المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصهيونية بين أسطورة الوعد ونظرية الأمن الإسرائيلي



متواصل
11-01-2012, 03:59 AM
الصهيونية بين أسطورة الوعد ونظرية الأمن الإسرائيلي
هاني الفرماوي

2012-10-31


http://www.alquds.co.uk/images/empty.gif





يقول روجيه جارودى في كتابه 'الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية' إن الايديولوجيه الصهيونية تستند إلى افتراض وهمي شديد البساطة لأنها تستند إلى سفر التكوين الذي يقول عن فكرة الوعد، في ذلك اليوم عقد الرب مع إبراهيم عهداً بقوله: (لنَسلِك أُعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى الهند الكبير، نهر الفرات) وقد ورد ذلك في سفر التكوين (12: 1-5 ) وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: 'اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2 فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ'.
ومن واقع التاريخ يتبين لنا أن إسرائيل منذ بداية تأسيسها قد شنت عدة حروب استندت إلى هذه الأيدلوجية الصهيونية حتى وان لم تنجح في تنفيذ بنودها بما يحقق طموح الدولة اليهودية حتى هذه اللحظة، ولكن ذلك لا يعني ان إسرائيل قد تقبل يوما التخلي عن هذه الفكرة أو التنازل عن جزء منها، فالحروب التوسعية التي شنتها إسرائيل على جيرانها تؤكد أن هذا المعتقد ليس معتقدا دينيا فقط، بل تبلور معناه أيضا في المفاهيم السياسية بعد أن حوله 'ثيودور هيرتزل' من مجرد نظرية دينية إلى نظرية سياسية، وكان ذلك من ضمن أهدافه التي تضمنت نيل الدولة اليهودية المراد أنشاؤها على الدعم المادي والمعنوي من الداعمين لفكرة القومية اليهودية علي مستوى العالم ولفكرة إقامة دولة اليهود التي يكون مكانها أرض الميعاد، وقد نجح هيرتزل تماما في ترسيخ هذه النظرية وجعلها الأساس الفكري الذي قامت عليه إسرائيل فيما بعد.
يأتي بعد ذلك الدور الذي لعبه ديفيد بن جوريون في أوائل الخمسينات حين قام بوضع ما يعرف بنظرية الأمن الإسرائيلية التي هدف منها إلى تحقيق بعض النقاط الهامة ومنها كيفية الحفاظ على الوجود الإسرائيلي في ظل القلة العددية بإسرائيل مقابل الكثرة العددية لدى خصومها الذين يحيطون بها، ومن ثم تم جعل جيش الدفاع الإسرائيلي بمثابة العمود الفقري للدولة اليهودية، يأتي بعد ذلك التغلب على نقطة هامة وهي كسر الرغبة لدى أعداء إسرائيل في الاستمرار بخوض حرب طويلة ضدها تستنزف موارد الدولة اليهودية البشرية والمادية، ومن هنا كانت ضرورة الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في التسليح والمستوى التكنولوجي للرد على ما تواجهه إسرائيل من تهديدات عسكرية بقوة بما يحقق لها ردع أعدائها.
والجزء الأكثر خطورة بهذه النظرية والذي يحقق بشكل جزئي ومؤقت فكرة 'الوعد' التي تناولها جارودى في كتابه، وحتى يتثني لهم التجهيز والتحضير لتحقيق الهدف الأساسي وهو 'دولة إسرائيل العظمى من النيل إلى الفرات'، كما يضمن الحفاظ على التفوق الإسرائيلي وحفظ 'نواة' الدولة اليهودية وذلك بتبني جيش الدفاع والمنظومة العسكرية الإسرائيلية لعقيدة هجومية بحتة تتنافي تماما مع المسمى الذي أطلقوه على الجيش الإسرائيلي 'جيش الدفاع' وذلك من خلال نقل الصراع العسكري إلى أرض العدو وخارج حدود 'نواة' الدولة اليهودية المحاطة بالأعداء، وهو أيضا ما يتيح لها التنازل في حالات محدودة عن الأرض التي تشكل بالنسبة لهم أهمية إستراتيجية محدودة يمكنهم الاستعاضة عنها بالتطوير الدؤوب والمستمر لإمكانياتها العسكرية.
وقد تجلي ذلك وثبت من خلال الحروب التي خاضتها إسرائيل في عام '1967' من احتلالها لشبة جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وقطاع غزة، وبعد ذلك وأمام انتصار 'أكتوبر 1973' الذي حققه الجيش المصري والسوري في كل من سيناء وهضبة الجولان التي تمسكت إسرائيل باستعادتها بالقوة العسكرية لأهميتها الإستراتيجية لدى إسرائيل، وفي المقابل تركت مكاسبها في سيناء لأنها أقل أهمية من الناحية الإستراتيجية لديها، كما يمكن الاستعاضة عنها بالتفوق العسكري وبتقويض القدرات العسكرية المصرية في سيناء من خلال المفاوضات والاتفاقيات كاتفاقية 'كامب ديفيد' التي حققت لها ذلك.
من كل ذلك يتبين لنا ضلوع فكرة الوعد كجوهر للأيدلوجية الصهيونية التي تبيح لإسرائيل الاعتداء على ما حولها من دول وسفك دماء شعوبها، والتي هي من واقع النظرية الدينية تمثل أملاكا للدولة اليهودية تحت سيطرة أعدائها، ومن ثم يجري التحضير لاستعادتها عندما تسنح الفرصة بذلك، ومن هنا أيضا يتبين لنا العجز الفكري لحكام العرب وأنظمتهم التي تساهم في إضعاف القدرات العربية لمواجهة الخطر القابع في وسط 'الوطن العربي' المنهك، وعدم قدرتهم على التعامل مع المعطيات التي تؤكد أن 'السلام الزائف' مع إسرائيل ليس إلا هدنة تمكن إسرائيل من تدعيم قدراتها، وتتيح لأجهزتها الاستخباراتية تجهيز البلدان العربية من خلال تفتيتها.

' كاتب مصري