المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحويل المديرين إلى قادة



Abu Ibrahim
07-01-2012, 12:30 PM
تحويل المديرين إلى قادة

علي الجحلي
يولد القادة بصفات وراثية عن أسلافهم. هذا المفهوم كان مثار النقاش وسيظل لسنين. السبب المهم هو أن علم الإدارة لم يتمكن من تحديد مواصفات دقيقة تميز القائد. الاعتقاد أن الوراثة تنقل جينات جسدية وذهنية من الآباء والأمهات للأبناء والبنات هو حقيقة يلاحظها الجميع. لكن المواصفات الذهنية تختلف بكونها قابلة للتغيير سلباً أو إيجاباً. وجود الأبناء في بيئة لا تدعم تطوير المهارات التي يمتلكونها ويمكن أن يبرزها يجعل سيطرة هذه المواصفات تخبو و تضمحل إلى أن تختفي بمرور الوقت.
يظهر تأثير البيئة الاجتماعية و الجغرافية جلياً على بروز القدرات القيادية الفردية لمن ورثوها، بل و تعليم هذه المهارات لمن لا يملكونها أصلاً. بنت الكثير من النظريات القيادية على قاعدة الأثر الاجتماعي والبيئي على الإنسان. يؤمن الكثير من علماء الإدارة وعلم النفس والاجتماع أن وضع الشخص في مواقف معينة يغذي سلوكهم سلباً أو إيجابا. يأتي في هذا الإطار الكثير من الأمثلة التي ظهرت نتيجة الملاحظة المباشرة، وفي كل الثقافات.
لكن العناصر البيئية تظهر بقوة في السن المبكرة وتسيطر على السلوك والتفكير في نطاق مرحلة المراهقة ثم تبدأ بالاختفاء بعد سن الـ 25. هذه مراحل قد تهملها الأسر البسيطة لكنها محور اهتمام العلماء والأسر التي توجه عناية خاصة لتطوير مهارات أبنائها وتأهيلهم ليحققوا أثراً أو يحافظوا على ملك أو ثروة. هذا سبب انتشار المدارس الداخلية التي يذهب إليها أبناء الصفوة خصوصاً في أوروبا واليابان وأمريكا الشمالية.
إن غرس المهارات القيادية في السن المبكرة من خلال المناهج الدراسية والبيئة التي يعيش فيها الأبناء تنتج ـــ غالباً، أشخاصا قياديين ويكفي أن تقرأ لوحة الشرف لأي من المدارس الداخلية الشهيرة لتجد أسماء رؤساء وزارات ووزراء ورجال أعمال كانوا ضمن المنتمين لهذه المدارس. إذاً يمكن أن تُدرَّس المهارات القيادية لدى أشخاص لم يرثوها! من هذه القناعة ظهرت نظريات تدعم برامج التأهيل القيادي في مراحل الحياة كافة.
تعمل إدارات الموارد البشرية في المؤسسات والشركات الكبرى على تنفيذ الكثير من المؤتمرات والورش والدورات التي تهدف لتأهيل القيادات القادمة. هذه الأنشطة تبنى على عمليات معالجة دقيقة لما يمتلكه الموظفون من مهارات في جزئية التوجيه واتخاذ القرارات والتأثير في الآخرين. أشهر ما يمكن أن نعتبره موجهاً لهذه الأعمال هو تمارين مراكز القيادة التي يتم بعدها تقويم القدرات وتوجيه الموظفين في مسارات تدعم القدرات التي يمتلكونها.
القائد ينظر للأمور من منظور استراتيجي على المدى البعيد. يهتم القادة بالإجابة على الأسئلة ماذا؟ وكيف؟ ويهتم القياديون بما يمكن عمله وليس ما هو مطلوب. يهتم القائد بتلبية احتياج العميل من أي نوع كان سواء داخلياً أو خارجياً. القائد يهتم بالمستجدات ويتابع التطور في مجاله. أهم ما يميز القائد هو قدرته في التأثير في العاملين معه وجعلهم يصنعون النجاح بجهودهم. الكاريزما أو الشخصية المؤثرة تجعل من القائد أسطورة كما هو في حال الرسل والأنبياء، وفي مستوى أقل القادة الذين ندرس تاريخهم مثل قادة الفتح الإسلامي ومن جاء قبلهم وبعدهم مثل هانيبعل وجنكيز خان وصلاح الدين ونابليون وحتى القادة ذوي التاريخ غير السوي مثل هتلر.
حاجتنا للقيادة قائمة في الوزارات و المؤسسات والهيئات والقطاع الخاص، نحتاج لتكوين القيادات ودعم ذوي المهارات المميزة وإعطاؤهم الفرص للقيادة. لتكوين المستقبل الذي نحلم به. إن العناية بالإدارة فقط، هو عمل يعين المسؤول على تنفيذ مهامه المطلوبة، لكنه لا يحقق السبق والإبداع والتميز الذي تحتاجه كل دولة للبقاء والمنافسة.
المدير هو شخص ينظر للمدى القصير في المرحلة التكتيكية سنتين أو ثلاث أو حتى خمس سنوات. يعمل المدير في إطار الإجابة عن سؤالين هما كيف؟ ومتى؟ ينظر المدير إلى نتائج الأعمال، ويعرف تفاصيل العمل. المدير يعمل على تحسين المنتجات القائمة والإجراءات المتبعة. يقوم المدير بالإشراف ويهتم بالجودة ويحدد معايير للأداء. هذا يعني أن الإدارة ليست سيئة وإنما نحتاج إليها في مستويات معينة، وتقل الحاجة إليها في المستويات العليا.
هذا يستدعي أن نحول المديرين إلى قادة. إجراء مثل هذا هو لب عملية التطوير التي يجب أن تعمل الدولة على تحقيقها. إلزام الموظفين الذين يصلون إلى مستوى الإدارة المتوسطة ويخطط لتسليمهم مناصب القيادة، بالحصول على دورات محددة، وإلحاقهم بورش عمل قيادية وتمارين مراكز القيادة هو ما يحقق ـــ ولو جزئياً ـــ مفهوم إنتاج القادة الذي يدعمون الإبداع ويحققون التميز الذي نبحث عنه.
أغرب ما نلاحظه أن الأشخاص المختارين لمناصب تؤثر في الاستراتيجية العليا يأتون من مواقع وخلفيات لا تدعمها قدرات قيادية أو تجارب ناجحة في التحفيز وتحقيق النتائج من خلال التأثير في العاملين. بل إن بعضهم لا يكون قد حصل على أي نوع من التأهيل القيادي الفعلي، ولا أبالغ إن قلت إن الكثير من المسؤولين قد يأتون من خلفية أكاديمية في مجال عمل الهيئة أو المؤسسة لكن دون أي خبرة إدارية تساهم في تعزيز المؤهل الذي يحمله المسؤول.
هذه دعوة لإعداد برنامج التأهيل القيادي لمن يرشحون لمناصب القيادة من خلال جهة تدريبية متخصصة بعيدة عن البيروقراطية ولها خبرة ومصداقية في مجال إنتاج القادة، وهي جهات معروفة ويمكن أن تنفذ برامج التأهيل في جميع القطاعات خصوصاً تلك التي لم تهتم ــــ إلى الآن ــــ بإيجاد هذه المفاهيم وهي معروفة كذلك.