المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال بمليون: هل انتهت الأزمة المالية؟



Abu Ibrahim
08-08-2009, 08:33 AM
سؤال بمليون: هل انتهت الأزمة المالية؟

د.فهد إبراهيم الشثري - الاقتصادية

قد توحي المؤشرات الاقتصادية الحالية أن أسوأ ما في الأزمة المالية العالمية قد انتهى، وقد توحي تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي أنه يتنفس الآن الصعداء بعد فترة رئاسة ابتدأت مع تفاقم أزمة الرهون العقاري التي أدت إلى ما نعيشه من أزمة مالية عالمية. لكن الواقع أن الكثير مما يجب عمله لا يزال على أجندة صناع القرار الاقتصادي العالمي وأن واقعاً اقتصادياً مريراً خلفته الأزمة - إن ولى أسوأ مراحلها - يجب التعامل معه بحذر لكيلا تنقلب الأمور رأساً على عقب.
فتراجع النمو الاقتصادي بأقل من المتوقع وتحسن مؤشرات الصناعة ومبيعات المنازل الجديدة والقديمة، كلها مؤشرات توحي بزيادة الثقة في تجاوز الأزمة العالمية أسوأ مراحلها، لكن المهمة الصعبة هي في غسل الصحون بعد الوجبة الدسمة التي تلقاها الاقتصاد العالمي والخروج بالاقتصاد نظيفاً لامعاً كما كان سابقاً. وقد تكون تلك المهمة شبه مستحيلة، حيث تراكمت الكثير من الزيوت المحترقة على تلك الصحون مما يعني أن محاولة إزالة تلك الدهون بشكل كامل منها ستؤدي بلا شك إلى خدشها ـ وهو ما لا يريده صانع القرار الاقتصادي - ألا يخدش الاقتصاد في محاولة إلى استعادته لوضعه السابق وأن يقبل بوجود بعض البقع الزيتية هنا وهناك لفترة من الزمن.
أول تلك الأمور التي يجب التعامل معها والتي تشكل تحدياً لكل صانعي القرار هو إعادة ميزانيات البنوك المركزية التي راكمت الكثير من الأصول بشرائها للأصول المتعثرة أو بضخها لكميات كبيرة من السيولة داخل الاقتصادات العالمية المختلفة إلى وضعها الطبيعي. حيث تضاعف (أو زاد على ذلك بقليل) ما راكمه الاحتياطي الفيدرالي جراء الأزمة من أصول بهدف التعامل مع الأزمة ولضخ المزيد من السيولة داخل النظام المالي الأمريكي. وعندما يبدأ الاحتياطي في التخلص من تلك الأصول سيؤدي ذلك حتماً إلى تراجع في حجم السيولة في الاقتصاد ومن ثم فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض مرة أخرى وبالتالي سيؤثر في النشاط في الاقتصادي الحقيقي. أمر آخر يجب التعامل معه هو عجز الميزانية الأمريكي المتراكم الذي تجاوز التريليون دولار هذا العام، والذي سيتطلب للتعامل معه زيادة في معدلات الضرائب على الدخول أو في ضرائب الشركات. وفي كلتا الحالتين - ضرائب الدخول أو الشركات - سيكون تطبيقهما في هذه المرحلة محرجاً سياسياً واقتصادياً، حيث سيؤدي إلى تراجع الاستهلاك بالنسبة لضرائب الدخول، والتأثير السلبي في النشاط الاقتصادي بالنسبة للشركات. وحيث إن الاستهلاك يمثل ما نسبته 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، فإن أي تراجع فيه عن المستويات الحالية سيقوض الجهود التي بذلت لإنعاش الاقتصاد الأمريكي والعالمي على حد سواء.
كذلك يجب أن نتذكر أن الأزمة المالية أثرت بشكل كبير ليس فقط في ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية ولكن أيضاً على ميزانية حكومات الولايات والحكومات المحلية التي تعاني بشكل كبير من عجز في توفير الخدمات الأساسية بسبب تراجع فرص التمويل وحصيلة الضرائب عليها. وإذا ما قامت هي الأخرى بزيادة ضرائبها للتعامل مع مشكلاتها الداخلية، فإن ذلك سيشكل تحدياً لجهود الحكومة الفيدرالية لانتشال الاقتصاد الأمريكي من براثن الأزمة. وهذا الأمر لم يقتصر تأثيره في تقديم الخدمات الأساسية ولكن على التراجع في قيمة أصول صناديق التقاعد الأمريكية التي تشكل تحدياً كبيراً للحكومة الأمريكية خصوصاً مع قرب حلول دورة التقاعد لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية أو ما يسمى بفقاعة المواليد.
بقي أخيراً أن نتذكر أن الحكومة الأمريكية والحكومات الأخرى في العالم ضخت مبالغ ضخمة تقدر بتريليونات الدولارات في القطاع المصرفي العالمي لاستعادة التوازن إليه فيما أطلق عليه حزم التحفيز المالي. فالولايات المتحدة الأمريكية ضخت ما يقارب التريليوني دولار والصين ما يقارب النصف تريليون دولار وأوروبا ما يقارب التريليون دولار. وهذا سيتطلب سياسة للخروج من حزم التحفيز تلك الأمر الذي قد يؤدي إلى إبطاء العودة إلى مسار النمو الاقتصادي العالمي، كما قد يؤدي إلى تراجع إذا لم تحسن الحكومات التعامل مع هذه القضية المهمة، حيث تواجه الحكومات ووزارات الخزانة بالتحديد ضغوطاً كبيرة من قطاع الأعمال للتخلي عن الحصص التي حازتها الحكومات في البنوك التي بدأت تظهر عليها علامات التعافي.
الكثير الكثير يجب عمله الآن لتنسيق الجهود والسياسات للخروج من براثن الأزمة وإذا كان الكثيرون ممن ابتهجوا بالتحسن الطفيف في المؤشرات الاقتصادية يعتقدون أن أسوأ ما في الأزمة قد ولى فهم مخطئون. فما تلك المؤشرات إلا إشارة إلى أن الأزمة بدأت في تجاوز الاقتصاد المالي الذي عانى بشكل أساسي أزمة ثقة، لكن بقيت آثارها في الاقتصاد الحقيقي الذي لن يقتصر الأمر على إعادة الثقة فقط لإنعاشه من جديد، ولكنه يتطلب مزيجا من السياسات التي تستهدف نموه على المدى الطويل. كذلك، يجب أن نتذكر أن هناك موجات متباطئة من الأزمة بدأت تضرب الاقتصادات الحقيقية في الدول النامية وما نشهده اليوم من أحداث دراماتيكية إلا دليل على أن فصول الأزمة لم تنته بعد.