في طور الاختبار .. علاج يقضي على سرطان الدم في 3 أيام

السبت 17 يونيو 2017







ديفيد كراو من لندن

كان الورم الضخم البارز من حوض جامي كاميرون يتقلص أمام عينيها. بعد أن خاضت معركة ضد سرطان الغدد الليمفاوية منذ عام 1994، اعتقدت أن الخيارات كانت قد نفدت لديها. حاولت هذه المرأة البالغة من العمر 53 عاما جرعات عديدة من العلاج الكيماوي حتى عملية لزرع خلايا جذعية. لكن هذا كان حتى العام الماضي، عندما وجدت لها مكانا في تجربة سريرية لعلاج تجريبي.
العلاج، المعروف باسم العلاج الخليوي المستقبل للمستضد الوهمي، Car-T، ينطوي على استخراج خلايا الدم البيضاء للشخص المصاب وهندستها في المختبر على مدى عدة أسابيع بحيث يمكنها تحديد السرطان ومهاجمته. وبعد انتظار دام ستة أسابيع أعيدت خلايا كاميرون المعدلة إلى المستشفى، ثم غرست مرة أخرى في جسدها. وخلال ثلاثة أيام لم يعد الورم مرئيا. وفي نهاية المطاف لم تظهر الفحوص أي دليل على وجود السرطان. تقول: "كنت أعرف أن هذا العلاج سينجح. كان مذهلا".
كاميرون واحدة من مئات من ضحايا سرطان الدم الذين هم على قيد الحياة اليوم، بسبب Car-T، الذي حقق نتائج ملحوظة حتى في الحالات الأكثر عنادا من المرض. العلاجات الأولى من نوع Car-T موجهة إلى مرضى سرطان الدم الذين لم تفلح معهم العلاجات الأخرى، وهم مجموعة تضم نحو 80 ألف مريض في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن الموافقة عليه من شأنها أن تشير إلى أن العلاج بالخلايا، الذي هو أحد الآمال الكبيرة في صناعة المستحضرات الصيدلانية، بلغ مرحلة النضج.
التقدم السريع في العلاج الخليوي لم يكن من دون انتكاسات كبيرة. حدثت سبع وفيات ذات صلة بالمعالجة في التجارب السريرية التي ترعاها شركات الأدوية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك في "جونو ثيرابيوتيكس"، وهي شركة مقرها سياتل تعكف على تطوير Car-T. وعلى الرغم من المخاوف المتعلقة بالسلامة، إلا أن معظم المحللين يتوقعون أن تعطي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الضوء الأخضر لأول علاج من نوع Car-T هذا العام. واتخذت الأجهزة التنظيمية وجهة نظر متعاطفة تجاه هذه العلاجات لأنها يمكن أن تنقذ حياة كثير من المرضى. وهم أناس، مثل كاميرون، لم يبق لديهم أي شيء لمحاولته.
في الوقت الذي تستعد فيه الشركات التي تصنع علاجات Car-T لوضع منتجاتها في السوق، تحول المستثمرون إلى سؤال عادي: هل يمكن تصنيع العلاجات ذات الطابع الشخصي والمعدة حسب الطلب على نطاق واسع؟
تستغرق العملية ما يصل إلى شهرين وتكلف نحو 150 ألف دولار للشخص الواحد. ومن المتوقع أن يكون السعر الذي تدفعه نظم الرعاية الصحية التي تعاني نقصا في السيولة أكثر من ضعف هذا المبلغ.
إنها معضلة يشعر بها قطاع الرعاية الصحية مع تقدم الابتكارات التي انطلقت بعد أن استطاع العلم فك شيفرة الجينوم البشري في عام 2003، مثل العلاجات التي تدخل جينات صحية لمكافحة المرض، أو تعمل على تحرير الحمض النووي للشخص. والتحدي ليس مجرد اختراع العلاجات التي تكون ناجحة، ولكن أيضا إنشاء عمليات التصنيع التي يمكن أن تحول حقائق علمية مثيرة إلى منتجات قابلة للإنتاج بالجملة.
يقول ماكسيم جيكوبس، المحلل في شركة إديسون لأبحاث الاستثمار: "لن يصل إنتاجه على الإطلاق إلى مستوى الدواء الذي يمكن أن تصنعه بدفعات ضخمة للغاية. عليك أن تأخذ خلايا شخص ما، وتمررها من خلال هذه العملية، ومن ثم إعادتها. ويجب أن تكون لديك السيطرة على كل مراحل العملية. إنه أمر أكثر تعقيدا بكثير".

الخدمة والمبيعات

يضع هانز بيشوب، الرئيس التنفيذي لشركة جونو، طاقية طبية للسلامة فوق رأسه، ويعقم نظارات السلامة، ويرتدي مريول المختبر. أي شخص يدخل المنشأة الخاصة بالإنتاج في ضواحي سياتل يجب أن "يرتدي هذا الزي". وفي الوقت الذي يتحرك فيه داخل المصنع، يعبر سلسلة من الخطوط البيضاء التي تشير إلى اتباع إجراءات سلامة جديدة - حذاء إضافي يغطي القدم، أو زوج مختلف من القفازات.
المرفق هادئ على نحو موحش، لكن إذا ما تمت الموافقة على منتجات الشركة، فإنها تأمل في أن تنتج آلافا من أكياس الخلايا المعدلة في السنة – وهي زيادة كبيرة في الإنتاج مقارنة بالدفعات الصغيرة التي تتعامل معها اليوم.
كانت "جونو" في الصدارة في سباق تطوير Car-T إلى أن توفي خمسة أشخاص من الآثار الجانبية السامة خلال التجارب السريرية في العام الماضي، وهي تجربة وصفها بيشوب بأنها "تسببت بألم نفسي وعاطفي".
مع تاريخ مستهدف معدل إلى عام 2018 لتقديم ابتكارها الأولي إلى الأجهزة المنظمة الأمريكية، احتلت "جونو" المرتبة الثالثة بعد "كايت فارما"، وهي شركة للتكنولوجيا الحيوية مقرها سان فرانسيسكو، و"نوفارتيس"، شركة الأدوية السويسرية، اللتين قدمتا من قبل طلبات للحصول على الموافقة التنظيمية.
وبالنسبة إلى شركات صناعة الأدوية التقليدية، حيث يجلب احتلال المركز الأول أو الثاني في سوق جديدة مكافآت ضخمة، فإن مثل هذه النكسة يمكن أن تميز الفرق بين النجاح أو الفشل. وانخفضت أسهم "جونو" التي تبلغ قيمتها السوقية نحو 2.3 مليار دولار، 25 في المائة منذ حالات الوفاة واضطرت إلى تعليق التجارب السريرية.
مع ذلك، يقول بيشوب إن أنموذج عمل صناع Car-T يختلف عن نهج الأدوية التقليدي، الذي يصفه بأنه يستند إلى "الابتكار، ثم الإنتاج، ثم البيع". ولدى شركات صناعة الأدوية طريقتان للتنافس في حال وصولها إلى السوق في وقت متأخر: إنتاج دواء أفضل من المنافسين، أو تقويض أسعارهم. لكن الشركات التي تعمل على تصنيع علاجات قائمة على الخلايا ستكون شركات للخدمات أيضا، إذ يتم الحكم عليها ليس فقط على الفعالية والقيمة، لكن أيضا على السرعة والموثوقية. وهذا يعني أن المنافسين يمكنهم كسب حصة من خلال تقديم أفضل تجربة للعملاء.
يقول بيشوب: "التأكد من أنك تفهم حقا كيفية تقديم هذه العلاجات بالطريقة الأكثر ملاءمة وموثوقية لكاتبي الوصفات والصيادلة والمرضى سيكون حقا، حقا أمرا مهما. نحن لسنا هناك اليوم تماما، لكننا في موطن شركة أمازون، لذلك لدينا بعض اللوجستيين الرائعين تماما".
إذا أوصلت أمازون جهاز تلفزيون إلى العنوان الخطأ، سيتعين عليها التعامل مع عميل ساخط. لكن الرهانات بالنسبة لشركات Car-T أعلى بكثير. إذا ما تم تسليم كيس من الخلايا إلى المستشفى الخطأ، أو ما هو أسوأ من ذلك، إذا ما حقنت في شخص لم يكن هو المقصود بها، فقد يموت.
هذا التحدي لم يغب عن بال منافسي بيشوب. تعتزم شركة كايت تقديم ما تصفه بأنه خدمة "تتميز بالعناية الخاصة" للأطباء والمرضى تسمى "كايت كونيكت"، تعد بإدارة العملية برمتها من حجز المريض في أول زيارة للمستشفى إلى نقل خلاياه في حاويات يتم التحكم بدرجة حرارتها بالتجميد بالنيتروجين.
سوف يكون العملاء قادرين على متابعة التقدم المحرز في خلاياهم على الإنترنت وتلقي إشعارات تعلمهم عندما تكون على وشك مغادرة مصنع الشركة، الذي تم بناؤه في إل سيجوندو، الموقع الذي اختير لقربه من مطار لوس أنجلوس.
يقول تيم مور، التنفيذي المسؤول عن العمليات الفنية لشركة كايت: "سوف نتحمل مسؤولية الخلايا إلى أن تعود إلى المستشفى. إنها محطة واحدة - نريد أن نجعلها بسيطة قدر الإمكان بالقول إننا سنتولى كل الأمور".
من جانبها، أشارت شركة نوفارتيس إلى أنها طورت طريقة تجميد خاصة تمنحها مزيدا من المرونة في عملية التصنيع. وقال فاس ناراسيمهان، رئيس تطوير العقاقير في الشركة: "تمكنا من علاج المرضى بنجاح في أستراليا واليابان من منشأة موريس بلينز في نيو جيرسي، لأننا نستطيع تجميدها والاحتفاظ بها لمدة 30 يوما واستخدامها في أي وقت".
وأضاف: "نحن نعتقد أن هذا أمر مهم لأنه يمنح الأطباء مرونة أكبر. نحن بالطبع نريد أن نكون قادرين على المنافسة في الجانب الزمني فيما يخص من الوريد إلى الوريد، لكننا نريد أيضا المرونة مع ما هو مجمد".
للمساعدة في بناء مختبراتها وأنظمة الكمبيوتر لديها استعانت كل من "جونو"، و"نوفارتيس"، و"كايت" بمجموعة جنرال إلكتريك الصناعية.
يقول فيل فانيك، المدير العام لقسم العلاج الخليوي في "جنرال إلكتريك"، إن الشركة تريد إنتاج Car-T "بمستويات صناعية".
"العملية اليوم ليست تكنولوجيا 2017، بل هي تكنولوجيا 2010". ويضيف: "هذا أمر لا بأس به من حيث التعامل مع المراكز الأكاديمية التي تتعامل مع خمسة إلى عشرة مرضى في السنة، لكن علينا أن نتوصل إلى عملية لعشرات الآلاف من المرضى".
يقول فانيك إن تكنولوجيا يجري تطويرها من قبل "أسيمبتوت"، وهي شركة ناشئة مقرها كامبريدج استحوذت عليها "جنرال إلكتريك" في نيسان (أبريل) مقابل مبلغ لم يكشف عنه، هي جزء من الحل. تعكف هذه المجموعة على تطوير ما تصفه بـ "تكنولوجيا سلسلة التبريد المبردة الرقمية" - البرمجيات الآلية والأجهزة المصممة للحفاظ على خلايا المريض في درجة الحرارة المناسبة أثناء التنقل.
ودعمت ذراع رأس المال المغامر التابعة لشركة جنرال إلكتريك إنشاء شركة في وادي السيليكون في العام الماضي، هي شبكة فيتروفيان نيتوركس التي تعمل على بناء نظام للحوسبة السحابية يربط المستشفيات بالشركات التي تصنع Car-T. ويقول فانيك إن الهدف هو "بناء مستودع بيانات تنبئي"، يكون قادرا على العمل عندما يكون من المرجح أن يتم حجز المريض في المستشفى لتلقي العلاج، وضمان أن هناك قدرة مناسبة في معمل التصنيع.
مطابقة القدرة مع الطلب بطريقة تحافظ على الأرباح ستكون من بين أكبر التحديات التي تواجه مجموعات Car-T. يقول بيشوب: "السؤال يصبح كيف يمكنك التأكد من أنها يمكن أن تكون قابلة لتوسيع النطاق واقتصادية؟".
الشركة الأولى التي حاولت تسويق العلاج بالخلايا، مجموعة التكنولوجيا الحيوية ديندريون، تقدم حكاية تحذيرية. عندما وافقت إدارة الغذاء والدواء على علاج سرطان البروستاتا "بروفنج" في عام 2010، أقبل المستثمرون على شراء الأسهم، الأمر الذي أرسل قيمتها السوقية إلى ما يقرب ثمانية مليارات دولار. وأشاد المحللون بدواء ناجح جديد وتوقعوا عائدات تزيد على أربعة مليارات دولار سنويا.
غير أن "بروفنج" كان حالة من الفشل الذريع، إذ عانى ضعفا في المبيعات وكان معدل التكاليف المباشرة للإنتاج نحو 50 في المائة. وأفلست "ديندريون" في عام 2014 ومنذ ذلك الحين تم شراؤها مرتين، آخرها من قبل مجموعة صن باور الصينية التي دفعت 820 مليون دولار للحصول على المجموعة في وقت سابق من هذا العام. في المرة الأخيرة التي أبلغت فيها الشركة عن المبيعات، كان بروفنج يولد 300 مليون دولار فقط في السنة.

الأتمتة النشطة

يصر المدافعون عن Car-T على أنه لن يعاني المصير نفسه. ومن المتوقع لصناع هذا العلاج أن يفرضوا سعرا أعلى بكثير - على الأقل 300 ألف دولار مقابل نحو 90 ألف دولار لدواء بروفنج - طالما أن العلاج أكثر فعالية. وفي حين أن مرضى سرطان البروستات لديهم خيار اختيار بدائل أرخص، لا ينطبق الشيء نفسه على مرضى سرطان الدم الذين هم في حاجة ماسة إلى Car-T.
ويعتقد بعض العلماء أن علاجات Car-T يمكن أن تساعد أيضا بعض الأشخاص الذين يعانون أوراما صلبة – تعطيهم حياة إضافية لعدة أشهر أو سنة بدلا من اختفاء المرض نهائيا من الجسم. وتشير الدراسات المبكرة أيضا إلى أن علاجات الخلايا قد تبطئ تطور مرض باركنسون. وكلاهما سيكون لهما تدخلات جديرة بالثناء، لكنها ليست شيئا يمكن أن تدفع أنظمة الرعاية الصحية لأجله مبلغا مقداره 300 ألف دولار لكل مريض. إذا تم توسيع العلاجات إلى ما وراء مرضى سرطان الدم في المراحل الشديدة، فإن السعر في هذه الحالة ينبغي أن ينخفض بشكل كبير.
ويعتقد بيشوب الذي عمل في "ديندريون" قبل انضمامه إلى "جونو"، أن أتمتة العملية اليدوية يمكن أن تساعد على تقليل الوقت الذي تستغرقه هندسة الخلايا، فضلا عن تخفيض التكاليف. وقد استحوذت "جونو" أخيرا على مجموعة ألمانية من أجل "آلة التميز" لديها التي تحل محل أربع قطع من المعدات الموجودة وتتخلص من ست خطوات إنتاج بشرية. يقول بيشوب: "إذا نجحنا، نعتقد أننا يمكن أن ننجز العملية في يومين إلى أربعة أيام"، في مقابل الوقت المعياري الذي يبلغ أسبوعين أو أكثر.
شركة كايت تجري الآن التجارب الأولية على المعدات المؤتمتة. يقول مور: "على مدى السنوات الخمس المقبلة سوف تبدأ الأمور في التطور فعلا، بما يسمح لنا على نحو متزايد بالابتعاد عن التشغيل اليدوي، وهو أمر سيعمل على تقليص التكاليف إلى حد كبير للغاية".
ورغم أن "جنرال إلكتريك" تعمل كذلك على تطوير التكنولوجيا المؤتمتة، مثل المجسات التي تستطيع أن تميز ما إذا كانت الخلايا مستعدة للتطور إلى المرحلة المقبلة، إلا أن فانيك يحذر من التحرك بسرعة فوق الحد ويقول: "سوف يكون من الخطأ أن نعمل بالأتمتة الكاملة في الوقت الحاضر، لأن علينا أن نضبط مراحل العملية الحالية".
ويقول ناراسيمهان إن "نوفارتيس" أيضا تدرس الآن تطبيق "الأتمتة النشطة"، لكنه أضاف أن هذه العلاجات لن تكون أبدا بمستوى رخص الأسعار التي يتم تقاضيها عن أكثر الأدوية تطورا في السوق اليوم.
ويضيف: "نحن نعمل على تخفيض تكلفة السلع، لكن الواقع هو أن عليك دائما أن تكون لديك عملية تتطلب استخداما مكثفا للناس من الناحية النسبية، وتكون كل عملية إنتاجية فيها مخصصة لمريض واحد".
جيكوب، المحلل، يظل غير مقتنع بمنافع الأتمتة. يقول: "تعقيد العملية يتجاوز كثيرا عدم استخدام البشر. ربما يكون هذا مفيدا، لكن يتعين عليك أولا أن تكون لديك عملية دقيقة بشكل فائق. وفي الواقع لم يصلوا إلى تلك المرحلة حتى الآن".