المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القشة التي انتشلت تونس - باسل طلوزي



AnAs
01-16-2011, 09:31 PM
القشة التي انتشلت تونس


باسل طلوزي - الغد


سلاما أبا القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
سلاما أيها التونسي الأصيل، أما بلغتك أنباءُ شعبك وأنت شامخ على جبلك الشاهق:
ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
أراهن أنك رفضت القبور كلها، حيا وميتا، وفضلت أن تأوي إلى قمة تعصمك من "حفر" الطغاة!
وشعبك مثلك يا أبا القاسم، قرر صعود الجبال بعد 28 عاما من العيش في حفر المذلة التي حشره فيها طغيان الأسياد في أبشع صور الاستبداد!
شعبك مثلك، قاده بائع بسطة خضار من ذوي الكرامة التي تأبى الإذلال، فجعل من جسده حريقا مضرما في كل شارع تونسي حتى وصول اللهب إلى أجساد المستبدين، الذين كانوا يهربون مذعورين، بحثا ولو عن "جحر" حدودي ينفذون منه بجلودهم التي أنشب الخوف فيها أنيابه!
أولئك هم الجبناء الحقيقيون يا أبا القاسم.. أولئك هم جرذان الجحور ولو كانوا في زمن الطغيان ينفشون ريشهم كالطواويس، على الشعوب المطاردة بحريتها ورغيف خبزها!
أولئك هم الجبناء الذين يكونون أول من يحمل "منهوباتهم"، ويحاولون الهروب عند أدنى تهديد لتلك المنهوبات والمناصب التي يغتصبونها اغتصابا، ولا يقدمون مقابلها شيئا لشعوبهم غير المزيد من السجون والزنازن كل صباح!
تذكر يا أبا القاسم اسم محمد البوعزيزي جيدا.. شاب فقير جائع، ظنت الشرطية التي صفعته، وهو يلح بتقديم طلب السماح له بالبيع على بسطته، أنها إنما تزاول "عملها الروتيني" مع الفقراء، لكنها لم تعلم أنها صفعت الشارع التونسي كله، الذي بلغ أقصى مراحل التحمل، فجاءت تلك الصفعة كالقشة الأخيرة التي قصمت ظهر الطغاة!.. الله يا أبا القاسم: من قال إن القشة لا تنقذ غريقا!
خذه إليك يا أبا القاسم، فهو لم يمت، لا تدعهم يدفنونه بـ"الحفر"، بل على شواهق الجبال، مثلك تماما، لأنه معجزة الشارع العربي كله، الذي راهن الطغاة على وأده تماما، فاكتشفوا أن عروقه لم تزل نابضة بالثورة!
شعبك "أراد الحياة" يا أبا القاسم، فانزل إليه من جبلك الشاهق، واحتفل معه في الشوارع، كما احتفلت معه بالاستقلال من المستعمر الفرنسي قبل عقود!
لكن لا تتركه هذه المرة يا أبا القاسم، كما تركته سابقا، عندما ظننت أن الاستقلال هو خاتمة المطاف، فجاء من يختطف هذا الاستقلال، ويلعب دور المستعمر، باستبداده وقمعه، وفرض إرادته على الشعب التونسي!
لا تتركه، لأن الخشية ما تزال قائمة من خطف تضحيات هذا الشعب، وتجييرها لصالح فئة قليلة، قد تغريها شهوة السلطة وتعيد مشهد الاستبداد إلى ما كان عليه، وعندها ستمس الصدمة ليس الشارع التونسي فقط، بل الشوارع العربية كلها هذه المرة!
شعبك أراد الحياة يا أبا القاسم، فهلا نزلت من جبلك الشاهق، وأعدت إنشاد قصيدتك الجميلة، لتكون درسا تونسيا خالصا في زمن لا يحفظ غير دروس تل أبيب وواشنطن!