثرز من لندن


ما الحكاية؟ أرقام البطالة الأمريكية صدرت، وعدد الوظائف في ارتفاع، والأجور لا تنمو بالسرعة التي كانت عليها من قبل. هل هذا يعني أننا عدنا إلى "الوضع المضبوط كما يجب"، أم ينبغي أن تكون الحكاية "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"؟
بالنسبة إلى الأسواق العالمية، هل تمكننا العودة مرة أخرى إلى القصة التي كانت تبدو جيدة جدا إلى أن توقفت بسبب نمو الأجور القوي بشكل مستغرب؟ تلك القصة كانت قصة "انهيار"، بعد اندفاع غير عادي في أسواق الأسهم.
بدلا من إجراء عدد لا يحصى من الحسابات هذه محاولة لتطبيق ما يطلق عليه روبرت شيلر، الأستاذ في جامعة ييل، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، اسم "الاقتصاد السردي". وهو موضوع لكتاب سينشر مستقبلا، وقد ناقش هذا الموضوع الأسبوع الماضي في مؤتمر عقدته كلية إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا.
يقول شيلر "إن الفكرة الرئيسية تتمثل في التحول عن الافتراض الاقتصادي الذي يقول إن الناس يفكرون بطريقة عقلانية رشيدة. فنحن جميعا نعلم أنهم في كثير من الأوقات لا يفعلون ذلك. لهذا يجب على مختصي الاقتصاد دراسة كيفية تفكير الناس في الواقع - نحن نفكر من خلال القصص".
عند تطبيق كلمة "سرد"، غالبا ما نتعثر في "المغالطة السردية" - ميل الإنسان إلى محاولة تحويل البيانات العشوائية، أو البيانات المتباينة إلى قصة مقنعة. لكن بهذه الطريقة نستطيع أن نجعل للعالم معنى. أي صحافي سيعترف أنه من أجل تفسير موضوع معقد يجب عليك تحويله إلى حكاية سردية. وأي شخص يبيعك استثمارا يفعل ذلك بالمثل من خلال إخبارك بقصة.
لحسن الحظ يمكننا الآن إجراء بحوث حول ذلك بالتفصيل من خلال الأسالييب الحديثة لتحليل البيانات. يمكننا الإبحار في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية لنرى كيفية تطور القصص في الوقت الحقيقي. ويمكننا أيضا البحث في الأرشيف لنرى روايات سُرِدت وهي تبرز وتتراجع على مر العقود والقرون.
هذا يكشف أن الحكايات السردية تتبع النهج نفسه الذي اكتشفه علماء الأوبئة في مجال الأمراض - فالبداية المتواصلة تؤدي إلى بروز كبير، ومن ثم إلى تراجع سريع، مع فرصة تكرار ذلك لاحقا. الوباء أكثر فتكا إذا ارتبط بحالة من القلق.
هذا يجعلنا نقترب أكثر من الطريقة التي يفكر بها الناس ويستجيبون من خلالها للبيانات الاقتصادية. عليه، فإن أحدث بيانات العمالة الأمريكية تظهر ارتفاعا حادا في الوظائف مقداره 313 ألف وظيفة في الشهر الماضي، في الوقت الذي يبقى فيه معدل البطالة متدنيا عند 4.1 في المائة. وبشكل حاسم انخفض المعدل السنوي لنمو متوسط الدخل في الساعة ليهبط إلى 2.6 في المائة. وكانت نسبة الـ 2.9 في المائة التي أعلن عنها قبل شهر قد أثارت ذعرا استمر لفترة قصيرة.
ما الأمر الذي ينسجم مع الحكاية؟ الحل الشائع هو الوضع المضبوط - اقتصاد ليس نشطا جدا بحيث يصاب بالتضخم، وليس فاترا جدا بحيث يفتقر إلى النمو. "الاحتياطي الفيدرالي" ليس بحاجة إلى زيادة أسعار الفائدة، وأصحاب الوضع المضبوط يذهبون إلى بيوتهم وهم سعداء.
ثمة بديل آخر هو "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى". عمل الرئيس دونالد ترمب على تخفيض الضرائب وتخفيف الأنظمة، وبالتالي الميل إلى المخاطرة آخذ في الارتفاع. وفي الوقت الذي تعمل فيه المعتقدات السياسية الآن على تشكيل وقيادة التصورات الاقتصادية، هذا الأمر مهم أيضا.
لكن ماذا عن حكاية الأسبوع الماضي؟ حكاية الحرب التجارية: نظام عالمي مهترئ، مع نمو بطيء، وتباين متزايد في المستويات الاجتماعية بين الناس، ينهار في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بنصب العوائق، والآخرون يتخذون ردود فعل انتقامية والتجارة تصل إلى حالة توقف.
يبين شيلر أن قصة الحرب التجارية انتشرت كالوباء واكتسبت القوة من ارتباطها بحالة الكساد العظيم. أي شيء يرتبط في أذهان الناس بفترة الثلاثينيات ينتقل بينهم كالعدوى.
ويشير إلى أن هذا أمر مبالغ فيه. فالرسوم الجمركية يغلب عليها أن تكون انتقاما مقابل أمر آخر. النزعة الحمائية لا تزال في حالة تأرجح صعودا وهبوطا، لكن التجارة العالمية مستمرة بشكل عام. حكاية الحرب التجارية قوية جدا الآن لأنها ترتبط برواية أخرى قدمها كثير من الذين لا يحبون الرئيس: وهي قصة تقول إنه خطير وشرير.
قوة هذه الرواية تعني أن أي انتقام من شأنه أن يتسبب في سقوط الأسواق. لكن بالنسبة إلى الوقت الراهن، الدراما الجارية والمتعلقة بمدى سرعة نمو الاقتصاد العالمي، وما إذا كان سيعمل على جلب التضخم ورفع الأسعار في أعقاب ذلك، لها الأولوية.
شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" لم يعد فاعلا. ونمو الوظائف يسير جنبا إلى جنب مع الاتجاهات التي كانت موجودة قبل أن يتولى ترمب منصبه - آخذة في النمو، لكن معدل النمو آخذ في التباطؤ باستمرار. في الـ 12 شهرا الأخيرة أضيفَ عدد من الوظائف أقل مما أضيف خلال الـ 12 شهرا الأخيرة من عهد الرئيس أوباما.
ماذا عن الوضع المضبوط؟ نحن الآن أقرب إلى التفسير الصحيح. مثل هذه البطالة المنخفضة مع التضخم المنخفض مثيرة للإعجاب. لكن معدل المشاركة آخذ في الارتفاع، ما يعني أن الناس أخذوا يبحثون مرة أخرى عن الوظائف. ونمو الأجور على مدى الأشهر الثلاثة الماضية وصل إلى معدل سنوي بلغ 2.95 في المائة. والاقتصاد يعمل على تقديم مزيد لناخبي ترمب من المواطنين العاديين - وربما أصبح ساخنا فوق الحد نوعا ما.
لكن ثمة رواية واحدة مناسبة تماما لواقع الحال: طبق الحلوى. مهمة "الاحتياطي الفيدرالي" أن يزيل طبق الحلوى في الوقت الذي يبدأ فيه الحفل. السياسة النقدية فضفاضة جدا بعد أن استمرت تدابير الطوارئ لفترة زمنية طويلة فوق الحد. جانيت ييلين، وهي من أوائل الذين دخلوا في معركة مكافحة الأزمة ولديها آراء ليبرالية في السياسة، أرادت التوجه نحو تشديد السياسة النقدية. خليفتها جاي بأول يشعر بالشيء نفسه.
بالتالي السؤال الصحيح بالنسبة إلى الوقت الحاضر ليس ما إذا كان "الاحتياطي الفيدرالي" بحاجة إلى زيادة أسعار الفائدة "الضغط التضخمي ربما لا يكون واضحا إلى هذه الدرجة"، إنما ما إذا كان "بمقدوره" أن يفعل ذلك؟ ولأن نمو الوظائف قوي إلى هذه الدرجة، فإنه قادر على ذلك بالتأكيد". الحكاية بالنسبة إلى بقية هذا العام يرجح لها أن تشتمل على أربع زيادات في أسعار الفائدة. الأسواق ليست مستعدة لهذه الحكاية.
ويظل علينا أن نروي قصة ما يمكن أن تفعله الأسواق مع هذه الحكاية.