المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غزة: هؤلاء المكبوسون



Abu Ibrahim
11-19-2012, 09:25 AM
غزة: هؤلاء المكبوسون
نجيب عبد الرحمن الزامل - كاتب سعودي - الاقتصادية

.. منذ كنا صغاراً ونحن نرى بلادنا تقف أول صف في نفع أهلنا بفلسطين، وفي جيلي وكنا أطفالاً صغاراً لم يبق سعودي يملك مالاً إلا وشارك في مشروع ريال فلسطين شهرياً ولسنوات.. وكانت فلسطين هي أحلام الأطفال وهم نائمون، وهي واقع الأطفال وهم يستيقظون..
وعاش بيننا آلاف الفلسطينيين، عمل آباؤهم في بلدنا، وجاورنا أطفالهم في المدارس، وصرنا ونحن صغار نعرف تفاصيل خريطة فلسطين، بل نتعرّف على سمات أهل الخليل والناصرة ويافا وحيفا.. وغزة. وغزة بالذات عرفناهم بصفتين: الذكاء، والإقدام. وبعض شخصيات المقاومة الفلسطينية الكبار ظهروا من هنا.

وليست المملكة حكرا، بل كل دول الخليج، وبما استغربتم لو قلت لكم: إن منظمة ''فتح'' كانت أول عروقها في الكويت، وكان ''ياسر عرفات'' مهندساً في الستينيات في الكويت وبشركة يملكها أهل لنا في أول الستينيات، وكان يدير عرفات ورش الشركة. ووجوه ووجوه..
الآن هل ما زلنا في مقدمة مَن يدعم غزة؟ لقد جرى ماء كثير من تحت الجسر، وتغيّرت مواقف، وتبدّلت أمور، وتأجّجت اشتباكات وتسييسات وخداع ومواربات وحتى مؤامرات ضد فلسطين وزُجّت بها المملكة ودول الخليج.. بقينا زمناً لا نغيّر مواقفنا، ونقف مع فلسطين دون تردد ودون التفات لعارض، ولا نأبه بألاعيب السياسة والسياسيين. ثم.. أيضاً تغيرنا نحن وولجنا اللعبة السياسية بكاملنا، وانتقلنا بشكل حاد من العفوية السياسية ووضوح المواقف إلى أدغال السياسة وأحراشها، وصرنا نلعب مع اللاعبين.
ياللسياسة.. لم تكن السياسة إلا لعبة تخلو من البراءة تقف على قدميْن: التورية والمصلحة.. لا صدق أبداً في السياسة، ويقولون السياسة فن الممكن، لا يا أخي السياسة هي فن الكذب.. لذا صار لنا في دولنا وزارات لا يعرفها الغرب وهي وزارات الإعلام.. بل تجد في دول وزير الإعلام مربوطاُ بالمخابرات وعمله الأوحد التمويه على الرأي العام.. الرأي العام العربي أنضج من أن يصدق بيانات وزارات الإعلام.. والمشكلة: حتى وإن صدقوا.
إني أعجب أن بعضنا يلعب بنار السياسة في قضية غزة بالذات، وأعجب أكثر أن الدماء تنفر من أطفالنا في غزة، وتهرسهم الآلة العسكرية الإسرائيلية ثم تجد مَن يقف بعقل بارد كصفيح الجليد ويبدأ بتحليل سياسي.. يا رجل خاف الله! في موقف الدم والجريح ينزف مادة الحياة لا نسأله أو نلقي عليه محاضرة الحياة.. علينا أولاً وبعاطفة إنسانية أن ننقذه من الموت، خصوصاً إن كان أخانا.. ثم لي أن أحاضر كما أشاء وهو صحيح آمن ومعافى. وتجد منـا مَن يقف ويحلل، ويكاد يقول ما لا يُعقل في وقت نحتاج فيه إلى كل نقطة عاطفة نبيلة لدعم غزة وأهلها.. بل ويكاد - إن لم يكونوا فعلوا فعلاً - يلوم أهل غزة! ولولا بقية حياء لقالوا: إسرائيل معذورة.. أو هم قالوها؟ لا، لا أظن.. لا يُعقل!
غزة ليست إلا شريحة صغيرة ضيقة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفقيرة، بل مُعدمة، وأهلها يفتقدون حتى التجهيزات الإنسانية الأولى، ويعيشون يوماً ولا يعرفون كيف سيعيشون الذي بعده.. هم جماعة من أهلنا محشورون، محاصرون.. يا ناس، القطة البائسة تخرج مخالبها إذا حُشرت فكيف ببشر تضغط عليهم كل يوم إسرائيل تحت مكبس ضخم، وكل يوم يضغط المكبس على أجسادهم وأرواحهم ورزقهم ومتنفساتهم.. بالله عليكم، أليس لهم الحق ولو رد المكبس بأياديهم؟ وكيف يكون المكبس الضخم الصلد معذوراً، ونلوم هؤلاء المكبوسين هذا عيب.. بل إنه أكثر!
إن لدينا قوة كبيرة ولا نتخيل قوتها، نحن مَن نسيّر العالم كله بنفطنا، نحن مَن يغذي هذا الدولار البائس بعملاتنا، نحن مَن نشحّم ترس الصناعة الغربية باستهلاكاتنا.. ونحن مَن نكبّ أموالنا في بنوكهم، ونحن مَن يشتري سنداتهم.. ونحن مَن حرّك مصانع أسلحتهم. ونحن مئات الملايين من القوة الهادرة.. صرخة واحدة جماعية تحدث زلزالاً ولو لم نتحرّك من أماكننا. ولكننا نخاف أن نعرف أننا أقوياء.. ومتى آمنت دولنا بقوة فتستخدمها بطريقة خاطئة، كاستخدام قوة النار الصديقة!
المملكة وبلدان الخليج تستطيع أن تقود موجة عالمية قد تبدأ صغيرة ثم تتعاظم كالتسونامي، وما التسونامي إلا من تدافع موجات بدأت صغيرة بقوّة ذاتية، لوقف تعديات إسرائيل الدائمة على أهلنا بغزة، بل رفع الحصار عنهم، وفتح الطرق لأعمالهم وتنقلاتهم ودراساتهم ومعاشهم وتجارتهم، وكفالة الأمان والأمن لهم، وتحرير مساجينهم من معتقلات الظلم والاحتقار الصهيونية..
بالتأكيد نستطيع.. لو قبلنا أن نعرف أننا أقوياء!‏