warning مرحباً بزائرنا ، يبدو أنك لم تقم بالتسجيل بعد ، يسعدنا إنضمامك لنا
أهلا وسهلا بك إلى شبكة خبراء الأسهم.
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الجنة والنار*

  1. #1
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي الجنة والنار*

    • الجنة والنار







    • المؤلف: عمر سليمان الأشقر
    • عدد الصفحات: 278
    • الحجم (بالميجا): 4
    • فهرس الكتاب: تمهيد : تعريف وبيان

      الفصل الأول : الجنة والنارمخلوقتان
      شبهة من قال النار لم تخلق بعد

      الفصل الثاني : خزنة النار

      الفصل الثالث : صفة النار
      المبحث الأول : مكان النار
      المبحث الثاني : سعة النار وبعد قعرها
      المبحث الثالث : دركات النار
      المبحث الرابع : أبواب النار
      المبحث الخامس : وقود النار
      المبحث السادس : شدة حرها وعظم دخانها وشرارها
      المبحث السابع : النار تتكلم وتبصر
      المبحث الثامن : رؤيا ابن عمر للنار
      المبحث التاسع : هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة عيانا
      المبحث العاشر : تأثير النار على الدنيا وأهلها

      الفصل الرابع : النار خالدة لا تبيد

      الفصل الخامس : أهل النيران وجرائمهم
      المبحث الأول : أهلها المخلدون فيها
      المطلب الأول : التعريف بهم
      المطلب الثاني : النار مسكن الكفرة والمشركين
      المطلب الثالث : الدعاة إلى النار
      المطلب الرابع : أعظم جرائم الخالدين في النار
      المطلب الخامس : جملة جرائم الخاللدين في النار
      المطلب السادس : أشخاص بأعيانهم في النار
      المطلب السابع : كفرة الجن في النار
      المبحث الثاني : الذين لا يخلدون في النار
      المطلب الأول : التعريف بهم
      المطلب الثاني : الذنوب المتوعد عليها بالنار :
      1الفرق المخالفة للسنة
      2الممتنعون من الهجرة
      3الجائرون في الحكم
      4الكذب على الرسول صل الله عليه وسلم
      5الكبر
      6قاتل النفس بغير حق
      7أكله الربا
      8الذين بأكلون أموال الناس بالباطل
      9المصورون
      10الركون إلى الظالمين
      11الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس
      12الذين يعذبون الحيوان
      13عدم الإخلاص في طلب العلم
      14الذين يشربون في آنية الذهب والفضة
      15الذي يقطع السدر الذي يظل الناس
      16جزاء الانتحار

      الفصل السادس : كثرة أهل النار
      المبحث الأول : النصوص الدالة على ذلك
      المبحث الثاني : السر في كثرة أهل النار
      المبحث الثالث : أكثر من يدخل النار النساء

      الفصل السابع : عظم خلق أهل النار

      الفصل الثامن : طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم

      الفصل التاسع : عذاب أهل النار
      المبحث الأول : شدة مايكابده أهل النار من عذاب
      المبحث الثاني : صور من عذابهم
      المطلب الأول : تفاوت عذاب أهل النار
      المطلب الثاني : انضاج الجلود
      المطلب الثالث : الصهر
      المطلب الرابع : اللفح
      المطلب الخامس : السحب
      المطلب السادس : تسويد الوجوه
      المطلب السابع : إحاطة النار بالكفارة
      المطلب الثامن : إطلاع النار على الأفئدة
      المطلب التاسع : اندلاق الأمعاء في النار
      المطلب العاشر : قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم
      المطلب الحادي عشر : قرن معبواتهم وشياطينهم بهم في النار
      المطلب الثالث عشر : حسرتهموندمهم ودعاؤهم

      الفصل العاشر : كيف يتقي الإنسان نار الله


      الباب الثاني: الجنة
      تمهيد : تعريف وبيان

      الفصل الأول : دخول الجنة
      المبحث الأول : الشفاعة في دخول الجنة
      المبحث الثاني : تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول
      المبحث الثالث : الأوائل في دخول الجنة
      المبحث الرابع : الذين يدخلون الجنة بغير حساب
      المبحث الخامس : الفقراء السبقون الاغنياء إلى الجنة
      المبحث السادس : أول ثلاثة يدخون الجنة
      المبحث السابع : دخول عصاة المؤمنين الجنة
      المطلب الأول : إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة
      المطلب الثاني : موقف الفرق من الشفاعة
      المبحث الثامن : آخر من يدخل الجنة
      المبحث التاسع : الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة

      الفصل الثاني : الجنة خالدة وأهلها خالدون
      المبحث الأول : النصوص الدالة على ذلك
      المبحث الثاني : القائلون بفناء الجنة

      الفصل الثالث : صفة الجنة
      المبحث الأول : الجنة لا مثل لها

      المبحث الثاني : أبواب الجنة

      المبحث الثالث : درجات الجنة

      المطلب الأول : الأدلة على أن الجنة درجات وأهلها فيها متفاوتون في الرفعة

      المطلب الثاني : أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم

      المطلب الثالث : المنزلة العليا في الجنة

      المطلب الرابع : الذين ينزلون الدرجات العاليات

      المبحث الرابع : تربة الجنة

      المبحث الخامس : أنهار الجنة

      المبحث السادس : عيون الجنة

      المبحث السابع : قصور الجنة وخيامها

      المبحث الثامن : نور الجنة

      المبحث التاسع : ريح الجنة

      المبحث العاشر : أشجار الجنة وثمارها

      المطلب الأول : أشجارها وثمارها كثيرة متنوعة دائمة

      المطلب الثاني : وصف بعض شجر الجنة

      1الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام

      2سدرة المنتهى

      3شجرة طوبى

      المطلب الثالث : سيد ريحان الجنة

      المطلب الرابع : سيقان أشجار الجنة من ذهب

      المطلب الخامس : كيف يكثر المؤمن حظه من أشجار الجنة

      المبحث الحادي عشر : دواب الجنة وطيورها


      الفصل الرابع : أصحاب الجنة
      المبحث الأول : الأعمال التي استحقوا بها الجنة
      المبحث الثاني : طريق الجنة شاق
      المبحث الثالث : أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار في الجنة
      المبحث الرابع : الضعفاء أكثر أهل الجنة

      المبحث الخامس : هل الرجال اكثر في الجنة أم النساء ؟

      المبحث السادس : الذين توفوا قبل التكليف

      المطلب الأول : أطفال المؤمنين

      المطلب الثاني : أطفال المشركين

      المبحث السابع : مقدار ما يدخل الجنة من هذه الأمة

      المبحث الثامن : سادة أهل الجنة

      المطلب الأول : سيدا كهول أهل الجنة

      المطلب الثاني : سيدا شباب أهل الجنة

      المطلب الثالث : سيدات نساء أهل الجنة

      المبحث التاسع : العشرة المبشرين بالجنة

      المبحث العاشر : بعض من نص على أنهم في الجنة غير ذكر

      2-1جعفر بن أبي طالب وحمزة بن عبدالمطلب

      3عبدالله بن سلام

      4زيد بن حارثة

      5زيد بن عمرو بن نفيل

      6حارثة بن النعمان

      7بلال بن أبي رباح

      8أبو الدحداح

      9ورقة بن نوفل

      المبحث الحادي عشر : الجنة ليست ثمنا للعمل


      الفصل الخامس : صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها


      الفصل السادس : نعيم أهل الجنة

      المبحث الأول : فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا

      المبحث الثاني : طعام أهل الجنة وشرابهم

      المطلب الأول : خمر أهل الجنة

      المطلب الثاني : أول طعام أهل الجنة

      المطلب الثالث : طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه

      المطلب الرابع : لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون

      المطلب الخامس : آنية طعام أهل الجنة وشرابهم

      المبحث الثالث : لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم

      المبحث الرابع : فرش أهل الجنة

      المبحث الخامس : خدم أهل الجنة

      المبحث السادس : شوق أهل الجنة

      المبحث السابع : اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم

      المبحث الثامن : أماني أهل الجنة

      المبحث التاسع : نساء أهل الجنة

      المطلب الأول : زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة

      المطلب الثاني : المرأة لآخر أزواجها

      المطلب الثالث : الحور العين

      المطلب الرابع : يعطي المؤمن في الجنة قوة مائة رجل

      المبحث العاشر : ضحك أهل الجنة من النار

      المبحث الحادي عشر : التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة

      المبحث الثاني عشر : أفضل ما يعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم

      المبحث الثالث عشر : الفوز بنعيم الجنة لا يستلزم ترك متاع الدنيا

      المبحث الرابع عشر : آخر دعواهم


      الفصل السابع : الحاجة بين الجنة والنار




    https://ia700802.us.archive.org/29/i...5yumakher3.pdf



    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  2. The Following 2 Users Say Thank You to متواصل For This Useful Post:


  3. #2
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    حاولت أن اختصر قدر الإمكآن وأطرحه بشكل جميل ..
    لموضوع حقيقة في غآية الروعة والفآئدة .. فلآ تنظر لطول الموضوع .. بل اقرأ ولن تتوقف


    الجنة


    الجنة هي الجزاء العظيم ، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته ،وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول - صل الله عليه وسلم - يحير العقل ويذهله ، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه.
    استمع إلى قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ،ولا خطر على قلب بشر" ثم قال الرسول - صل الله عليه وسلم - : " اقرؤوا إن شئتم ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) [السجدة:17]".
    وتظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا ، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئاً. ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ".
    ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم ، والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) [ آل عمران:185]، وقال: ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) [ التوبة:72]، وقال أيضا : ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) [ النساء:13].
    قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة الطحاوية : " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد ".

    دخول الجنة
    لاشك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمراً إلى جنات النعيم ، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها ، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات ، وشاهدوه من الأهوال ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) [ الزمر:73]، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية ، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات.


    الأوائل في دخول الجنة
    أول البشر دخولاً الجنة على الإطلاق هو رسولنا محمد - صل الله عليه وسلم - وأول الأمم دخولاً الجنة أمته ، وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    الذين يدخلون الجنة بغير حساب
    أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق ، يدخلون الجنة صفاً واحداً، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.
    روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب ، أمشاطهم من الذهب والفضة ، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك ، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً ".
    وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف – لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
    وقد صح أن الله أعطى رسوله - صل الله عليه وسلم - مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفاً ، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " أعطيت سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ، وجوههم كالقمر ليلة البدر ، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل ، فزادني مع كل واحد سبعين ألفاً ".
    وقد وصف الرسول - صل الله عليه وسلم - السبعين ألفاً الأوائل وبيَّن علاماتهم ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي - صل الله عليه وسلم -: " عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة ،والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة ، والنبي يمر وحده ، فنظرت فإذا سواد كثير ، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال : لا ، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير . قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت : ولم ؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم . قال : اللهم اجعله منهم. ثم قال إليه رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة ".

    الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
    روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة ٍإلى الجنة بأربعين خريفاً ".
    وروى الترمذي عن أبي سعيد ، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة ".
    وقد بيّن الرسول - صل الله عليه وسلم - في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه ، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين ، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة : أو قد حوسبتم ؟ فيقولون : بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم ، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس ".
    وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار ". وأصحاب الجد هم الأغنياء من المسلمين.

    أول ثلاثة يدخلون الجنة
    روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال : عُرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة : " شهيد ، وعفيف متعفف ، وعبد أحسن عبادة الله ، ونصح مواليه" .

    دخول عصاة المؤمنين الجنة
    إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة
    روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتتهم إماتة ، حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل".
    ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله يرفعه إلى رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " إن أقواماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم ، حتى يدخلون الجنة ".
    وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة بالجهنميين ، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما ، عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - صل الله عليه وسلم - ، فيدخلون الجنة ، يسمون الجهنميين ".
    وقد ورد في أكثر من حديث أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من إيمان، بل يخرج أقواماً لم يعملوا خيرا ً قط، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " يدخل الله أهل الجنة الجنة ،يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار ، ثم يقول: " انظروا من وجدتم في قلبه حبة من خردل من إيمان فأخرجوه.. ".

    آخر من يدخل الجنة
    عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -:" إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها ، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة : رجل يخرج من النار حبواً ، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب ، وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا ، فيقول: أتسخر بي – أو أتضحك بي – وأنت الملك ؟ قال : فلقد رأيت رسول الله - صل الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجذه ، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة " أخرجه البخاري ومسلم.

    الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة
    أول من دخل الجنة من البشر هو أبو البشر آدم ( وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ) [ البقرة:35]، وقال : ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) [ الأعراف: 19]، ولكن آدم عصى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها فأهبطه الله من الجنة إلى دار الشقاء : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً* وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى* فقلنا يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى* إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى* وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى* فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى* فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى* قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو ) [ طه : 115-123].
    ومن الذين يدخلون الجنة قبل يوم القيامة الشهداء، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران :169]. قال: " إنا قد سألنا عن ذلك فقال:" أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا: قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ".
    ومن مات عرض عليه مقعده من الجنة والنار بالغداة والعشي، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ".

    الجنة خالدة وأهلها خالدون
    الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد،وأهلها فيها خالدون ، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولا يبيدون ولا يموتون ، ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم ) [ الدخان:56]، ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) [ الكهف:107-108].
    إن مقتضى النصوص الدالة أن الجنة تخلق خلقاً غير قابل للفناء، وكذلك أهلها ، ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " من يدخل الجنة ينعم ، لا يبأس ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه ".
    واستمع إلى النداء العلوي الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة : " إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً ، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدا ، فذلك قوله عز وجل : ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) [ الأعراف:43].

    صفة الجنة
    الجنة لا مثل لها
    نعيم الجنة يفوق الوصف ، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما ترقى الناس في دنياهم ، فسيبقى ما يبلغونه أمراً هيناً بالنسبة لنعيم الآخرة، فالجنة كما ورد في بعض الآثار لا مثل لها، " هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز ، وقصر مشيد، ونهر مطرد وفاكهة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة ، في مقام أبداً، في حبرة ونضرة ، في دور عالية سليمة بهية.
    وقد سأل الصحابة الرسول عن بناء الجنة ، فأسمعنا الرسول - صل الله عليه وسلم - في الإجابة وصفاً عجباً، يقول عليه السلام في صفة بنائها: " لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس ، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابها ، ولا يفنى شبابهم ". وصدق الله حيث يقول : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ) [الإنسان:20].
    وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [ السجدة:17] ، وقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) [السجدة:17]. ورواه مسلم من عدة طرق عن أبي هريرة وجاء في بعض طرقه : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخراً ، بلْه (5) ما أطلعكم الله عليه، ثم قرأ : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) . [ السجدة:17]" (6). ورواه مسلم عن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله - صل الله عليه وسلم - مجلساً وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال - صل الله عليه وسلم - في آخر حديثه:" فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ هذه الآية : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون* فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [ السجدة: 16-17].

    أبواب الجنة
    للجنة أبواب يدخل منها المؤمنون كما يدخل منها الملائكة ( جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ) [ ص:50]، ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) [ الرعد:23].
    وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن هذه الأبواب تفتح عندما يصل المؤمنون إليها، وتستقبلهم الملائكة محيية بسلامة الوصول : ( حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ) [الزمر:73].
    وأخبرنا رسولنا - صل الله عليه وسلم - أن أبواب الجنة تفتح في كل عام في رمضان، فعن أبي هريرة، أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ".
    وعدد أبواب الجنة ثمانية، وأحد هذه الأبواب يسمى الريّان وهو خاص[بالصائمين] ففي الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل غيرهم".
    وهناك باب للمكثرين من الصلاة ،وباب للمتصدقين، وباب للمجاهدين ، بالإضافة إلى باب الصائمين المسمى بالريّان، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله، دُعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام ". فقال أبو بكر : والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال: نعم ، وأرجو أن تكون منهم".

    وسؤال أبي بكر يريد به شخصاً اجتمعت فيه خصال الخير، من صلاة، وصيام ، وصدقة وجهاد ونحو ذلك ، بحيث يدعي من جميع تلك الأبواب ، وقد أخبر الرسول - صل الله عليه وسلم - أن الذي ينفق زوجين في سبيل الله يدعى من أبواب الجنة الثمانية ، وأخبر الرسول - صل الله عليه وسلم - أن الذي يتوضأ فيحسن الوضوء ، ثم يرفع بصره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء.
    فقد روى مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -:" ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أبو يسبغ) الوضوء ، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ،وأن محمداً عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء ".
    وقد أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - أن خص الذين لا حساب عليهم بباب خاص بهم دون غيرهم وهو باب الجنة الأيمن ، وبقيتهم يشاركون بقية الأمم في الأبواب الأخرى، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة " فيقول الله : يا محمد : أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن ، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخرى " ثم بين في هذا الحديث سعة أبواب الجنة ، وأن ما بين جانبي الباب كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى، ففي الحديث السابق المتفق عليه يقول الرسول - صل الله عليه وسلم -: " والذي نفس محمد بيده: إن بين المصراعين من مصاريع الجنة ، أو ما بين عضادتي الباب، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ".
    وقد أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - أن أبواب الجنة تفتح في رمضان ، ففي الصحيحين ومسند أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وفي رواية: " فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار " .
    وورد في بعض الأحاديث أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة ، فقد روى أحمد في "مسنده" وأبو نعيم في " الحلية" عن حكيم بن معاوية عن أبيه معاوية أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة ، وليأتين عليه يوم، وإنه لكظيظ " وإسناده صحيح.
    ورواه مسلم وأحمد عن عتبة بن غزوان قال: " لقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين نسة ،وليأتين عليه يوم ،وإنه لكظيظ من الزحام ".
    ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن سلام: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، يزاحم عليه كازدحام الإبل وردت لخمس ظما ".

    درجات الجنة
    الجنة درجات بعضها فوق بعض ، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها ، قال الله تعالى : ( ومن يأتيه مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) [ طه:75].
    ومن الذين وضحوا هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " والجنة درجات متفاضلة تفاضلاً عظيماً ، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال تبارك وتعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ) [ الإسراء: 18-21].
    وثبت في الصحيح أيضاً عن أنس أن أم حارثة أتت رسول الله - صل الله عليه وسلم - وقد هلك حارثة يوم بدر، أصابه سهم غرب، فقالت: يا رسول الله، قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإلا سوف ترى ما أصنع، فقال لها: " أجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى ".
    وقد بين الرسول - صل الله عليه وسلم - أن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم فيها ، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
    وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وصحي ابن حبان عن أبي سعيد عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أهل الدرجات العلى يراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ".

    أعلى أهل الجنة وأدناهم منزلة
    روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة أن الرسول - صل الله عليه وسلم – قال : " سأل موسى ربه :ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة ، فيقال له : ادخل الجنة . فيقول: أي رب كيف ؟ وقد نزل الناس منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب ، فيقول : لك ذلك ومثله ، ومثله ، ومثله ، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت، رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك. فيقول: رضيت رب .
    قال: رب . فأعلاهم منزلة ؟ قال:" أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ،ولم تسمع أذن،ولم يخطر على قلب بشر " قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) [ السجدة:17] ".

    ~*~ المنزلة العليا في الجنة ~*~
    أعلى منزلة في الجنة ينالها شخص واحد تسمى الوسيلة ، وسينالها- إن شاء الله – النبي المصطفى المختار خيرة الله من خلقه نبينا محمد - صل الله عليه وسلم -، قال ابن كثير النهاية: " ذكر أعلى منزلة في الجنة وهي الوسيلة، فيها مقام رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محمودا الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة ".

    الذين ينزلون الدرجات العاليات
    من الذين يحلون الدرجات العاليات في الجنة الشهداء ، وأفضلهم الذين يقاتلون في الصفوف الأولى لا يلتفون حتى يقتلوا ، ففي مسند أحمد ومعجم الطبراني عن نعيم بن همار بإسناد صحيح عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربهم ، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ".
    والساعي على الأرملة والمسكين له منزلة المجاهد في سبيل الله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " الساعي على الأرملة والمسكين ، كالمجاهد في سبيل الله – وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر ، وكالصائم لا يفطر ".
    ومنزلة كافل اليتيم قريبة من منزلة الرسول - صل الله عليه وسلم -، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي - صل الله عليه وسلم - :" كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة " وأشار مالك بالسبابة والوسطى .
    ويرفع الله درجة الآباء ببركة دعاء الأبناء، ففي مسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك".
    قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة،ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ".

    تربة الجنة
    ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك عن أبي ذر في حديث المعراج قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ".
    وروى أحمد والترمذي والدارمي عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، مم خلق الخلق ؟ قال:ٍ" من ماء". قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال : " لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، وملاطها المسك الأظفر، وحصباؤها الدر والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ، ولا يبأس، ويخلد ولا يموت ، ولا يبلى ثيابهم ، ولا يفنى شبابهم ".

    ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك عن أبي ذر في حديث المعراج قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ".
    وروى أحمد والترمذي والدارمي عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، مم خلق الخلق ؟ قال:ٍ" من ماء". قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال : " لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، وملاطها المسك الأظفر، وحصباؤها الدر والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ، ولا يبأس، ويخلد ولا يموت ، ولا يبلى ثيابهم ، ولا يفنى شبابهم ".




    أنهار الجنة
    أخبرنا الله تبارك وتعالى بأن الجنة تجري من تحتها الأنهار، ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) [ البقرة:25]وأحيانا يقول : تجري تحتهم الأنهار: ( أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ) [ الكهف:31].
    ومن أنهار الجنة الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا أعطيناك الكوثر ) [ الكوثر:1]، وقد رآه الرسول - صل الله عليه وسلم - وحدثنا عنه ، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال : " بينما أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ، فإذا طيبه- أو طينه – مسك أذفر" شك هُدْبة.
    وأنهار الجنة ليست ماء فحسب ، بل منها الماء ، ومنها اللبن ، ومنها الخمر ، ومنها العسل المصفى .
    قال تعالى : ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ) [ محمد:15].




    عيون الجنة
    في الجنة عيون كثيرة مختلفة الطعوم والمشارب ( إن المتقين في جنات وعيون ) [ الحجر:45]، ( إن المتقين في ظلال وعيون ) [المرسلات:41]، وقال في وصف الجنتين اللتين أعدهما لمن خاف ربه ( فيهما عينان تجريان ) [ الرحمن:50]. وقال في وصف الجنتين اللتين دونهما ( فيهما عينان نضاختان ) [ الرحمن: 66].
    وفي الجنة عينان يشرب المقربون ماءها صرفاً غير مخلوط ، ويشرب منهما الأبرار الشراب مخلوطاً ممزوجاً بغيره.
    العين الأولى : عين الكافور قال تعالى : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً* عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) [الإنسان : 5-6]. فقد أخبر أن الأبرار يشربون شرابهم ممزوجاً من عين الكافور ، بينما عباد الله يشربونها خالصاً.
    العين الثانية : عين التسنيم ، قال تعالىٍ : ( إن الأبرار لفي نعيم* على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم* عيناً يشرب بها المقربون ) [المطففين:22-28].
    ومن عيون الجنة عين تسمى السلسبيل ، قال تعالى : ( ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً * عيناً فيها تسمى سلسبيلاً ) [الإنسان:17-18]. ولعل هذه هي العين الأولى نفسها.




    قصور الجنة وخيامها
    يبني الله لأهل الجنة في الجنة مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) [التوبة:72]. وقد سمى الله في مواضع من كتابه هذه المساكن بالغرفات ، قال تعالى: ( وهم في الغرفات آمنون ) [سبأ:37]، وقال في جزاء عباد الرحمن : ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ) [الفرقان:75]، وقال تعالى واصفاً هذه الغرفات : ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ) [الزمر:20].
    قال ابن كثير: " أخبر عز وجل عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة وهي القصور أي الشاهقة ، ( من فوقها غرف مبنية ) [الزمر: 20]، طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.
    وقد وصف لنا الرسول - صل الله عليه وسلم - هذه القصور ، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن أبي مالك الأشعري والترمذي عن عليٍّ أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ،أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام ".
    وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن في الجنة خياماً ، قال تعالى: ( حور مقصورات في الخيام ) [ الرحمن:72].
    وهذه الخيام خيام عجيبة، فهي من لؤلؤ، بل هي من لؤلؤة واحدة مجوفة ،طولها في السماء ستون ميلاً ، وفي بعض الروايات عرضها ستون ميلاً ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون"، قال أبو عبد الصمد والحارث عن أبي عمران :"ستون ميلاً ".
    ورواه مسلم عن عبد الله بن قيس عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال:" إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلاً ٍ،للمؤمن فيها أهلون ، يطوف عليهم المؤمن ، فلا يرى بعضهم بعضاً ".
    وفي رواية عند مسلم : " في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين ، يطوف عليهم المؤمن" .
    وقد أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - عن صفات قصور بعض أزواجه وبعض أصحابه ، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة،قال: أتى جبريل النبي - صل الله عليه وسلم - فقال:" يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معا إناء فيه إدام وطعام ، فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب".
    وفي مسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة عن عثمان أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: "من بنى مسجداً ،يبتغي به وجه الله ، بنى الله له مثله في الجنة ".
    وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود ، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة عن أم حبيبة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً، بنى الله له بيتاً في الجنة ".




    نور الجنة
    قال القرطبي: " قال العلماء : ليس في الجنة ليل ونهار ، وإنما هم في نور دائم أبداً ، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ، ذكره أبو الفرج بن الجوزي .
    قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً ([مريم:62-63]: " أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات ، لا أن هناك ليلاً ونهاراً، ولكنهم في ٍأوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار ".
    ويقول ابن تيمية في هذا الموضوع:" والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار ، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قِبل العرش ".




    ريح الجنة
    للجنة رائحة عبقية زكية تملأ جنباتها ،وهذه الرائحة يجدها المؤمنون من مسافات شاسعة ، ففي مسند أحمد وسنن النسائي وابن ماجة ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن الرسول - صل الله عليه وسلم - قال: " من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة ،وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاماً ".
    وفي صحيح البخاري ومسند أحمد ،وسنن النسائي،وسنن ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو أن الرسول - صل الله عليه وسلم - قال: " من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً ".




    أشجار الجنة وثمارها
    أشجارها وثمارها كثيرة متنوعة دائمة
    أشجار الجنة كثيرة طيبة متنوعة ،وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان ، كما فيها أشجار السدر والطلح، ( إن للمتقين مفازاً * حدائق وأعناباً ) [النبأ:31-32] ، ( فيها فاكهة ونخل ورمان ) [ الرحمن ٍ:68]، ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين* في سدر مخضود *وطلح منضود * وظل ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة ) [الواقعة:27-32] ، و السدر هو شجر النبق الشائك ، ولكنه في الجنة مخضود شوكه ، أي منزوع. والطلح: شجر من شجر الحجاز من نوع العضاه فيه شوك، ولكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة .
    وهذا الذي ذكره القرآن من أشجار الجنان شيء قليل مما تحويه تلك الجنان ، ولذا قال الحق : ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) [الرحمن: 52]، ولكثرتها فإن أهلها يدعون منها بما يريدون، ويتخيرون منها ما يشتهون ( يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ) [ص:51]، ( وفاكهة مما يتخيرون ) [ الواقعة:20]، ( إن المتقين في ظلال وعيون* وفواكه مما يشتهون ) [ المرسلات:41-42]، وبالجملة فإن في الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذه العيون ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) [ الزخرف:71].
    وأشجار الجنة دائمة العطاء ،فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت ، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها ) [ الرعد: 35] ( وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة ) [الواقعة:32-33].أي دائمة مستمرة ، وهي مع دوامها لا يمنع عنها أهل الجنة . ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا به من قبل وأتوا به متشابهاً ) [ البقرة:25].
    وأشجار الجنة ذات فروع وأغصان باسقة نامية ( ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ذواتا أفنان ) [ الرحمن:46-48]، وهي شديدة الخضرة : ( ومن دونهما جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان* مدهامتان ) [ الرحمن :62-64]، ولا توصف الجنة بأنها مدهامة إلا إذا كانت أشجارها مائلة إلى السواد من شدة خضرتها، واشتباك أشجارها.
    أما ثمار تلك الأشجار فإنها قريبة دانية مذللة ينالها أهل الجنة بيسر وسهولة ، ( متكئين على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان ) [الرحمن:54]، ( وذللت قطوفها تذليلاً ) [الإنسان:14].
    أما ظلها فكما قال تعالى: ( وندخلهم ظلاً ظليلاً ) [النساء:57]، و ( وظل ممدود ) [الواقعة:30]، ( إن المتقين في ظلال وعيون ) [المرسلات:41].




    وصف بعض شجر الجنة
    حدثنا الرسول - صل الله عليه وسلم - عن بعض شجر الجنة حديثاً عجباً ينبيك عن خلق بديع هائل يسبح الخيال في تقديره والتعرف عليه طويلاً، ونحن نسوق لك بعض ما حدثنا الرسول - صل الله عليه وسلم - به .




    1- الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام :




    هذه شجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها ، وقد بين الرسول - صل الله عليه وسلم - عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب لفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها ".
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم – قال : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة ، واقرؤوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) [الواقعة : 30] ".
    ورواه مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد عن رسول الله - صل الله عليه وسلم – قال :" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها ".




    2- سدرة المنتهى :




    وهذه الشجرة ذكرها الحق في محكم التنزيل ، وأخبر الحق أن رسولنا محمداً - صل الله عليه وسلم - رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها عندها ، وأن هذه الشجرة عند جنة المأوى ، كما أعلمنا أنه قد غشيها ما غشيها مما لا يعلمه إلا الله عندما رآها الرسول - صل الله عليه وسلم - : ( ولقد رآها نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم:13-17].
    وقد أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - عن هذه الشجرة بشيء مما رآه " ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: (أي جبريل) هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار،نهران باطنان، ونهران ظاهران، قلت : ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ". رواه البخاري ومسلم.
    وفي الصحيحين أيضاً: " ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ونبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة ،فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ".




    3- شجرة طوبى :




    وهذه شجرة عظيمة كبيرة تصنع ثياب أهل الجنة ، ففي مسند أحمد، وتفسير ابن جرير ،وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال : " طوبى شجرة في الجنة ، مسيرة مائة عام ، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ".
    وقد دل على أن ثياب أهل الجنة تشقق عنها ثمار الجنة – الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقاً تخلق ، أمن نسجاً تنسج؟ فضحك بعض القوم ، فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم -:" ومم تضحكون ، من جاهل سأل عالماً؟ ثم أكب رسول الله - صل الله عليه وسلم - ثم قال: أين السائل؟ قال : هو ذا أنا يا رسول الله ، قال: " لا بل تشقق عنها ثمر الجنة ، ثلاث مرات ".




    سيد ريحان الجنة
    أخبرنا الله أن في الجنة ريحاناً ( فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم ) [ الواقعة:88-89] ، وأخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - أن سيد ريحان أهل الجنة الحناء ، ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " سيد ريحان الجنة الحناء ".




    سيقان أشجار الجنة من ذهب
    ومن عجب ما أخبرنا به الرسول - صل الله عليه وسلم - أن سيقان أشجار الجنة من ذهب ، ففي سنن الترمذي ،وصحيح ابن حبان ، سنن البيهقي ، بإسناد صحيح ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ".




    كيف يكثر المؤمن حظه من أشجار الجنة ؟
    طلب خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام من نبينا محمد - صل الله عليه وسلم - في ليلة الإسراء أن يبلغ أمته السلام وأن يخبرهم بالطريقة التي يستطيعون بها تكثير حظهم من أشجار الجنة ، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقال: يا محمد ، أقرئ أمتك أن الجنة أرض طيبة التربة ، عذبة الماء ، وأنها قيعان ،وأن غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ".




    دواب الجنة وطورها
    في الجنة من الطيور والدواب مالا يعلمه إلا الله تعالى ، قال تعالى فيما يناله أهل الجنة من النعيم ( ولحم طير مما يشتهون * وحور عين ) [الواقعة : 21-22]، وفي سنن الترمذي عن أنس قال: سئل رسول الله - صل الله عليه وسلم - ما الكوثر ؟ قال : "ذاك نهر أعطانيه الله – يعني في الجنة – أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر ". قال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " أكلتها أنعم منها ".
    وأخرج أبو نعيم في الحلية، والحاكم في مستدركه عن ابن مسعود قال: "جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه الناقة في سبيل الله. فقال: " لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة ". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ووافقهما الشيخ ناصر الدين الألباني . ورواه مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة ".

  4. #3
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    أصحاب الجنة


    الأعمال التي التحقوا بها الجنة
    أصحاب الجنة هم المؤمنون الموحدون، فكل من أشرك بالله أو كفر به، أو كذب بأصل من أصول الإيمان فإنه يحرم من الجنان، ويكون في النيران.
    والقرآن يذكر كثيراً أن أصحاب الجنة هم المؤمنون الذين يعملون الصالحات، وفي بعض الأحيان يفصل الأعمال الصالحة التي يستحق بها صاجها الجنة.
    ومن المواضع التي نص القرآن على استحقاق أهل الجنة الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة قوله تعالى: ( وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خالدون ) [البقرة : 25]. وقوله : ( والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزوج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلا ) [النساء: 57]، وقوله : ( والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) [الأعراف : 42] ، وقوله: ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) [ التوبة : 72] ، وقوله : ( إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) [يونس : 9-10].
    وقوله تعالى: ( أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) [الكهف : 31].
    وقوله تعالى : ( ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى * جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ) [طه : 75-86].
    وفي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة لتحقيقهم أمراً من أمور الإيمان أو عملاً صالحاً، وقد يفصل في الأعمال الصالحة، ويطيل في ذلك.
    ففي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة بالإيمان والإسلام ( يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين * أدخلوا الجنة أنتم وأزوجكم تحبرون ) [الزخرف:68-70].
    وأحياناً يذكر أنهم استحقوها لأنهم أخلصوا دينهم لله : ( إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنات النعيم ) [ الصافات : 40-43].
    وأحياناً يذكر استحقاقهم لها لقوة ارتباطهم بالله ورغبتهم إليه وعبادتهم له ( إنما يؤمن بئاياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [السجدة : 15-18] .
    ومن الأعمال الصبر والتوكل : ( والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) [ العنكبوت : 58-59].
    ومنها الاستقامة على الإيمان : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ) [ الأحقاف : 13-14]، ومنها الإخبات إلى الله تعالى : ( إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خلدون ) [ هود : 23]، ومن ذلك الخوف من الله: ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46]. ومن ذلك بغض الكفرة المشركين، وعدم موادتهم ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ) [ المجادلة : 22].
    وفي بعض الأحيان تفصل الآيات في ذكر الأعمال الصالحة التي يستحق بها أصحابها الجنة تفصيلاً كثيراً، فذكر في سورة الرعد أنهم استحقوها باعتقادهم أن ما أنزل على الرسول - صل الله عليه وسلم - هو الحق، وبوفائهم بالعهود، وعدم نقضهم الميثاق، ووصلهم ما أمر الله بوصله، وخشيتهم لله، وخوفهم من سوء الحساب، وصبرهم لله ، وإقام الصلاة، والإنفاق سراً وعلانية، ودرئهم بالحسنة السيئة ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يذكر أولوا الألباب* الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق* والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنت عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم و أزواجهم وذريتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) [ الرعد: 19-24]


    وفي مطلع سورة المؤمنين حكم أن الفلاح إنما هو للمؤمنين ، ثم بين الأعمال التي تؤهلهم للفلاح ، وأعلمنا أن فلاحهم إنما يكون بإدخالهم الفردوس خالدين فيها أبداً. ( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأمنتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلاتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون ) [المؤمنون: 1 – 11].
    وقد حدثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاثة أعمال عظيمة يستحق بها أصحابها الجنة ، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال ذات يوم في خطبته : "... وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ".



    طريق الجنة شاق
    الجنة درجة عالية، والصعود إلى العلياء يحتاج إلى جهد كبير، وطريق الجنة فيه مخالفة لأهواء النفوس ومحبوباتها، وهذا يحتاج إلى عزيمة ماضية، وإرادة قوية، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره " ولمسلم حفت بدل حجبت .
    وفي سنن النسائي والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ".
    وقد علق النووي في " شرحه على مسلم " على الحديث الأول قائلاً: "هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها - صل الله عليه وسلم - من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء ، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك ".



    أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار في الجنة
    جعل الله لكل واحد من بني آدم منزلين: منزلاً في الجنة، ومنزلاً في النار، ثم إن من كتب له الشقاوة من أهل الكفر والشرك يرثون منازل أهل الجنة التي كانت لهم في النار، والذين كتب لهم السعادة من أهل الجنة يرثون منازل أهل النار التي كانت لهم في الجنة، قال تعالى في حق المؤمنين المفلحين بعد أن ذكر أعمالهم التي تدخلهم الجنة: ( أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون ) [ المؤمنون : 10-11].
    قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " قال ابن أبي حاتم – وساق الإسناد إلى أبي هريرة رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار ".



    الضعفاء أكثر أهل الجنة
    أكثر من يدخل الجنة الضعفاء الذين لا يأبه الناس لهم، ولكنهم عند الله عظماء، لإخباتهم لربهم، وتذللهم له، وقيامهم بحق العبودية لله، روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا : بلي ، قال : كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره ".
    قال النووي في شرحه للحديث: " ومعناه يستضعفه الناس، ويحتقرونه، ويتجبرون عليه، لضعف حاله في الدنيا، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء ... وليس المراد الاستيعاب ".



    هل الرجال أكثر في الجنة أم النساء ؟
    تخاصم الرجال والنساء في هذا والصحابة أحياء ، ففي صحيح مسلم عن ابن سيرين قال: اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة ؟ وفي رواية : إما تفاخروا ، وإما تذاكروا : الرجال في الجنة أكثر أم النساء ؟ فسألوا أبا هريرة ، فاحتج أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر بقول الرسول - صل الله عليه وسلم - : " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء ، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان ، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم ، وما في الجنة أعزب ".
    والحديث واضح الدلالة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، وقد احتج بعضهم على أن الرجال أكثر بحديث: "رأيتكن أكثر أهل النار ". والجواب أنه لا يلزم من كونهن أكثر أهل النار أن يكن أقل ساكني الجنة كما يقول ابن حجر العسقلاني ، فيكون الجمع بين الحديثين أن النساء أكثر أهل النار وأكثر أهل الجنة، وبذلك يكن أكثر من الرجال وجوداً في الخلق . ويمكن أن يقال: إن حديث أبي هريرة يدل على أن نوع النساء في الجنة أكثر سواء كن من نساء الدنيا أو من الحور العين، والسؤال هو : أيهما أكثر في الجنة : رجال أهل الدنيا أم نساؤها ؟ وقد وفق القرطبي بين النصين بأن النساء يكن أكثر أهل النار قبل الشفاعة وخروج عصاة الموحدين من النار، فإذا خرجوا منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين كن أكثر أهل الجنة .
    ويدل على قلة النساء في الجنة ما رواه أحمد وأبو يعلى عن عمرو بن العاص قال: "بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشعب إذ قال: انظروا هل ترون شيئا؟ فقلنا: نرى غرباناً فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان ".
    يدخل من هذه الأمة الجنة جموع كثيرة الله أعلم بعددهم، ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: حدثني ابن عباس، قال: قال النبي - صل الله عليه وسلم - : " عرضت على الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب ".
    والسواد الأول الذي ظنه الرسول - صل الله عليه وسلم - أمته هم بنو إسرائيل ، كما في بعض الروايات في الصحيح " فرجوت أن تكون أمتي فقيل: هذا موسى وقومه ".
    ولا شك أن أمة محمد - صل الله عليه وسلم - أكثر من بني إسرائيل ، ففي الحديث : " فإذا سواد كثير " قال ابن حجر " في رواية سعيد بن منصور " عظيم " وزاد " فقيل لي : انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر مثله "، وفي رواية ابن فضيل : " فإذا سواد قد ملأ الأفق، فقيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا في آفاق السماء " وفي حديث ابن مسعود: " فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال "، وفي لفظ لأحمد: " فرأيت أمتي قد ملؤوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم"، فقيل: أرضيت يا محمد ؟ قلت: نعم يا رب ".
    وقد ورد في بعض الأحاديث أن مع كل ألف من السبعين ألفاً سبعين ألفاً ، وثلاث حثيات من حثيات الله، ففي مسند أحمد، وسنن الترمذي وابن ماجة عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ولا عذاب ، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي "، ولا شك أن الثلاث حثيات تدخل الجنة خلقاً كثيراً.
    وقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يرجو أن تكون هذه الأمة نصف أهل الجنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري عن الرسول - صل الله عليه وسلم - في ذكر بعث النار، قال صلوات الله وسلامه عليه في آخره: " والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبرنا. فقال: " أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة "، فكبرنا. فقال: " أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبرنا. قال: " ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ".
    بل ورد في بعض الأحاديث أن هذه الأمة تبلغ ثلثي أهل الجنة، ففي سنن الترمذي بإسناد حسن، وسنن الدارمي، و " البعث والنشور" للبيهقي عن بريدة، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم ".
    وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبياً ما صدقة من أمته إلا رجل واحد ".
    والسر في كثرة من آمن من هذه الأمة أن معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الكبرى كانت وحياً متلواً يخاطب العقول والقلوب، وهي معجزة باقية محفوظة إلى قيام الساعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إلىَّ ، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة



    سادة أهل الجنة
    سيدا شباب أهل الجنة
    عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ".



    سيدات نساء أهل الجنة
    السيد الحق هو الذي يثني عليه ربه ويشهد له، والسيدة الفاضلة هي التي يرضى عنها ربها، ويتقبلها بقبول حسن، وأفضل النساء هن اللواتي يحزن جنات النعيم، ونساء أهل الجنة يتفاضلن، وسيدات نساء أهل الجنة: خديجة ، وفاطمة ، ومريم وآسية ، ففي مسند أحمد ، ومشكل الآثار للطحاوي ، ومستدرك الحاكم ، بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: خط رسول الله - صل الله عليه وسلم - في الأرض أربعة أخطط، ثم قال: " تدرون ما هذا ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم . قال: " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، فاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون .
    ومريم وخديجة أفضل الأربع، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " خير نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة ".
    ومريم هي سيدة النساء الأولى وأفضل النساء على الإطلاق، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - " سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم ابنة عمران: فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون ". وكونها أفضل النساء على الإطلاق صرح به القرآن: ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهراك واصطفاك على نساء العالمين ) [آل عمران: 42]، وكيف لا تكون كذلك وقد صرح الحق بأنه تقبلها ( بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسنا ) [ آل عمران : 37].



    العشرة المبشرون بالجنة
    نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصاً صريحاً على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي مسند أحمد عن سعيد بن زيد، وسنن الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ". وإسناده صحيح .



    بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر
    1- جعفر بن أبي طالب ، و2 -حمزة بن عبد المطلب :


    من الذين أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم في الجنة جعفر وحمزة ، ففي سنن الترمذي ، ومسند أبي يعلى ، ومستدرك الحاكم وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة بجناحين ".
    وروى الطبراني، وابن عدي، والحاكم عن ابن عباس أن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير ". وإسناده صحيح.
    وقد صح أن الرسول قال : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب " .


    3- عبد الله بن سلام :
    روى أحمد والطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن معاذ قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة ".


    4- زيد بن حارثة :
    روى الروياني والضياء عن بريدة أن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة ".


    5- زيد بن عمرو بن نفيل :
    روى ابن عساكر بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين ".
    وزيد هذا كان يدعو إلى التوحيد في الجاهلية، وكان على الحنيفية ملة إبراهيم .


    6- حارثة بن النعمان :
    وروى الترمذي والحاكم عن عائشة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال : " دخلت الجنة، فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا ؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر ".


    7- بلال بن رباح :
    روى الطبراني وابن عدي بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال : " دخلت الجنة، فسمعت خَشفة بين يدي، قلت: ما هذه الخشفة ؟ فقيل : هذا بلال يمشي أمامك ".
    وفي المسند بإسناد صحيح عن ابن عباس عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت من جانبها وجساً، فقلت: يا جبريل ما هذا ؟ قال: بلال المؤذن ".



    8 – أبو الدحداح :
    روى مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " كم من عذق معلق لأبي الدحداح في الجنة ".
    وأبو الدحداح هذا هو الذي تصدق ببستانه : بيرحاء ، أفضل بساتين المدينة عندما سمع الله يقول: ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ) [البقرة: 245].



    9- ورقة بن نوفل :
    روى الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين ".
    وورقة آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءته خديجة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة ، وتمنى على الله أن يدرك ظهور أمر الرسول - صل الله عليه وسلم - لينصره .



    الجنة ليست ثمناً للعمل
    الجنة شيء عظيم ، لا يمكن أن يناله المرء بأعماله التي عملها، وإنما تنال برحمة الله وفضله، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " لن يدخل أحد منكم عمله الجنة " قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة ".
    وقد يشكل على هذا النصوص التي تشعر بأن الجنة ثمن للعمل ، كقوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) [السجدة : 17]، وقوله: ( تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) [الأعراف : 43].
    ولا تعارض بين الآيات وما دل عليه الحديث ، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمناً لها. والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمناً للجنة.



    صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها
    يدخل أهل الجنة الجنة على أكمل صورة وأجملها، على صورة أبيهم آدم عليه السلام، فلا أكمل ولا أتم من تلك الصورة والخلقة التي خلق الله عليها أبا البشر آدم، فقد خلقه الله تعالى بيده فأتم خلقه، وأحسن تصويره، وكل من يدخل الجنة على صورة آدم وخلقته، وقد خلقه الله طوالاً كالنخلة السحوق، طوله في السماء ستون ذراعاً، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صل الله عليه وسلم – قال : " خلق الله عز وجل آدم على صورته ، طوله ستون ذراعاً .. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده ".
    وإذا كان خلقهم الظاهري متفق، فكذلك خلقهم في باطنهم واحد، نفوسهم صافية، وأرواحهم طاهرة زكية، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة في الحديث الذي يصف فيه الرسول - صل الله عليه وسلم - دخول أهل الجنة ومنهم الزمرة الذين يدخلون الجنة نورهم كالبدر قال: " أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء.
    ومن جمال صورتهم أنهم يكونون جرداً مرداً كأنهم مكحلون، وكلهم يدخل الجنة في عمر القوة والفتوة والشباب أبناء ثلاث وثلاثين، ففي مسند أحمد وسنن الترمذي عن معاذ بن جبل عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال : " يدخل أهل الجنة جرداً مرداً، كأنهم مكحلون، أبناء ثلاث وثلاثين ".
    وأهل الجنة – كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين – " لا يبصقون، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون ".
    وأهل الجنة لا ينامون، فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله، وعبد الله ابن أبي أوفى أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: "النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة".



    نعيم أهل الجنة
    فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا
    متاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق تبارك وتعالى بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها.
    وتجد ذم الدنيا ومدح نعيم الآخرة، وتفضيل ما عند الله على متاع الدنيا القريب العاجل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خيرٌ للأبرار ) [ آل عمران : 198]، وقوله : (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى ) [ طه : 131].
    وقال في موضع ثالث : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والنساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ) [ آل عمران : 14-15].



    طعام أهل الجنة وشرابهم
    سبق أن تحدثنا عن أشجار الجنة وثمارها، وقطوفها الدانية المذللة تذليلاً، واختيار أهل الجنة من ثمارها ما يريدون ويشتهون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب ، ( وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون ) [ الوقعة : 20 – 21]، ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) [ الزخرف : 71]، وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها وألوان طعامها وشرابها ما يشتهون ( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ) [الحاقة: 24].
    وذكرنا أيضاً فيما سبق أن في الجنة بحر الماء ، وبحر الخمر ، وبحر اللبن ، وبحر العسل ، وأن أنهار الجنة تنشق من هذه البحار. وفي الجنة عيون كثيرة ، وأهل الجنة يشربون من تلك البحار والأنهار والعيون .
    قال تعالى: ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً * عيناً بشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) [ الإنسان : 5 – 6].
    وقال : ( ويسقون فيها كأساً كان من مزاجها زنجبيلاً * عيناً فيها تسمى سلسبيلا ) [الإنسان : 17-18] ، وقال : ( ومزاجه من تسنيم * عيناً يشرب بها المقربون ) [المطففين: 27-28].



    خمر أهل الجنة
    من الشراب الذي يتفضل الله على أهل الجنة الخمر، وخمر الجنة خالي من العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا ، فخمر الدنيا تذهب العقول ، وتصدع الرؤوس ، وتوجع البطون ، وتمرض الأبدان ، وتجلب الأسقام ، وقد تكون معيبة في صنعها أو لونها أو غير ذلك ، أما خمر الجنة فإنها خالية من ذلك كله ، جميلة صافية رائقة ، ( يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون ) [ الصافات : 45-47].
    لقد وصف الله جمال لونها ( بيضاء ) ثم بين أنها تلذ شاربها من غير اغتيال لعقله، كما قال: ( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) [محمد:18] ، ثم إن شاربها لا يمل من شربها ( ولا هم عنها ينزفون ) [ الصافات : 47] ، وقال في موضع آخر يصف خمر الجنة: (يطوف عليهم ولدن مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) [ الواقعة : 17-19].
    قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات : " لا تصدع رؤوسهم ، ولا تنزف عقولهم ، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة ، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : في الخمر أربع خصال: السكر ، والصداع ، والقيء ، والبول ، فذكر الله خمر الجنة ، ونزهها عن هذه الخصال ".



    أول طعام أهل الجنة:
    أول طعام يُتحِف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت ، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ، يتكفؤها الجبار بيده ، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة " فأتى رجل من اليهود ، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال: " بلى " قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر النبي - صل الله عليه وسلم - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: " ألا أخبرك بإدامهم ؟ بالام والنون. قالوا: وما هذا ؟ قال : ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً ".
    قال النووي في شرح الحديث ما ملخصه: " النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، ويتكفأها بيده ، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي ، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، ومعنى الحديث: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون طعاماً ونزلاً لأهل الجنة ، والنون: الثور، والـ (بلام): لفظة عبرانية، معناها: ثور، وزائدة كبد الحوت: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها ".
    وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام سأل النبي - صل الله عليه وسلم - أول قدومه المدينة أسئلة منها: " ما أول شيء يأكله أهل الجنة ؟ فقال: زيادة كبد الحوت ".
    وفي صحيح مسلم عن ثوبان أن يهودياً سأل الرسول - صل الله عليه وسلم - قال: " فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ " قال : زيادة كبد الحوت ". قال: " فما غذاؤهم على إثرها ؟ قال : ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها ". قال: " فما شرابهم عليه؟ " قال: " من عين تسمى سلسبيلا " قال: صدقت .
    طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه:
    قد يتبادر إلى الذهن أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك ، فالجنة دار خالصة من الأذى ، وأهلها مطهرون من أوشاب أهل الدنيا، ففي الحديث الذي يرويه صاحبا الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال نافياً هذا الظن: " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها ".
    وليس هذا خاص بأول زمرة تدخل الجنة، وإنما هو عام في كل من يدخل الجنة ، ففي رواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل ، لا يتغوطون، ولا يتبولون، ولا يبزقون ".
    فالذي يتفاوت فيه أهل الجنة مما نص عليه في الحديث قوة نور كل منهم، أما خلوصهم من الأذى فإنهم يشتركون فيه جميعاً، فهم لا يتغوطون ولا يتبولون، ولا يتفلون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون.
    وقد يقال: فأين تذهب فضلات الطعام والشراب، وقد وجه هذا السؤال إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل أصحابه ، فأفاد أن بقايا الطعام والشراب تتحول إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، كما يتحول بعض منه أيضاً إلى جشاء، ولكنه جشاء تنبعث منه روائح طيبة عبقة عطرة ، ففي صحيح مسلم عن جارب عبد الله ، قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - : يقول : " إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يتبولون ، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون" ، قالوا: فما بال الطعام ؟ قال: جشاء كجشاء المسك ".


    لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون ؟
    إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خالية من الآلام والأوجاع والأمراض، لا جوع فيها ولا عطش، ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولماذا يتطيبون ويمتشطون ؟
    أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلاً : " نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وإنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ) [ طه : 118-119]. وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ".


    آنية طعام أهل الجنة وشرابهم:
    آنية طعام أهل الجنة ، التي يأكلون ويشربون بها من الذهب والفضة، قال تعالى: ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) [الزخرف: 71] ، أي وأكواب من ذهب ، وقال : ( ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة قدروها تقديرا ) [الإنسان: 15-16]، أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة.
    وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة .. وجنتان من فضة ، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ".
    ومن الآنية التي يشربون بها الأكواب والأباريق والكؤوس ( يطوف عليهم ولدن مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين ) [الواقعة : 17]، والكوب : ما لا أذن له ولا عروة ولا خرطوم ، والأباريق : ذوات الآذان والعرا ، والكأس القدح الذي فيه الشراب.


    لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم:
    أهل الجنة يلبسون فيها الفاخر من اللباس ، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ ، فمن لباسهم الحرير، ومن حلاهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ : قال تعالى: ( وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ) [ الإنسان : 12]، ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير ) [ الحج : 23]، ( جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير ) [فاطر: 33]، ( وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهورا ) [الإنسان:21].
    وملابسهم ذات ألوان، ومن ألوان الثياب التي يلبسون الخضر من السندس والإستبرق ( يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) [ الكهف : 31]، ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة ) [ الإنسان: 21].
    ولباسهم أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان ، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: " أتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه ، فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا ".
    وقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن لأهل الجنة أمشاطاً من الذهب والفضة، وأنهم يتبخرون بعود الطيب، مع أن روائح المسك تفوح من أبدانهم الزاكية، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن الرسول - صل الله عليه وسلم - في صفة الذين يدخلون الجنة: " آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوّة – قال أبو اليمان: عود الطيب – ورشحهم المسك ".
    ومن حليهم التيجان ، ففي سنن الترمذي ابن ماجة عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - في ذكر الخصال التي يُعطاها الشهيد: " ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ".
    وثياب أهل الجنة وحليهم لا تبلى ولا تفنى ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم – قال : "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه " .


    فرش أهل الجنة:
    أعدت قصور الجنة ، وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك ، فالسرر كثيرة راقية والفرش عظيمة القدر بطائنها من الإستبرق، فما بالك بظاهرها، وهناك ترى النمارق مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس، والزرابي مبثوثة على شكل منسق متكامل ، قال تعالى: ( فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابى مبثوثة ) [ الغاشية : 13-16] ، ( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ) [الرحمن : 54]، ( متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين ) [ الطور: 20]، ( ثلة من الأولين * وقليل من الأخرين * على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين ) [الواقعة: 13-16].
    واتكاؤهم عليها على هذا النحو نوع من النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة حين يجتمعون كما أخبر الله تعالى: ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ) [ الحجر : 47] وقال: ( متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ) [الرحمن: 76]، (متكئين فيها على الأرائك ) [ الكهف: 31]. والمراد بالنمارق : المخاد ، والوسائد: المساند ، والزرابي : البسط ، والعبقري : البسط الجياد. والرفرف: رياض الجنة. وقيل: نوع من الثياب، والأرائك: السرر.


    خدم أهل الجنة:
    يخدم أهل الجنة ولدان ينشئهم الله لخدمتهم، يكونون في غاية الجمال والكمال، كما قال تعالى: ( يطوف عليهم ولدان مخلدون* بأكواب وأباريق وكأس من معين ) [الواقعة: 17-18]، وقال في موضع آخر : ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثورا ) [ الإنسان: 19].
    قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان أهل الجنة ( مخلدون ) أي : على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون، في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى، لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: ( إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثورا ) [الإنسان: 19]، أي إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلواً منثوراً، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن".
    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هؤلاء الولدان هم الذين يموتون صغاراً من أبناء المؤمنين أو المشركين، وقد رد العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا القول ، وبين أن الولدان المخلدون هم خلق من خلق الجنة قال: " والولدان الذين يطوفون على أهل الجنة : خلق من خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا ، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة، على صورة أبيهم آدم ".


    سوق أهل الجنة
    روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن في الجنة لسوقاً ، يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم : والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم، والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً ".
    قال النووي في شرحه لهذا الحديث: " المراد بالسوق مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق ، ومعنى يأتونها كل جمعة، أي في مقدار كل جمعة، أي أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع، لفقد الشمس والليل والنهار ، ...... وخص ريح الجنة بالشمال، لأنها ريح المطر عند العرب ، كانت تهب من جهة الشام ، وبها يأتي سحاب المطر ، وكانوا يرجون السحابة الشامية ، وجاءت في الحديث تسمية هذه الريح المثيرة ، أي المحركة ، لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها .


    اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم
    أهل الجنة يزور بعضهم بعضاً، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة: ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ) [ الحجر: 47]، وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقنا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرّ الرحيم ) [ الطور : 25-27].
    ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران، ( فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول إءنك لمن المصدقين * إءذا متنا وكنا تراباً وعظماً أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون ) [الصافات : 50-61].


    أماني أهل الجنة
    يتمنى بعض أهل الجنة فيها أماني تتحقق على نحو عجيب، لا تشبه حال ما يحدث في الدنيا ، وقد حدثنا الرسول - صل الله عليه وسلم - عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها.
    فهذا واحد من أهل الجنة يستأذن ربه في الزرع، فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر، حتى يضرب بجذوره في الأرض، ثم ينمو، ويكتمل، وينضج في نفس الوقت، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتحدث – وعنده رجل من أهل البادية - : " إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ . قال: بلى ، ولكن أحب الزرع ، فبذر، فبادر الطرف نباته . واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء " فقال الأعرابي : " والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب الزرع ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك رسول الله - صل الله عليه وسلم – ".
    وهذا آخر يتمنى الولد ، فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة ، حيث تحمل وتضع في ساعة واحدة .
    وروى الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن أبي سعيد أن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي ".


    الحور العين
    يزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: ( كذالك وزوجناهم بحور عين ) [الدخان: 54]. والحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السواد. والعين : جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين.
    وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراب، قال تعالى: ( إن للمتقين مفازاً * حدائق وأعناباً * وكواعب أترابا ) [النبأ: 31-33]. والكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثدياها، والأتراب المتقاربات في السن . والحور العين من خلق الله في الجنة ، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهنّ أبكاراً، عرباً أتراباً ( إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلنهن أبكاراً * عرباً أترابا ) [ الواقعة : 35-37] وكونهن أبكاراً يقضي أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، كما قال تعالى: ( لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان ) [ الرحمن : 56]، وهذا ينفي قول من قال : إن المراد بالزوجات اللواتي ينشئهن الله في الجنة زوجاتهم في الدنيا إذ يعيدهن شباباً بعد الكهولة والهرم، وهذا المعنى صحيح ، فالله يدخل المؤمنات الجنة في سن الشباب، ولكنهن لسن الحور العين اللواتي ينشئهن الله إنشاء.
    والمراد بالعُرُب : الغنجات المتحببات لأزواجهنّ .

    وقد حدثنا القرآن عن جمال نساء الجنة فقال: ( وحورٌ عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون ) [ الواقعة : 22 – 23] والمراد بالمكنون: المخفي المصان ، الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان ( فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * كأنهن الياقوت والمرجان ) الرحمن : 56-58] ، والياقوت والمرجان حجران كريمان فيهما جمال ، ولهما منظر حسن بديع، وقد وصف الحرور العين بأنهن قاصرات الطرف، وهن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن، وقد شهد الله لحور الجنة بالحسن والجمال، وحسبك أن الله شهد بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال ( فيهن خيرات حسان * فبأى ءالآء ربكما تكذبان * حور مقصورات في الخيام ) [ الرحمن : 70-72].
    ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس، والبصاق والمخاط والبول والغائط ، وهذا مقتضى قوله تعالى: ( ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خالدون ) [ البقرة: 25].
    وقد حدثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جمال نساء أهل الجنة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون، ولا يمتخطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ".
    وانظر إلى هذا الجمال الذي يحدث عنه الرسول - صل الله عليه وسلم - هل تجد له نظيراً مما تعرف؟ " ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري .
    وتحديد عدد زوجات كل شخص في الجنة باثنين يبدو أنه أقل عدد، فقد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ففي سنن الترمذي وسنن ابن ماجة. بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : "للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه ".


    غناء الحور العين
    وقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الحور العين في الجنان يغنين بأصوات جميلة عذبة ، ففي معجم " الطبراني الأوسط" بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط . إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنّه ".
    وروى سموية في " فوائده " عن أنس، عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إن الحور العين لتغنين في الجنة، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام ".


    غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا :
    أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الحور العين يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذى الواحد زوجته في الدنيا ، ففي مسند أحمد، وسنن الترمذي بإسناد صحيح عن معاذ عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا ، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله ، فإنما هو دخيل عندك ، يوشك أن يفارقك إلينا ".


    ضحك أهل الجنة من أهل النار
    بعد أن يدخل الله أهل الجنة الجنة ينادون خصومهم من الكفار أهل النار مبكتين ومؤنبين ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنه الله على الظالمين ) [ الأعراف : 44].
    لقد كان الكفار في الدنيا يخاصمون المؤمنين، ويسخرون منهم، ويهزؤون بهم، وفي ذلك اليوم ينتصر المؤمنون، فإذا بهم وهم في النعيم المقيم، ينظرون إلى المجرمين، فيسخرون منهم، ويهزؤون بهم، ( إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عيناً يشرب بها المقربون * إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ) [المطففين : 22-36].
    نعم ، والله لقد جوزي الكفار بمثل ما كانوا يفعلون، والجزاء من جنس العمل، ويتذكر المؤمن في جنات النعيم ذلك القرين أو الصديق الذي كان يزين له الكفر في الدنيا، وكان يدعوه إلى تلك المبادئ الضالة التي تجعله في صف الكافرين أعداء الله ، فيحدّث إخوانه عن ذلك القرين، ويدعوهم للنظر إليه في مقره الذي يعذب فيه، فعندما يرى ما يعاينه من العذاب – يعلم مدى نعمة الله عليه ، وكيف خلصه من حاله، ثم يتوجه إليه باللوم والتأنيب ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا تراباً وعظماً أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين* ولولا نعمه ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم ) [الصافات: 50-60].


    التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة
    الجنة دار جزاء وإنعام، لا دار تكليف واختبار، وقد يشكل على هذا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن الرسول - صل الله عليه وسلم - في صفة أول زمرة تدخل الجنة، قال في آخره : " يسبحون الله بكرة وعشياً ". ولا إشكال في ذلك إن شاء الله تعالى ، لأن هذا ليس من باب التكليف، قال ابن حجر في شرحه للحديث : " قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام ! ، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: " يُلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس "، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد منه، فجعل تنفسهم تسبيحاً ، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره ".
    وقد قرر شيخ الإسلام أن هذا التسبيح والتكبير لون من ألوان النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، قال: " هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به ".


    أفضل ما يُعطاه أهل الجنة
    ~*~ رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم ~*~

    عن أبي سعيد قال : قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " ، متفق عليه.
    وأعظم النعيم النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم ، يقول ابن الأثير: " رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله منها ما نرجو ".
    وقد صرح الحق تبارك وتعالى برؤية العباد لربهم في جنات النعيم ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22-23] ، والكفار والمشركون يحرمون من هذا النعيم العظيم، والتكرمة الباهرة : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [ المطففين:15]، وقد روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن صهيب الرومي – رضي الله عنه – أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إذا دخل أهل الجنة ، يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى "، زاد في رواية: " ثم تلا هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [يونس : 26] ".
    وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها – وفي رواية طولها – ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ".
    والنظر إلى وجه الله تعالى هو من المزيد الذي وعد الله به المحسنين ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ) [ ق: 35]، ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26]، وقد فسرت الحسنى بالجنة ، والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، يشير إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم وذكرناه قيل قليل .
    ورؤية الله رؤية حقيقية، لا كما تزعم بعض الفرق التي نفت رؤية الله تعالى بمقاييس عقلية باطلة ، وتحريفات لفظية جائرة ، وقد سئل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة عن قوله تعالى: ( إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 23]، فقيل : إن قوماً يقولون : إلى ثوابه. فقال مالك: كذبوا ، فأين هم عن قوله تعالى: ( إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [المطففين: 15]؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب، فقال: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [ المطففين : 15] ، رواه في " شرح السنة" .
    ومن الذين نصوا على رؤية المؤمنين ربهم في الجنات الطحاوي في العقيدة المشهورة باسم " العقيدة الطحاوية " ، قال : " والرؤية حق لأهل الجنة ، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22-23] ، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه ، وكل ما جاء في ذلك الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو كما قال، ومعناه على ما أراد ، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله - صل الله عليه وسلم -. وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه ".
    ثم ذكر الشيخ أن " الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ، الدالة على الرؤية متواترة ، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن . فمنها: حديث أبي هريرة: " أن ناساً قالوا: يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : هل تُضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا :لا يا رسول الله، قال:هل تُضارّون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا ، قال فإنكم ترونه كذلك "، الحديث، أخرجاه في "الصحيحين" بطوله.
    وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً في "الصحيحين" نظيره. وحديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: " كنا جلوساً مع النبي - صل الله عليه وسلم - ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون هذا ، لا تضامون في رؤيته ". الحديث أخرجاه في "الصحيحين".
    ومن حديث عدي بن حاتم: " ولَيَلقَينّ الله أحدكم يوم يلقاه ، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ، فيقول: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك ؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك ؟ فيقول : بلى يا رب ". أخرجه البخاري في "صحيحه".

    .

    اللهم اجعلنآ من أهلهآ يآ رب

  5. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  6. #4
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    النار



    وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم ، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه ، ) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظلمين من أنصار( [ آل عمران : 192] ، ) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له ، نار جهنم خلداً فيها ذلك الخزى العظيم( [التوبة: 63]، وقال: ) إن الخاسرين الذي خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين( [ الزمر : 15].


    وكيف لا تكون النار كما وصفنا وفيها من العذاب والآلام والأحزان ما تعجز عن تسطيره أقلامنا ، وعن وصفه ألسنتنا، وهي مع ذلك خالدة وأهلها فيها خالدون، ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار ) إنها سآءت مستقراً ومقاماً ) [ الفرقان : 66] ، (هذا وإن للطغين لشر مئاب * جهنم يصلونها فبئس المهاد )[ص: 55 – 56].


    الجنة والنار مخلوقتان


    قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة الطحاوية : " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم


    خزنة النار


    يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6].


    وعدتهم تسعة عشر ملكاً ، كما قال تعالى: ( سأصليه سقر*وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر*لواحةٌ للبشر*عليها تسعة عشر )


    [ المدثر: 26 - 30] وقد فتن الكفار بهذا العدد، فقد ظنوا أنه يمكن التغلب على هذا العدد القليل، وغاب عنهم أن الواحد من هؤلاء يملك من القوة ما يواجه به البشر جميعاً، ولذلك عقب الحق على ما سبق بقوله: ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) [ المدثر: 31].


    وهؤلاء الملائكة هم الذين سماهم الله "بخزنة جهنم" في قوله: ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ) [ غافر: 49].


    مكان النار


    اختلف العلماء في موقع النار الآن فقال بعضهم: هي في الأرض السفلى، وقال آخرون: هي في السماء، وقال آخرون بالتوقف في ذلك، وهو الصواب، لعدم ورود نص صريح صحيح يحدد موقعها، ومن الذين توقفوا في هذا ، الحافظ السيوطي قال: " وتَقِفُ عن النار، أي : تَقُولُ فيها بالوقف ، أي محلها ، حيث لا يعلمه إلا الله ، فلم يثبت عندي حديث أعتمده في ذلك " .


    سعة النار وبعد قعرها


    النار شاسعة واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، يدلنا على هذا أمور :
    الأول : الذين يدخلون النار أعداد لا تحصى، ومع كثرة عددهم فإن خلق الواحد فيهم يضخم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، ومع ذلك فإنها تستوعب هذه الأعداد الهائلة التي وجدت على امتداد الحياة الدنيا من الكفرة المجرمين على عظم خلقهم، ويبقى فيها متسع لغيرهم وقد أخبرنا الله بهذه الحقيقة في سورة ق فقال: ( ويوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) [ ق: 30].


    إن النار تشبه الطاحونة التي ينحدر إليها ألوف وألوف من أطنان الحبوب فتدور بذلك كله لا تكل ولا تمل ، وينتهي الحب والطاحونة تدور انتظاراً للمزيد. وقد جاء في حديث احتجاج الجنة والنار أن الله يقول للنار: " إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله – فتقول : قط قط قط ، فهنالك تمتلئ ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة .


    وعن أنس عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول: قط ، قط ، بعزتك وكرمك "
    الثاني : يدل على بعد قعرها أيضاً أن الحجر إذا ألقي من أعلاها احتاج إلى آماد طويلة حتى يبلغ قعرها، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله - صل الله عليه وسلم - ، إذ سمع وَجْبَة ، فقال النبي - صل الله عليه وسلم - : " تدرون ما هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم . قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النار إلى الآن "
    وروى الحاكم عن أبي هريرة، والطبراني عن معاذ وأبي أمامة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " لو أن حجراً مثل سبع خلفات، ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها " .
    الثالث : كثرة العدد الذي يأتي بالنار من الملائكة في يوم القيامة، فقد وصف الرسول - صل الله عليه وسلم - مجيء النار في يوم القيامة، الذي يقول الله فيه: ( وجاىء يومئذ بجهنم ) [ الفجر: 23]، فقال: " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك " رواه مسلم عن عبد الله ابن مسعود.
    ولك أن تتخيل عظم هذا المخلوق الرهيب الذي احتاج إلى هذا العدد الهائل من الملائكة الأشداء الأقوياء الذين لا يعلم مدى قوتهم إلا الله تبارك وتعالى .
    الرابع : ومما يدل على هول النار وكبرها أن مخلوقين عظيمين كالشمس والقمر يكونان ثورين مكورين في النار، ففي "مشكل الآثار" للطحاوي عن سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة ". ورواه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي، بإسناد صحيح، على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصراً بلفظ: " الشمس والقمر مكوران في النار " .


    دركات النار


    النار متفاوتة في شدة حرها، وما أعده الله من العذاب لأهلها، فليست درجة واحدة، وقد قال الحق تبارك وتعالى : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) [ النساء : 145]. والعرب تطلق: " الدرك " على كل ما تسافل، كما تطلق: " الدرج " على كل ما تعالى ، فيقال: للجنة درجات وللنار دركات، وكلما ذهبت النار سفلاً كلما علا حرها واشتد لهيبها ، والمنافقون لهم النصيب الأوفر من العذاب ، ولذلك كانوا في الدرك الأسفل من النار.


    وقد تسمى النار درجات أيضاً، ففي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار، ثم قال: ( ولكلٍ درجاتٌ مما عملوا ) [ الأنعام: 132]، وقال: ( أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير* هم درجاتٌ عند الله..) [ آل عمران : 162 - 163]، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " درجات الجنة تذهب علواً، ودرجات النار تذهب سفلاً " (2) . وقد ورد عن بعض السلف أن عصاة الموحدين ممن يدخلون النار يكونون في الدرك الأعلى ، ويكون في الدرك الثاني اليهود ، وفي الدرك الثالث النصارى ، وفي الدرك الرابع الصائبون ، وفي الخامس المجوس ، وفي السادس مشركوا العرب ، وفي السابع المنافقون.


    ووقع في بعض الكتب تسمية هذه الدركات: فالأول جهنم، والثاني لظى، والثالث الحطمة، والرابع السعير، والخامس سقر، والسادس الجحيم ، والسابع الهاوية .


    ولم يصح تقسيم الناس في النار وفق هذا التقسيم، كما لم يصح تسمية دركات النار على النحو الذي ذكروه ، والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكروها : جهنم، لظى ، الحطمة ... إلخ اسم علم للنار كلها، وليس لجزء من النار دون جزء ، وصح أن الناس متفاوتون على قدر كفرهم وذنوبهم .


    أبواب النار


    أخبر الحق أن للنار سبعة أبواب كما قال تعالى: ( وإن جهنم لموعدهم أجمعين* لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) [ الحجر: 43 - 44]. قال ابن كثير في تفسير الآية: " أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بحسب عمله " ونُقِلَ عن علي بن أبي طالب قوله وهو يخطب : " إن أبواب جهنم هكذا – قال أبو هارون – أطباقاً بعضها فوق بعض " ونُقل عنه أيضاً قوله: " أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول، ثم الثاني ، ثم الثالث، حتى تمتلئ كلها " .


    وعندما يردُ الكفار النار تفتح أبوابها، ثم يدخلونها خالدين ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) [ الزمر: 71]، وبعد هذا الإقرار يقال لهم: ( ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) [ الزمر: 72] ، وهذه الأبواب تغلق على المجرمين، فلا مطمع لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال تعالى: ( والذين كفروا بئاياتنا هم أصحاب المشئمة*عليهم نار مؤصدة ) [ البلد : 19 - 20].
    قال ابن عباس: ( مؤصدة ) مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش، أي أغلقه .
    وقال الحق في سورة الهمزة: ( ويل لكل همزة لمزة*الذي جمع مالاً وعدده*يحسب أن ماله أخلده* كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة*التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممدة ) [الهمزة : 1 - 9] .
    وقد تفتح أبواب النار وتغلق قبل يوم القيامة، فقد أخبر المصطفى أن أبواب النار تغلق في شهر رمضان، فعن أبي هريرة، عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ومردة الجن " .
    وخرّج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب " .


    وقود النار
    وقود النار الأحجار والفجرة الكفار، كما قال الحق: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ) [ التحريم: 6] ، وقال : ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) [ البقرة: 24] .
    والمراد بالناس الذين توقد النار بهم الكفرة المشركون،
    ومما توقد به النار الآلهة التي كانت تعبد من دون الله ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون* لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكلٌ فيها خالدون ) [الأنبياء : 98 – 99 ].
    وحصبها : وقودها وحطبها ، وقال الجوهري : " كل ما أوقدت به النار أو هيجتها فقد حصبتها " ، وقال أبو عبيدة: " كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به ".


    شدة حرها وعظم دخانها وشرارها


    قال الله تعالى : ( وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال*في سموم وحميم*وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم ) [الواقعة : 41 - 44 ] ، وقد تضمنت هذه الآية ذكر ما يتبرد به الناس من الكرب والحر وهو ثلاثة : الماء والهواء والظل ، وذكرت الآية أن هذه لا تغني عن أهل النار شيئاً ، فهواء جهنم : السموم ، وهو الريح الحارة الشديدة الحر ، وماؤها : الحميم الذي قد اشتد حره ، وظلها : اليحموم وهو قطع دخانها .


    وكما هوّل في هذه الآية أمر أصحاب الشمال أهل النار ، هوّل في آية أخرى أمر النار فقال: ( وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية* وما أدراك ما هيه * نار حامية ) [القارعة : 8 - 11 ].


    والظل الذي أشارت إليه الآية ( وظل من يحموم ) [الواقعة : 43 ] ، هو ظل دخان النار ، والظل يشعر عادة بالنداوة والبرودة ، كما أن النفس تحبه وتستريح إليه، أما هذا الظل فإنه ليس ببارد المدخل ولا بكريم المنظر، إنه ظل من يحموم .


    وقد حدثنا القرآن عن هذا الظل الذي هو دخان جهنم الذي يعلو النار، فقال: ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب* لا ظليل ولا يغني من اللهب* إنها ترمي بشرر كالقصر *كأنه جملت صفر ) [ المرسلات: 30-33 ]. فالآية تقرر أن الدخان الذي يتصاعد من هذه النار لضخامته ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهو يلقي ظلالاً ولكنها غير ظليلة، ولا تقي من اللهب المشتعل، أما شرار هذه النار المتطاير منها فإنه يشبه الحصون الضخمة، كما يشبه هذا الشرار الجمالة الصفر، أي الإبل السود.
    وقال الحق مبيناً قوة هذه النار، ومدى تأثيرها في المعذبين : ( سأصليه سقر*وما أدراك ما سقر*لا تبقي ولا تذر*لواحة للبشر ) [المدثر: 26-29 ] ، إنها تأكل كل شيء ، وتدمر كل شيء ، لا تبقي ولا تذر ، تحرق الجلود ، وتصل إلى العظام ، وتصهر ما في البطون ، وتطلع على الأفئدة .
    وقد أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - أن " نارنا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم "، قيل : يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: " فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها "
    وهذه النار لا يخبو أوارها مع تطاول الزمان، ومرور الأيام ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً ) [النبأ: 30 ]، ( كلما خبت زدناهم سعيرا ) [الإسراء : 97 ]، ولذلك لا يجد الكفار طعم الراحة، ولا يخفف عنهم العذاب مهما طال العذاب : ( فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) [البقرة: 86 ]. والنار تسعر كل يوم كما في الحديث عند مسلم عن عمرو ابن عبسة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة، حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصلِّ " .
    وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم " .
    وتُسعرُ النار في يوم القيامة عندما تستقبل أهلها ( وإذا الجحيم سعرت *وإذا الجنة أزلفت ( [التكوير: 12-13 ]، ومعنى سُعِّرت : أوقدت، وأحميت .

    النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به ، المتمردين على شرعه ، المكذبين لرسله ، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه ، وسجنه الذي يسحن فيه المجرمين .
    النار تتكلم وتبصر



    الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار يجدها مخلوقاً يبصر، ويتكلم، ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون إليها من بعيد، فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى: ( إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا ) [الفرقان : 12 ].
    وروى ابن جرير عن ابن عباس قال : " إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ فتقول: إنه يستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك، فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف " .
    وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق ، تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين "





    رؤيا ابن عمر للنار





    وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن عمر أنه رأى في المنام أنه جاءه ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد ، يقبلا بي إلى جهنم ثم لقيه ملك في يده مقمعة من حديد ، قالوا : لن تُرع . نعم الرجل أنت ، لو كنت تكثر الصلاة ، قال : فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم ، فإن هي مطوية كطي البئر ، له قرون كقرن البئر ، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد ، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل ، رؤوسهم أسفلهم ، عرفت فيها رجالاً من قريش ، فانصرفوا بي عن ذات اليمين ، فقصصتها على حفصة ، فقصتها حفصة على رسول الله - صل الله عليه وسلم - فقال : " إن عبد الله رجل صالح " .





    هل يرى أحد النار قبل يوم القيامة عياناً ؟





    الذي نعلمه أن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه قد رأى النار كما رأى الجنة في حياته، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس في صلاة الخسوف أن الرسول - صل الله عليه وسلم - قال: " إني رأيت الجنة ، فتناولت عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء " .





    وفي صحيح البخاري عن أسماء أن الرسول - صل الله عليه وسلم - قال: " قد دنت مني الجنة، حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، ودنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم ؟ فإذا امرأة – حسبت أنه قال – تخدشها هرة. قلت: ما شأن هذه ؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل – قال نافع: حسبت أنه قال: - من خشيش أو خشاش الأرض " .
    وفي مسند أحمد عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - " إن النار أدنيت منى حتى نفخت حرها عن وجهي، فرأيت فيها صاحب المحجن، والذي بحر البحيرة، وصاحب حمير، وصاحبة الهرة " .
    وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: "عرضت عليّ الجنة، حتى لو تناولت منها قطفاً أخذته، ( أو قال: تناولت منها قطفاُ، فقصرت يدي عنه)، وعرضت عليّ النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها، ربطتها فلمتطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت عمرو بن مالك يجرُّه قصبه في النار " .
    وبعد أن يموت العباد تعرض عليهم في البرزخ مقاعدهم في الجنة إن كانوا مؤمنين ، ومقاعدهم في النار إن كانوا كافرين.





    تأثير النار على الدنيا وأهلها





    روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " اشتكت النار إلى ربها، فقالت رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لنا بنفسين : نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير ".
    وروى البخاري أيضاً عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال النبي - صل الله عليه وسلم - : " أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم " .





    النار خالدة لا تبيد





    النار خالدة لا تفنى ولا تبيد، كما قال الطحاوي في عقيدته: " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان ولا تبيدان "
    ونقل ابن حزم اتفاق الأمة على ذلك ، فقد جاء في كتابه " الملل والنحل " قوله: " اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان " .
    وجاء في كتابه " مراتب الإجماع" قوله: "...وأن النار حق، وأنها دار عذاب لا تفنى ، ولا يفنى أهلها بلا نهاية " . والنصوص الدالة على خلود النار كثيرة ، وحسبك أن الله سماها " دار الخلد ".
    هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن النار خالدة لا تبيد، وأهلها فيها خالدون، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والمشركون فهم فيها خالدون.





    أهلها المخلدون فيها





    أهل النار الخالدون فيها الذين لا يرحلون ولا يبيدون – هم الكفرة والمشركون. قال تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [الأعراف : 36 ]، وقال : ( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) [الأنبياء: 99 ]، وقال: ( إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ) [الزخرف : 74 ]، وقال : ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) [فاطر: 36 ]. وقال: ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [البقرة: 39 ]، وقال: ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين*خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) [البقرة:160-161].
    وقال: ( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم ) [التوبة : 63 ]، وقال : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) [التوبة : 17].
    ولما كانوا خالدين فيها فقد وصف الحق عذاب النار بأنه مقيم، أي لا ينقطع، كما أضافه إلى الخلد، قال تعالى : ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) [المائدة:37] وقال : ( ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) [يونس: 52 ].
    وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " يُجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار،فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون:نعم هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله - صل الله عليه وسلم - : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) [مريم : 39 ] .





    النار مسكن الكفرة المشركين





    لما كان الكفرة المشركون خالدين في النار فإن النار تعتبر بالنسبة لهم سكناً ومأوى، كما أن الجنة مسكن المؤمنين، ( ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) [آل عمران: 151 ] ، ( أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ) [يونس: 8 ] ، ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ) [العنكبوت: 68 ]. وهي مأواهم تتولى أمرهم ( مأواكم النار هي مولاكم ) [الحديد: 15 ].
    وهي بئس المسكن والمثوى ، ( فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) [البقرة: 206 ]، ( وإن للطاغين لشر مئاب*جهنم يصلونها فبئس المهاد ) [ص:55-56 ].





    الدعاة إلى النار





    أصحاب المبادئ الضالة، والمذاهب الباطلة المخالفون لشرع الله، الدعاة المؤمنون بباطلهم هم دعاة النار، ( أولئك يدعون إلى النار ) [البقرة: 221 ]، ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) [القصص:41]، ومن هؤلاء الشيطان ( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) [لقمان: 21]، ( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [فاطر: 6 ].
    وهؤلاء الذين يدعون إلى النار في الدنيا يقودون أقوامهم وأتباعهم إلى النار في الآخرة ، ففرعون مثلاً: ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ) [هود:98 ]. وكل قادة الشر الذين يدعون إلى عقائد ومبادئ مخالفة للإسلام هم دعاة إلى النار، لأن الطريق الوحيد الذي ينجي من النار ويدخل الجنة هو طريق الإيمان ( ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ) [غافر: 41 ]، كانوا يدعونه إلى فرعون وكفره وشركه، وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده والإيمان به .
    ولما كان الكفار دعاة إلى النار حرم الله على المؤمنين الزواج من المشركات، كما حرم على المؤمنات الزواج من المشركين ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) [البقرة: 221 ].





    أعظم جرائم الخالدين في النار





    لقد أطال القرآن في تبيان جرائم الخالدين الذين استحقوا بها الخلود في النيران ، ونحن نذكر هنا أهمها :
    1- الكفر والشرك : فقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الذين كفروا يُنادَون عندما يكونون في النار. فيقال لهم: إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم أنفسكم بسبب كفركم بالإيمان، ثم بين أن خلودهم في النار إنما هو بسبب كفرهم وشركهم ( إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون*قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل*ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ) [غافر: 10 ].
    وحدثنا الحق تبارك وتعالى أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: ( أولم تكُ تأتيكم رسلكم بالبينات ) [غافر: 50 ]، فيكون الجواب: أنهم استحقوا النار بسبب تكذيبهم المرسلين ، وما جاؤوا به ( قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) [الملك: 9 ].
    وقال في المكذبين بالكتاب: ( وقد آتيناك من لدنا ذكرا*من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً خالدين فيها وساء لهم يوم القيامة حملا ) [طه:99-101 ].
    وقال في المكذبين بالكتاب المشركين بالله : ( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون*إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون* ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون* من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً كذلك يضل الله الكافرين* ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون* ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) [غافر: 70-76 ].
    وقال في الكفرة المشركين المسوين آلهتم برب العالمين ( فكبكبوا فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أجمعون* قالوا وهم فيها يختصمون*تالله إن كنا لفي ضلال مبين* إذ نسويكم برب العالمين ) [الشعراء: 94-98 ].
    وقال في حق المكذبين بيوم الدين: ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) [ الفرقان:11] ،( وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا تراباً أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [الرعد: 5 ]. وقال: ( مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا*ذلك بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أءذا كنا عظاماً ورفاتاً أءنا لمبعوثون خلقاً جديدا )[الإسراء: 97-98 ].
    2- عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين وترك الالتزام بالضوابط الشرعية ، فقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن أهل الجنة يسألون أهل النار قائلين: ( ما سلككم في صقر ) [المدثر: 42 ]، فيجيبون قائلين: ( لم نك من المصلين*ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين*وكنا نكذب بيوم الدين*حتى أتانا اليقين ) [المدثر: 43-47 ].
    3- طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر فيما قرروه من مبادئ الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين . قال تعالى في هؤلاء: ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين*وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون* فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ الذين كانوا يعملون* ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ) [فصلت: 25-28 ].
    وعندما يحل الكفار في النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء: ( إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً*خالدين فيها أبداً لا يجدون وليا ولا نصيرا* يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا* وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) [الأحزاب : 64-67 ].
    4- النفاق : وعد الله المنافقين النار، وهو وعد قطعه على نفسه لا يخلفه: ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) [التوبة: 68 ]، وأخبرنا أن موقع المنافقين في النار هو دركاتها السفلى، وهي أشدها حراً، وأكثرها إيلاماً ) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) [النساء: 145 ].
    5- الكبر : وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: ( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [الأعراف: 36 ].
    وقد عقد مسلم في صحيحه باباً عنون له يقوله: " باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء " وذكر فيه احتجاج الجنة والنار وما قالتا وما قال الله لهما، وساق فيه حديث أبي هريرة يرفعه إلى الرسول - صل الله عليه وسلم - ، وفيه أن النار قالت : "يدخلني الجبارون والمتكبرون" وفي رواية قالت: " أوثرت بالمتكبرين والجبارين ". وقال الله لها: " أنت عذابي أعذب بك من أشاء " . وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر "
    ومصداق هذا في كتاب الله تبارك وتعالى: ( أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) [الزمر:60 ]، وقوله : ( فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) [الأحقاف: 20 ]، وقوله: ( فأما من طغى*وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى ) [النازعات : 37 ].





    جملة الجرائم التي تدخل النار





    سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما عمل أهل النار، وما عمل أهل الجنة ؟ فأجاب :" عمل أهل النار: الإشراك بالله تعالى، والتكذيب للرسل، والكفر، والحسد، والكذب ، والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، والعمل رياءً وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة ، أي اعتقاداً وعملاً، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب للباطل، واستهزاء بآيات الله ، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم ، والربا ، والفرار من الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
    وقد ذكر الرسول - صل الله عليه وسلم - جماع الذنوب التي تدخل النار، ففي صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال في خطبة له طويلة: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له (10) ، الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلا ولا مالاً ، والخائن الذي لا يخفى له طمع (11) ، وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك. وذكر البخل، والكذب ، والشنظير(12) ، الفحاش " . (13)





    أشخاص بأعيانهم في النار





    الكفار المشركون في النار لا شك في ذلك، وقد أخبرنا القرآن الكريم ، كما أخبرنا الرسول - صل الله عليه وسلم - أن أشخاصاً بأعيانهم في النار، فمن هؤلاء فرعون موسى، ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ) [هود: 98].
    ومنهم امرأة نوح وامرأة لوط ، ( ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين ) [التحريم : 10 ].





    ومنهم أبو لهب وامرأته ( تبت يدا أبي لهب وتب*ما أغنى عنه ماله وما كسب* سيصلى ناراً ذات لهب* وامرأته حمالة الحطب* في جيدها حبل من مسد ) [المسد ] ومنهم عمرو بن عامر الخزاعي، فقد رآه الرسول يجر أمعاءه في النار (14) ، ومنهم الذي قتل عمار وسلبه، ففي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص وعن ابنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال : " قاتل عمار وسالبه في النار " .





    كفرة الجن في النار





    كفرة الجن يدخلون النار كما يدخلها كفرة الإنس، فالجن مكلفون كالإنس ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات: 56 ].





    وفي يوم القيامة يحشر الجن والإنس على حد سواء: ( ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ) [الأنعام: 128 ]، ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا* ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا*ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) [مريم : 68-70 ] ثم يقال للكفرة منهم: ( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) [الأعراف: 38 ]، وعند ذلك يكبكبون في النار: ( فكبكبوا فيها هم والغاوون*وجنود إبليس أجمعون ) [الشعراء: 94-95 ]، وبذلك تتم كلمة الله القاضية بملء النار من كفرة الجن والإنس ( وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [هود : 119 ] ( وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) [فصلت : 25 ].







    الذين لا يخلدون في النار





    الذين يدخلون النار ، ثم يخرجون منها هم أهل التوحيد الذين لم يشركوا بالله شيئاً ، ولكن لهم ذنوب كثيرة فاقت حسناتهم ، فخفت موازينهم ، فهؤلاء يدخلون النار مدداً يعلمها الله تبارك وتعالى ، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين ، ويخرج الله برحمته أقواماً لم يعملوا خيراً قط .

  7. #5
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    الذنوب المتوعد عليها بالنار





    سنذكر هنا بعض الذنوب التي جاءت النصوص مخبرة أن أهلها يعذبون بسببها في النار :
    1- الفرق المخالفة للسنة :


    روى أبو داود والدارمي وأحمد والحاكم وغيرهم عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: ألا إن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ".


    2- الممتنعون من الهجرة :


    لا يجوز للمسلم أن يقيم في ديار الكفر إذا وجدت ديار الإسلام خاصة إذا كان مكثه في ديار الكفر يعرضه للفتنة، ولم يقبل الله الذين تخلفوا عن الهجرة، فقد أخبرنا الحق أن الملائكة تُبَكّت هذا الصنف من الناس حال الموت، ولا تعذرهم عندما يدعون أنهم كانوا مستضعفين في الأرض ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تك أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) [النساء: 97 - 98]، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا المستضعفين الذين لا يجدون حيلة للخروج، ولا يهتدون إلى الطريق الذي يوصلهم إلى ديار الإسلام .


    3- الجائرون في الحكم :


    أنزل الله الشريعة ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله عباده بالعدل ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) [النحل: 90 ]، وفرض على الحكام والقضاة الحكم بالعدل وعدم الجور ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) [النساء: 58 ]، وقد تهدد الحق الذين لا يحكمون بالحق بالنار، فقد روى بريدة بن الحصيب أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - ، قال : " القضاة ثلاثة : واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار" أخرجه أبو داود .


    4- الكذب على الرسول الله - صل الله عليه وسلم - :


    عقد ابن الأثير في كتابه الكبير: " جامع الأصول فصلاً ساق فيه كثيراً من الأحاديث التي تحذر من الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فمنها ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن على بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " لا تكذبوا على، فإنه من كذب علي يلج النار ".
    ومنها ما رواه البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ".


    5- الكبر :


    من الذنوب الكبار الكبر، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار " وفي رواية " أذقته النار " رواه مسلم.
    وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة ، قال: " إن الله جميل يحب الجمال. الكبر: بطر الحق، وغمط الناس " رواه مسلم .


    6- قاتل النفس بغير حق :


    قال تعالى: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيما ) [النساء: 93 ].
    وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ". قال ابن عمر: " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (10) . وقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أن يقاتل بعضهم بعضاً ، وأخبر أن القاتل والمقتول في النار ، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت، أو قيل : يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (11) . ولذا فإن العبد الصالح أبى أن يقاتل أخاه ، خشية أن يكون من أهل النار ، فباء القاتل بإثمه وإثم أخيه ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين*لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقلتك إني أخاف الله رب العالمين* إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ) [المائدة: 27 - 29 ].


    7- أكلة الربا :


    من الذنوب التي توبق صاحبها الربا ، وقد قال الحق في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [البقرة: 275 ]، وقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) [آل عمران : 130-131 ] .
    وقد عده الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه واحداً من سبعة ذنوب توبق صاحبها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " اجتنبوا السبع الموبقات " . قالوا : يا رسول الله وما هنّ ؟ قال : " الشرك بالله ، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .


    8- أكلة أموال الناس بالباطل :


    من الظلم العظيم الذي يستحق به صاحبه النار أكل أموال الناس بالباطل ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما* ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً ( [النساء: 29-30 ].
    ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلماً، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم، ولشناعة هذه الجريمة ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا ) [النساء: 10 ].


    9- المصورون :


    أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: " إن أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون " .
    وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم " متفق عليه .
    وعن عائشة أن الرسول - صل الله عليه وسلم - قال في النمرقة التي فيها تصاوير: " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم " متفق عليه .
    وعن عائشة أيضاً، عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " أشدّ الناس عذاباً الذين يضاهون بخلق الله " متفق عليه.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: " قال عزّ وجلّ : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة " متفق عليه .


    10 – الركون إلى الظالمين :


    من الأسباب التي تدخل النار الركون إلى الظالمين أعداء الله وموالاتهم ، ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) [هود:113 ].


    11 – الكاسيات العاريات والذين يجلدون ظهور الناس :


    من الأصناف التي تصلى النار الفاسقات المتبرجات اللواتي يفتن عباد الله، ولا يستقمن على طاعة الله، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا " أخرجه مسلم ، والبيهقي ، وأحمد .
    قال القرطبي في الذين معهم سياط كأذناب البقر: "وهذه الصفة للسياط مشاهدة عندنا بالمغرب إلى الآن " قال صديق حسن خان معقباً على قول القرطبي: " بل هو مشاهد في كل مكان وزمان، ويزداد يوماً فيوماً عند الأمراء والأعيان ، فنعوذ بالله من جميع ما كرهه الله "
    . أقول : ولا زلنا نرى هذا الصنف من الناس في كثير من الديار يجلدون أبشار الناس ، فتبّاً لهؤلاء وأمثالهم .
    والكاسيات العاريات كثيرات في زماننا، ولعله لم يسبق أن انتشرت فتنتهن كما انتشرت في زماننا، وهن على النعت الذي وصفه الرسول - صل الله عليه وسلم -: كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت .


    12- الذين يعذبون الحيوان :


    روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : "عُرضَت عليّ النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تُعذّب في هرة لها، ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ، حتى ماتت جوعاً ".
    إذا كان هذا حال من يعذب هرة ، فكيف من يتفنن في تعذيب العباد ؟ فكيف إذا كان التعذيب للصالحين منهم بسبب إيمانهم وإسلامهم ؟


    13 – عدم الإخلاص في طلب العلم :


    ساق الحافظ المنذري كثيراً من الأحاديث التي ترهب من تعلّم العلم لغير الله ، منها: عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعنى ريحها . رواه أبو داود وابن ماجة ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم .


    وعن جابر قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، من فعل ذلك فالنار النار " رواه ابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي .
    وعن ابن عمر عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " من تعلم علماً لغير الله ، أو أراد به غير الله ، فليتبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي وابن ماجة كلاهما عن خالد بن دريك عن ابن عمر، ولم يسمع منه . ورجال إسنادهما ثقات .


    14- الذين يشربون في آنية الذهب والفضة :


    روى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجر في بطنه نار جهنم ". وفي رواية لمسلم: " إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب ..." .
    وعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله - صل الله عليه وسلم - يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة " متفق عليه .


    15- الذي يقطع السدر الذي يظل الناس :


    عن عبد الله بن حبيش قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار " رواه أبو داود .


    وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة عن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن الذين يقطعون السدر يصبون في النار على رؤوسهم صباً " .


    16- جزاء الانتحار :


    ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه، فهو في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " .
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار " .



    كثرة أهل النار
    النصوص الدالة على ذلك


    جاءت النصوص كثيرة وافرة دالة على كثرة من يدخل النار من بني آدم ، وقلة من يدخل الجنة منهم .


    قال تعالى: ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [يوسف: 103 ]، وقال: ( ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ) [سبأ: 20 ] . وقال الحق تبارك وتعالى لإبليس: ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ) [ص: 85 ]. فكل من كفر فهو من أهل النار على كثرة من كفر من بني آدم .



    ويدلك على كثرة الكفرة المشركين الذين رفضوا دعوة الرسل أن النبي بأتي في يوم القيامة ومعه الرهط، وهم جماعة دون العشرة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، بل إن بعض الأنبياء يأتي وحيداً لم يؤمن به أحد، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد .." .



    وجاءت نصوص كثيرة تدل على أنه يدخل في النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف ، وواحد فقط هو الذي يدخل الجنة . فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " يقول الله : يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، ثم يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى وما هم بسكرى، ولكن عذاب الله شديد . فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل ؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل . ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قال: فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار " .



    وروى الترمذي في سننه عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما نزلت ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) [الحج: 1 ]، قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: " أتدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة "، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت، وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير "، ثم قال : " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا "، ثم قال: ولا أدري أقال: الثلثين أم لا. وكذا رواه الإمام أحمد، وقال الترمذي فيه: هذا حديث حسن صحيح .



    السر في كثرة أهل النار



    ليس السبب في كثرة أهل النار هو عدم بلوغ الحق إلى البشر على اختلاف أزمانهم وأمكنتهم، فإن الله لا يؤاخذ العباد إذا لم تبلغهم دعوته، ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء: 15 ]، ولذلك فإن الله أرسل في كل أمة نذيراً، ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) [فاطر : 24 ] .


    ولكن السبب وراء ذلك يعود إلى قلة الذين استجابوا للرسل وكثرة الذين كفروا بهم ، وكثير من الذين استجابوا لم يكن إيمانهم خالصاً نقياً.
    ولعل السبب الأعظم هو اتباع الشهوات ، ذلك أن حب الشهوات مغروس في أعماق النفس الإنسانية ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) [آل عمران: 14 ] .
    وكثير من الناس يريد الوصول إلى هذه الشهوات عن الطريق التي تهواها نفسه ويحبها قلبه، ولا يراعي في ذلك شرع الله المنزل، أضف إلى هذا تمسك الأبناء بميراث الآباء المناقض لشرع الله ( ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) [الزخرف: 23-24] .
    روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " لما خلق الله النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فلما رجع، قال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها".
    وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره ". أخرجه البخاري ومسلم.


    أكثر من يدخل النار النساء


    أكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء، كما في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي - صل الله عليه وسلم - ، إنه قال في خطبة الكسوف " أريت النار، فلم أر منظر كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء " .
    وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صل الله عليه وسلم - أنه قال: " يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقلن: ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال: " تكثرن اللعن، وتكفرن المشير " .
    " وإنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا، لنقصان عقولهن أن تنفذ بصائرها إلى الآخرى ، فيضعفهن عن عمل الآخرة والتأهب لها ، ولميلهن إلى الدنيا والتزين لها ، ومع ذلك هن أقوى أسباب الدنيا التي تصرف الرجال عن الآخرة ، لما فيهن من الهوى والميل لهن ، فأكثرهن معرضات عن الآخرة بأنفسهن صارفات عنها لغيرهن ، سريعات الانخداع لداعيهن من المعرضين عن الدين، عسيرات الاستجابة لمن يدعوهن إلى الأخرى، وأعمالها من المتقين ".
    ومع ذلك ففيهن صالحات كثير، يقمن حدود الله، ويلتزمن شريعته ويطعن الله ورسوله، ويدخل منهن الجنة خلق كثير، وفيهن من يسبقن كثيراً من الرجال بإيمانهن وأعمالهن الصالحة.

    عظم خلق أهل النار


    يدخل أهل الجحيم النار على صورة ضخمة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " رواه مسلم . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث " .



    وهذا التعظيم لجسد الكافر ليزداد عذابه وآلامه، يقول النووي في شرحه لأحاديث مسلم في هذا الباب: " هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وكل هذا مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به ". وقال ابن كثير معلقاً على ما أورده من هذه الأحاديث : "ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم، كما قال شديد العقاب : ( ليذوقوا العذاب ) [النساء: 56 ] .



    طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم



    طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال تعالى: ( ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع ) [الغاشية: 6-7 ]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس : الشبرق : نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً . وقال قتادة : من أضرع الطعام وأبشعه.



    وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم ، فلا يجدون لذة ، ولا تنتفع به أجسادهم ، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب .
    وقال تعالى: ( إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم ) [ الدخان: 43-46] وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: ( أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) [الصافات: 62-68 ].
    وقال في موضع آخر: ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين ) [الواقعة: 51-56 ].




    ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم ( وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ) [ محمد : 15 ]. هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم ، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.
    وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده ( إن لدينا أنكالاً وجحيماً* وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما ) [المزمل : 12-13 ]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.




    وقد صور لنا الرسول - صل الله عليه وسلم - شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح .



    ومن طعام أهل النار الغسلين، قال تعالى: ( فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون )[الحاقة: 35-37 ]، وقال تعالى : ( هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج ) [ص : 57-58 ] .



    والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد ، وقيل : ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى : هو عصارة أهل النار .
    وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.



    أما شرابهم :


    قال تعالى: ( وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ) [محمد: 15 ]،
    وقال : ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) [الكهف: 29 ]،
    وقال : ( ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه ) [إبراهيم:16-17]،
    وقاا : ( هذا فليذوقوه حميم وغساق ) [ص: 57 ].



    وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار :


    الأول : الحميم ، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال تعالى: ( يطوفون بينهم وبين حميم آن ) [الرحمن : 44 ]، والـ ( آن ): هو الذي انتهى حره، وقال: ( تسقى من عين آنية ) [الغاشية:5 ]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.


    النوع الثاني : الغساق ، وقد مضى الحديث عنه ، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم .


    النوع الثالث : الصديد ، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده ، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال . قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال : عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ".


    الرابع : المهل . وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي - صل الله عليه وسلم - في قوله: " كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه ".


    وقال ابن عباس: في تفسير المهل : " غليظ كدردي الزيت ".


    أكلهم النار :
    من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقاً، ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ) [ النساء: 10 ].



    وقال: ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) [البقرة:174 ].


    أما لباس أهل النار:


    فقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال تعالى: ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ) [ الحج: 19 ]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثياباً .


    وقال تعالى: ( وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ) [ إبراهيم: 49]. والقطران: هو النحاس المذاب . وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب ".


    عذاب أهل النار
    شدة ما يكابده أهل النار من عذاب



    النار عذابها شديد ، وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما يجعل الإنسان يبذل في سبيل الخلاص منها نفائس الأموال ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) [آل عمران: 91 ]، وقال الحق في هذا المعنى: ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثلهم معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبل منهم ولهم عذاب أليم ) [المائدة: 36 ].


    وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب " .



    إنها لحظات قليلة تُنسي أكثر الكفار نعيماً كلّ أوقات السعادة والهناء .



    وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " يقول الله – تبارك وتعالى – لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتدياً بها؟ فيقول : نعم . فيقول أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك (أحسبه قال: ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك " .



    إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه، وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار، وأنى له النجاة: ( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه* وصاحبته وأخيه* وفصيلته التي تؤيه* ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه* كلا إنها لظى * نزاعة للشوى ) [المعارج: 11-16 ] .



    وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم، وألم مستمر.


    صور من عذابهم
    1/ تفاوت عذاب أهل النار



    لما كانت النار دركات بعضها أشد عذاباً وهولاً من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب ، ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة، عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال في أهل النار : " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته " وفي رواية " إلى عنقه ".
    وقد حدثنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أخف أهل النار عذاباً، ففي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال : سمعت النبي - صل الله عليه وسلم - يقول: " إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه ". وفي رواية أخرى في صحيح البخاري أيضاً عن النعمان بن بشير: " إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم ".
    وفي رواية النعمان بن بشير عن مسلم : " إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار ، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل ، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً ".
    وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل نعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ".
    وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه انه سمع رسول الله - صل الله عليه وسلم - وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه
    وقد جاءت النصوص القرآنية مصدقة لتفاوت أصحاب النار في العذاب كقوله تعالى: ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) [ النساء:145] ، وقوله: ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) [ غافر:46]، وقوله : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) [ النحل: 88].
    يقول القرطبي في هذا الموضوع: " هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط ، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرد وعصى، ولا شك أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة،ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر ،مساوياً لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين ، ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي - صل الله عليه وسلم - إلى ضحضاح لنصرته إياه ، وذبّه عنه وإحسانه إليه ؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب ، ويصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين " .



    2/ إنضاج الجلود
    إن نار الجبار تحرق جلود أهل النار ، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق ، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلوداً أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد ، وهكذا دواليك، ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً ) [ النساء: 56].




    3/ الصهر
    من ألوان العذاب صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره ، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما بطونهم والجلود ) [الحج:19-20] .
    أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم ، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعود كما كان "، وقال: حسن غريب صحيح.




    4/ اللفح
    أكرم ما في الإنسان وجهه ،ولذلك نهانا الرسول - صل الله عليه وسلم - عن ضرب الوجه ، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عمياً وصما وبكماً ( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ) [ الإسراء:97]، ويلقون في النار على وجوههم ( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) [ النمل:90].
    وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبداً لا يجدون حائلا يحول بينهم وبينها ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون ) [ الأنبياء:39]، ( تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ) [المؤمنون:104]، ( سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ) [ إبراهيم:50]، ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) [الزمر:24]، وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان: ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) [ الأحزاب: 66]، أرأيت كيف يقلب اللحم على النار، والسمك في المقلى ، كذلك تقلب وجوههم في النار ، نعوذ بالله من عذاب أهل النار .




    5/ السحب
    ومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار في النار على وجوههم ( إن المجرمين في ضلال وسعر* يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ) [ القمر:47-48]، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل ( فسوف يعلمون* إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون ) [ غافر:70-72]، قال قتادة : يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة .




    6/ تسويد الوجوه
    يسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) [ آل عمران:106]، وهو سواد شديد، كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ يونس: 27].




    7/ إحاطة النار بالكفار
    أهل النار هم الكفار الذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم ، فلم تبق لهم حسنة ، كما قال تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ، ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة:81]، ولا يكون المرء كذلك إلا إذا كان كافراً مشركاً، يقول صديق حسن خان: " المراد بالسيئة هنا الجنس ، ولابد أن يكون سببها محيطاً بها من جميع جوانبه، فلا تبقى له حسنة ، وسدت عليها مسالك النجاة ، والخلود في النار هو للكفار والمشركين ، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج لما ثبت في السنة متواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار ".
    ولما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفار من كل جهة، كما قال تعالى : ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) [ الأعراف:41]. والمهاد ما يكون من تحتهم ، والغواش جمع غاشية، وهي التي تغشاهم من فوقهم، والمراد أن النيران تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم ، كما قال تعالى : ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجهلم ) [ العنكبوت:55]، وقال في موضع آخر : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) [ الزمر:16]، وقد صرح بالإحاطة في موضع آخر : ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) [ التوبة:49]. وقد فسر بعض السلف المهاد بالفرش ، والغواش باللحف .
    وتأتي الإحاطة من ناحية أخرى، ذلك أن للنار سوراً يحيط بالكفار، فلا يستطيع الكفار مغادرتها أو الخروج منها، كما قال تعالى : ( إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) [ الكهف:29]. وسرادق النار سورها وحائطها الذي يحيط بها.




    8/ إطلاع النار على الأفئدة
    ذكرنا أن أهل النار يضخم خلقهم في النار شيئاً عظيماً، ومع ذلك فإن النار تدخل في أجسادهم حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم ( سأصليه سقر* وما أدراك ما سقر* لا تبقي ولا تذر* لواحة للبشر ) [ المدثر:26-29]، قال بعض السلف في قوله: ( لا تبقي ولا تذر ) ، قال: " تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك "
    وقال الحق تبارك وتعالى: ( كلا لينبذن في الحطمة* وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة ) [ الهمزة:4-7].
    قال محمد بن كعب القرظي: " تأكله النار إلى فؤاده، فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه ". وعن ثابت البناني أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: " تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء، لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي ".




    9/ اندلاق الأمعاء في النار
    في الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع أهل النار عليه ، فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ".
    ومن الذين يجرون أمعاءهم في النار عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين العرب ، وقد رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجر قصبه في النار، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار ، وكان أول من سيب السوائب " .



    10/ قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم
    أعد الله لأهل النار في النار سلاسل وأغلالاً وقيوداً ومطارق ( إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا ) [ الإنسان:4]، ( إن لدينا أنكالاً وجحيماً * وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً ) [ المزمل:12-13]، والأغلال توضع في الأعناق ( وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ:33]، ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ) [غافر:71]، والأنكال : القيود ، سميت أنكالاً لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها ( إن لدينا أنكالاً وجحيماً ) [ المزمل:12]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وانظر إلى هذه الصورة التي أخبرنا بها الكتاب الكريم ( خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ) [ الحاقة:30-32].
    وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد ، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطوح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، ( ولهم مقامع من حديد* كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ) [ الحج:21-22] .




    11/ قرن معبوداتهم وشياطينهم بهم في النار
    كان الكفار والمشركون يعظمون الآلهة التي يبعدونها من دون الله ، ويدافعون عنها، ويبذلون في سبيل ذلك النفس والمال، وفي يوم القيامة يدخل الحق تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله النار إهانة لعابديها وإذلالاً لهم ، ليعلموا أنهم كانوا ضالين، يعبدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ( إنكم وما تعبدون من دون حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) [ الأنبياء:98-99].



    يقول ابن رجب: " لما عبد الكفار الآلهة من دون الله، واعتقدوا أنها تشفع لهم عند الله ، وتقربهم إليه ، عوقبوا بأن جعلت معهم في النار إهانة لهم وإذلالاً ، ونكاية لهم وإبلاغاً في حسرتهم وندامتهم، فإن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته ".
    ومن أجل ذلك يقذف في يوم القيامة بالشمس والقمر في النار، ليكونا مما توقد به النار ، تبكيتاً للظالمين الذين كانوا يعبدونها من دون الله، ففي الحديث : " الشمس والقمر مكوران في النار ".
    يقول القرطبي: " وإنما يجمعان في جهنم ، لأنهما قد عُبداً من دون الله لا تكون النار عذاباً لهم، لأنهما جماد ، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكافرين وحسرتهم ، هكذا قال بعض أهل العلم ".
    ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم ليكون أشد لعذابهم: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون* حتى إذا جاءنا قال يا ليت بين وبينك بعد المشرقين فبئس القرين* ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ) [الزخرف:36-39].




    12/ حسرتهم وندمهم ودعاؤهم
    عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم ،ولات ساعة مندم ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) [يونس:54] . ، وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله، فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار ، فإنه يدعو بالثبور والهلاك ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً *ويصلى سعيراً ) [ الانشقاق : 10-12].
    ويتكرر دعاؤهم بالويل والهلاك عندما يلقون في النار، ويصلون حرها ( وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً* لا تدعوا اليوم ثبوراً واحدة وادعوا ثبوراً كثيراً ) [ الفرقان:13-14]. وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم ،ويدعون ربهم آملين أن يخرجهم من النار ، ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل ) [فاطر:37]، وهم يعترفون في ذلك الوقت بضلالهم وكفرهم وقلة عقولهم ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) [الملك:10]، ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) [ غافر:11].
    ولكن طلبهم يرفض بشدة ، ويجابون بما تستحق أن تجاب به الأنعام ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين* ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون* قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون ) [ المؤمنون:106-108].
    لقد حق عليهم القول ، وصاروا إلى المصير الذي لا ينفع معه دعاء ولا يقبل فيه رجاء ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون* ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) [ السجدة:12-14].
    ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئاً مما يعانونه ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب* قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) [غافر:49-50].



    عند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) [الزخرف:77].
    إنه الرفض لكل ما يطلبون، لا خروج من النار ،ولا تخفيف من عذابها ، ولا إهلاك ، بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم، ويقال لهم آن ذاك : ( فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) [الطور:16].



    هناك يشتد نحيبهم ،وتفيض دموعهم، ويطول بكاؤهم ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ) [ التوبة:82]، إنهم يبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دماً ، وتؤثر دموعهم في وجوههم كما يؤثر السيل في الصخر، ففي مستدرك الحاكم عن عبد الله بن قيس أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " إن أهل النار ليبكون ، حتى لو أجريت السفن في دموعهم، لجرت وإنهم ليبكون الدم – يعني – مكان الدمع ".
    وعن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ : " يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ، ثم يبكون الدم حتى تصير في وجوههم كهيئة الأخدود ، لو أرسلت فيه السفن لجرت ".
    لقد خسر هؤلاء الظالمون أنفسهم وأهليهم عندما استحبوا الكفر على الإيمان، واستمع إلى عويلهم وهم يرددون حال العذاب ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول *وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً ) [ الأحزاب:66-68].
    وتأمل قوله تعالى يصف حالهم ، ونعوذ بالله من حالهم ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق* خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) [ هود:106]، قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جداً . وقيل : الزفير : ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع ، والشهيق النفس الطويل الممتد ، أو رد النفس إلى الصدر ، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه.
    وقال الليث : الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه ، والشهيق أن يخرج ذلك النفس .

  8. #6
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    كيف يتقي الإنسان نار الله ؟
    لما كان الكفر هو السبب في الخلود في النار فإن النجاة من النار تكون بالإيمان والعمل الصالح، ولذا فإن المسلمين يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم كي يخلصهم من النار ، ( الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ) [ آل عمران:16]، ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار* ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار* ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) [آل عمران:191-194].






    وقد فصلت النصوص هذا الموضوع فبينت الأعمال التي تقي النار فمن ذلك محبة الله ، ففي مستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " والله لا يلقي الله حبيبه في النار ".
    والصيام جنة من النار ، ففي مسند أحمد ، والبيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: " قال الله تعالى : الصيام جنة يستجن بها من النار ".




    وعند البيهقي في الشعب من حديث عثمان بن أبي العاص عن النبي - صل الله عليه وسلم -: " الصوم جنة من عذاب الله " ورواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن خزمية وإسناده صحيح .
    أما إذا كان الصوم في حال جهاد الأعداء فذاك الفوز العظيم، فعن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " من صام يوماً في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً ". رواه أحمد ، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
    ومما ينجي من النار مخافة الله ، والجهاد في سبيل الله ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن:46]، وروى الترمذي والنسائي في سننهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ".
    وفي صحيح البخاري عن ابن عبس وهو عبد الرحمن بن جبر، قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم -: " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله ، فتمسه النار " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: " لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً " .
    ومما يقي العبد من النار استجارة العبد بالله من النار، ( والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً* إنها ساءت مستقراً ومقاماً ) [ الفرقان:65-66] ، وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله - صل الله عليه وسلم - : " ما سأل أحد الله الجنة ثلاثاً، إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة ، ولا استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثاً، إلا قالت النار: اللهم أجره مني".
    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صل الله عليه وسلم - في ذكر الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر وفيه : " أن الله عز وجل يسألهم وهو أعلم بهم ، فيقول: " فمم يتعوذون؟ فيقولون: من النار ، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً ،وأشد مخافة ، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم ".

  9. The Following User Says Thank You to متواصل For This Useful Post:


  10. #7
    متداول محترف
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    65,997
    Thanks
    54,954
    Thanked 43,774 Times in 23,585 Posts

    افتراضي رد: الجنة والنار*

    كتاب يتحدث عن الجنة والنار


    Download theheaver.pdf in Ziddu
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

 

 

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب يتحدث عن الجنة والنار
    بواسطة متواصل في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-14-2015, 01:18 AM
  2. حلاق تركي يحلق بالفأس والنار بدلا من الشفرة والمقص..
    بواسطة سعد 300 في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-05-2012, 02:51 PM
  3. ما هي الجنة ؟
    بواسطة أبو حلا في المنتدى الـــــدين والحيـــــــاة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-07-2012, 07:52 AM
  4. الفأس والنار للحلاقة بدلاً من المقص والشفرة
    بواسطة Abu Ibrahim في المنتدى بعيـــــداً عن التــــداول
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-31-2012, 12:17 AM
  5. الحوت والسفينة..
    بواسطة AnAs في المنتدى أردننــــــا الغالــــــــي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-15-2011, 11:48 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

المواضيع و المشاركات الموجودة في موقع خبراء الأسهم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع ، و إنما تعبر عن رأي كاتبيها. و ادارة الموقع غير مسؤولة عن صحة أية بيانات أو توصيات مقدمة من خلال الموقع .

Copyright 2009 - 2017, Stocks Experts Network. All rights reserved
BACK TO TOP