حاكم بيونج يانج يستعرض عضلاته بقتل أخيه

الثلاثاء 21 فبراير 2017






بريان هاريس سيئول وتوم ميتشل من كوالا لمبور وجيفان فاساجار من لندن


عمل اغتيال كيم جونج نام، الذي كان في الماضي وريث السلالة الحاكمة للبلد المارق، على تعريض بكين وواشنطن لمأزق استراتيجي. هل حان الوقت لإعادة النظر في سياسة العقوبات والعزل الدبلوماسي؟
وصل كيم جونج نام مبكرا. وحيث إن أمامه ساعتين على موعد رحلته في طريق عودته إلى ماكاو، جلس الوريث السابق لسلالة كيم الحاكمة في كوريا الشمالية، وحده في مبنى المسافرين الفسيح المخصص لشركات الطيران، التي تبيع التذاكر الرخيصة في مطار كوالالمبور الدولي.
قلة من الناس هي التي يمكن أن يخطر على بالها أن هذا الشخص البدين الأشعث ينتمي إلى سلالة ملكية. إلا أنه كان تحت المراقبة، ومن شأن اغتياله الذي سيحدث خلال لحظات أن يرسل موجات من الصدمة في كل أنحاء العالم.
كانت هناك شابتان، ترتدي إحداهما قميصا يحمل الأحرف الأولى (إل أو إل)، تقومان بملاحقته خفية في ذلك المعبر. وكان هناك أربعة شبان متآمرين يرصدون تلك الأحداث من بُعد.
عندما توقف كيم البالغ من العمر 46 عاما - الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون- في داخل كشك للتفتيش الذاتي، هاجمته المرأتان.
اقتربتا من ورائه، وسحبت إحداهما رأسه إلى الوراء، ووفقا لتقارير الشرطة قامت برش سائل في وجهه. أما الأخرى فقد انقضت عليه في الوقت نفسه، ووضعت خرقة على عينيه، وأنفه وفمه لمدة عشر ثوان.
بعد أن أصيب بالدوار والتشوش، تعثر كيم ماشيا في المطار وهو يبحث عن المساعدة، ليستسلم فقط لحالة التسمم الواضحة بعد ذلك ببضع دقائق، في الوقت الذي كان يُنقَل فيه بسرعة إلى المستشفى.
تم التحفظ على خبر وفاة الزعيم المحتمل، الذي يعتقد على نطاق واسع بأنه كان على يد عملاء من كوريا الشمالية، لنحو يومين قبل أن تتناقله وسائل الإعلام العالمية. عندما حصل ذلك، كانت الرسالة واضحة بلا لبس: كوريا الشمالية لا تتحمل مواجهة أي تحد، سواء أكان حقيقيا أو خياليا، يهدد وجودها. لا توجد حدود، سواء أكانت أسرية أو جغرافية، مقدسة بالنسبة لها.
في وقت تحاول فيه البلدان مرة أخرى التصدي للأخطار التي تفرضها بيونج يانج، حادثة الاغتيال هي بمثابة درس مفيد حول طبيعة النظام ونواياه العميقة.
وهي بمثابة تحذير بأن الجهود الرامية إلى التصدي لبرامج الأسلحة الباليستية والنووية في كوريا الشمالية - التي وصفت ذات مرة من قبل مسؤول أمريكي بأنها "أرض الخيارات الرديئة" - تقوم على عامل رئيس واحد: غريزة حب البقاء لدى كيم جونج أون، المشير البالغ من العمر 33 عاما.
قبل مغادرته البيت الأبيض، أعلم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الرئيس المرتقب دونالد ترمب بأن كوريا الشمالية ستمثل أكثر التحديات إلحاحا في السياسة الخارجية لديه.
صعدت كوريا الشمالية بشكل عاصف إلى أعلى قائمة بؤر التوتر السياسي الجغرافي المحتملة في عام 2016، بعد اختبارها لاثنين من الأجهزة النووية وأكثر من 20 صاروخا باليستيا معقدا قصير المدى ومتوسط المدى.
بعد وساطة باراك أوباما في الاتفاقيات المبرمة مع كوبا وإيران، بقيت كوريا الشمالية وحدها كمثال صارخ على دولة مارقة ترفض الانصياع لأحد. وتحركت بسرعة على نحو لفت انتباه ترمب. في كلمة ألقاها بمناسبة رأس السنة، أعلن كيم أن نظامه لديه صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب الولايات المتحدة في أي وقت تريد. لم تكن كوريا الشمالية قد أظهرت قط من قبل مثل هذه القدرات، لكن الخطاب كان كافيا لاستخلاص تغريدة سريعة أدلى بها الرئيس الأمريكي الجديد الذي تعهد "بأن ذلك لن يحدث". تم اختبار الرئيس ترمب مرة أخرى يوم الأحد الماضي، هذه المرة بأسلوب أكثر إثارة، عندما أطلقت بيونج يانج صاروخا متقدما متوسط المدى نحو بحر اليابان. يقول بونح يانج شيك، مختص في شؤون كوريا الشمالية في جامعة يونسي في سول: "كان ذلك رسالة مقدمة بعناية" لقياس قدرة الرئيس ترمب. أراد كيم أن يعرف كيف يمكن أن يكون رد فعل ترمب، دون إغلاق باب المفاوضات تماما من خلال إطلاق صاروخ طويل المدى، وفقا لبونج.
اتسم الرد العام الأولي لترمب، الذي كان في وقت الإطلاق يستضيف رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في مكان إقامته الساحلي في ولاية فلوريدا، بضبط النفس. في بيان مشترك مع آبي، تعهد بدعم "حليفته العظيمة" اليابان.

غريزة البقاء
تحول التركيز الآن إلى كيفية استجابة ترمب على نطاق أوسع لما فعلته كوريا الشمالية وكيف سيقوم بإشراك الصين، التي تعتبر على نطاق واسع أنها قوة الوساطة ذات الأهمية الحاسمة.
هنالك توافق متزايد في الآراء بأن النهج القديم المتبع مع كوريا الشمالية – إجراءات العزل الاقتصادي والدبلوماسي التي تفرض من خلال العقوبات الصارمة - لم يعد مجديا.
كتب جون ديلوري، أستاذ في جامعة يونيسي، في مقال نشر في الفترة الأخيرة في مجلة "الشؤون الخارجية": "إذا كانت الولايات المتحدة تأمل فعليا في تحقيق السلام في شبه الجزيرة الكورية، ينبغي عليها إيقاف البحث عن سبل لخنق اقتصاد كوريا الشمالية، وتقويض نظام كيم جون أون، والبدء في البحث عن سبل لجعل بيونج يانج تشعر بأنها أكثر أمنا".
"ربما يبدو هذا أمرا مخالفا للمشاعر الحدسية، لكن خذ في عين الاعتبار: كوريا الشمالية ستبدأ التركيز على ازدهارها بدلا من سياسة الحفاظ على الذات فقط، حين لا تعود تشعر بالقلق إزاء تعرضها للدمار".
بالنسبة لكثيرين، تعمل العقوبات المفروضة، إضافة إلى التدريبات المسلحة المشتركة العادية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في شبه الجزيرة، والنشر المقرر للدرع الصاروخي الذي تسبب في إثارة غضب بكين، على تعزيز غريزة البقاء لدى كيم وتدفعه أكثر نحو مسار التسلح النووي.
وفقا لصناع السياسة والمختصين في سيؤول، فكرة نزع أسلحة كوريا الشمالية النووية هي منذ الآن قضية خاسرة - وهي فكرة رددها جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي السابق، في خطاب ألقاه في أواخر العام الماضي. وتعد الأسلحة، تماما مثل جريمة قتل كيم جونج نام، بمثابة ضمان لسلامة وحرية وسلطة زعيم كوريا الشمالية.
هناك خيار أقرب إلى الجانب العملي وهو تعليق تطوير تلك الأسلحة، بحسب ما يقول كيم جايشون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سوجانج ومستشار لحكومة سيؤول. "نزع الأسلحة النووية ليس ممكنا. مع ذلك، طالما أن الولايات المتحدة لا تحاول تفكيك الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، من الممكن جدا أن تعلن عن تعليق برنامجها النووي. هنالك حاجة للدبلوماسية الاستباقية".
الأستاذ كيم، مثل معظم المختصين الاستراتيجيين، يسارع في استبعاد فكرة توجيه ضربة عسكرية وقائية على منشآت ومرافق بيونج يانج النووية. مثل هذا الهجوم من شأنه أن يفشل لا محالة، بحسب ما يقول، لأن معظم المنشآت مخفية تحت الأرض.
كما أن من شأنه أيضا أن يفضي إلى حدوث ضربات انتقامية كارثية على سيؤول، التي تبعد 60 كيلومترا فقط عن الحدود.
في التسعينيات، درس الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ذلك الخيار، ليتم العدول عنه تماما بسبب تقديرات تقول إنه سيكون هناك مليون ضحية في كوريا الجنوبية جراء تنفيذ مثل هذا الهجوم.
مع ذلك، الاشتباك مع بيونج يانج لا يلقى تأييدا من جميع الأطراف ويواجه معارضة مريرة من قبل الجماعات المحافظة في كوريا الجنوبية. بالنسبة لهم، نزع الأسلحة النووية هو الخطوة الأولى الحاسمة.
يقول تشان يانج - وو، أحد كبار مفاوضي كوريا الجنوبية السابقين مع بيونج يانج: "خفض التوترات في الوقت الذي لا تزال فيه كوريا الشمالية آخذة في التحرك قدما نحو اقتناء أسلحة نووية هو وهم ...... إنه مجرد اقتراض من السلام المستقبلي. وهذا يجعل المستقبل أكثر خطورة".
كما يقول إنه يجب على المجتمع الدولي تصعيد العقوبات المفروضة إلى المستوى الذي يجعل نظام كيم لا يجد أمامه بديلا سوى التوصل إلى اتفاقية. حظي مقترحه ببعض التأييد في الولايات المتحدة.
حثت مجموعة من الجمهوريين، بما في ذلك تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، وزارة الخزانة عل رفع مستوى الضغوط المالية التي تمارسها على كوريا الشمالية.