المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من سرير المستشفى... الى قارعة الطريق



متواصل
02-25-2012, 04:07 AM
من سرير المستشفى... الى قارعة الطريق
صحف عبرية

2012-02-24


http://www.alquds.co.uk/today/24qpt969.jpg






عمر ابو جريبان، من سكان قطاع غزة، مقيم غير قانوني في اسرائيل، سرق سيارة واصيب بجراح خطيرة وهو يستقلها. وسرح من مستشفى شيبا قبل أن ينتهي علاجه، ونقل الى الاعتقال في شرطة رحوفوت. في الشرطة لم ينجحوا في معرفة هويته، فقد كان مشوشا. الشرطة رحوفوت قرروا التخلص منه. حسبما روي في تقرير حاييم لفنسون (بالبيجامة، حافيا، من دون طعام وماء، 'هآرتس' 17/2)، أقلوه في سيارة دورية الشرطة في الليل، مع ثلاثة من الشرطة. كان مربوطا بالحقنة وبحفاظة وبرداء المستشفى. بعد يوم من ذلك عثر عليه ميتا على قارعة الطريق.
قصة قصيرة. سبق أن قرأنا مثلها، بل وأصعب منها. وماذا بالاجمال ماكث غير قانوني من رفح. بل وسارق سيارة. وهذا حصل في العام 2008. ويوجد تقادم، وتوجد امور اخرى، اكثر حداثة، تخصنا أكثر، تحتاج الى مشاعرنا (وفضلا عن ذلك، هم الذين بدأوا، ونحن عرضنا عليهم كل شيء، وهم رفضوا، والارهاب).
منذ قرأت القصة وجدت صعوبة اكبر في تنفس الهواء هنا: والمرة تلو الاخرى افكر بالسفر في سيارة الدورية، وكأن شيئا مني بقي هناك، علق ولا يمكنه أن يخرج. ماذا كان هناك. كيف حصل هذا بالضبط؟ ما هي مواد الواقع الملموسة، العبثية، التي إذ تنضم الواحدة الى الاخرى، خطوة إثر خطوة، تصبح فظاعة كهذه.
من الصحيفة أفهم بانه كان هناك عمر وثلاثة من افراد الشرطة. ادور مرة اخرى الفيلم في رأسي: هل كان يجلس مثلهم على مقعد أم كان يستلقي على ارضية سيارة الدورية؟ هل كان مقيدا أم لا؟ وماذا؟ هل كانوا يتحدثون معه؟ هل كانوا يعطونه شيئا يشربه؟ يضحكون معه؟ يضحكون عليه؟ على الحفاظة؟ على تشوشه؟ على الحقنة؟ على امور يمكنه أن يفعلها بعد الحقنة أم لم يعد يمكنه؟ يقولون له انه يستحق؟ يركلونه هكذا، بخفة، برفق، فقط لان الوضع يحتاج الى ركلة خفيفة.
وبشكل عام كيف حصل أن شخصا يخرج هكذا من المستشفى في شيبا؟ من سرحه في مثل هذا الوضع؟ كيف شرح هذا في شهادة التسريح التي وقع عليها؟
وماذا حصل حين وصلت سيارة الدورية الى حاجز مكابيم؟ في الصحيفة أقرأ بانه كان هناك جدال مع قائد الحاجز الاسرائيلي، وانه رفض استقبال الجريح. هل سمع عمر من داخل سيارة الدورية الجدال عنه، أم انهم اخرجوه واوقفوه امام القائد، برداء المستشفى والحقنة والحفاظة، كي يقف من أجل تقدير ما سريع، بالجملة، للقائد، والقائد قال، لا. وهيا، نعود الى سيارة الدورية، ونواصل السفر والان الجماعة في سيارة الدورية قد يكونون أقل لطفا. إذ بات الوقت متأخرا، ويريدون العودة، وماذا حصل ان اسقط عليهم هذا العربوش، وماذا سنفعل به الان، اذا كانوا في مكابيم لا يريدونه، وبالتأكيد في عطروت لن يرغبوا فيه ايضا، ومن سيرغب فيه، وهكذا، عند السفر في طريق 45، بين معسكر عوفر ومعسكر عطروت، في الظلام، يبدأ كيفما اتفق يتبلور تفكير ما، او اقتراح، او احد ما يقول شيئا ما، واحد ما لا يجادله، او ربما نعم يجادل ولكن للاول توجد قوة نفوذ اكبر، او حتى لا يوجد أي جدال، احد ما يقول شيئا ما واحد ما آخر يشعر بان هذا بالضبط ما ينبغي عمله، وأحد منهم يقول للسائق، قف جانبا للحظة، ليس هنا، هنا منار اكثر مما ينبغي، قف هناك. أنت، نعم أنت، تعال، قم يا الله يا خلقة انتنت لنا السيارة، خربت لنا الليلة، تحرك كما يقال لك. ماذا الى اين؟ الى هناك.
وماذا يحصل بعد ذلك؟ هل يقف عمر على قدميه أم أن قدميه لا تحملانه؟ هل هم يتركونه على قارعة الطريق أم يأخذونه، وكيف ـ يسحون؟ يجرون على الارض الى مسافة أكثر الى الداخل، الى داخل الحقل؟
ابق! لا تأتي! لا تتحرك!
ويعودون الى السيارة، يسيرون بسرعة أكبر، يلقون نظرة من خلف الكتف، كي لا يطاردهم. وكأن فيه شيئا معديا. ليس جرحه، شيء آخر بات ينز منه، مثل النذر، او الحكم. سافر، يا الله، انتهينا.
وهو، عمر أبو جريبان، ماذا فعل عندها؟ وقف على قدميه، ام فجأة أدرك ما حصل وبدأ يركض ويصرخ أن يأخذوه معهم؟ ولعله لم يدرك شيئا إذ قلنا، مشوش، فوقف هناك فقط على جانب الطريق أو في الحقل، ورأى طريقا، وسيارة شرطة تبتعد. وماذا فعل؟ ماذا حقا فعل؟ بدأ يسير من دون هدى، انطلاقا من تفكير غامض لعله بعد قليل من هناك سيكون الحال افضل؟ أم جلس وحدق فاغر الفاه في محاولة لان يفهم ولم يفهم شيئا؟ ببساطة تعطل فهمه لهذا الوضع. ام استلقى وطوى نفسه وانتظر؟ ماذا؟ وبمن فكر؟ من له في العالم؟ هل ثار لدى أي من افراد الشرطة في كل تلك الليلة الطويلة سؤال اذا كان هناك شخص في العالم، رجل أو امرأة أو عائلة، عمر مهم لهم، يهمهم أمره، يمكن بذل جهد أكبر بقليل للعثور عليهم ونقله اليهم؟ بعد يومين من ذلك عثروا على جثته. لا أعرف كم من الوقت مر منذ أن القوا به على قارعة الطريق الى أن مات. من سيعرف متى فهم بان هذا هو، ان ليس في جسده ما يكفي من القوة لينقذ نفسه. وانه حتى لو تأزر بالقوة، فانه عالق في وضع ما لا مخرج منه. هناك تنتهي حياته القصيرة. أخوه، محمد، قال في حديث هاتفي من غزة، 'ببساطة القوا به الى الكلاب'. وفي الصحيفة كتب، 'لشدة الفظاعة، أجاد الاخ في وصف ما حصل'. وانا اقرأ وارى التشبيه يصبح حقيقة واحاول إبعاد الصورة عن عقلي.
وفي سيارة الدورية، بعد أن القوا بعمر، ماذا حصل هناك؟ هل تبادلوا أطراف الحديث؟ عن ماذا؟ حمسوا الواحد الاخر بالكراهية والمقت له، لتبرير ما فعلوه؟ ما عرفوه في أعماق قلبهم هو أنه يوجد في تناقض ما مع شيء آخر.
ربما مع القانون (ولكن مع القانون تخيلوا أنفسهم يتدبرون)، ربما في تناقض مع شيء أعمق، مع ذكرى ما في داخلهم هم أنفسهم، قبل سنوات عديدة سمعوا او قرأوا قصة اطفال كان فيها الخير خيرا والشرير شريرا؛ أم أن أحدهم تذكر انه تعلم شيئا ما ذات مرة، في الصف ـ فقد تعلموا هنا، في جهاز التعليم، أليس كذلك؟ ـ 'الاسير' لـ س. يزهار، لنقل.
أم ان ثلاثتهم أخرجوا هواتفهم النقالة وتحدثوا مع زوجاتهم، اصدقائهم، أبنائهم. ربما في مثل هذه اللحظات رغبوا في التحدث مع احد ما من الخارج، لم يكن هنا، لا صلة له بهذا الامر.
أم صمتوا.
لا، الصمت كان ربما خطيرا بعض الشيء في المرحلة اياها. ومع ذلك، احد ما بدأ يعبر في السيارة عن احساس ثقيل وعكر، احساس خطيئة مفزعة، لا كفارة عليها. لعل أحد منهم مع ذلك اقترح بلغة هزيلة، هيا نعود. لنقل له اننا ضحكنا عليه. لا يمكن هكذا، إلقاء انسان.
في الصحيفة كتب: 'في أعقاب تحقيق الشرطة للقضية، في اذار/مارس 2009، تقرر رفع لوائح اتهام على التسبب بالوفاة بالاهمال فقط ضد اثنين من افراد الشرطة الذين كانوا مشاركين في القاء أبو جريبان وتركه لمصيره. مرحلة الاثباتات في محاكمتهما لم تبدأ بعد، ولكن احد المتهمين رفع منذئذ في الشرطة'.
أعرف انهم لا يمثلون الشرطة. ولا المجتمع، ولا الدولة. أعرف ان هذه مجرد حفنة أو تفاحة عفنة، أو أعشاب ضارة. ولكن في حينه افكر من القى بشعب كامل على قارعة الطريق منذ 45 سنة، يدير له ظهر المجن، وينجح في أن يبني لنفسه حياة لا بأس بها على الاطلاق، في ظل الكبت المتطور على نحو مدهش، عبقري، للمسؤولية عن الوضع، واضافة الى ذلك ايضا ينجح في تجاهل معنى التشويه والجنون اللذين خلقهما على مدى هذه السنين في منظومات حياته نفسه فلماذا يتأثر بعمر واحد كهذا؟

هآرتس 24/2/2012