المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاكمة أقطاب الاقتصاد المصري الفارين من العدالة



AnAs
06-29-2011, 09:30 AM
محاكمة أقطاب الاقتصاد المصري الفارين من العدالةالوطن السعودية ـ عبدالعزيز حمد العويشق 28/06/2011



حظيت محاكمة أقطاب الأمن والسياسة في النظام المصري السابق بجل الاهتمام الصحفي، ولكن السلطات المصرية تبدو مصمّمة على مقاضاة أقطاب الاقتصاد والأعمال خلال فترة حكمه، بنفس القوة والحماسة التي توليها لمحاكمة السياسيين ورجال الأمن.

ففي يوم السبت من هذا الأسبوع، قضت محكمة جنايات القاهرة، غيابيا، بسجن وزير التجارة والصناعة المصري في عهد الرئيس مبارك خمس سنوات، وتغريمه نحو (9) ملايين جنيه، لإدانته بالتربُّح والاستيلاء على أموال من صندوق تنمية الصادرات دون وجه حق.

وكانت محكمة جنايات شمال القاهرة قد قضت، غيابياً أيضاً، في أوائل شهر يونيو، بالسجن لمدة 30 عاماً على وزير آخر، هو وزير المالية في عهد الرئيس حسني مبارك، بعد إدانته بتهم تتعلق باستغلال نفوذ وظيفته أثناء توليه المسؤولية، والإضرار بأموال الدولة.

وتنظر المحاكم المصرية، كما تجري النيابة العامة تحقيقات، في قضايا تتعلق بعدد آخر من أعضاء الفريق الاقتصادي، ورجال (وسيدات) الأعمال، بتهم متعددة تتعلق بالفساد وإساءة استغلال النفوذ خلال العهد السابق.

وبخلاف الفريق السياسي والأمني الذي بقي في مصر بعد الثورة، أو لم تتح له فرصة الهرب، وواجه غضب الجماهير ومحاكم ما بعد الثورة، فإن أقطاب الفريق الاقتصادي تمكنوا من الهرب إلى الخارج أو رفضوا العودة إلى مصر بعد الثورة، وكأني بهم قد أحسوا بقرب المساءلة فتفرقوا في مشارق الأرض ومغاربها هرباً من العدالة الثورية.

وقد لقيت هذه المحاكمات تأييداً شعبياً كبيراً، فبسبب الغضب الذي ينظر به الشارع المصري إلى ما جرى خلال الفترة الماضية، فإن المتهمين لا يلقون تعاطفاً من المواطن العادي، الذي لا يهتم كثيراً بتفاصيل المحاكمات أو متطلباتها القانونية لتحقيق العدالة.

أما المنظمات الغربية، خاصة المؤسسات المالية التي تعاملت مع هؤلاء الوزراء في السابق، فإنها تبدي بعض التعاطف معهم، وتتساءل، باستحياء، عن مدى مصداقية "العدالة الثورية" كما يسمونها، وقال لي أحد كبار الصحفيين الأميركيين إنه شخصياً تعاطف مع قرار وزير المالية السابق بعدم العودة إلى مصر، وأقر أنه لم يعرف تفاصيل التهم الموجهة إليه، ولكنه كان يشكك في إمكانية توافر محاكمة عادلة له في الظروف الحالية.

وبلا شك فإن كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته، ومن حق المتهمين أن تتوافر لهم جميع وسائل الدفاع التي يكفلها القانون والمواثيق الدولية، ولكن من السابق لأوانه القول بأن هذين المتهمين على وجه الخصوص لم يتلقيا محاكمة عادلة، ذلك أنهما لم يحاكما حتى الآن محاكمة فعلية حضورية، بل هي محاكمات غيابية، وهذه لها معايير تختلف تماماً عن المحاكم العادية.

وفي الحقيقة فإن القضاء المصري لم يختر، بل اضطر اضطراراً، إلى الحكم غيابياً عليهما بسبب فرارهما خارج البلاد. والحكم الغيابي إجراء فني مقبول في كثير من التقاليد القضائية، ويهدف إلى حفظ الحق العام ومنع سقوط التهم بالتقادم، وذلك إلى أن يمثُل المتهم أمام المحكمة. ووفقاً لتلك التقاليد، فإن الحكم الغيابي يتم إلغاؤه لدى مثول المتهم أمام المحكمة حيث يتم حينها محاكمته حضورياً، ولذلك فإن حقوق المتهمين لم تصادر.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه كما أن للمتهمين حقاً في الدفاع عن أنفسهم أمام التهم الموجهة إليهم، فإن للمواطن المصري حقاً في أن تأخذ العدالة مجراها، بسرعة، لكشف المخالفات التي حدثت في العهد السابق، ومحاكمة مرتكبيها، والاقتصاص ممن تثبت إدانته، وإخلاء سبيل الآخرين.

ولذلك فإن التحفظات التي أشرتُ إليها والتي أبداها بعض الصحفيين والمسؤولين الماليين الدوليين غير مبررة تماماً، وهي تحفظات نابعة من لبس بين التقاليد القضائية المختلفة. فصحيح أن القضاء الأميركي يشترط حضور المتهم في القضايا الجنائية، ولكن القضاء المصري يتبع تقاليد مختلفة تجيز المحاكمة الغيابية، والحكم الصادر عنها ليس في الحقيقة حكماً نهائياً، بل حكم مؤقت يستطيع المتهم أن يلغيه بمجرد حضوره.

ومن النواحي الإيجابية التي تُعطي ثقة في الإجراءات القضائية المصرية أن الأحكام التي أشرتُ إليها قد صدرت من محاكم جنايات عادية، ولم تصدر من محاكم عسكرية أو محاكم طوارئ، مثل ما كان النظام السابق يستخدم أحياناً لمحاكمة خصومه. وإذا استمر هذا النهج بعد مثول المتهمين الفارين أمام المحاكم، فإن الثقة بتلك الإجراءات القضائية ستزداد.

ووفقاً للتقارير الصحفية، فإن السلطات المصرية تنظر حالياً في كيفية إقناع الفارين بالعودة، أو جلبهم بقوة القانون، وحينئذ سيستطيع العالم، وخصوصاً المواطن المصري، المعني الأول بهذا الأمر، التعرف على الحقيقة بشأن التهم الموجهة للفارين، خاصة إذا كانت محاكماتهم علنية وعادلة.

وترسيخ الثقة بالإجراءات القانونية والقضائية أمر ضروري لتعزيز بيئة الاستثمار في مصر، وتشجيع المستثمرين، المصريين والأجانب، على الاستثمار فيها. واهتزاز تلك الثقة سيساهم في هروب رؤوس الأموال، المصرية قبل الأجنبية.