المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة الفساد تهدد مستقبل النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي في ليبيا



Abu Ibrahim
02-23-2012, 11:26 AM
الأساليب القديمة السيئة تعود إلى البلاد ثقافة الفساد تهدد مستقبل النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي في ليبيا

http://www.aleqt.com/a/629469_198314.jpg
عناصر تابعة لإحدى المجموعات المسلحة، المنتشرة في ليبيا، يعملون في نقطة تفتيش في العاصمة الليبية طرابلس .
بوروزو داراغاهي من طرابلس - فاينانشال تايمز

تم إيقاف مهندس النفط عبد اللطيف اليازجي، واثنين من أبنائه في سن 11، و 18، عند نقطة تفتيش من قبل رجال معمر القذافي في أواخر شهر آب (أغسطس)، خلال الأيام الأخيرة من حكم النظام في العاصمة الليبية طرابلس. وتم الإلقاء بهم في زنزانة في السجن. ومع كل بضعة دقائق تمر، جاء صوت إطلاق نار. وتم تكديس الجثث على جانب الغرفة. وكان الثلاثة متأكدين من أنهم سيقتلون قريباً.
غير أن معجزة حدثت. وأدخلهم أحد الحرس إلى باب جانبي، وأمرهم قائلاً ''اهربوا!''.
استغرق الأمر عدة أيام لليازجي لكي يبدأ برواية القصة المرعبة إلى الأصدقاء، بمن فيهم أولئك الذين شاركوا في الانتفاضة ضد القذافي، وأصبحوا الآن يرأسون مجالس للأحياء المجاورة، ومجموعات مسلحة مختلفة. ولكن ردهم هو الذي أصابه بالصدمة كأقصى ما يكون. ويتذكر باشمئزاز قائلاً: ''قالوا لي إنني يجب أن أبلغ السلطات بأنه تم إلقاء القبض عليّ في 20 آذار (مارس)، بدلاً من 20 آب (أغسطس). وبتلك الطريقة أحصل على دفعة كبيرة من الحكومة الانتقالية''.
ربما أن القذافي وعائلته غادروا تماماً. ولكن ثقافة الفساد، وسوء المعاملة التي ولدوها ما زالت باقية، وتهدد مستقبل النمو الاقتصادي لليبيا، والاستقرار السياسي فيها. وليس الكثيرون يسرقون فحسب، بل إن بعضهم يشارك في التعذيب الذي تقول منظمة العفو الدولية إنه واسع الانتشار تحت اسم الثورة التي بدأت قبل عام مضى. وتقدر السلطات الانتقالية أن نحو ملياري دولار على الأقل تمت سرقتها من قبل أشخاص يزعمون كذباً أنهم جرحوا، أو حاربوا في الانتفاضة، أو دفعوا مقابل أسلحة من جيوبهم الخاصة.
يقول عبد الحميد الجادي، المصرفي في بنك ليبي – سويسري، ومشارك في حملة مناهضة الفساد: ''إذا كان الفساد في السابق مائة في المائة، فإنه الآن 110 في المائة. وتم اعتقال عائلة القذافي، وقتل أفرادها، ولكن الانتهازيين ما زالوا هناك''.
بعد مرور 12 شهراً على بدء الثورة في 17 شباط (فبراير)، فإن الفرحة المذهلة المتمثلة بالإطاحة بحكم العقيد المستبد ما زالت تحفز الشباب. وتنبض التجارة بالحياة مرة أخرى، ويعود رجال الأعمال الأجانب، ويزداد إنتاج النفط ليصل إلى مستويات في فترة ما قبل الحرب. وقبل إجراء الانتخابات في شهر حزيران (يونيو)، فإن العشرات من الأحزاب السياسية تشكل ائتلافات، ويبرز العديد من المرشحين المستقلين. وتزدهر كذلك المئات من منظمات المجتمع المدني، ومنافذ وسائل الإعلام.
لكن تبقى ليبيا غير مستقرة بشكل عميق. وتفتقر إلى نظام قضائي صارم، وقوة شرطة مترابطة، ويبدو إنفاذ العدالة، وسيادة القانون مستحيلاً تماماً، لا سيما بعد أكثر من أربعة عقود من القيادة الشاذة من قبل رجل واحد فقط. وهي حالة من سير الأمور من المحتمل أن تسبب فزعاً تحديداً للحكومات الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية التي قادت الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقدمت دعماً قوياً للسلطات الانتقالية.
بدأت التوسلات إلى اليازجي ليبدأ باستنزاف النظام حالما تعافي من محنته. ولم يحثه البعض على المبالغة في الفترة التي قضاها في الأسر فحسب، وإنما قالوا له كذلك بأن يزعم أن ابنه عانى من اضطراب التوتر الذي يأتي بعد الصدمة، ويحتاج إلى العلاج في الخارج، على الرغم من أنه كان يتمتع بصحة جيدة.
يقدر المسؤولون في المجلس الانتقالي الوطني أن البلاد تنزف ثلاثة ملايين دولار على الأقل يومياً بسبب مثل هذه الدفعات الطبية الزائفة، ووصل مجموعها إلى 350 مليون دولار حتى الآن. ويقول أحدهم: ''إذا أصيب أحدهم بجرح من رصاصة، فإنه يُعالج من جرح الرصاصة، ويجري عملية تجميل للأنف''.
ربما أن الألوية العسكرية التي تستمر في العمل في شتى أرجاء البلاد أكبر مصدر للفساد باسم الثورة. ويقدر المجلس الوطني الانتقالي إنه دفع فعلياً نحو 1.5 مليار دولار على شكل دفعات إلى نحو 250 ألف رجل يدعي بشكل كاذب أنه محارب. وفي حقيقة الأمر، فإن نحو 25 ألف رجل شاركوا في الحرب فعلياً.
حاول أصدقاء اليازجي إقناعه بالانضمام إلى لواء عسكري، والحصول على بطاقة تعريف كثائر، ليتلقى قرابة 500 دولار شهرياً. ويقول أحد المطلعين: ''إن عدد الأشخاص الذين يزعمون أنهم ثوريون، أو أصيبوا، أكثر بكثير مما ندرك. وثمة اعتقاد بأن الأموال تختفي''.
بدأت الفوضى تؤثر فعلياً في بعض الشركات متعددة الجنسيات القليلة في ليبيا. وطالب موظفو إحدى شركات الطاقة برواتب الأيام التي لم يحضروا خلالها إلى العمل خلال الحرب، واتهموا أولئك الذين التحقوا بوظيفتهم بأنهم مناهضون للثورة ومتعاونون. وهددوا الشركة في مرحلة ما – مشروع استثماري إيطالي مشترك – بالإغلاق ما لم تدفع لهم عن تلك الفترة. ووفقاً لأحد التنفيذيين، فإن الشركة فعلت ذلك.
يقول بيتر كول، محلل الشؤون الليبية في مجموعة الأزمة الدولية، وهي منظمة غير حكومية تعمل في مناطق الصراع: ''في اللحظة الراهنة، لا توجد ثقة، وإنما توقعات فقط – ماذا يمكنك أن تفعل لأجلي؟''.
غالباً ما يجد أولئك الذين قدموا تضحيات حقيقية أنفسهم مشوشين بسبب تحول الأحداث. وهرب عبد الله أبو شيبة، أستاذ الاقتصاد في كلية عليا، من ضاحية مؤيدة للقذافي خارج طرابلس في 18 شباط (فبراير)، وشق طريقه إلى شرق البلاد، حيث حارب في المعركة على مدينة البريقة النفطية، قبل أن يصل بواسطة البحر إلى مصراتة، وينضم إلى المعركة على مدينة سرت. ومن بين 600 رجل كانوا في وحدته، توفي قرابة 40 رجلاً منهم.
يقول شيبة، البالغ من العمر 33 عاماً: ''قمت بهذا العمل لأنني شعرت بأن لدينا نظاماً فاسداً. ولم يكن بمقدورك أن تقول ما تفكر فيه. ولكن الثمن كان عالياً، وبناءً عليه، توفي عدد كبير من الأشخاص''.
حين عاد إلى البيت في النهاية، وجد لدهشته أن الشخصيات القيادية المحلية ذاتها، والتي يقول إنها أخرجته من بلدته، وكانوا يزودون الشاحنات للمجهود الحربي للقذافي، كانوا يلبسون الشارات الرسمية للانتفاضة، ويزعمون أنهم ثوار، ويقدمون مطالبات للحصول على تعويضات.
بينما عاد أبو شيبة إلى الحياة المدنية، يواصل بعض زملائه المحاربين التجوال عبر البلاد، ويصفون أنفسهم بأنهم حراس الثورة. وهم يقومون بتلك الجولات للتأكد من عدم عودة الحرس القديم إلى السلطة على الإطلاق. ولكن حكمهم يمكن أن يكون بسوء القوات التي أطاحوا بها نفسه.
في 10 كانون الثاني (يناير)، استدعت إحدى الوحدات المسلحة التي تدعى لواء الشهداء العشرة، دبلوماسياً يدعى عمر بريبيش من أجل الحديث. وحسب رواية عائلته، كان بريبيش البالغ من العمر 62 عاماً، والذي خدم لفترة وجيزة كمبعوث ليبيا إلى فرنسا، متردداً في الذهاب، ولكنه استنتج أنه ليس لديه شيء يخفيه. وأوصله ابنه محمد بالسيارة إلى القاعدة، وقيل له أن يأتي لاحقاً ويأخذه في ذلك المساء. وحين عاد محمد، قيل له بغضب أن يعود صباح اليوم التالي. وازدادت مخاوف العائلة حين تم إبلاغهم في ذلك اليوم بأنه تم أخذ بريبيش خلال الليل إلى المدينة الجبلية زنتين، حيث كان قائد الوحدة من تلك المدينة.
وجدت جثة بريبيش المحطمة في نهاية المطاف في مستشفى في زنتين، حسبما تقول منظمة هيومن راتيس ووتش، المنظمة غير الحكومية في نيويورك. وكانت الجثة مصابة بالرأس، والكدمات، والأضلاع المكسرة. وكانت أظافره مخلوعة.
ولد احتجاز وتعذيب وقتل الدبلوماسي المعروف بصلاته الجيدة ضجة في البلاد. وبضغط من السلطات، اعتقلت وحدات أخرى من زنتين مجرمين مزعومين. ولكن كانت السلطات منذ ذلك الحين تخفف من وطأة القتل، وتسعى إلى تلويث اسم بريبيش. ويقول العقيد أحمد باني، الناطق باسم القوات المسلحة الرسمية التي تصارع من أجل دمج المجموعات المسلحة ضمن وحدة وطنية: ''لا نعيش في فردوس. وربما ارتكب أخطاءً في الماضي. والآن هو يدفع الثمن''.
خرجت قضية بريبيش إلى دائرة الضوء لأن عائلته تعرف ما يكفي للجوء إلى المنظمات الدولية حين تجاهلتهم وسائل الإعلام المحلية. ولكن يقول الليبيون إن المزيد من هؤلاء الأشخاص يتم اختطافهم يومياً من قبل ثوريين سابقين. ويقدر شيوخ قبيلة ورفلة، أكبر قبيلة في ليبيا، أن ما بين ثلاثة إلى خمسة أفراد من عشيرتهم يتم اختطافهم في العاصمة يومياً. وخلال اجتماع للشيوخ في بني وليد، جنوب شرق المدينة، دخل رجل بشكل هستيري عاصف. وأوضح الرجل أنه تم اختطاف أخيه وابن عمه في الليلة السابقة في طرابلس.
إذا حالفهم الحظ، لا ينتهي بهم الأمر في مصراتة المجاورة، حيث يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن السجون المؤقتة التي تديرها المجموعات العسكرية تحولت إلى غرف تعذيب كابوسية. وتقول دونتيلا روفيرا، من منظمة العفو الدولية، والتي تورد تقارير لاذعة عن انتشار التعذيب وسوء المعاملة من جانب المجموعات العسكرية عشية الاحتفال بالذكرى السنوية للثورة: ''مما لا شك فيه أن الثوار ارتكبوا جرائم حرب. ويموت الأشخاص تحت التعذيب في عشرات الحالات التي بين أيدينا على الأقل. وهناك أشخاص نشاهدهم أحياء في مشاهد فيديو، ثم نشاهدهم أمواتاً لاحقاً. كما أن الضغوط التي يمارسها الحرس على حرس آخرين لتعذيب السجناء واسعة الانتشار تحديداً في مصراتة''.
على النقيض من هيكل الدولة الهرمي في النظام السابق، ترتكب سوء المعاملة مجموعات مختلفة من مناطق متنوعة لا يسيطر عليها أحد. وإلى أن تتم الانتخابات في شهر حزيران (يونيو)، لن يتملك أي شخص في الحكومة الانتقالية سلطة سياسية، أو قوة فعلية لكي يكبحها. ويقول عصام محمد الزبير، وهو صحافي في جريدة العرب: ''إن واقع الحال – والمشكلة الفعلية – هي أن الحكومة تخاف من المجموعات المسلحة''.
يقول المحللون إن الخطر الأشد هو أنه على الرغم من جميع التضحيات، سيفشل الليبيون في تأسيس سلطة سياسية ذات صدقية قبل أن تسقط البلاد بشكل أعمق في أشكال من انعدام القانون والعدالة.
إنه خوف يشتد بسبب الحادثة المميتة التي حصلت هذا الشهر في الأكاديمية البحرية القديمة في ضاحية جنزور في طرابلس، والتي تم استخدامها كمأوى للسكان المهجرين من وسط ليبيا. وتستضيف الأكاديمية أشخاصاً من تاجوراء تم إخراجهم بالقوة من بلدتهم التي يسكنها 50 ألف نسمة، على يد أفراد مجموعات مسلحة مركزها مصراتة اتهموهم بالمشاركة في الحصار الذي نفذه القذافي على مدينتهم الساحلية على مدى أشهر طويلة.
ونظراً لعدم اكتفائها بجعلهم يغادرون منازلهم، يبدو أن أعضاء المجموعة المسلحة في مصراته قاموا بتاريخ 6 شباط/ (فبراير) بالانقضاض على معسكر جنزور، في محاولة للقبض على رجلين.؟ وعندما قاوم الطوارق، فتح أفراد المجموعة المسلحة النار عليهم، وقتلوا شخصين في البداية، وذلك وفقاً للنتائج الأولية التي أسفر عنها تحقيق أجرته منظمة هيومان رايتس ووتش. وعندما بدأ اللاجئون بالاحتجاج في الشارع، أطلق عليهم أفراد المجموعة المسلحة النار ثانية، وقتلوا ثلاثة أشخاص آخرين. وتم أيضا إطلاق النار على شخصين آخرين أثناء هربهما، ما أسفر عن مقتلهما.
كان من بين القتلى ثلاثة أطفال وامرأتان، كما تقول الأمم المتحدة. ورغم أن امرأة شابة أصيبت في الهجوم تقول إن كلمة مصراته كانت مكتوبة على سيارات المقاتلين، يصر رئيس المجلس البلدي لتلك المدينة أنه ''لا يمكن'' أن يكون أي شخص تحت إمرة المجلس قد شارك في الهجوم. وحتى الآن لم يتم توجيه التهمة لأي شخص.
قلة من الناس تأسف لمقتل القذافي أو تحن لعودة نظام كهذا لكن هناك عداء متنام تجاه المجموعات المسلحة التي تتصف أحياناً بالعنف والخروج على القانون والتي حلت محله. يقول اليازجي الذي يشعر بخيبة أمل: ''لقد اختفى الأشخاص الذين كانوا يقاتلون حقاً من أجل الحرية''.