المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدن عربية بلا هوية



متواصل
02-13-2012, 05:38 AM
مدن عربية بلا هوية



2012-02-12


في ثمانينات القرن الماضي كانت معظم المدن العربية تعرف بطابعها الشرقي والمحافظ وكان الترويج السياحي لها يركز على السياحة الدينية والتاريخية وتسويق المنتجات والصناعات المحلية والتراثية الخاصة بكل بلد الا أننا في ظل العولمة، التي نعتبر فيها كدول عربية الحلقة الأضعف التي تتلقى على الأغلب أسوأ الإفرازات الثقافية الغربية، فقدنا هذه الخصوصية ظاهرا وباطنا 'فتفرنجنا' في أفكارنا وسلوكياتنا وربما خرج الغرب من بلادنا بجيوشه ولكنه استوطن دواخلنا بثقافته وطريقة حياته، وأصبحت المدنية تعني تتبع خطى الغرب حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر الضب لاتبعناهم دون مساءلة، ولم نعد نستطيع التخلص من عقدة النقص فينا وعقدة الأجنبي المتفوق علينا حتى ولو كانت حثالتهم هي التي تصلنا في الدول العربية فالجواز الأوروبي والرطن بالانجليزية كفيلة بعطاءات وامتيازات ورواتب فلكية تجعلهم يعيشون سلاطين في بلادنا بينما ننحت نحن العرب عند بعضنا البعض في الدول الأكثر ثراء عمالة رخيصة وموظفين درجة ثانية في المؤهلات والمعاملات!
طبيعي عندما تزور بلدا أوروبيا أن تشعر بالغربة للبون الأخلاقي الشاسع بين العرب والأجانب وبين ما نعتبره حراما مرفوضا وبين ما يعتبرونه حلالا مقبولا ولكن أن تشعر بذات الاغتراب في بعض الدول العربية فهذه الغرابة بعينها!!
في بلاد الطفرة النفطية تم استلاب الأصالة والمحافظة التي امتازت بها بلاد الخليج في السابق واستبدلت الآن بالإغراق في استيراد الحضارة الغربية وتوطينها وتعويد الناس عليها بحيث لا يرضون عنها بديلا بل يدورون في دوامة طلب المزيد!
إذا قصدتها أيها العربي بهدف البحث عن عمل فستجد أن عروبتك وشهادتك الأكاديمية لا تساوي شيئا في سوق العمالة الخليجية وأنك دائما الخيار الثاني أو الثالث وتُفضل عليك الجنسيات الأخرى بما فيها الشرق آسيوية.
و إذا قصدتها بقصد السياحة فما لم يكن جيبك متخما بالدراهم فستقضي عطلتك بين جدران بيت أو غرفة فأبسط الرحلات والزيارات تحتاج 'لفت' دراهم 'بالهبل' تجعلك ترى بلدك الأم رحمة بالرغم من سوء أحوالها الاقتصادية، وهذه المدن بمستوى الرفاهية الخيالية التي تقدمها لم تصمم لرقيقي الأحوال ولا لرقيقي القلوب بل هي لنخبة النخبة الغنية cr'me de la cr'me التي تستطيع دون غيرها مجاراة الحياة الحافلة التي لا تهدأ على مدار الساعة بكل ما لذ وطاب وخلب الألباب
في مجال التسوق سترى ما لن تراه في الغرب فهنا المال يستورد البضاعة بأحسن أحوالها وأبهى صورها وأغلى أثمانها.
أما في مجال الترفيه فسترى الصيف والشتاء والفصول كلها في لوحة جغرافية واحدة فبالرغم من درجة حرارة الجو النارية سترى الثلج والبطاريق وتتزلج على المنحدرات الثلجية وستسبح مع الدلافين وستطير في الهواء وتغوص في قاع البحر وتصبح لك الأرض والسماء والبحر ذلولة كلها ولكن بأي ثمن من كرامتنا واستقلاليتنا وهويتنا؟!
إذا ذهبت الى البحر ستستحي أيها العربي من نفسك ودينك ولباسك فالمكان ليس مكانك وإنما هي أماكن مفتوحة لكل من تعرى وتكشف وستجد أن التنبيهات الى التزام اللباس المحتشم مجرد حبر على ورق فتنسحب بهدوء وخيبة ويبقى الميدان لجورج واليزابيث يرتعون فيه فسادا وأنت لا ترى البحر سوى من الطائرة، ولا بأس لهم أن يتعروا في شوارعنا وأسواقنا وشواطئنا ولكن لا نستطيع نحن أن نتحجب أو نلبس النقاب عندهم فالحرية الشخصية مختلفة باختلاف الدول والجنسيات وعندما تختص بالعربي والمسلم يصبح لها تعريفات وحدود مختلفة! حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تسطيعه بنفسك فالقانون لا يسمح بالمخاطبة الشخصية للمخالفين بل عليك أن تهاتف جهة معينة والى أن تأتي الجهة المختصة يكون من هرب هرب وانتهى المشهد دون معالجة بل الى تكرار وإعادة فمن أمن العقوبة أساء الأدب، ولكن الخوف على أهلنا واخواننا في هذه البلاد فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اسباب تنزل غضب الله وسخطه سترى الجمال كله حتى الخضرة المدفوعة الثمن وعندما تحاول أن تسبح وتذكر الله سيأتيك صوت الآذان خفيضا على استحياء حتى لا يزعج الأجانب المقيمين في المنطقة فتذكر قول المتنبي:
مغاني الشعب طيبا بالمغاني بمنزلة الربيع من الزمان
و لكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان
لقد تطورت ماليزيا ولكنها ظلت تسوق نفسها للعالم على أنها آسيا الحقيقية Malaysia: Truly Asia وأخذت أفضل ما في الغرب وزادت واخترعت وكذلك فعلت الصين حتى أصبحت من القوى الاقتصادية المنافسة التي تقف في وجه الهيمنة الغربية على قدم المساواة والتنافسية والاحتراف.
أن تصبح المدينة العربية الفلانية هوليود العرب أو باريس العرب أو ريو ديجانيرو العرب أو موناكو العرب ليس شيئا عظيما يسجل في شهادة الامتيازات او السيرة الذاتية فهذه مدن تشابهت في تاريخها مع سدوم وعمورة وبومباي التي هلكت بالخسف والتدمير.
قد تُبتلى الدول بفتنة الفقر والحرب فتصبر عليها وتظهر أفضل ما فيها ولكنها لا تصبر عندما تُبتلى بفتنة الغنى والرخاء.
و يبقى في الخليج خيرية وطيبة وأصالة لا يغيرها لا ذهب أسود ولا أصفر لأنهم أثمن من المعادن النفيسة جمعاء ونأمل أن يكون لهم اليد الطولى والكلمة الفصل في إعادة دولهم الى حضن العروبة والإسلام.
د.ديمة طارق طهبوب