ضعف الدولار المنهجي يلقي بظلاله على الين القوي


ليو لويس من طوكيو

إن كنت رئيسا تنفيذيا يابانيا تتعامل ببخل، وواقعا تحت ضغط المساهمين من أجل زيادة الأرباح المتوقعة، وضغط السياسية من أجل زيادة الرواتب، ستكون الأيام العشرة الماضية من الإجراءات المتعلقة بالعملات وكأنها فوز بجائزة اليانصيب. كونه عملة متقلبة لا تسير وفق أنموذج ومتحدية للتفسيرات السهلة، كان الين بكل قوته التي حظي بها مقابل الدولار هو كل ما يمكن أن تتمناه الشركات اليابانية.
وفقا لاستبانة من "رويترز – نيكاي"، نصف الشركات اليابانية كان سيعمل على إثارة انزعاج إدارة رئيس الوزراء، شينزو آبي، التي لم تكن تعتزم قط رفع الأجور الأساسية هذا العام على أية حال. أما النصف الآخر، رغم الرعب التقليدي الذي تشعر به الشركات اليابانية من الين الأقوى، فهو يملك الآن عذرا مثاليا ليهز الرأس بأسف، ويشير إلى سوء سلوك الين ويقول ينبغي إيقاف رفع الأجور وتوقعات الأرباح إلى أن تهدأ الأمور.
رغم وجود بعض المساهمين المتذمرين، إلا أنه يفترض أن تنجو الشركات بفعلتها. فالكل "يعلم" أن العملة لا يمكن التنبؤ بها وأنها تسبب إشكالية بالنسبة للرؤساء التنفيذيين في اليابان. والقرار الذي اتخذته شركات الوساطة، مثل "يو إس بي"، والمتمثل في خفض توقعاتها للين مقابل الدولار لثلاثة وستة و12 شهرا إلى 102 و100 و98 ينا، على التوالي، هو الأمر نفسه الذي يعطي الرخصة، تقليديا، للشركات اليابانية المدرجة المحافظة غريزيا، لأن تظهر أنها تتسلح في مواجهة الين القوي.
العامل المساعد للرؤساء التنفيذيين في هذا الأداء هو حكمة السوق اليابانية التي من الصعب الكشف عنها التي تتمثل في أن أرباح الشركات - وبالتالي أسعار الأسهم - محكوم عليها بأن تكون ألعوبة في أيدي أسعار العملات الأجنبية السائدة. في الواقع، بحسب ما يقول استراتيجيو العملات الأجنبية لدى جيه بي مورجان، لم تعد تلك الحكمة صحيحة: منذ أن بدأ جانب الطلب المحلي في الارتفاع فعلا منذ عام 2016، أصبح من الواضح تراجع الترابط بين أرباح السهم في مؤشر توبيكس وسعر صرف الدولار مقابل الين.
الرعب الذي شعر به الرؤساء التنفيذيون والمرتبط بالعملة ربما يكون مفبركا أكثر من كونه حقيقيا الآن. فمن المرجح أنهم يراهنون على أن اندفاع الين بين 108 و105 ين المتواصل على مدى ثلاثة أيام الأسبوع الماضي كان سببه عوامل قصيرة الأجل - بعض الطلب على وجود ملاذ، وإعادة بعض الأرباح الموسمية قبيل نهاية السنة المالية في آذار (مارس)، وتوقع عملية شراء محلية للسندات من قبل صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي، وتوقعات بأن الجهات التنظيمية تعتزم تقليل الحد الأقصى من الرفع المالي الخاص بتجارة التجزئة في العملات الأجنبية.
حتى عندما تصبح الحسابات بعد ارتفاع الين حكاية أكثر تشديدا على ضعف الدولار، إلا أنها تبدو قابلة للتحكم. والتفسير المفضل للارتفاع في قيمة الين هو أن البنوك المركزية في كل أنحاء العالم بدأت (ببطء) الحد من تعرضها للدولار، من خلال بيع سندات الخزانة الأمريكية. وهذا وحده لم يكن ليحدث ذلك التأثير الحاد الذي ظهر الأسبوع الماضي، لكن العلاقة العكسية التي تم الكشف عنها أخيرا بين الدولار وأسعار الفائدة في الولايات المتحدة كان يجري تعقبها من قبل متداولي العقود الآجلة، الأمر الذي عمل على تضخيم الخطوة. قد يتوصل الرؤساء التنفيذيون في اليابان إلى النتيجة التي مفادها أنهم كانوا يراقبون هجوم مضاربة على الدولار أكثر من كون ذلك بداية لتراجع غير محدد.
وحتى إن كان ذلك جزءا من قضية أكبر، إلا أن ارتفاع الين مقابل الدولار الأسبوع الماضي لم يخترق مستويات التقلب القياسية. فقد بدا جامحا لأنه كان من الصعب تفسير ما جرى وتم التشديد عليه من خلال مقارنات مع طبيعة الين الهادئة بشكل خارق في عام 2017. انخفض الين مرة أخرى ليصل إلى 108 الأسبوع الماضي، وبالتالي فإن اختراق ذلك المستوى، بحسب ما يقول خبراء استراتيجيون في مجال العملات الأجنبية في شركة نومورا، قد ينتهي إلى استقرار الأمور في منطقة مريحة لا تشكل تهديدا يذكر على أرباح الشركات.
رغم ذلك، يتغير كل هذا الحوار بشكل عجيب فيما لو ثبت أن الوصول الخارق إلى مستوى 108 ينا هو أمر بعيد المنال حتى منتصف آذار (مارس) وتبدأ قوة الين - أو على نطاق أوسع، ضعف الدولار - بأن تبدو أمرا منهجيا. وضع الكثير من الحجج الداعمة لهذا الرأي من قبل معلقين يابانيين في مجال العملات الأجنبية، وقد لقيت قبولا لدى المستثمرين.
من بينها الملاحظة التي قدمها مراقبو العملات لدى دويتشه بانك والتي مفادها أنه يغلب على أسواق العملات الأجنبية أن تشهد سلسلة من المراحل المميزة - أحيانا تدوم لسنوات عدة - حيث يغلب أن يكون التفسير الافتراضي للطريقة التي تتحرك بها أزواج العملات المختلفة مركزا على سلوك مؤشر اقتصادي واحد. فمنذ مطلع عام 2013، عندما بدأ بنك اليابان برامج التسهيل الكمي والنوعي الهائلة، كان ذلك المؤشر هو الفرق في القاعدة النقدية بين البلدين المعنيين. وتراجع الين الهائل مقابل الدولار الأمريكي والعملات الأخرى منذ عام 2013، في ضوء ذلك، كان يبدو أمرا معقولا تماما.
لكن التغييرات الأخيرة في السياسة المالية العامة في الولايات المتحدة ربما تكون قد عملت الآن على تحويل المؤشر من التفاضل في مستوى القاعدة النقدية إلى اختلالات الحساب الجاري بين البلدين على جانبي العملتين. إن ثبت أن هذا صحيح، فإن بعض الحسابات السريعة بشأن مكانة اليابان بوصفها أكبر دولة دائنة صافية في العالم تشير إلى أن الين سوف يواجه ضغوطا تصاعدية لا ترحم خلال السنوات المقبلة. نظرا لفائض الدخل الذي تحققه جراء مركزها الدولي البالغ 358 تريليون ين، قد تحتاج اليابان إلى عقود من العجز التجاري بقيمة 30 تريليون ين على التوالي لتصبح دولة مدينة صافية. نظرا لهذا وغيره من العوامل الأخرى، يقول دويتشه بانك من المحتمل أن لا يكون التحول الأخير من الدولار القوي إلى الدولار الضعيف أمرا مؤقتا، لكن، "وبشكل غير مريح بالنسبة لليابان" - سيكون المراحل الأولى من شيء أكثر استدامة.