المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إيران والغرب والعرب ورهانات الحرب.. محاولة للفهم



متواصل
03-22-2012, 06:54 AM
إيران والغرب والعرب ورهانات الحرب.. محاولة للفهم
عادل الحامدي
2012-03-21



انتهت الانتخابات التشريعية الإيرانية بميل الكفة لصالح التيار المحافظ الذي يقوده الرئيس أحمدي نجاد، مع عودة الرئيسين الإصلاحيين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي إلى المسرح السياسي الإيراني من خلال مشاركتهما ضمن التيار الإصلاحي، غير أن حمى الانتخابات التشريعية التي حاولت بعض وسائل الإعلام الإيرانية والعربي والدولية نقلها لم ترق إلى مستوى الطموح الإيراني، وآمال أنصار الديمقراطية الإسلامية التي استطاعت أن تحول إيران في ربع قرن إلى واحدة من أهم الدول الآسيوية وأكثرها تأثيرا ليس فقط في تحديد القوى الفاعلة في المنطقة، بل وفي اتجاهات السياسة الدولية، لا سيما تلك المتصلة منها بالشرق الأوسط، ذلك أن السلاح النووي والابداع الإيراني المستمر في مجال التقنية والعلوم أصبحا يدقان أبواب مناطق نفوذ الدول الكبرى، وهو خط أحمر يصر الأقوياء على أن لا يتجاوزه أحد غيرهم.
فقد خطف الملف النووي الأضواء من تحت أقدام الانتخابات التشريعية الإيرانية، وبدا العالم العربي والإسلامي غير معني في غالبه بما تشهده إيران من تطورات سياسية وتقنية، في ضوء ما يتردد عن تأييد النظام الإيراني لنظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي يواجه احتجاجات شعبية عارمة للمطالبة بالتغيير. بل إن الإيرانيين أنفسهم لم ينشغلوا كثيرا بسير العملية الانتخابية ولا بنتائجها، حيث أن بعضهم يأمل في أن تهب رياح الربيع العربي على إيران، وأن تتمكن الأقليات لا سيما منها العربية والكردية من أن تقول كلمتها بعد عدة عقود من التهميش، بينما يرجح آخرون كفة دعم الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الخارجي الذي يزحف باستمرار ويخوض حرب استنزاف ضد إيران على عدة جبهات.
وإذا كان التنافس بين الدول على مناطق النفوذ وعلى الريادة العالمية، أمر مشروع ويدخل ضمن سنة التدافع التي جبل الله الناس عليها، فإنه يصبح من غير المنطقي ولا المعقول، بالنسبة للطرف العربي، وهو في الوقت الراهن مهيض الجناح على الرغم من ثورات ربيعه، النظر إلى ما يجري من تراشق إعلامي بين طهران وواشنطن أو بين طهران وتل أبيب على أنه عناوين لحرب غربية ضد إيران حان وقتها.
لا أحد من المنصفين يستطيع الجزم بأن إيران يمكنها أن تقف في وجه الامبراطورية الأمريكية الزاحفة، التي تسيطر أمنيا على أهم ركنين عربيين في منطقة الشرق الأوسط، وأعني هنا مصر وفق معاهدة كامب ديفيد، والعراق بعد احتلاله عام 2003، فإيران ربما تزعج أمريكا وإسرائيل، لكنها من الناحية العملية لن تصل بعيدا، حتى وإن تراءى للرائي أن تحالفها مع الصين وروسيا قد يجنبها الغضب الغربي الذي لا يبدو أنه في وارد المساومة على أمن إسرائيل.
والسؤال والحال هذه، هل تشكل إيران خطرا محدقا بالأمنين القوميين الإسرائيلي والغربي؟
منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وعودة مرشدها الإمام الخميني من منفاه في باريس إلى طهران، لم يوجه الغرب تهمة واحدة لإيران بأنها تهدد أمنه، ولم نسمع عن أن إيران وقفت وراء أي عمل من شأنه أن يكون مثار قلق أمني لدى الغرب، اللهم تلك المواقف السياسية المتصلة بتأييد إيران للحق الفلسطيني في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والدعم المعلن للمقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله بالإضافة إلى دعم بعض الفصائل الفلسطينية، وهو موقف كلف إيران الكثير من العقوبات الاقتصادية الدولية لكنه لم يصل في يوم من الأيام لأن يكون مبعثا لعمل عسكري مباشر ضد المصالح الإيرانية.
وهذا جزء من سياسة الذكاء السياسي الإيراني العريق في التاريخ، حيث نجح قادة الثورة الإسلامية في طمأنة الغرب وغيره من القوى الفاعلة في المنطقة، أنهم لن يشكلوا خطرا على أحد، وأنهم دعاة أمن وسلام واستقرار في المنطقة، وتمكنوا من الصمود في مواجهة الرئيس العراقي السابق صدام حسين حين كان مدعوما من دول المنطقة ومن العالم، حتى عندما غزت القوات الأمريكية والدولية أفغانستان ثم العراق، نأت طهران بنفسها عن أي مواجهة، واستطاعت أن تنفتح على أفغانستان والعراق في مرحلة لاحقة، حتى وصل الأمر بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في وقت من الأوقات إلى التحذير من الهلال الشيعي بالنظر إلى ما تم فهمه يومها على أنه غزو شيعي إيراني للعراق، وسيطرة على أهم مراكز النفوذ فيه، على مرأى ومسمع ليس القوات الأمريكية وحدها وإنما أيضا الشركات الأمنية الدولية الخاصة التي لا تزال تحرس أمن واستقرار العراق، بالإضافة إلى السيطرة على لبنان وسورية.
وقد أخذت تلك التحذيرات الأردنية مداها في الساحات الإعلامية والدينية والسياسية مداها، وعاد الاصطفاف الطائفي والمذهبي إلى المنطقة العربية، حتى غدا الحديث عن الديمقراطية والدولة الحديثة مثارا للسخرية والتندر، وخبا صوت الحداثيين وأنصارهم من الليبراليين الذين تخرجوا من أرقى الجامعات الغربية، وانخرط الجميع في مواجهات عقائدية خفتت بعض نيرانها لكن دخانها لا يزال يستعر في مختلف أرجاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ليس من مهمة هذه المقالة، ولا من مهمة صاحبها البحث في طبيعة الخلافات المذهبية والفقهية التي يؤسس عليها أنصار إيران وخصومها مواقفهم تجاه التهديدات الغربية لطهران بشن حرب لا هوادة فيها من أجل منعها من امتلاك السلاح النووي، وإنما تقديم تشخيص للواقع ومحاولة للفهم في واقع وآفاق الخلاف الإيراني ـ الغربي، والرهانات المحتملة لأن يتطور هذا الخلاف إلى حرب عسكرية محدودجة أو شاملة.
آخر التصريحات الصادرة عن الأطراف المعنية بالملف النووي الإيراني جاءت على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكد عقب انتهاء زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي شارك خلالها في اجتماعات منظمة ايباك، أن الحرب مع ايران 'غير حتمية'، مؤكدا أن التهديد العسكري فقط من شأنه أن يردع طهران من تطوير السلاح النووي وليس العقوبات. وهو ذات الموقف الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أن الخيار العسكري ضد إيران مازالت ساعته لم تدق بعد، وأن العقلاء من صناع السياسة الدولية وقادتها لا يزالون يراهنون على الخيار الديبلوماسي طريقا للحل مع إيران.
أما العرب، وهم الطرف الأكثر تضررا من أي حرب جديدة في المنطقة، بحكم الجوار الجغرافي والشراكة العقائدية لقسم كبير من سكانهم بإيران، فلا صوت لهم سوى الصراخ والعويل الذي تلهج به أصوات العزل من الرجال والنساء وهم يواجهون آلة القمع البوليسية في أكثر من منطقة عربية، للإطاحة برموز الاستبداد والفساد والتخلف، بعد أن أعلن الغرب أنه في حل منهم جميعا إلا من مصالحه التي لا يسمح لأحد أن يقترب منها، وهو موقف مفهوم من الناحية الواقعية، إذ ما باليد حيلة، لكنه من الناحية الاستراتيجية مثير للفزع عن مستقبل أمة يتلقاها العربي وطرفه مطرق خجلا من أمسه المنصرم كما جاء في أثر الشاعر السوري الراحل عمر أبي ريشة.


' كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا