المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضرورة إصلاح أنظمة السوق المالية



AnAs
07-11-2011, 07:39 AM
ضرورة إصلاح أنظمة السوق المالية

أسامة سعيد القحطاني

الاختصار في لوائح هيئة سوق المال أدى إلى الكثير من الضبابية وعدم الوضوح في معرفة الأنظمة والتعليمات. وكان من المناسب -كما هو الحال في الدول المتقدمة- أن يُكتب النظام كمسوّدة ويُنشر للعامة، كي يدرسه ويناقشه القدر الأكبر من المختصين

عند الحديث عن هيئة السوق المالية السعودية فإننا نتحدث عن قطاع حكومي، ولكنه ليس قطاعا تقليديا تملؤه البيروقراطية والرتابة التي عادة ما تمتلئ بها القطاعات الحكومية في الفكر التقليدي! حيث أثبتت الهيئة نجاحا ملحوظا في البناء لسوق ناشئ بشكل مهني واحترافي.
هذا النجاح لا يمنع من المراجعة والنقد البنّاء خاصة في هذه المرحلة المبكرة من فترة البناء والتشييد لسوق ونظام مالي متطور.
كثيرا ما أراجع نظام هيئة سوق المال ولوائحه المختلفة بحكم التخصص والممارسة، إلا أنه من الملاحظ توقف الهيئة نسبيا عن مراجعة وتطوير تلك اللوائح. حيث كثيرا ما تُنتقد باختصارها وعدم تفصيلها، وهذا مقبول بالنظر إلى أن السوق السعودية سوق ناشئة، وكثير من شركات السوق لم تعتد على تنظيمات مفصلة ومتطورة، إلا أن الشركات الآن اكتسبت الكثير من الخبرة والوقت مناسب لوضع تنظيمات بشكل أكثر فاعلية وتطورا.
هذا الاختصار في اللوائح أدى إلى الكثير من الضبابية وعدم الوضوح في معرفة الأنظمة والتعليمات. وكان من المناسب -كما هو الحال في الدول المتقدمة- أن يُكتب النظام كمسوّدة ويُنشر للعامة، كي يدرسه ويناقشه القدر الأكبر من المختصين، وربما عقد العديد من ورش العمل والندوات لأجل أن يخرج النظام بشكل أكثر إتقاناً وأقل قصورا.
في موضوع الإفصاح والشفافية على سبيل المثال - وهو موضوع مهم وواسع جدا -؛ نجد أن من أهم ما يتعلق بهذا الموضوع هو الفصل السابع من النظام (المواد 40-48)، والمواد (25-39) من قواعد التسجيل والإدراج، بالإضافة إلى المادة التاسعة -التي أصبحت مُلزمة- من لائحة حوكمة الشركات. بينما نجد أن الإفصاح والشفافية مفصَّلان في لائحة (قواعد) مستقلة - ولا يعني هذا أن جميع الالتزامات فيما يتعلق بهذا الباب موجود في هذه اللائحة - في قوانين وتشريعات هيئة السوق البريطانية على سبيل المثال (The UK Listing Authority or UKLA) وتقع في سبعة فصول (129 صفحة)، وهذا بلا شك ليس معيارا دقيقا للمقارنة إلا أنه يشير إلى مدى الاختصار فيما يتعلق بالتزامات الإفصاح والشفافية في السوق المالية السعودية.
من النقاط التي تحتاج إلى إيضاح في هذا الباب؛ هو أن النظام في مادته 46 يُلزم بالإفصاح عند حدوث أي أمر جوهري لدى المصدر. هذا المصطلح (الأمر الجوهري) الذي تكرر كثيرا في النظام وبُني عليه الكثير من الالتزامات، لم يُعرّف في المادة الأولى الخاصة بالتعريفات ولا في قائمة المصطلحات التي أصدرتها الهيئة (على نحو محدد) أيضا! بالرغم من أن من بين المصطلحات المعرَّفة مثلا (المملكة) التي لا تحتاج إلى تعريف.
هناك إشارة إلى مصطلح آخر شبيه تم استخدامه في قواعد التسجيل والإدراج الصادرة من قبل هيئة سوق المال، في المادة 25، وهو (التطورات المهمة)، وقد تم تعريفه بالشرح والمثال فقط -كما يُعبر أهل المنطق-، وربما يكون من المناسب الإشارة إلى بعض الملاحظات على هذه المادة المهمة.
فمن بين تلك الانتقادات على هذه المادة؛ ربطُ تلك التطورات المهمة بما يمكن أن يحدث من تغيير على سعر الورقة المالية، مع أن ذلك قد يحدث دون أن يحصل تطور مهم، كما أنه ربما يكون هناك تطور مهم ولا تتحرك الورقة في السوق! فهذا ليس معيارا دقيقا، والواجب - ربما- ربط التطورات بما قد يؤدي إلى تغيّر في الأرباح مثلا أو القيمة الدفترية أو غير ذلك مما يكون أكثر دقة وانضباطا.
في نفس المادة المذكورة، الفقرة (ب/4)؛ يظهر انتقاد آخر -للتوضيح وليس الحصر- حيث أشارت اللائحة إلى مثال من بين تسعة أمثلة يجب أن يلتزم المصدر بالإفصاح حال حدوثها. هذا المثال هو "أي تغير كبير في بيئة إنتاج المصدر أو تجارته يشمل على سبيل المثال لا الحصر وفرة الموارد وإمكانية الحصول عليها"، وهذه العبارة ليس كافية كي تكون الالتزامات واضحة. فعلى سبيل المثال؛ في حال ارتفاع/انخفاض أسعار المنتجات، هل يدخل هذا التطور كتغير لبيئة الإنتاج؟ مع أن ممارسة الشركات في السوق -بشكل عام- لا تلتزم بذلك! فنجد مثلا أن أرباح بعض الشركات البتروكيماوية مثلا ترتفع أرباحها بنسبة قريبة من 100%، وكان ذلك مبنيا على ارتفاع أسعار المنتجات، إلا أنه لا يتم الإفصاح عن ذلك عند حدوث هذا التطور!
لنأخذ الفقرة (ب/7) في نفس المادة؛ وهي "الزيادة والنقصان في إجمالي مبيعات المصدر بما يساوي أو يزيد على 10%"، نجد أن البنوك لا تُفصح غالبا عن عدد الفروع التي تم افتتاحها في ذلك الربع مثلا! مع أن تلك الفروع بمجموعها قد ترفع إجمالي المبيعات (أو العمليات فيما يخص البنوك) بنسبة 10%، خاصة تلك البنوك الناشئة التي ربما يغير افتتاح الفرع الواحد في إجمالي (مبيعاته) فضلا عن عدة فروع! ربما دعا إلى هذا التساؤل غموض الفقرة وعدم كفايتها لتحقيق الشفافية.
هناك مادة وحيدة متعلقة بالإعفاء عن الإفصاح، وهي المادة 18 من قواعد التسجيل والإدراج، لم تذكر سوى أنه في حال رأى مصدر أن الإفصاح في مسألة ما سيؤدي إلى الضرر أو التضليل؛ فإنه يحق له التقدم بطلب الإعفاء. بينما نجد أن القواعد البريطانية المشار إليها سابقا؛ فصّلت وبيّنت ضوابط مفصلة للحالات التي يُقبل فيها عدم الإفصاح أو التأخير عن الإفصاح وشروط ذلك، ثم فرّقت بين المعلومات الداخلية التي يُقبل فيها التأخير والتي لا يُقبل.
هناك جانب مهم جدا لم تتطرق إليه أنظمة سوق المال، وهو كيفية التعامل مع الإشاعات التي يتم تداولها في السوق، وما الواجب تجاهها؟ نجد هذا الأمر لا ذكرَ له، بينما هو مفصل في التشريع البريطاني المذكور بشكل واضح، وبيّن واجب المُصدرين في هذه الحالة.
هذه مناقشة سريعة ومختصرة لبعض الانتقادات على نظام ولوائح هيئة السوق المالية، كان القصد منها أن تُلقيَ الضوء على بعض الملاحظات التي لا تنتقص من جهود العاملين في هيئة السوق المالية، بل تَود أن تساعد في تكميلها وإتمامها.