المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «الحولة» والحياء الغائب



سعد 300
05-28-2012, 12:51 AM
«الحولة» والحياء الغائب
* معن البياري







تعالوا نُصدِّق التلفزيون السوري الحكومي أَنَّ مجموعاتٍ إِرهابيةً مسلحةً قتلت عائلاتٍ وأَطفالاً ونساءً ورجالاً في الحولة في ريف حمص يوم الجمعة. ببساطةٍ، لأَن من يقترف مثل هذه الجريمة لا يكون إِلا إِرهابياً مسلحاً، لكن مؤدّى هذا الأَمر يعني أَنَّ على النظام الحاكم الذي لا يستطيعُ حمايةَ شعبِه من هكذا مجموعاتٍ تستطيعُ أَنْ تهاجمَ أَهالي بلدةٍ آمنين بالأسلحة والسكاكين، وتوثق أَيادي أَطفالٍ منهم لنحرِهم، وتروح فيهم قتلاً، أَن يغادرَ السلطة، سيّما وأَن هذه المجموعات تفتك بالشعبِ منذ أَكثر من خمسة عشر شهرا، وتُطيِّر وكالةُ الأَنباء السورية الرسمية “سانا”، كل يومٍ، أَخباراً عن جرائم قتل وخطفٍ بحق الناس في عموم المحافظات، تقترفُها “عصاباتٌ إِرهابية”، من “القاعدة” على ما صار المصدر الحكوميُّ يقول.

إذ هو الأَمر كذلك، على النظام الذي لديه اثنا عشر جهازاً بوليسياً ومخابراتياً، ويعجز عن حماية رعاياه المفترض أَنهم آمنون في ظله أَنْ يستحي، ويُخلي السلطةَ لمن هم أَقدرُ على صونِ العباد والبلاد. ولمّا قال النظام الغاشم، في حزيران الماضي، إِنَّ عصاباتٍ مسلحةً قتلت 120 جندياً وعسكرياً سورياً في بلدة جسر الشغور الحدودية مع تركيا، ودفنتهم (!!)، فإِنه عديمُ الأَخلاق حين أَبقى نفسه في الحكم، وهو على هذا الفشل في حمايةِ عسكرِه.

نُفتِّشُ في موقع وكالةِ الأنباء السورية الرسمية عن مذبحةِ الحولة وأَعداد من قضوا فيها، فنقع على ارتكابِ “القاعدة” مجزرتين مروعتين في بلدتين في ريف حمص، تصعيداً من الجماعاتِ الإرهابية جرائمَها قبيل زيارة كوفي أنان دمشق. نُشاهد التلفزيون السوري، فنرى صورَ أَجسادٍ مدماةٍ قتيلةٍ في المذبحة الشنيعة، ونسمع فيه كلاماً عن استثمار العملاءِ والمتآمرين دماءَ الأبرياءِ للتأليب ضد سوريا. يغشانا عجبٌ غزيرٌ من قلةِ الحياءِ هذه، ومن انعدامِ أَيِّ حسٍ بالمسؤوليةِ لدى سلطةٍ يُفترض أَنَّ أَمن ناسها موكولٌ لها. نقرأُ إِيضاح ناشطين أَنَّ أَكثريةً سنيةً تسكنُ منطقة الحولة، فيما أَكثريةٌ علويةً تسكن القرى المحيطة بها، وأَن ناساً من هؤلاء هم من نفذوا أَعمال القتل والذبح. ولمّا كان هذا صحيحاً على الأَغلب، وإِنْ ترافق الفتكُ والذبحُ مع قصفٍ ارتكبته مدفعية الجيش النظامي، على ما قال مراقبو كوفي أنان، فإن أَرطالاً من الدهشةِ تصيبُك، بالنظر إِلى أَن الحكم غاصبَ السلطةِ في دمشق يسعى منذ نحو خمسين عاماً إِلى وحدة العرب من المحيط والخليج، فيما هو فاشلٌ في إِشاعةِ وئامٍ بين أَهالي قريتين، أَو حارتين، متجاورتيْن من طائفتين مختلفتين.

تُرانا نزيدُ ونعيدُ حين نجهرُ بالبديهيةِ المؤكدة، وهي أَنه ليس هناك من نظامٍ يحتقرُ شعبَه مثل الذي يحتل سوريا، وواحدةٌ من مظاهر هذه الأَمر أَنه يضنُّ على ناسِه بإِعلان أعدادِ الضحايا في مقتلتِه اليومية في العمليات المسلحة ومواجهةِ المظاهرات بالرصاص، ولا يكترث بوجوب إِعلانها. والمعتادُ لدينا، نحن المشتغلين في الإعلام، أَن وزارتي الداخلية والصحة الجهتان اللتان يوكَلُ إِليهما عادةً إِعلان هذا الأَمر، وهما في اليمن ومصر وتونس (مثلا) من عرفنا منهما أَعداد القتلى والمصابين في جميع الأحداث والصدامات، عشيّات خلع علي عبد الله صالح وحسني مبارك وزين العابدين بن علي وبعدَها. الأَمر مغايرٌ في سوريا، إِذ تستقيلُ الدولةُ هناك من أَبسط مهماتها، وتترك إِحصاء أَعداد شهداءِ الحولة إِلى ضابط نرويجي، ثم يسأَلك بعضُهم لماذا تشتهي تحريرَ السوريين من آل الأَسد؟.