المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ربما - ويكيليكس وعيال العسة



متواصل
12-06-2010, 11:53 PM
ربما - ويكيليكس وعيال العسة

ربما - ويكيليكس وعيال العسة

بدرية البشر


كنت أسمع، وأنا صغيرة النساء وهن يتندرن بحكاية «عيال العسة»، وهي قصة رجل يخرج كل يوم في الليل بحجة أنه يعمل في فريق العسة، وهم رجال يدورون ليلاً على الأحياء لحمايتها من اللصوص والمتسللين. وبعد سنوات طويلة، ظهر أمام زوجته وأبنائه ومعه خمسة من الأطفال، وحين سألته زوجته عن هؤلاء، قال لها هؤلاء أبناء العسة، لتكتشف زوجته أن زوجها الذي ظنت أنه يذهب إلى عمله كل ليلة، كان يقوم بما هو خارج عن مفهوم العمل، مثل علاقة مع امرأة أسفرت عن خمسة أبناء، وحياة سرية في الليل. هذه القصة ذكّرتني بالموقع الجديد «ويكيليكس» الذي سيعلن عن حكايات كثيرة مثل حكاية عمل رجل العسة الليلي للذين يوهمون الناس بأنهم ذاهبون للعمل، وستتطور حكايات فضح الأزواج إلى حكايات فضح الرؤساء ومراكز الاستخبارات العصية على الكشف. سيعلن ويكيليكس عن نهاية حياة الليل والعمل تحت الظلام. وهدد كل يوم بفضح ثلاثة ملايين وثيقة ستتسبب في غضب نصف بلدان العالم، وقد تقوم بينها الحروب، فماذا ستختارون لو أن الأمر لكم؟ أن تبقى الأشياء سرية، أم تدخل الدنيا في حرب بسبب إعلان الحقيقة؟ هل تظنون أن ويكيليكس سيكون فرصة جديدة للعالم يتعلم منها خلع الأقنعة والتخلي عن النفاق ومواجهة العمل بالمسؤولية والوعي بمحاربة الفساد، أم إنها مسألة صعبة حين يصمم العالم كله على الكذب والعلاقات والخيانة وتتحلى الحياة على ملح الكذب؟
الحقيقة تقول انك بالكذب أيضاً تستطيع أن تشعل الحرب، فبوش كان يصيح في الناس بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) جاعلاً من كل حقيقة قنبلة يتوالد منها الكثير من الأكاذيب، وكل رشة طحين تصبح مسحوقاً للجمرة الخبيثة، وكل صيحة إرهابي هي ١١ سبتمبر جديدة. ظل يرفع الإنذار الأحمر للخطر إلى أقصاه، حتى صارت الحرب على أفغانستان والعراق أهون الشرور عند الأميركيين، وها هي خمس سنوات مضت على وفاة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والناس ترى أن العيش في الكذب أهون من مواجهة الحقيقة. فهل الحقيقة مرعبة إلى هذا الحد، أم إن النفاق والكذب هما اللذان يحكمان العالم طوال هذه السنين، ما جعل الأسرار تتراكم، وفضحها مرعباً؟ حين تقوم ثقافة كاملة على الكذب ويصلب العمود الفقري للنظام بالكذب، يصبح قول الحقيقة عملاً سفيهاً ومكلفاً وبعيداً من المنطق والعقل.
لماذا يصبح العيش مع الحقائق أصعب من العيش مع الكذب؟ ولماذا تهدد حقيقة مثل الكشف عن مقتل الحريري العالم العربي، كما تهدد حقائق البنتاغون العالم كله؟
بدءاً من ذلك الزوج الذي يكذب على زوجته في الليل، وانتهاء برئيس أكبر دولة يكذب على شعبه، يصبح عملاً مثل ويكيليكس كارثة أكبر من كارثة انفجار مفاعل نووي.
صاحب ويكيليكس مختبئ، وتلاحقه تهم تقود إلى السجن، لأنه يقوم بعمل أخرق. هذا العمل ليس نوعاً من إطلاق الإشاعات القاتل، بل هو إطلاق الحقائق الموثقة. ومقدرٌ لرجل مثله إما أن يموت جسدياً أو يختفي مشروعه، فالقاعدة التي تقول ان الكذب هو ملح الرجال لا تزال هي نفسها، لذا عليها أن تظل هي ملح ويكيليكس، وإلا دفع الثمن غالياً.