التجارة ومدنها في عهد المماليك
خلقت بنية المجتمع المديني وتفوق النظام المملوكي في حياة المدن الاقتصادية صورة الاعمال السياسية التي كانت المدن تحكم
بموجبها. والمجتمعات المدينية ٬ بحكم اعتمادها على النخبة المملوكية للدفاع عنها وتأمين المواد الضرورية من غذاء وسواه٬
وتوفير البقاء للأسس الطبيعية المدينية٬ كانت تعمل ضمن الاطار الذي أحدثه التصرف المملوكي. واستجابة لهذه الاسس
والسلطات جر"الاعيان" الى المساهمة في حكم مشترك مع المماليك وسيطرة مشتركة على المجتمع.
كان هؤلاء الأعيان من التجار الكبار في المدن الاسلامية٬ وقد تمتعوا بنفوذ كبير واحتلوا مراكز اجتماعية بارزة . فقد كانوا
تجارجملة وسماسرة وأضحوا تجاراً عالميين ووسطاء في بيع السلع الكمالية . وفي احيان كثيرة كانوا انداداً للأمراء .
وكان بعضهم يتمتع بمستوى معيشي خيالي٬ ولم يكن سكناهم في القصور الفخمة أمراً غير اعتيادي .
فقد انفق عبد الرحمن٬ وهو تاجر حبوب ٬ خمسة الآف دينار ٬
وهو مبلغ خيالي بمقياس ذلك الزمان ٬ ثمناً لمنزل وزخرفه بأروع المنجور الخشبي الداخلي والقطع الرخامية .
أما رئيس تجار"المكارم" برهان الدين المحلي المتوفي في سنة 1403 م .
فكان يملك قصراً بلغ ثمنه 50 الف دينار
وفي ما خلا قصور تنكز الذي حكم دمشق بين سنتي 1312 و 1340 م . فقليلة هي الممتلكات المملوكية المعروفة بانها كانت
تساوي أكثر من ذلك . لقد رعى التجار الاغنياء ٬ كما فعل الحكام ايضاً ٬ الحرف الكمالية واستمتعوا باقتناء واستعمال الأواني
الفضية والنحاسية والأخشاب الثمينة والأجواخ الأنيقة .
تدل السير ان ثروات بعض التجار بلغت ما بين مئة الف واربعمة الف دينار٬اضافة الى سلع وموجودات اخرى غالية الثمن
امتلكوها . وقد ذكر زائر اوروبي الى القاهرة في اواخر العهد المملوكي ويدعى ثينود ان مئتي تاجر كانوا يملكون مليون
"ساروف" من الذهب. وقال ثينود ان هذه الثروات لم تكن بينة او ظاهرة خشية ان تصادرها السلطات.
أما أرنولد فون هارف الذي زار المنطقة قبل ثينود بقليل فأخبر ان التجار كانوا يملكون ثروات تبلغ بين ثلاثين الف واربعين الف دوكاتية٬
وهي عملة ذهبية اوروبية. وحتى ان البعض كان يملك مئتي الف دوكاتية .
وظف التجار فائض ثرواتهم في شراء ممتلكات وعقارات وقيساريات وحوانيت ومعاصر وحمامات وخانات. وهذا ما جعل منهم
قوة اجتماعية هائلة. وأظهرت سجلات الاوقاف ان العديدين منهم تملك الاراضي والكروم والبساتين والحدائق. وفي مدينة دمشق
كان عدد كبير من التجار الأثرياء يسكنون في قرى قريبة من المدينة.
وكانت الملكيات الأصغر مقتناة على نطاق واسع الى درجة كان معها بالامكان ايجاد سوق منتظمة لها سماسرتها وشهودها
يساعدون في تدبير المبادلات التجارية.
حولت ثروة التجار نفسها الى قوة اجتماعية من خلال امتلاك العبيد.
وبعض هؤلاء العبيد كانوا خدماً والبعض الآخر عملوا كعملاء في الاعمال التجارية٬ خاصة في تجارة التوابل .
وكان تجار العبيد غالباً ما يحتفظون بعبيد يقومون عل خدمتهم الشخصية قبل ان يبيعونهم من الامراء.
وذكر ابن بطوطة ان تاجراً اسكندراني يدعى ابن رواحه احتفظ بعدد يرواح بين مئة ومئتي عبد من حملة السلاح لحفظ النظام في المدينة نيابة عن السلطان.


إستمد التجار الأثرياء شهرتهم بفضل ثرواتهم وبفضل الدور الذي لعبوه في حياة المدن الاقتصادية.
فقد نوسط هؤلاء التجار في بعض المبادلات في المواد٬ بين الاقتصاد المنزلي للدولة وبين الاقتصاد المديني العام٬
وعملوا في توزيع الحبوب بين الريف والمدينة٬ متاجرين بالحبوب الحرة او عاملين كسماسرة لحبوب الامراء.
كذلك عمل هؤلاء التجار كوسطاء في التجارة الخارجية بين امبراطورية المماليك وجنوبي غربي آسيا وتركيا وايران واوروبا .
ووجد التجار أنفسهم في كل هذه النشاطات مرتبطين بشكل حميم بالدولة المملوكية.
فلقد دفعتهم أهمية اقتصاد الدولة الى التعامل مع النظام . وبما ان القسم الأكبر من الأراضي والأملاك المدينية
والمواد الخام في أيدي الأمراء والسلاطين٬ وبما ان قدراً كبيراً من القوة الشرائية في المدن كان يتولد بفعل
وجود العائلات المملوكية الكبيرة المستهلكة للمنتجات الكمالية والاطعمة والقماش والحيوانات والأثاث والزخارف والأواني ٬
لذلك انغمس التجار في الاتجار بهذه المواد والكماليات الرائجة.
وبوصفهم من متعهدي السلع الرئيسة والسلع الكمالية٬ كانوا يقومون بشكل منتظم على خدمة العائلات المملوكية .

لم يكن المماليك مستهلكين فحسب٬ بل كانوا ايضاً مستثمرين في حقل التجارة. وقد أظهر تاريخ تلك الحقبة
ان المماليك وظفوا تجاراً او عقدوا مشاركات مع تجار ليتاجروا بالنيابة عنهم .
كما مولوا التجارة الخارجية ٬ بيعاً وشراء٬ وأرسلوا بعثات تجارية لشراء التوابل.
ويذكر في هذا المجال ان احد الامراء وظف مئة الف دينار في بعثة الى اليمن ضاعت في البحر.
وعرف ان بعض الامراء تعامل بتجارة المشروبات الروحية والخنازير التي كانوا يبيعونها من الاوروبين٬
منتهكين بذلك حرمة المحظورات الدينية. وبالمقابل كان عدد قليل من الامراء يمتهنون التجارة الخارجية مع اوروبا
فباعوا القطن من أهالي البندقية.
ظهرت في هذا الوقت مؤسسات مصرفية متواضعة الحجم بالمقارنة مع المؤسسات الاوروبية التي كانت قائمة آنذاك.
وقد عرف الايداع المصرفي نشاطاً مقبولاً.
وكان هناك تمييز بين الودائع التي وضعت لحفظها وحمايتها وتلك التي أودعت للاستثمار.
وكان العلماء بحفظون أموالهم في المصارف لحمايتها أكثر مما كان يفعل التجار.
وساعد مبدلو العملة الذبن كانوا يسمون صيارفة في جمع الواردات المالية وفي حفظ السجلات المالية٬
كما كانوا احياناً يقومون باعمال صارفي الرواتب في الدوئر الحكومية.

ولطالما لجأت الدولة الى هؤلاء الصيارفة لجباية الضرائب مقابل عمولة مقدارها ثلاثة بالمئة .
ولم يمض طويل زمن حتى دخل الصيارفة الى دوائر الدولة .
فتاج الدين الأرمني مثلاً ٬ عين حاكماً لقطيا٬ وهي المركز الجمركي الرسمي على الحدود السورية.
وكان والده ارمنياً مسيحياً اعتنق الاسلام في القاهرة وأصبح صرافاً في قطيا.
وتابع ابنه تاج الدين هذا العمل كموظف ثم رقي ليصبح حاكماً. ثم خلفه ابنه من بعده.

إحتكر تجار الكارم (التوابل) الى حد كبير الاعمال المصرفية في خلال هذه الفترة.
فقد مكنتهم ثرواتهم وتنظيمهم الدقيق من اعطاء قروض ضخمة٬ ليس كأفراد٬
بل كاتحادات مالية ممثلة بعدد قليل من اعضائها القياديين. وسهل لهم عملهم كمقرضين
للمال ان يرتبطوا ارتباطاً وثيقاً بالاعمال الحكومية.
ففي سنة 1288 م . ٬ على سبيل المثال ٬ طلب اليهم ان يدفعوا الغرامات عن الموظفين الرسميين الدمشقيين
الذين كانوا قد استدعوا الى القاهرة ولم يكن معهم مال نقدي جاهز .
وخشي الوزير من ان يحاولوا التملص من دفع ما توجب له عليهم إن هو سمح لهم بالعودة الى دمشق قبل ان يستعيد امواله ٬
ففرض على تجار الكارم (التوابل) ان يقرضوا الدمشقيين ما يكفي من المال المستحق له
على ان يسترجعوه عبر صلاتهم التجارية والرسمية مع دمشق.

وبدوره لجأ السلطان القاهر محمد سنة 1311 م . الى تجار الكارم لتسديد دين عليه لعدد من التجار الاوروبيين بلغ 16 الف دينار.
ولم يبخل تجار الكارم من مد السلطان بما احتاج اليه لتمويل حملاته العسكرية.
فقد أقرض الخروبي والمحلي وابين ومسلم السلطان مبلغ مئة الف دينار.
كما أقرض الكارميون ( تجار التوابل ) اموالاً للأمراء الاجانب.
فاقترض سلطان مالي مثلاً مالاً من ابن كويك اثناء زيارة الى القاهرة .
كذلك اقترض حاكم اليمن في سنة 1350م.
اربعمئة الف دينار كي يدفع فديته للسلطان ٬ ومبلغاً اضافياً قدره مئة الف دينار لتسديد نفقات عودته الى بلاده
بعد ان مارست والدته الضغوط على الكارميين لتنفيذ هذه القروض٬ مهددة بمصادرة بضائعهم في عدن .

لم يكن الكارميون (تجار التوابل) وحدهم الذين أقرضوا الدولة اموالاً.
فقد كان تجار وصيارفة آخرون يقدمون للسلطان والامراء قروضاً ضخمة .
وكانت بعض هذه " القروض" في الحقيقة ابتزازات او قروضاً بالاكراه .
ومن المشكوك فيه ان يكون قد اعيد تسديدها الى أصحابها .
فمثلاً ٬ صودرت بضائع كارميني (تاجر توابل) سنة 1337 م. بحجة انها "قرض" يسدد فيما بعد.
وفي سنة 1400 أكره السلطان التجار على " قرضه " نصف بضائعهم.
وحتى حين كانت القروض تسدد فلم يكن السلاطين يتورعون عن رد قروض التجار بأقل مما استحق لهم .
فقد سدد السلطان الناصر محمد ديونه سنة 1240 م. بالعملة الفضية بعد ان أعاد تقييمها بمرسوم لمصلحته.

أعطت الدولة وعائلات السلطان التجار توظيفاً مباشراً بسبب نشاطاتهم الصناعية والتجارية الواسعة.
فوزير مالية السلطان الخاص كانت له متاجره او مكاتبه التجارية في القاهرة والاسكندرية التي تخزن المواد لاستخدامها في الازمات.
وكان مدراء هذه المكاتب في الغالب من الامراء او الموظفين الكبار المحترفين.
غير ان التجار كانوا احياناً يشغلون مناصب تجار السلطان.
وكان منصب آخر شغله التجار هو تاجر ثروة السلطان السرية.
وهو المركز الذي شغله مرة اسماعيل بن محمد الذي كان تاجر تبن مرتبط بأرغون شاه الذي كان في يوم من الايام حاكم دمشق .
دخل اسماعيل هذا فيما بعد في خدمة السلطان وارتقى الى رتبة "خواجا"٬
وهو لقب شرف اطلق على التجار الذين كانوا في الخدمة الرسمية .
وكان رئيس التجار الكارميين العظيم برهان الدين المحلي تاجر السلطان وتاجر المال الخاص الشريف.
وكانت هناك مراكز تجارية اخرى في خدمة السلطان كانت تسمى تاجر ومراقب المكاتب التجارية.
كما ان مركز الوكيل الخاص٬ وهو وكيل المال السري ٬ كان يشغله احياناً تجار لأنه يمكن ان يشتمل على أعمال تجارية .

عمل التجار في تجارة الرقيق. وفي هذه الحالة كانت نشاطات التجار تميل الى الاندماج بالمناصب البيروقراطية.
فالعلاقات التجارية مع بلاد القرم والسهوب الروسية والنجود القوقاسية كانت شرايين حياة الدولة٬
كما كانت تجارة الرقيق ذات نتائج سياسية ودبلوماسية مهمة.
فمن اجل الحصول على اعداد مناسبة من العبيد كان السلطان يفوض أمر ذلك للتجار ويؤمن الاموال مقدماً ٬
ويعهد اليهم ٬ اي التجار ٬ باقامة علاقات دبلوماسية مع مقاطعات التتر.
وكان التجار الذين بلغوا درجة متقدمة من الاطلاع على أحوال البلاد الشمالية يعينون سفراء هناك او عملاء
بعملون على انشاء احزاب محابية للسلطان في الممالك التتارية والتركمانية .
وكان العديد من تجار الرقيق يحملون لقب الخواجا وأصبحوا فيما بعد شخصيات لها شأنها في الدوائر المملوكية .
وغالباً ما كان تجار الرقيق يشغلون مناصب ذات تأثير كبير لأن المماليك كانوا يحترمون التجار الذين جلبوا هؤلاء الارقاء الى مصر.
وبدورهم عمد التجار الى حماية النظام او مساعدته.
ضمنت المعاهدات التي عقدها المماليك مع الامبراطورية البزنطية سلامة التجار وممتلكاتهم على نحو متبادل٬ وذلك بقصد
الاحتفاظ بطرق الرقيق مفتوحة الى بلاد القرم . وابرمت معاهدات مماثلة مع ارمينيا وصور وعّكا في القرن الثالث عشر
الميلادي. أما أكثر المعاهدات أهمية فكانت تلك التي ضمنت السلامة الشخصية والحماية القنصلية للتجار الاوروبيين الذين كانوا
يأتون للتبضع من بلاد المماليك . فاخذت تدابير لاسكانهم في احياء سالمة وحددت الضرائب والرسوم الجمركية والبنود التجارية
وممارسة الاعمال التجارية تحديداً واضحاً ودقيقاً.
أدت العلاقات السياسية الجيدة وتبادل السفارات الى ضمان سلامة التجار. فالمماليك عرضوا حماية عامة بموجب تعميم أصدروه
سنة 1288 م . ووزع على نطاق واسع في اليمن والهند والصين. وكان هذا التعميم وكأنه صورة رسمية للمعاهدات مع
الاوروبين الذين٬ بدورهم ٬ سعوا الى علاقات سياسية واقتصادية حسنة مع المماليك. وكان تجاوب جيد من جهة أهل الشرق
فأرسل حكام سيلان هدايا للمسؤولين المماليك ودعوا الى اقامة علاقات تجارية بين الفريقين. كما أرسلت حكومة الهند هدايا
وسفراء لتوطيد العلاقات الحسنة وتشجيع التجارة. غير ان البعثة الرسمية الاولى التي ارسلتها الهند سنة 1330 م .
وقعت في الاسر واغتيلت في اليمن. اما البعثة الثانية فوصلت بأمان في السنة التالية وتلتها بعثات أخرى .
وفي القرن الخامس عشر
وضعت حكومة هندية نفسها تحت السيادة المملوكية وارسلت السفراء لتنشيط العلاقات السياسية والدينية والتجارية.
بذلت دولة المماليك جهوداً كبيرة لحماية التجار المسلمين من القراصنة الاوروبيين الذين تكاثرت اعتداءاتهم على التجارة
الاسلامية مما حمل المماليك على القاء القبض على التجار الاوروبيين داخل الامبراطورية المملوكية وصادرت بضائعهم وهددت
الاماكن المسيحية المقدسة ورجال الاكليروس بهدف الانتقام من هجمات القراصنة . ومن جهة ثانية بذلت جهوداً كبيرة لتشجيع
الدول الاوروبية الراغبة في الاتجار مع الشرق لشن الحرب على قواعد القراصنة . وكان على المماليك أنفسهم في النهاية ان
يذهبوا الى الحرب في البحار . وعلى اليابسة أغار المماليك على البلدان والقرى التي كانت تعترض القوافل التجارية البرية
وحولت اليمن بكامله الى اقطاعية بغية حماية تجارة التوابل . كذلك أرسل المماليك السفراء لتقديم الاحتجاج على التدخلات
الاناضولية والنوبية ضد القوافل ٬ حتى وصل بهم الحال الى رفض البدء بمفاوضات لانهاء الحرب مع العثمانيين حتى يطلق
سراح التجار المحتجزين لدى العثمانيين .
إن الحماية التي منحت للنشاط التجاري ٬ حتى ضمن حدود امبراطورية المماليك ٬ واعتماد التجار الكلي على سياسات الدولة ٬
كانا مميزين . وعلى الرغم من ان العمل على تهدئة الامبراطورية كان جزءاً من الأهداف المملوكية العامة ٬ فقد كان من
الضروري ان يعار انتباه خاص الى حاجات التجارة . فكان على الطرق ان تظل متحررة من البدو وقطاع الطرق . وكان لا بد
من تجنيد البدو لحماية القوافل عبر الصحراء وان يضمن الأمن على طرقات البريد والحج والتجارة . وكان هؤلاء البدو
يتقاضون اتاوات من التجار او رواتب من الدولة لقاء هذه الخدمات .
لم توفر الدولة الحماية للتجار فحسب ٬ بل كانت تقدم لهم مساعدات مهمة من قبل دوائر البريد الرسمية والخانات التي يجري فيها
ابدال خيول القوافل على طول الطريق الرئيسة التي كانت مدعومة من الدولة او من الاوقاف . وكان التجار يجدون المأوى
والمؤنة . غير ان هذه المساعدات والخدمات الرسمية ضعفت مع ازدياد ضعف الدولة ٬ فمال نظام البريد الى التفكك والاهمال
وتقلصت المساعدات الحكومية للتجار المسافرين . وما ان أقبل القرن الخامس عشر الميلادي حتى أصبحت شبكة الخانات
والنزل في فوضى واهمال وغدت المواصلات مشوشة ومضطربة الى حد كبير . وما زاد التين بلة ان المماليك أنفسهم أصيبوا
بالشجع٬ وساد الفساد المالي الذي أصبح أسلوباً لحياة المماليك في مصر وسورية . وتلخص وضعية التجار الكارم ( تجار
التوابل) هذا الوضع والنمط . فهؤلاء التجار كانوا يجرون عملياتهم في البحر الأحمر والمحيط الهندي ٬ جالبين التوابل الى مصر
لبيعها من التجار الايطاليين وتجار الحوض البحر المتوسط . وقد جعلتهم هذه التجارة المربحة جداً النخبة في طبقة التجار النبلاء
والموظفين الكبار لدى الدولة فقبل الكثر من المماليك ان يضعوا استثماراتهم في ايدي الكارميين . وكان لهؤلاء النبلاء الجدد
علاقات حميمة مع رجال الدولة بدءاً من السلطان والنخبة الحاكمة ٬ حتى انهم كانوا يدفعون النظام الى بيعهم الفائض من مخزون
الكارم ( التوابل ) الحكومي باسعار مخفضة . وبما ان الدولة كانت بحاجة ماسة الى المال فانها لم تتردد بالتجاوب مع رغبة
النبلاء .
إستأنفت الدولة جهودها الدبلوماسية لحماية التجارة التي كانت لها فيها حصة المضارب . وشهد القرن الثامن عشر ومثله القرن
التاسع عشر دخول الدولة على خط التجارة وبذل ما كانت بين أيديها من قوة عسكرية لحماية التجارة من القراصنة والحكام
الصغار على طول شاطئ المحيط الهندي وشواطيء البحر الأحمر .
وفي الوقت نفسه بدلت سياستها التي كانت قائمة على
التدخل المباشر للمشاركة الفعلية في التجارة ٬ بيعاً وشراء ٬
وأطلقت أيدي الكارميين وأوقفت تنافسها الذي ساد في أواخر القرن الرابع عشر وبواكير القرن الخامس عشر ٬
مقابل اتخاذ تدابير تمنع الفوضى في التجارة والتملص من دفع الضرائب .
فعينت الدولة مراقبين ليشرفوا على موانئ البحر الأحمر وعنابر الكارميين في القاهرة والإسكندرية ودمشق .
وكان يطلق على هؤلاء المراقبين الرسميين اسم ناظر الكارم .
وكان على رأس التجار أنفسهم رؤساء يؤمنون الارتباط بينهم وبين الدولة من أجل حفظ الأمن وتحقيق الخدمات الدبلوماسية والمصرفية .
وكان كل هؤلاء المراقبين يختارون من الكارميين ٬ وقد نجحوا في استعادة سلطة النظام وتطبيقه
بعد ان أدخلوا تحسينات على مراقبة تجارة التوابل
وأضحى المراقبون فئة منظمة يقتصر عملها على المراقبة وتنظيم العلاقات المالية بين جميع الفرقاء
ولم يتدخلوا في احتكار التجارة ٬ بل سمحوا للافراد من كل الفئات ان يشتركوا فيها بعد ان يتقدموا بطلبات رسمية .
وقد رأينا تجاراً ينشطون في هذا الوقت لتوسيع التجارة مع الصين والهند واليمن .
إختفى الكارمييون خلال العقود الاولى من القرن الخامس عشر . ففي هذا القرن إتخذت الدولة خطوات كبيرة لاستيعاب التجار
استيعاباً كاملاً في الدولة ولاضعاف طبقة التجار المستقلين . ونجحت هذه التدبير التي جاءت في أعقاب الحرب الأهلية التي
استمرت من سنة 1388 م الى 1422 م . وكان الغرض منها وقف النزف الكبير التي أحدثته أعمال العنف المتواصلة
وانخفاض الانتاج . وعمدت الدولة الى احتكار أقسام كبيرة مما كان يعتبر اقتصاداً خاصاً . وأنشأ السلطان برسباي اول جهاز
لاحتكار تجارة الكارم بموجب امر سلطاني
صدر في العام 1428 م . وأجبر الاوروبيين على شراء مقادير محددة من التوابل باسعار محددة بواسطة وكلائه . كما حظر
على التجار المسلمين الاتجار بصورة شخصية ٬ الى ان يكون السلطان قد انجز اعماله التجارية وباع كل ما كان في مخازنه .
وفي بعض الاحيان كان يتم إقصاء التجار كلياً عن عمليات البيع . وكانت النتيجة ان حل احتكار الدولة محل التجار الكارميين
المستقلين .
فوض السلطان برسباي في المراحل الاولى للاحتكار التجار ليشتروا التوابل لحسابه . ويذكر تاريخ هذه الفترة ان أحد هؤلاء
التجار ٬ وهو علي الكيلاني ٬ نال نصيباً متواضعاً من الارباح بينما حقق السلطان من صفقة واحدة 12 الف دينار . وفي القرن
الخامس عشر وما بعده تحول التجار الى موظفين رسميين منتظمين . وكان احد الموظفين الكبار يسمى ملك التجار وكان عمله
الوحيد مراقبة القطاع الشرقي من طريق التوابل بين الهند وعـدن ومكة . وفي الإسكندرية ٬ كانت تجارة التوابل ( الكارم ) تدار
لمصلحة السلطان بواسطة تجاره ومكتب الدائرة التجارية في المدينة .
وفيما كانت تجارة التوابل أكثر مكتسبات الدولة قيمة وديمومة لسهولة ضبطها ٬ كانت التجارات الاخرى تتحول الى جزء من
احتكارات الدولة ٬ ومن بينها تجارة السكر والقطن والنطرون المستعمل في صباغة الثياب ٬ فضلاً عن تجارة الحبوب والاخشاب
ومقالع الحجارة . وبدورها أعيد تنظيم تجارة الرقيق بطريقة ممائلة ٬ أي كوكالة حكومية . هنا دخل تجار البندقية على تجارة
الرقيق نظراً لعلاقاتهم بمصادر المعلومات المتعلقة بالرقيق في مدينة كافا الواقعة على شاطئ بحر قزوين . وكانت هذه التجارة
يعهد بها الى " تجار – موظفين " يسمون الخواجات واحياناً يلقبون بتجار السلطان . وكانوا بدورهم يعملون تحت اشراف احد
الامراء الذي كان يسمى " معلم تجار المماليك " .
أدت هذه المشاركة المكثفة من قبل الدولة ان زاد عدد التجار العاملين كوكلاء وموظفين منتظمين لدى السلطان وتكاثرت الدوائر
الحكومية التجارية والموظفين العاملين فيها . وفي القرن الخامس عشر أصبح لقب " الخواجا" مألوفاً أكثر فأكثر في مصر
وسورية ودل انتشاره على استيعاب الدولة للعناصر المهمة في طبقة التجار الارستقراطية . فقد كانت " الخواجا " رتبة رسمية٬
ارتبطت بها امتيازات المنصب ذاته في مجلس السلطان . وكانت هذه الرتبة أدنى الرتب في نظام الامتيازات الممنوحة لاعضاء
المحاكم العليا ومكاتب قاضي القضاة ٬ لكونها السابعة في سلم مكون من ثماني درجات .
أدى الارتباط المتزايد بين التجار والدولة ان فتحت ابواب توظيف التجار في مراكز ادارية متعددة وظهر اندماج بين مهنتي
التجارة والوظيفة الرسمية . فقد تسنم التجار مناصب في البيروقراطية طوال ما تبقى من عهد المماليك ٬ او على الأقل ٬ كانت
هويتهم محددة بالقاب تدل على مراتبهم البيروقراطية . وقد تمكن بعضهم من الوصول الى مراتب عالية ٬ كقضاة او مراقبي
المفتشين التجاريين . وأصبح التجار الكارميين ٬ بشكل خاص ٬ موظفين رسميين بسبب ارتباطهم الوثيق بالحكومة . وبذلك إنتقل
التجار من المنزلة الخاصة الى موظفين رسميين وشغل بعضهم مراكز رسمية متقدمة لا علاقة لها بالتجارة .
إنضم تجار مصريون وسوريون عديدون ٬ وكذلك بعض المعتنقين الجدد للدين الاسلامي ٬ الى الدوائر الحكومية برعاية الامراء
النافذين . فقد ادرك التجار ان هذه الرعاية فرصة سانحة لاستعادة النفوذ الذي فقدوه وللاستقلالية التي حنوا اليها . وبدوره أدرك
النظام المملوكي انه لن يستطيع ان يستغني عن خدمات النخبة من التجار . ومما سهل عملية التواصل هذه والولوج الى مرحلة
جديدة ان التجار الذين غدوا في منزلة متقدمة في المجتمع أيقنوا ان بامكانهم الآن ان يحتلوا موقعاً متوسطاً بين عالمي الدولة
والمجتمع بعد ان أصبحوا الوسطاء الأهم في المبادلات الاقتصادية والاجتماعية .

المراجع

" بعنوان 1987 سنة بالعربية نشر . Lapidus , Ira : Muslim Cities in the the Later Middle Ages, Cambridge University Press , 1984 *1
مدن اسلامية في عهد المماليك " ٬ الأهلية للنشر والتوزيع ٬ بيروت .
. Hurani , Albert & Stern ,S.M. : The Islamic City , Oxford University Press , 1970 – 2
. Brown , L.C. : From Madina to Metropolis , Princeton , 1973 – 3