الشواغر في الاحتياطي الفيدرالي تسمح لترمب بهندسة تغيير في فلسفة البنك المركزي الأمريكي.

مؤشر داو يثير الغرائز النشطة ويعيد أصداء عهد جرينسبان




جون أوثرز من لندن

وول ستريت تسبح في الحنين إلى الماضي. الأسبوع الماضي غلاف مجلة "بارونز"، الكتاب المقدس للمستثمرين الأفراد في الولايات المتحدة، أعلن "داو 20000". مُقدّمو البرامج على شبكة "سي إن بي سي" يرتدون قبعات "داو 10000" التي تم ارتداؤها أول مرة عام 1999. وفي كل يوم الجماهير التي يقل عددها في قاعة بورصة نيويورك تراقب اللوحات لمعرفة ما إذا كان مؤشر داو جونز المتوسط للشركات الصناعية ـ بعدما تجاوز 19.000 نقطة ـ يُمكن أن يتجاوز علامة 20000 لأول مرة.
هذا حنين إلى الماضي جزئياً، لأن مؤشر داو لم يعد يُستخدم مقياسا من قبل المستثمرين الجادين منذ فترة طويلة. وحقيقة أن وول ستريت تهتم بالعلامات المرحلية الخالية من المغزى يقول شيئا عن نفسية السوق. الغرائز النشطة عادت. الحماس واضح، وهو على نطاق لم نشهده منذ ذروة طفرة التكنولوجيا.
المسيرة الطويلة من عام 2003 حتى عام 2007، التي سبقت أزمة الائتمان، لم تُحدِث قط مثل هذا الحماس. والمسيرة الأطول التي زادت أموال المستثمرين ثلاثة أضعاف منذ عام 2009 كانت أبغض سوق صاعدة في التاريخ: لا تحظى بالثقة، ويُعتقد على نطاق واسع أنها اعتمدت فقط على التلاعب من جانب الاحتياطي الفيدرالي وبرنامج التسهيل الكمي الذي أطلقه.
الآن، دونالد ترمب من بين جميع الأشخاص هو مُنقذ البورصة. أفكار الرئيس المُنتخب حول الحمائية تعد بمنزلة لعنة بالنسبة لمعظم الناس في وول ستريت. خلال الحملة، استقبلت البورصة كل ارتفاع في أرقامه في استطلاعات الرأي بعملية بيع كبيرة. وينظر المستثمرون الآن إلى رئاسة ترمب المقبلة من خلال عدسة إيجابية "مؤيدة للنمو".
هناك أمور موجودة في هذا تتجاوز مجرد الجنون الأمريكي الجماعي الذي يتصوّره كثيرون خارج أمريكا. "الاكتساح الواضح" للجمهوريين للبيت الأبيض والكونجرس بمجلسيه كان غير متوقع، وهو يوفر فرصة لتحوّل حقيقي نحو سياسة المالية العامة. الشواغر في الاحتياطي الفيدرالي تسمح لترمب بهندسة تغيير الفلسفة، بينما الإصلاح الضريبي يعِد بإحداث هزة واسعة في قطاع الشركات. وأجندة تحرير الأنظمة يُمكن أن تُفرح الأسواق.
الأهم من ذلك أن ترمب يُمثّل التغيير، بعد عقد من تدمير الذات العالق بأنموذج الاعتماد على الهندسة المالية وأسعار الفائدة المنخفضة. إنه أمر مُنعش بقدر ما هو مفاجئ، وموجة الحماس أمر مفهوم.

وما إذا كان بإمكان هذا أن يرفع مؤشر داو، أو المؤشرات الأكثر شرعية، فهذا أمر آخر. التاريخ لا يُقدّم أي مقارنة جيدة. وصول رونالد ريجان عام 1981 كان أمرا مماثلا سياسياً، لكن الأسواق كانت في حالة مختلفة تماماً. عوائد السندات كانت قريبة من أعلى مستوياتها التاريخية، وليس أدنى المستويات التاريخية التي وصلت إليها في وقت سابق من هذا العام. والأسهم كانت تقريباً رخيصة بقدر ما كانت عليه في أي وقت مضى. قبل انتخابات عام 2016 كل شيء تقريباً كان يشير إلى بداية التراجع بالنسبة للأسهم الأمريكية. على مدى عامين تقريباً - منذ أن أنهى الاحتياطي الفيدرالي تخفيف برنامج التسهيل الكمي الذي كان يدعم أسعار الأصول - تحركت الأسهم بطريقة اتسمت أساساً بالانحراف. هوامش الربح بلغت ذروتها وانخفضت قليلاً. والأرباح والإيرادات في الشركات تراجعت أيضاً، في الأساس بفضل انخفاض أسعار النفط. وعوائد السندات كانت قد بدأت بالارتفاع بشكل كبير. والتقييمات، بمقارنة أسعار الأسهم مع الأرباح على المدى الطويل، هي الآن تقريباً عند المستويات التي شهدناها في ذروة الأسواق الصاعدة الكبيرة في القرن العشرين - قبل الانخفاض. الاستثناءات الوحيدة كانت الفقاعات المُبهجة التي سبقت الانهيارات عام 1929 وعام 2000.
هذا ربما يؤدي إلى أفضل مقارنة لدينا حتى هذه اللحظة. قبل 20 عاما تقريباً، حين كانت الأسهم تبدو مُكلفة بالمثل، حذر ألان جرينسبان، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ذلك الحين، من "الحماس الطائش". هذا جلب عملية بيع كبيرة، تحوّلت إلى تصحيح بنسبة 10 في المائة بمجرد أن أتبعه برفع أسعار الفائدة. لكن ذلك كان عصر "الأنموذج الاقتصادي الجديد"، المفهوم الذي في نهاية المطاف أغرى حتى جرينسبان. النجاحات المبكرة للإنترنت ووجود اقتصاد عالمي يتمتع بثمار السلام ما بعد الحرب الباردة ولّدا الحماس. المهووسون بالأسهم في حاجة إلى بعض الأساس المعقول - سرد يُمكن أن ينجح - وكان لديهم واحد قبل 20 عاما.
ثم كانت الإنترنت، وهي الآن تعتمد اقتصاديات ترمب. روّاد وول ستريت المتحمسون يجعلون برنامج ترمب السطحي يبدو كأنه مُثير تقريباً بقدر ظهور الإنترنت. في ذلك الزمان، جرينسبان تخلّى عن المعركة. فبعد أن اجتاحت الأسواق الناشئة الأزمات، خفّض في نهاية المطاف أسعار الفائدة عقب انهيار صندوق التحوّط "لونج تيرم كابيتال مانيجمنت" عام 1998، ليُعلن فترة من جنون السوق.
في الأسبوع الماضي، جانيت ييلين، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي، وجهت ما يمكن أن يكون تحذيرا متعمدا لأسواق الأصول، ما يُشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي قد يكون قويا جداً بحيث لن يكون بحاجة إلى التحفيز من المالية العامة الذي على وشك أن يُديره الجمهوريون (ظلال "الحماس الطائش"). بالحكم استنادا إلى عملية البيع الكبيرة في الأسواق الناشئة الأسبوع الماضي، فإن أي أزمة هناك قد توقف أي محاولات من جانبها لكبح جماح الأسواق، مثلما حدث مع جرينسبان.
يجب توافر شرطين لتتحول هذه الغرائز النشطة إلى فقاعة على غرار عام 1999. أولاً، المعقولية: إذا كانت الإصلاحات الصديقة للأسواق، بعد عام من الآن، جزءا من القانون، وهناك أدلة ملموسة على أن ترمب أقنع الشركات بالإنفاق والاستثمار أكثر، عندها من المرجح أن تنمو الفقاعة أكبر بكثير.
ثانياً، هي بحاجة إلى بنك مركزي متوافق. كلمات ييلين المتشددة كانت بمثابة مفاجأة كبيرة - أخّرت "داو 20000" على الأقل بضعة أيام أخرى. ربما تكون قد حصلت على الإلهام من قراءتها لمصير جرينسبان عندما واجه الغرائز النشطة بهذا الشكل قبل 20 عاماً.