المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العَبدُ والمَعبود والمَعبَدْ !



متواصل
03-03-2012, 03:29 AM
العَبدُ والمَعبود والمَعبَدْ !
خيري منصور

2012-03-02


http://www.alquds.co.uk/today/02qpt896.jpg






تلك هي اقانيم الميثولوجيا في حقبة ما قبل الدولة، وهي ايضا الثالوث الذي انتجته دولة الاستبداد تحت عنوان ما بعد الدولة، فالماركسية كانت على نحو ما وعداُ بالانعتاق من الدولة بمفهومها الكلاسيكي والطبقي، رغم ان التسلل بين الطبقات لم ينقطع منذ اول تراتبية اجتماعية هي افراز بامتياز لتراتبية اقتصادية فرضها نمط انتاج ما، ما تغيّر من هذا الثالوث هو الضلع الثالث وهو المعبد.
اما العبد والمعبود فقد عبرا العصور والتضاريس بأسماء مختلفة، والعبد الذي هو الكائن الرهينة كان في البدء انسانا ينعم بكامل آدميته وحريته لأنه لم يولد بأصفاد او حتى باسم او لقب او ثياب، ثم وجد نفسه محاصرا بشروط تصنّفه اجتماعيا وتورطه في قبيلة او في حزب فيما بعد، اذ لا بد له ان يُذاب في بوتقة ما لأن فرديته ممنوعة، لهذا فهو مارق او خارج او شاذ اذا نتأ عن السياق، ولم يصبح سنا في مشط اجتماعي او سياسي، لآن المجتمعات لا تطيق ان تكون كالمشط الأدرد الذي تساقطت منه الاسنان المتماثلة، اذن ما تغيّر عبر تجليات تعيد انتاج الثالوث ذاته هو المعبد، بطقوسه وعمرانه ومعجم المحرّم والمحلل منه او فيه .
وقد يكون مصدر ولادة الاسطورة رغم ان الجزم بذلك مجازفة، هو تمرد ذلك العبد على قدره وشرطه الارضي، او ما يسميه اندريه مالرو وضعه البشري، فهو حين تطاول وسرق النار دفع الثمن من كبده الذي تحول الى وجبة ابدية للنسور من اعلى جبل في اليونان حتى قيامة الموتى، وحين تطاول وسأل عن معنى وجوده حمل صخرة وأخذ يصعد ويهبط بها ايضا الى الابد ليقول بأن هذا التكرار المجاني والعقيم هو الحياة كلها، وان كان بول فاليري قد قال عبارة مشوبة بالسخرية عن سيزيف، هي ان بطل الاسطورة هذا سيتحول الى رياضي مفتول العضلات لكنه لن يلاكم الا نفسه، ومن الخطأ الاعتقاد بأن الاسطورة ليست من التاريخ في شيء، انها احيانا من خلال قابليتها للتأويل تاريخ محتشد في كبسولتها وكل ما تعج به من مضادات للتأقلم مع الشروط وفقدان الارادة ...
لكن ثنائية التمرد والعقاب رغم انها بدأت على نحو جليّ في الاسطورة حملها التاريخ في صلبه ولم تكن دولة الاستبداد سواء كانت قيصرية او كسروية او توتالية الا تطويرا لهذه الثنائية وعزفا ماهرا على اوتارها .
* * * * * *
عبيد الميثولوجيا ليسوا جميعا في قارب واحد، فمنهم من عبد وثنا من حجر فغضب منه يوما لأنه لم يستجب لرجائه فكسره، او من تمر جاع ذات مساء فأكله، ومنهم من عبد الفكرة المجردة او المفهوم الذي لا يقبل التجسد، لهذا كان اختلاف المعابد تبعا لهذا المعبود، وليس وفقا لهوى العابد، وثورة سبارتاكوس رغم انها من صميم التاريخ الا ان جذورها تضرب فيما هو ابعد من ذلك التراب، لأن التمرد بحد ذاته مفهوم اولا، فهو خيال يجمع ليعوض واقعا مظلما، تماما كما ان الخيال كان في كل ميادين الحياة سبيل الخلاص من حمولة الذاكرة الباهظة، لهذا فإن اليوتوبيات كلها او المدن الفاضلة هي خيال يعلن العصيان على الواقع، بعكس الديستوبيات او المدن الراذلة التي يتم نسخها مباشرة عن جحيم ارضي وواقع كما هو، وهذا ما دفع دانتي في كوميدياه الالهية الى ان يفرط في وصف الجحيم، وتكون فرصته شحيحة وهو يصف الفردوس لأن الجحيم بكل تفاصيله هو من هذا الواقع الارضي المسموع والمرئي بالعين المجردة بعكس الفردوس الذي حكم عليه دائما بأن يكون مفقودا على طريقة ملتون او قادما ومتخيلا على طريقة شعراء ما بعد الواقع، ولم تكن حكاية الاجمل والابهى هو ما لم يولد بعد مطروقة قبل فلسفة التفاؤل الحتمي الى بشّرت بها الماركسية، فالاجمل لدى الناس في معظم العصور هو الذي مضى وحين قسم هزيود الازمنة الى معادن كان الماضي فيها هو الذهبي، وما يعقبه الفضي والنحاسي حتى القصديري الذي يعلوه الصدأ .
* * * * * * *
ما ترويه الليدي هاملتون والى حدّ ما الفرد وايتهد عن النقوش التي كانت تطرز على شواهد قبور المحاربين في اثينا يعيد للاسطورة اعتبارها التاريخي او بمعنى آخر يوقعها ان صح لنا استخدام هذا المصطلح كنقيض لما يسمى أَسْطَرة الواقع، تقول تلك النقوش ان العبيد لا يدافعون عن اوطانهم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وللمفارقة فإن من كانوا يتحلقون حول قبر المحارب اكاديموس من المبشرين بالحرية هم حواريو وتلامذة هذه الاطروحة الاغريقية. وكلمة اكاديمي التي تنسب الى ذلك الضريح فقدت معناها وهي تهاجر من زمن الى آخرخلال اكثر من خمسة وعشرين قرنا، شأن معظم المفردات الاخرى من المعجم الاغريقي القديم كمجلس الاليغورا او الديموقراطية او الثيوقراطية ! ولكي لا نقتصر في هذا السياق الما قبل تاريخي على اليونان فإن هناك حوارية سومرية بين سيّد وعبد، خلاصتها ان العبد تحول الى صدى ببغائي لصوت سيده، فهو يردد كل ما يسمعه منه، مما اضجر السيد من عبده فقال له ان كنت مجرد تكرار لي فلا جدوى من بقائك وحين قرر اعدامه تمرد العبد للمرة الاولى في حياته وقال لسيده : أتصرّ ان اسبقك بأيام او اعوام الى الموت ؟ هنا عثر العبد على تخوم العمر، وفي اللحظة الاخيرة من الحياة على المشترك الاعظم بين العبيد والاسياد والاباطرة والكلاب واشجع الفرسان والديدان وهو الموت، وقد يكون ذلك التمرد بذرة ما يسميه كامو في القرن العشرين التمرّد الميتافيزيقي .
* * * * * * * *
ان عبارات من طراز عبيد المال وعبيد الجسد وعبيد السلطة هي استخدام مجازي لفكرة واحدة لو شئنا اختصارها لقلنا ان العبد باق على حاله لكن ما تغيّر هو المعبد والمعبود، فحين يكون المعبود مالا فإن البنوك هي معابده، وحين يكون المعبود هو الشهوة الحسية فإن المعبد هو الجسد وحين يكون هذا المعبود السلطة فإن المعبد هو القصر وما يرمز اليه . هكذا تغيرت المعابد مثلما تغير المعبودون ايضا لكن العبد هو الاقنوم الخالد الذي بقي يراوح في مكانه، لكن هناك في موروثنا الثقافي ما يستدعي التأويل حول هذه الظواهر كلها، وهو مفهوم الحرية، فحسب ما يقول المستشرق روزنتال فإن هذه الكلمة لا اشتقاق لها، ويعيدها الى اصل غبري، وبالطبع لن نناقش تصوره في هذا المقام لأن ذلك يتطلب العديد من المطارحات والمقاربات، ما يعنينا مما قاله روزنتال ان كلمة حر في العربية هي ليست نقيض كلمة عبد لأن الحر هو الانسان غير العبد فقط، او بمعنى آخر الانسان في درجة الصفر، ليس دائنا او مدينا بوجوده وحريّته وحسب تصوره فإن اعتاق العبد هو اعادته الى فرد عادي يرضخ كسائر الافراد الى السياقات التي تحكى عن عادات واعراف ونواميس اجتماعية، واطروحة روزنتال هذه تصبح بالغة الخطورة اذا اخذت على محمل الجد، وتم من خلالها مراجعة تطور كلمتي عبد وحرّ في التاريخ .
* * * * * * *
رغم ان مصطلح عبادة الفرد ظهر في عصرنا وبالتحديد لوصف نظم شمولية كالحقبة الستالينية، الا ان دلالة وابعاد هذا المصطلح لم تغادر التاريخ يوما، وقد يكون ما ينسب الى نيرون وكاليغولا من تسلط غير بشري فيه شيء من المبالغة الكاريكاتورية، لكن الاستعباد بمعنى تحويل البشر الى عبيد بالقهر والقوة افرز بمرور الوقت ما يمكن ان نسميه الماسوشية الاجتماعية، بحيث اصبح افراد وجماعات يستثمرون الاستعباد ويتلذذون به ويخافون من الحرية، وهذا ما عبر عنه اريك فروم في كتابين على الاقل اولهما ' الخوف من الحرية ' والثاني الملكية او الكينونة، وفي عنوان كتابه الثاني ابلغ الرسالة كلها الى المرسل اليه، فهو بدّل عبارة شكسبير الشهيرة : تكون او لا تكون تلك هي المسألة بحيث اصبحت تملك او تكون تملك هي المسألة TO HAVE OR TO BE
وما كتبه الكواكبي في طبائع الاستبداد وما يقترن به من استعباد اضاف الى سابقيه ان للاستبداد عائلة كبرى، له أسلاف وآباء وابناء واحفاد، ومعالجته بدءا من الاحفاد في الراهن لا جدوى منها، وبعد الكواكبي اكثر من قرن ونصف احدث شاعر عربي مسلح برؤى تاريخية انعطافة لم يلحظها الكثيرون ممن انشغلوا بغنائيته فقط، انه محمود درويش الذي خاطب فردا عاديا من زمنه قرر العصيان والمقاومة فاختصر فيه الاقانيم الثلاثة
أخي احمد
وانت العبد والمعبود والمعبد
متى تشهد ؟