المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصراتة تتوق للعودة إلى حياتها الطبيعية



Abu Ibrahim
02-22-2012, 09:21 AM
مصراتة تتوق للعودة إلى حياتها الطبيعية

بورزو داراجاي من مصراتة - فاينانشال تايمز

حين انتهى القتال، استطاع عمر الشيباني، آمر الكتيبة التي قبضت على العقيد معمر القذافي والتي اتُّهِمت باغتياله، العثور على طريقه بسرعة إلى الحياة المدنية. هذا القائد الذي كان يتولى إمرة وحدة ميليشيا كانت تبعث الخوف في القلوب، عاد إلى العمل مديراً لإحدى شركات خدمات النفط، وإلى كونه أباً محباً لابنتين.

وقال في مقابلة في أحد المكاتب في مصراتة التي كانت فيما مضى مدينة مليئة بالنشاط والحركة، والتي لعب مواطنوها دوراً أساسياً في الحرب التي شنها حلف الناتو لإطاحة النظام السابق: ''لا أستطيع أن أقول إن الانتقال كان سهلاً. فالعودة إلى العمل كانت كذلك نوعاً من الجهاد''.
صحيح أن الشيباني (37 سنة) عاد إلى العمل، لكنه يُقَدِّر أن بضع مئات من المقاتلين من مصراتة تحولوا إلى أشخاص مارقين. والمدينة التي شهدت بعضاً من أسوأ المعارك أثناء النزاع الأخير، لا يزال فيها مقاتلون عازمون على أن يعيثوا فسادا في مختلف أنحاء البلاد، لكن ليس في مصراتة نفسها.
وقال: ''أفراد فرقتي ليسوا جميعاً من الناس الطيبين. حين وصل عدد من أفراد الكتيبة إلى طرابلس أرادوا استغلال الفراغ وفرض إرادتهم، والانطلاق في حملة لإلقاء القبض على من يُسمَّون المسؤولين السابقين في نظام القذافي. في رأيي هذا غير مقبول. يجب أن تتم الاعتقالات عن طريق الحكومة، ولا يمكن أن يكون هناك مزيد من العدالة الشخصية ضد هذا أو ذاك''.
وبعد مرور ثلاثة أشهر على الإعلان الرسمي عن نهاية الحرب التي استمرت ثمانية أشهر وانتهت بإسقاط القذافي وحكمه، عادت مصراتة، المدينة التي عانت من قسوة الآلة العسكرية للنظام السابق، إلى الحياة بصورة كبيرة.
الشركات التي تضررت أعمالها لفترة طويلة فتحت أبوابها من جديد، وتم استبدال النوافذ المحطمة، وترميم وإصلاح الفجوات التي خلفها الرصاص والقذائف على جدران البنايات – وإن كانت آثار الدمار الذي خلفته الحرب ما زالت واضحة للعيان.
كذلك أزيلت المقطورات التي كانت تملأ بالرمل لقطع الطريق على غارات كتائب القذافي إلى مركز المدينة. وعادت من جديد الرحلات الجوية الدولية إلى تونس وإسطنبول وعمان. وأخذت أفران مصانع الفولاذ في المدينة بالاشتعال التدريجي البطيء. وهناك اختناقات مرورية تسد الشوارع. ويقول المسؤولون في ميناء المدينة إن أحجام الشحن ارتفعت إلى نحو نصف مستوياتها قبل الحرب.
وتنافس نحو 250 شخصاً من أهالي مصراتة على 28 مقعداً في مجلس المدينة الذي أنشئ حديثاً، وهو واحد من عدد من التجارب الديمقراطية في ليبيا قبيل الانتخابات التاريخية التي ستُعقَد في حزيران (يونيو).
وكثير من الناس في المدينة عادوا إلى العمل منذ فترة. وقال سليم بتمال، وهو أستاذ للهندسة البيئية تلقى تعليمه في جامعة ليدز: ''معظم أهالي هذه المدينة عملوا في القطاع الخاص. فإذا توقفوا عن العمل انقطع مورد دخلهم''.
لكن العلامات الظاهرة الدالة على عودة الوضع الطبيعي تخفي وراءها إصابات نفسية عالقة. ففي داخل متحف الحرب الذي أنشئ حديثاً يرى المرء مشاهد تصور التكلفة التي تكبّدتها المدينة من أجل النصر على قوات القذافي: صالة طويلة تمتلئ جدرانها بصور المئات الذين لقوا حتفهم في الصراع.
وخارج المتحف، على طول شارع طرابلس، الذي لا يزال مليئاً بالنشاط، رغم الدمار الكبير الناتج عن الحرب، توجد بقايا دبابات وذخائر القذافي، لتذكر بالقصف الشرس الذي تعرضت له المدينة.
إن الأثر الذي خلفته هذه المعارك ليس واضحاً فقط في الحطام المتناثر على الشوارع، وإنما كذلك في عدد من الاعتداءات السافرة المستمرة في مختلف أنحاء ليبيا. ويدعي المدافعون عن حقوق الإنسان أن تجربة مصراتة المؤلمة خلال الحرب تستخدَم لتبرير الإساءات المتواصلة للمحتجزين الذين ألقي القبض عليهم في مختلف المناطق الغربية وجُرجِروا إلى سجون غير رسمية من قبل مقاتلي مصراتة الثوريين المشهورين.
ويخشى كثيرون من أن عدداً محدوداً على الأقل، من أفراد الميلشيات التي صدت قوات القذافي تحولوا إلى عصابات مسلحة تغير على المناطق بهدف السلب والنهب، أو تحولوا إلى أسوأ من ذلك بحيث شكلوا فرقاً للإعدام تستخدم الملفات التي تم العثور عليها في المكاتب، وتستخدم كذلك إخباريات تم الحصول عليها بالتعذيب أثناء استجواب المتهمين، بهدف ملاحقة شخصيات مشبوهة تابعة للنظام السابق.
وقال بتمال: ''هذا هو ما يعرف باسم الخروج عن السيطرة. لا يعلم أحد من الذي يطلق النار''.
وحتى أولئك الذين عادوا في الظاهر إلى الحياة المدنية لم يقوموا حتى الآن بتسليم أسلحتهم، التي تشتمل على منصات صواريخ محمولة على شاحنات صغيرة، استُخدِمت لمهاجمة دبابات القذافي، إلى جانب عدد من وحدات المدفعية.
وتعتمد حجتهم في جزء منها على أنه لا توجد سلطة شرعية. وفي حين أن من الممكن أن يكونوا راغبين في نهاية المطاف في تسليم أسلحتهم الثقيلة وما لديهم من معدات المدفعية، إلا أن عدداً قليلاً منهم فقط يمكن أن يسلم ما لديه من رشاشات كلاشنكوف وأسلحة خفيفة، مفضلين بدلاً من ذلك إبقائها مكوّمة في بيوتهم، في حال دعت الحاجة إلى استخدامها، كما يقول بتمال.
لقد ألقى القتال بظلال كثيفة على مصراته. وقال الشيباني: ''ما زلت متأثراً حتى الآن بالتبعات العاطفية والنفسية المترتبة على الحرب. لكنني وضعت حياتي على الانتظار، ويجب عليَّ الآن أن أعود إليها''.