المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اعدام صدام ودموع التماسيح الامريكية



متواصل
12-08-2010, 12:31 AM
اعدام صدام ودموع التماسيح الامريكية










http://www.alquds.co.uk/today/06qpt99.jpg

كشفت وثائق ويكيليكس ان السفير الامريكي السابق في بغداد زلماي خليل زاد شعر بالحرج بسبب الطريقة التي اعدم فيها الرئيس الراحل صدام حسين، خصوصاً قول أحد الحراس له 'اذهب الى الجحيم'، وقيام بعض المتواجدين اثناء تنفيذ عملية الاعدام بالتقاط صور عبر هواتفهم النقالة.
السيد خليل زاد الامريكي الافغاني الأصل، الذي كان في فترة وجوده سفيراً في بغداد الحاكم الفعلي للعراق، شعر بالحرج لأن بعض الحراس تهجموا بطريقة بذيئة وغير انسانية على رئيس يقف امام المقصلة، ولكن لم يكن حاله كذلك عندما اقر المحاكمة المهزلة التي اصدرت حكم الاعدام، او عندما غزت بلاده بلداً سيداً مستقلاً عضوا كامل العضوية، بل عضوا مؤسسا للأمم المتحدة، بناء على اكاذيب وخداع.
فعندما تتعامل امريكا مع اناس طائفيين حاقدين ماذا تتوقع منهم غير مثل هذه التصرفات غير الاخلاقية وغير القانونية، وهي اساساً، اي الولايات المتحدة وحكومتها، لم تتصرف بطريقة قانونية او اخلاقية، وانما بطريقة المنظمات الخارجة على القانون.
السيد منقذ الفرعون نائب المدعي العام الذي حضر عملية الاعدام هذه، قال انه شعر 'بالعطف' على صدام حسين وهو يراه 'يرتجف' في قاعة الاعدام مغطى الرأس، ومقيد اليدين، مشيراً الى انه كان يتصرف وكأنه لا يزال رئيساً.
انه الكذب مرة اخرى، فكيف يرتجف ويتصرف كرئيس في الوقت نفسه، تناقض فاضح لا يمكن قبوله، فقد شاهد مئات الملايين الرئيس العراقي الراحل وهو يتقدم الى حبل المشنقة مرفوع الرأس، مردداً الشهادتين، هاتفاً بحياة الأمة العربية، ومؤكداً على عروبة فلسطين وحريتها.
الرجل رفض ان يرتدي القناع، وسمعنا جميعاً هذا الرفض من خلال التسجيل الواضح، فكيف يقول منقذ الفرعون انه كان يرتجف وهو يرتدي القناع؟
الغريب ان خليل زاد السفير الامريكي، وهو المسلم مثلما هو واضح من اسمه واصله، تساءل عن اسباب اعدام الرئيس الراحل صبيحة عيد الاضحى، وكأنه لا يعرف حجم الإهانة التي يمكن ان تلحق بعشرات الملايين من العراقيين والمسلمين في مختلف انحاء العالم، وكأنه لم يكن باستطاعته تأجيل عملية الاعدام هذه، والكل يعلم ان حكومته هي التي سلمته لجلاديه قبل موعد التنفيذ بساعات معدودة، واستدعت محاميه السيد عبد الودود لتسلم آخر متعلقاته من مصحف كريم وسجادة صلاة وبعض الأوراق الشخصية.
الامريكيون هم الذين سمحوا بالتصوير، تماماً مثلما فعلوا عندما عرضوا نجلي الرئيس الراحل شبه عاريين امام عدسات التلفزة العالمية بعد مقتلهما، حتى يثبتوا للعالم انهما فارقا الحياة. فالمحتل الامريكي كان يريد ان يؤكد ان الرئيس العراقي فارق الحياة، قطعاً لأي شكوك حول استمراره في قيادة المقاومة.
الحكومة الامريكية تتحمل المسؤولية المطلقة ليس فقط عن عملية الاعدام والمحاكمة التي اصدرت الحكم، والتجاوزات التي حدثت في غرفة المقصلة، وانما ايضاً عن كل الكوارث التي لحقت بالعراق، ابتداء من استشهاد مليون من ابنائه وتيتيم اربعة ملايين طفل، ومروراً بتمزيق نسيجه الاجتماعي والجغرافي، وانتهاء بإغراقة في حرب طائفية دموية مدمرة.

متواصل
12-08-2010, 12:38 AM
مخطط تدمير بؤر النهضة في الهلال الخصيب








http://www.alquds.co.uk/images/empty.gif
لم يعد خصيبا فقد تصحر وزحفت الرمال عليه، ولم يعد هلالا فقد تآكل بفعل فاعل وأصبح أقرب لمحاق، بعد أن كان مرشحا ليصبح بدرا، والمحاولات الدؤوبة جارية لمحو بقية المعلم الذي كان هنري برستيد أول من أسس لتسميته (الهلال الخصيب)، من ساحل الابيض ودلتا النيل في الغرب إلى جبال زاجروس في الشرق مرورا بفينيقيا وآشور، اي شمال مصر وفلسطين وسورية (الكبرى)، فسكان دائرة الرمال البيضاوية ايقنوا مبكرا الخطر المحدق بهم في ما لو استمر زحف بؤر هذا القوس الناهضة في هذه البقعة التي بدأت في حصارهم بما يشبه هلالا يحوط بصحرائهم من الغرب والشرق والشمال، هذه البؤر التي باتت تشتعل في القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت، ويشع نورها ثقافة وازدهارا، مسرحا وسينما ومطابع وترجمة وصحافة وشعرا ورواية ونقدا وقطنا وقمحا وسكك حديد وكهرباء، وكانت هذه البؤر تستمد قوتها من الاتصال المباشر بالمناطق المزهرة في العالم الجديد التي بدأت في جني ثمار الثورة التي اندلعت في كل أوروبا وأزاحت في طريقها الهادر كل ما يشتبه في أنه قد يعيق هذه الشعوب عن بلوغ أهدافها في النهضة التي تمنتها ودفعت فيها ثمنا باهظا، وكان سكان الصحراء على يقين أيضا أن أعراق قاطني هذا القوس (وهم حسب الجغرافيا البشرية من الفينيقيين والآشور والفراعنة) هذه الاعراق تكن لهم عداء كامنا بسبب الفارق الحضاري والثقافي الشاسع، بالإضافة إلى حتمية المبدأ الأزلي وهو الصراع المستدام مع كل الاعراق التي وجدت في طريق العرب، من يهود وفرس وروم وإغريق وأمازيغ وقبط ونوبيين وأفارقة وآشور وكلدان (نصيرنا في هذا الطرح هو ابن خلدون)، فلم يتواءم العرب مع أي عرق قبل الاسلام، أما بعد الاسلام فقد وجدوا من التخريجات الكثير لتبرير هذا الصدام مع الجميع، حتى من توحدوا معهم في العقيدة، من هنا بدأ الصراع بين التيارين، تيار النهضة القومي الذي استشرى في الهلال الخصيب وأعراقه التي أشرنا إليها والمجبولة على انماط من الثقافة والرقي يشهد لهم به رصيدهم الحضاري الضارب في التاريخ، وتيار العرب الأقحاح قبائل عدنان وقحطان سكان شبه دائرة الرمال البيضاوية الذين تقوقعوا في وسطها القاحل تاركين آلاف الكيلومترات من السواحل التي تحيط بهم من ثلاث نواح متحدين كل نظريات وقواعد الجغرافيا البشرية المتعارف عليها، التي تستوجب استيطان الشواطئ كأولوية لتسهيل التواصل والتبادل التجاري والمعرفي والثقافي، لكن قليلين هم من اكتشفوا أن السبب الرئيس في ذلك هو هذه العوامل بالذات، فقد كان الخوف من (الاختلاط) هو الهاجس المسيطر منذ فجر التاريخ (وحتى اليوم) باعتباره مكمن الخطر الداهم على عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم، وعدا بعض قبائل ظفار التي تواصلت مع محيطها الجغرافي، سياسة واقتصادا وثقافة، انكفأت بقية القبائل على الاختباء في قلب البادية الجدباء، أما من تطلع منهم لمستقبل أفضل فكان عليه أن يغادر إلى الابد، وحتى هؤلاء عندما غادروا إلى (العالم الجديد) لم يتخلوا عن الهاجس نفسه.
ومنذ أوائل القرن المنصرم تبلور الصراع بين الفريقين، كل يدافع باستماتة عن هويته وثقافته وعرقه، فالعرب ايقنوا أن ثقافاتهم في خطر داهم اذا ما استمر دعاة القومية الساعون لتذويب التضاريس الجغرافية والثقافية الوعرة بغرض إنشاء كيان ينهض على دعائم العدل والمساواة، ولا غرو أن يكون الداعية الاول لهذا التيار هو الشاب المسيحي ابن سورية الكبرى أنطون سعادة، الذي رسم خريطة واضحة المعالم لوطن كبير لو قدر له أن يرى النور لكان أمة عظيمة تملك أربعة انهار وتطل على بحرين ومحيط وظهير صحراوي شاسع وخليط فسيفسائي متفرد من الاعراق والعقائد والثروات وحدود طبيعية صارمة من خليج السويس والبحر الاحمر شرقا وجبال طوروس شمالا والخليج العربي وجبال زاجروس غربا وبحر العرب وخليج عدن جنوبا، ولو تحقق حلم الشاب الثائر في (سورية الكبرى) لتغير وجه التاريخ في هذه المنطقة المنكوبة، وأظن أنه لم يغب عن فكره أيضا أن مستقبل التنوع الثقافي والعرقي والديني في هذه البقعة مهدد اذا لم يلتئم شمله تحت مظلة كيان يحتوي الجميع متساوين في الحقوق والواجبات، لكن أعداءه اجتمعوا عليه مع أنهم كانوا في ما بينهم فرقاء ألداء، فاليهود خشوا على خططهم في إقامة دولة، والعرب خشوا على شبه الجزيرة من أفكار هذا (العلماني الكافر)، أما الفرنسيون المستعمرون فقد نسقوا للجميع كيف يقتلوه، وقتلوا أنطون سعادة كما قتلوا كل من سبقه وتلاه وتجرأ على التفكير في مستقبل أفضل لهذه الامة المظلومة، ومع أنني لست من أنصار التفسير التآمري للأحداث إلا أن أحداثا بعينها تضطرنا اضطرارا لإعادة النظر في المبدأ، نظرا لعوامل تتجمع في الافق أحيانا وتترابط مع بعضها البعض بحيث ينتفي معها أي محاولة لإضفاء رابط العشوائية على تلك الأحداث، فعندما حاول جمال عبد الناصر إحياء نفس الفكرة أي قوس النهضة بعد عقد كامل من قتل أنطون سعادة ومع أول خطوة على الارض اتحد ضده نفس الاعداء وبنفس الاسباب، وفي هذه المرة لم يقتلوا شخصا، بل قتلوا شعبا بأكمله.
وضاعت آخر الفرص الى الابد وحدث ما حذر منه انطون سعادة وتوقعه جمال عبد الناصر تقاتل سكان دائرة الرمال وقسموها بين القبائل، والامريكيون احتلوا نصفها بالقواعد ومنصات النفط، والنصف الباقي بات تحت رحمة الفرس، وتقاتل الشوام وضاعت فلسطين وضاع ما بين النهرين وتشظت سورية الكبرى ومصر سائرة على الدرب بنجاح منقطع النظير، ونجح العرب في طرد اليهود من بلادهم وأهدوهم (هم وليس غيرهم) فلسطين وطنا، وها هم على نفس الدرب سائرون مع بقية الاعراق، قتل وذبح وتهجير لتطهير (بلاد العرب) وليضيفوا (خصلة) جديدة إلى سابق خصالهم التي سردها ابن خلدون بالتفصيل، ابن خلدون الذي عرفناه من أبناء الهلال الخصيب: المصري الازهري طه حسين والسرياني اليسوعي اغناطيوس عبده، الهلال الذي كان يوما خصيبا تربة وثقافة وبشرا ومعتقدا وزحفت عليه الرمال كثبانا كثبانا، وطُمرت مروجه الخضراء وانطفأ بريق بؤر النهضة واحدة تلو الاخرى، احترقت بغداد واحترقت بيروت والبقية في الطريق، ودق الناس أوتاد الخيام واندفعوا داخلها مهللين مهرولين قطعانا قطعانا .

' كاتب مصري