المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحدي الانقسامات القبلية في «الدولة الليبية الجديدة»: بيـن سـلطة المؤسسـات وأعـراف الث



الفيلسوف
08-28-2011, 10:46 AM
تحدي الانقسامات القبلية في «الدولة الليبية الجديدة»: بيـن سـلطة المؤسسـات وأعـراف الثـأر

5933
ليبية تبيع تذكارات وفوقها لافتة كبيرة لساركوزي كتب عليها «شكرا فرنسا» في بنغازي امس (رويترز)



وراء الجدران العالية للمجمّع العائلي القائم في عاصمة الثوار الليبية، شرقي البلاد، تنتصب صورة عملاقة للقائد الراحل عبد الفتاح يونس وهو يبتسم لعشرات الرجال من أفراد قبيلته الذين يترددون إلى الخيمة الكبيرة في ليالي رمضان الصيفية.
في تلك الخيمة، يجلس علي السنوسي، زعيم قبيلة العبيدي التي ينتمي إليها يونس، بثوبه الأخضر وسترته التقليدية. يحمل في يده كأساً من الشاي أما اليد الأخرى فيطلقها في الهواء بانفعال وهو يتحدث عن ظروف مقتل ابن قبيلته الغامضة. «القبيلة ستعطي قيادة المعارضة الفرصة للتحقيق في مقتل يونس وتقديم المجرمين إلى العدالة»، يقول السنوسي. ولكن إذا لم تفعل؟ يأتي الجواب بأن» العبيديين قطعوا على أنفسهم عهداً بالاقتصاص من المجرمين»، معقّباً «صحيح أننا نأمل ان نحظى ببلد يسوده القانون وتطبيق العدالة كي نضمن الحصول على حقنا من دون الحاجة لأن نحصّله بأيدينا، ولكن إذا وجدنا أننا بحاجة إلى تطبيق العدالة بأنفسنا، فسنفعل ذلك»، واعداً بانتظار هزيمة القذافي بشكل نهائي، حتى تتحرّك القبيلة لتحصيل حق ابنها المغدور.
قرار قبيلة يونس ذاك يظهر حجم التحدي الذي ينتظر الحكومة الليبية المقبلة والذي لا يكمن في تفادي الانقسام والصراع بين القبائل فحسب، إنما في ضمان أن تحتكم هذه القبائل نفسها، بما يحكمها من تقاليد، لسلطة القانون.
طوال سنوات حكمه الـ 42، جهد الرئيس الليبي معمّر القذافي في إضعاف مؤسسات الدولة، صحيح أنه أبقى على القليل منها إلا أنه جعل من نفسه مركزا للأمة. وفي ظل الفراغ المؤسساتي، تعززت الهوية القبليّة وازدادت ترسخاً، كما الانقسامات بين هذه القبائل التي عمل القذافي على إثارتها وتغذيتها. أما في المرحلة الراهنة، في ليبيا الجديدة التي يبدو أنها تتخلّص نهائياً من القذافي، فهناك سؤال جوهري يطرح نفسه مفاده هل ستحظى الحكومة الجديدة بالشرعيّة الكافية لتوحيد القبائل المتصارعة وإعادتها إلى كنف الدولة كأمة متماسكة؟
سؤال يؤكد حساسيته الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» باراك بارفي، الذي أمضى خمسة أشهر في ليبيا للبحث حول الموضوع، في تخوفه من حتمية أن يفضي «عدم قدرة الحكومة على النجاح في هذه المهمة والبقاء على التقليد السياسي السائد إلى فشل ليبيا الجديدة».
الروابط القبليّة.. سيف ذو حدّين
القبليّة متجذّرة في التاريخ الليبي، وزعماء القبائل لا ينفكون يتحدثون عن مآثرهم في مقاومة الاستعمار الإيطالي. في حين ما زالت العصبيّة القبليّة تلعب دوراً فاعلاً في المجتمع الليبي، ليس بالأمر المستهجن لدى بعض الليبيين أن يقصدوا زعيم القبيلة طلباً للمساعدة في مشاكلهم، فالزعماء يمكنهم التوسط في فضّ المشاكل بين الأعضاء وحتى في إطلاق سراح السجناء.
من هنا، استغلّ القذافي جيداً النظام السائد بين القبائل خدمة لمصلحته، فعمل على مكافأة القبائل الوفيّة له وعاقب تلك التي لم تخضع لنفوذه، متسبباً بذلك بتعزيز الانشقاقات بين تلك القبائل نفسها. هذا الأمر يجعل التخوّف من أن تعمد القبائل المتناحرة إلى الأخذ بالثأر بيدها مشروعاً. ولكن فيما أشارت تقارير صادرة عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى اعمال عنف وقتل وسرقة ارتُكبت بحق الموالين للقذافي من قبل الثوار، اكد زعماء قبائل الشرق أنها لا تتعدى كونها انتقاماً من أنصار القذافي المخلصين، وإنهم لا يتوقعون انتقاماً واسع النطاق. الأمر الذي يؤكده زعيم قبيلة العجوري ( قبيلة كبيرة في شرق ليبيا ينتمي إليها غالبية سكان بنغازي) خليل محمد الديب بقوله « لن تنجرّ القبائل إلى عمليات ثأرية على نطاق واسع لأن هناك حدثا كبيرا يوحدها اسمه الثورة». وعلى سبيل المثال، يضيف الديب، فإن «محمود جبريل وهو أحد زعماء المجلس الوطني الانتقالي ينتمي إلى قبيلة ورفلّة، وورفلّة معروفة تاريخياً بولائها للقذافي، لكننا ننظر إليه كفرد، وليس كـ«ورفلّي».
وفي وقت حثّ المجلس الوطني الانتقالي المواطنين على تجنب الممارسات الانتقاميّة، معلناً أنه يخطّط لإطلاق برنامج مصالحة وطنيّة تمنع الخلافات القبليّة من الاشتعال، برز السؤال الأهم: هل إن الحكومة الليبية المقبلة ستلغي القانون القبلي؟
قد يكون الاختبار الأكثر حرجاً هو ما إذا كانت سلطة الحكومة المقبلة مؤهلة كفاية لتحل محلّ القانون القبلي الذي كان بمثابة المرجعيّة الوحيدة في ظل غياب المؤسسات. هناك جوّ مطمئن في هذا الإطار، نقله عدد من زعماء قبائل الشرق في تأكيدهم أن هذه الأخيرة ستحافظ على أدوارها الاجتماعية فحسب في الدولة الديموقراطية، وستتنازل عن السياسية منها، مشددين على ضرورة اختيار الوزراء المقبلين وفق مؤهلاتهم الشخصيّة وليس انتماءاتهم القبليّة ، وعلى أن القبائل ستستمر بالاعتناء بأفرادها فيما يخص الرعاية الصحيّة والتعليم وحلّ النزاعات الداخليّة. ولكن قضيّة عبد الفتاح يونس تظل موضع تساؤل شائك.
يُذكر أن يونس كان يشغل منصب وزير الداخلية في نظام القذافي قبل اندلاع ثورة «17 فبراير» التي انقلب على أثرها على النظام وانضم إلى صفوف المعارضة. أسئلة كثيرة أحاطت بحادثة مقتله في 28 تموز الماضي. وفي وقت قد يعتقد البعض أن أنصار القذافي يقفون مباشرة وراء الجريمة، يوجـــه زعماء قبيلة العبيدي أصابع الاتهام في مقتل يونـــس نحو الإسلاميين الذين يشكلون جـــزءاً من الثـــوار، ويؤكدون على أن الجريمة نُفّــذت بالتنسيق مع أعضاء من المكتب التنفـــيذي في المجلـــس الوطني الانتقالي. وقد قام المجلس، على خلفيّة الاتهام، بحلّ مكتبه التنفـــيذي في أوائل شهر آب الحالي استجابة لضغط العبـــيديين، فيما لم يتم تعيين أعضاء جدد بل جـــرى الاتفاق على ان يتولى القدامى تسيـــير الأعمال لمدة أسبوعين.

(عن «كريستيان ساينس مونيتور»)
السفير اللبنانية