المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثمن الاسرائيلي لتمرير اتفاق الدوحة



متواصل
02-18-2012, 11:44 PM
الثمن الاسرائيلي لتمرير اتفاق الدوحة
د. سفيان ابو زايدة

2012-02-17


http://www.alquds.co.uk/images/empty.gif





ليس هناك من شك، وبغض النظر عن الرغبة الفلسطينية في انجاح اتفاق المصالحة الذي تم توقيعة مؤخرا في الدوحة، وقدرة كل فصيل، خاصة حركة حماس، في التغلب على العقبات وتجاوز الخلافات، فان هناك لاعب اساسي اسمه اسرائيل قادر على التخريب اذا اراد، سيما انه يتدخل في تفاصيل الحياة اليومية وقادر على التأثير في مجرياتها سواء كان في غزة او الضفة الغربية التي تخضع من الناحية العملية للاحتلال الكامل.
ليس هناك من شك ايضا، ان اسرائيل هي من اكثر المستفيدين، ان لم يكن المستفيد الوحيد من استمرار حالة الانقسام الفسطيني، حيث يعتبر هذا الوضع هو المثالي بالنسبة لحكومة اسرائيلية يمينية تبني استراتيجيتها على اساس انهاء فكرة اقامة دولة فلسطينية على حدود 67 يربط بين شطريها ممر امن يؤمن تواصلها الجغرافي والديموغرافي. يخدم هذه الحكومة في منطقها الاحتلالي الذي يردد ليل نهار ان لا ممثل واحد للفسطينيين لكي نتنازل له عن شيئ، ولا يوجد سيطرة للقيادة الفسطينية على كل الفسطينيين، وان الدرس الذي لا ينسى هو ان اي انسحابات اخرى من الاراضي الفسطينية ستتحول الى مخازن للسلاح وذراع لايران ومرتع للمتطرفين.
تغيير هذا الوضع من خلال تشكيل حكومة فلسطينية واحدة واعادة الوحدة السياسية والادارية بين شطري الوطن واجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية واعادة فتح المؤسسات المغلقة، خاصة في الضفة الغربية، هو امر يتناقض تماما مع المصلحة الاسرائيلية التي تعبر عنها حكومة نتنياهو الحالية. استمرار الوضع الحالي للفسطينيين هو الوضع المثالي بالنسبة للاسرائيليين على المستويين المنظور والمتوسط.
اذا كان الامر كذلك، ما الذي يجعل اسرائيل تُسهل تنفيذ الاتفاق؟ ام ان هناك اعتقاد ان الارادة الفلسطينية في انهاء الانقسام ستكون كافية في تجاوز العقبة الاسرائيلية في اجراء الانتخابات، خاصة في القدس؟ وما الذي يستطيع الفلسطينيون فعله اذا ما منعت اسرائيل اجراء الانتخابات في القدس وفرضت الكثير من العقبات امام سير الانتخابات في مناطق 'سي' واقدمت على اعتقال اعداد كبيرة من كوادر حماس في الضفة وخاصة اؤلئك الذين سيرشحون انفسهم ونصبت الحواجز العسكرية بحيث يعيق عمل لجان الانتخابات ولجان المراقبة وحركة المرشحين والدعاية الانتخابية؟ ما الذي يمكن فعله في هذه الحالة سوى الاعلان عن تأجيل هذه الانتخابات الى اجل غير مسمى؟
لقد سمحت اسرائيل، لا بل سهلت في السابق، اجراء الانتخابات التي جرت في العام 1996، حيث كانت العملية السياسية في ذروتها واجراء الانتخابات كان احد مركباتها الاساسية. وسمحت اسرائيل، وسهلت ايضا اجراء الانتخابات الرئاسية عام 2005 وفيما بعد الانتخابات التشريعية عام 2006، والتي شاركت بها حماس، وتم اجراؤها في القدس ايضا، وذلك في ظل ضغط امريكي ودولي شديدين على اسرائيل.
الظروف الحالية تختلف عن الحالتين السابقتين. العملية السياسية ماتت منذ زمن دون ان يمتلك احد الطرفين الجُرأة او المصلحة في الاعلان رسميا عن مفارقتها للحياة ولكن جرافات الاستيطان واعتداءات المستوطنين تتكفل بذلك. ولا يوجد امل في ان تمارس الولايات المتحدة والمجتمع الدولي اي نوع من انواع الضغط على اسرائيل لتسهيل اجراء الانتخابات، خاصة في القدس، لاسباب كثيرة اهمها توقف المفاوضات وتعثر عملية السلام وانشغال العالم بقضايا وملفات اكثر سخونة من الشأن الفلسطيني.
اسرائيل التي تراقب عن كثب وبمناظير مختلفة ما يجري في الساحة الفلسطينية بشكل عام، ولدى فتح وحماس بشكل خاص، وعلى الرغم من بعض التقديرات الاسرائيلية ان مصير اتفاق الدوحة لن يكون باحسن حال من مصير اتفاق مكة واتفاقات القاهرة وغيرها من الاتفاقات التي ماتت دون الحاجة لتدخل اسرائيلي فعلي او مباشر، حيث هناك قناعة اسرائيلية ان حالة الانشطار والانقسام في الساحة الفلسطينية اكبر من ان تتغلب عليها رغبات ومصافحات واتفاقات تصطدم بواقع متشابك ومعقد وصراع بين تيارين مركزيين يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان ان لم يكن خطين يسيران في اتجاهين متناقضين. على الرغم من ذلك، فان اسرائيل تأخذ بعين الحسبان دائما اسوأ الاحتمالات، والاحتمال الاسوأ بالنسبة لها هو ان تنجح محاولة الدوحة وتستطيع حقا ان تضع الفلسطينيين على سكة انهاء الانقسام. في هذه الحالة، بالنسبة للاسرائيليين ما يهم هو استحقاقات هذا الاتفاق ومدى استطاعتة على تغيير الوضع الحالي وعلى طبيعة العلاقة القائمة بين اسرائيل والفلسطينيين، خاصة في الضفة الغربية.
ما تخشاه اسرائيل اذا ما نجح الاتفاق هو:
اولا: تغيير الوضع الامني القائم.
ان ما يهم اسرائيل، سواء نجح الاتفاق او لم ينجح، هو الحفاظ على الشيئ الذي يكاد يكون وحيدا مما تبقى من اتفاقات اوسلو، وهو الوضع الامني، خاصة في الضفة الغربية. الذي يحدد السلوك الاسرائيلي في التعاطى مع هذا الاتفاق، ليس التصريحات النارية التي يطلقها هذا المسؤول او ذاك بل ما قد يحدث من تغيرات على الارض في كل ما يتعلق بالعلاقة ما بين الاجهزة الامنية الفلسطينية وعلاقتها سواء كان مع اسرائيل او في طريقة تعاملها مع اعضاء وكوادر حماس في الضفة الغربية.
اي تغيير في الوضع القائم، سواء نتيجة لتطبيق الاتفاق او كنتيجة لقرار فلسطيني نظرا لتعثر المفاوضات سيؤدي الى اجراء تغيير جذري في السياسة الاسرائيلية القائمة وسيكون حينها موضوع الانتخابات غير ذي صلة في ظل حالة الصدام التي قد تنشأ والتي ستخلق بيئة غير مناسبة لممارسة عملية ديمقراطية والمتمثلة في اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.
ثانيا: استمرار تعثر المفاوضات او ايجاد صيغة للتحايل عليها.
منذ زمن اكتشف الفلسطيني ان ما تريده اسرائيل، خاصة في السنوات الاخيرة، هو ان يكون هناك نوع من المفاوضات تصلح للاستهلاك المحلي والدولي، ليس مهما اسمها او مكان حدوثها، المهم ان يكون هناك انطباع بان هناك مفاضات تُجرى وان المحاولات لحل الصراع مستمرة، ومن غير المسموح به ان يكون هناك فراغ تفاوضي. تعثر او توقف المفاوضات بشكل كامل لا يساعد في ترجمة الاستراتيجية الاسرائيلية القائمة على تثبيت الحقائق الاستيطانية على الارض والمشاركة الامنية في الميدان لتخفيف اعباء الاحتلال وبغطاء تفاوضي يوحي بان هناك جهودا متواصلة لحل الصراع.
الاصرار الفلسطيني على عدم الذهاب للمفاوضات الا وفق الاسس التي حددها الرئيس عباس وهي الوقف الكامل للاستيطان بما في ذلك القدس وحدود 67 والافراج عن المعتقلين هو أمر لم يقبله نتنياهو من قبل، وليس من المتوقع ان يقبله في القريب الا اذا تعرض الى ضغوط خارجية لا احد يراهن على وجودها في الوقت الراهن. اسرائيل بطبيعة الحال لن توافق على تسهيل مهمة الرئيس عباس في تشكيل حكومة الوفاق واجراء الانتخابات في الوقت الذي يُصعب عليها الرئيس عباس المهمة ويكشف اللثام عن هذه الاكذوبة التي طال امدها.
ثالثا: تغيرات محتملة في قواعد اللعب على جبهة غزة.
اسرائيل لا تراقب فقط التطورات السياسية على الساحة الفسطينية، ما يهمها هو التغيرات والتطورات الامنية التي قد تحدث نتيجة الاتفاق سواء كان في حال الفشل او النجاح. تتابع عن كثب ما يجري من جدل علني فلسطيني داخلي حول الموقف من اتفاق الدوحة. ما تخشاه اسرائيل هو ان يؤدي ذلك الى حالة من التفكك في موقف حماس تجاه التهدئة غير المكتوبة بين الطرفين. التخوف ان تؤدي هذه الخلافات في المواقف الى ترحيل المعركة باتجاة اسرائيل من خلال تخفيف القبضة الحديدية على المجموعات التي تسعى الى اختراق حالة التهدئة. ما يهم الطرف الاسرائيلي من ما يجري من تطورات سياسية هو مدى انعكاس هذة التطورات ميدانيا على الارض سواء كان في الضفة او القطاع. عمق هذا التغيير هو الذي سيحدد عمق التدخل الاسرائيلي في انجاح او افشال الاتفاق.
رابعا واخيرا: استمرار المعركة الدبلوماسية الفلسطينية في محاصرة اسرائيل دوليا.
اسرائيل التي تعتبر الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية تمارس 'ارهابا' سياسيا ودبلوماسيا ضدها وتعمل على عزلها دوليا من خلال التوجه الى المؤسسات الدولية، خاصة مؤسسات الامم المتحدة، تتابع عن كثب ما اذا استمرت السلطة في تبني هذا الخط بعد ان تم تجميدة خلال المفاوضات، التي اصطلح على تسميتها هذه المرة بـ'الاستكشافية'. السلوك الاسرائيلي تجاه اتفاق الدوحة سيحدده السلوك الفلسطيني ايضا تجاه مطاردة اسرائيل في الاروقة الدولية. بالنسبة لاسرائيل اتفاق مصالحة واجراء انتخابات وتشكيل حكومات لا يستقيم مع حالة الصدام السياسي والدبلوماسي والميداني الذي قد يحكم العلاقة بين الطرفين في المرحلة المقبلة.
خلاصة القول، ليس هناك مصلحة اسرائيلية في تسهيل مهمة الفسطينيين، ولديها القدرة على التخريب، وليس هناك ما يكفي من ادوات محلية واقليمية ودولية تستطيع ان تحد من هذا التدخل، وان اتفاق مصالحة وتشكيل حكومة واجراء انتخابات وتغيير جذري في العلاقات الامنية القائمة هو امر لا يستقيم مع اجواء الصدام المرتقب. المرحلة المقبلة تستوجب اتخاذ قرارت استراتيجية مؤلمة جدا، ولكن لا مفر منها اذا كان هناك ما يزال امل في انقاض المشروع الوطني الفلسطيني.
كاتب سوري