المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلك هي الأسباب الحقيقية لمواقف الحكومة المصرية



متواصل
01-10-2010, 09:09 AM
تلك هي الأسباب الحقيقية لمواقف الحكومة المصرية
10/01/2010

في السياسة غالباً ما يتم اتخاذ القرارات وفق معايير محسوبة تأخذ بعين الإعتبار ما يترتب على هذه القرارات من تداعيات وطالما استهلكت وقتاً وجهداً من قبل الساسة الذين يقومون بدراستها وتمحيصها قبل أن يخلصوا إلى نتيجة مفادها أن تبنيها سيؤدي إلى خدمة المصالح الوطنية وتعزيز الأمن القومي لبلادهم.
على ضوء هذا المنطق حاولت أن أبحث عن الأسباب والدوافع التي تجعل القيادة المصرية تتبنى هذه السياسة العدائية الصريحة تجاه قطاع غزة وسكانه الذين لم يصدر منهم أو من حكومة حماس أي فعلٍ معادٍ لمصر سواء كان حادثاً حدودياً عرضياً كإطلاق نار أو غيره،حتى أن قادة حماس طالما تجنبوا الإستفزازات التي تبادر بها الحكومة المصرية لكي تستدرجهم بها من أجل الحصول على المبرر الذي طالما انتظرَتْهُ بفارغ الصبر كي تعلن عليهم الحرب التي تديرها منذ زمن بدون إعلان.
إن حالة ضبط النفس وقوة الأعصاب التي مارسها أهل غزة وكل شعب فلسطين إزاء سلوك القيادة المصرية قد تجاوزت حدود المعقول أو المألوف فيما هو متعارفٌ عليه من طبائع البشر لو حاولنا تصور ردة الفعل التي يمكن أن تصدر عن إنسان وهو ينظر إلى أخيه الذي هو جاره، وهو يستضيف ويعانق اللص الذي قتل أطفاله واحتل غرفة نومه ومطبخه وحديقته بينما يقوم أخيه ببناء سورٍ بينه وبين ما تبقى من بيته ويمنعه ويمنع أهله من الخروج أو الدخول ليصبح هو ومن تبقى من أطفاله محصورين بين سور أخيه وبين السور الذي بناه اللص،لا بل إنه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يقوم بمنع الجيران الذين بادروا لمساعدة أهل بيته المنكوب المحاصر وحضروالتزويدهم ببعض الطعام والدواء من الوصول إليه لتسليمه المساعدة.
حاولت جاهداً أن أتعرف على المنطق الذي يحكم سلوك هذا الأخ الذي لم أر له مثيلاً بين كافة الأصناف البشرية، لأن كل البشر وبدون استثناء يثورون لرؤية الدماء المتدفقة من الأطفال والنساء، ولا يوجد بينهم من يمتلك الوقاحة الكافية ليناصر من يبطش بأهل أخيه أو حتى جاره الذي لا يرتبط معه بأي علاقة سوى علاقة الجوار الذي قال فيه رسول الإسلام محمد صلَّى الله عليه وسلم أن جبريل قد ظل يوصيه به حتى ظن أنه سيورثه.
لن نخرس يا معالي الوزراء لأن سياط ظلم أهل غزة ستجلد الضمائر حتى لو كانت هذه الضمائر جثثاً هامدة، وسوف تكون قصة غزة أشهر من قصة طروادة،وأشهر من قصة لينينغراد، وسوف تقوم الأجيال بقراءة كل الأسماء، وسوف يقرر التاريخ منازل قادة هذا الزمان وسيقرأون عن غرناطة فلسطين التي ستنتصر لغرناطة الأندلس، ولا بد أن بطون الكتب قد هيأت في رحم هذا التاريخ منازل جديدة لقادة جُدُد باعوا أهلهم وأخوانهم بسعرٍ أقل من سعر غاز سيناء. إنها فلسطين... وفلسطين ليس مثلها شيء،ودروسها البليغة ستَدْرُسها كل شعوب الأرض، لأنها وحدها من سيثبت إمكانية ما بدا يوماً أنه المستحيل، بينما كان غيرها يحاولون إقناع شعوبهم بإستحالة الممكن.
وعندما تشخَصُ الإسئلة ويعلو هديرها في عقولنا وفي قلوبنا وفي كل ما نملكه من أحاسيس فإنها تفيض من أفواهنا بلغة التقيّؤ أحياناً لأنها تندفع بقوة بعد أن حاولنا جاهدين ولكثيرٍ من الإعتبارات أن نكبتها وتمضي لتقول:
ما الذي سيجنيه شعب مصر من حصار غزة فوق الأرض بالنار والإسمنت وتحت الأرض بسور يأجوج ومأجوج الفولاذي؟...لعل هذا أمر سيادي لا يحق لنا أن نخوض فيه.
ماذا سيجني أبناء شعب مصر من هِبات النفط والغاز لإسرائيل التي اعترف جنرالاتها بإعدام المئات من فلذات أكبادهم بطريقة مُذِلَّة عندما جعلوهم يحفرون قبورهم بايديهم في سيناء التي استشهدوا على أرضها وهم أسرى؟... لعل هذا أيضاً أمر سيادي هو الآخر وعلينا أن نبقى خارج السور السيادي العظيم.
ما الذي يجنيه شعب مصر من تشويه صورته أمام شعوب الأرض التي هَبَّتْ بمدِّ شريان الحياة لأخوانهم بينما تقوم الحكومة المصرية بقطع هذا الشريان الذي مدته هذه الشعوب من أوروبا عبر آسيا ليتعرض للقطع في ميناء نويبع الذي جَفَّت ينابيعه في وجه قافلة الإغاثة؟
ما الذي يجنيه شعب مصر وهو يرى ويسمع كيف تبخرت السيادة المصرية عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بعبور حدوده وقامت بقتل المصريين الذين كانوا يظنون أنهم محميون بمظلة السيادة التي تتسع وتضيق حسب جنسية الذي يقوم باختراقها؟ ما الذي يجنيه شعب مصر من تحالف حكومته مع الذين يخططون للتحكم بمنابع نهر النيل ليجعلوا وجوده تحت رحمتهم من خلال تحكمهم بشرايين حياته المتدفقة من النيل الأزرق والأبيض بعد أن يصبحا تحت رحمة الحركة الشعبية التي اقترب انفصالها عن السودان الشقيق وهي التي تتغذى بحبلٍ سري ينبع من تل أبيب؟
سيادة مصر لا يصونها الذين هددوا بضرب السد العالي لإغراقها بمن فيها دون أن يتصدى لهم أحد من الحريصين على السيادة لا تصريحاً ولا تلميحا لأن الذين هَددوا يتمتعون بميزة الفعل والقول ولا يتوقعون الرد من أحد لأنهم يشعرون أنهم العدد الثاني للا أحد.
لعل السبب الوحيد الذي وجدته مناسباً لتفسير هذه المواقف، هو أن الحكومة المصرية وهي المقبلة على مخاض الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة التي يبدو أنها ستكون عسيرةً جداً بسبب بروز شخصياتٍ مرموقة عالمياً وإقليمياً كالدكتور محمد البرادعي وعمر موسى ومباركة هَيكل بثقله الثقافي الكبير ناهيك عن الإصطفافات المكثفة للمعارضة،كل هذا قد جعل الحكومة تعقد العزم على التدخل بشكل مفضوح وسافر في مجرى هذه الإنتحابات،بما في ذلك إمكانية استعمال العنف والقمع والتزوير بشكل يؤدي إلى إحراج العالم الغربي الذي طالما أغمض عينيه عن ممارساتها،وعليه فإنها تريد أن تثبت لتل أبيب التي هي بوابة البيت الأبيض أنها وحدها الحكومة التي يمكن أن تكون الحارس الأمين لأسرائيل وأن تغييرها سيفتح باب الإحتمالات على مصراعيه وقد يؤدي إلى تغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط وربما يعيد رسمها على النحو الذي لا تحب إسرائيل أن تراه في أحلامها ولا في خيالها.
أمام هذا السيناريو ستضطر الولايات المتحدة تحت ضغط إسرائيل إلى الوقوف مع هذه الحكومة وستقوم بإسنادها عبر كافة المراحل الحرجة إلى أن توصلها إلى بر الأمان حتى لو سار فوق الجثث لا قدَّرَ الله.
هذا في تصوري ما يفسر جريان التيار السياسي للحكومة المصرية بالإتجاه المعاكس لغَزة ولشعب مصر العظيم وللأمتين العربية والإسلامية وحتى للإنسانية برُمَّتها.
زياد علان العينبوسي - نيويورك
Zallen1217@aol.com

متواصل
01-10-2010, 09:10 AM
هكذا علمني النظام المصري جدول الحساب
إسماعيل القاسمي الحسني

عليّ في البداية أن أوضح ثلاث نقاط باختصار شديد:
1 ـ حين أصر على تعريفي بالفلاح، فذلك لتنبيه القيادات السياسية العربية، بأن الثورة التكنولوجية في عالم الاتصالات، قد نزلت بثروة معلوماتية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، إلى أضعف طبقات المجتمع، لتوسع إمكاناته المعرفية، ويرقى بفضل أدواتها وعيه بما يدور حوله في العالم.
2 ـ لست هنا بمعرض الدفاع عن حركات المقاومة الفلسطينية، لأنها من ناحية هي في غنى عني ومن ناحية أخرى أرى في ذلك شرفا لا يتأتى لأمثالي بلوغه.
3 ـ لست كذلك في موقع التهجم على السيد حسام زكي، الناطق باسم الخارجية المصرية، ولولا أنه كذلك لما ذكر اسمه في مقال لي ترفعا مني وتعففا، فواقع الحال الذي تعيشه الأمة، وخاصة قلبها الدامي فلسطين أرضا وشعبا، يفرض على كل عاقل منا إذا تناول شأنه، أن يرقى بجد وصدق إلى مستواه. وهنا أقرر بكل أسف أن انهار سقف منظومة القيم الأخلاقية لدى النظام الرسمي العربي، لا يعني بالضرورة أنه وقع على سائر الأمة.
في ليلة 6/1 استضاف برنامج البيت بيتك في قناة 'المصرية'، الناطق باسم الخارجية المصرية رفقة السفير محمد بسيوني رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية بمجلس الشورى، لن أرد على الأخير الذي أكد أن فتح معبر رفح بشكل دائم وطبيعي يعني إضفاء الشرعية على النظام القائم في قطاع غزة، يعني طبعا حماس، وهذا لن تقوم به مصر أبدا؛ وهذا الطرح لم يتفضل به في مقاله بـ'الأهرام' 30/12/2009، حيث اكتفى بتعليل بناء الجدار الفولاذي بأنه منعا لتسلل عناصر القاعدة من غزة ـ ولما لا إسرائيل!- حسب تعريفه، إلى مصر، وعليه يجب الحفاظ على الأمن القومي ؛ لن أرد لأنني سأشعر بسقوط شاقولي حر ومفزع، وإلا كيف يصدر كلام كهذا عن سفير كان معتمدا لدى نظام إرهابي مجرم لقيط (إسرائيل) محتل عنصري، لا يعرف حدودا ولا دولة له وآخر ما صدر فيه تقرير غولدستون الذي يجرم قياداته، ويزعم أنه لن يعترف بشرعية حماس المنتخبة، ألا يعد هذا تدخلا سافرا في شؤون شعب اختار بحرية من يمثله؟ ثم يدفعون بالقول أنهم أسقطوا الشرعية عن حماس بحجة ما يصفونه بالانقلاب، عليهم إذن أن يتبرأوا من الانقلاب الذي قام به جمال عبد الناصر، وليعتبروا نظامه وما ترتب عنه غير شرعي لذات السبب، وعليهم أن يغلقوا الحدود مع ليبيا لأن قائدها كذلك قام بانقلاب غير شرعي وكذلك السودان، إن وصف الانقلاب بغير الشرعي (مجاراة لهم) جريمته لن تسقط بالتقادم، وأولها النظام المصري بعينه. ثم بأي صفة يستضيفون ممثلي حركات المقاومة ويفاوضونهم،؟ بصفتهم مواطنين عاديين بسطاء! فليلقوا عليهم القبض وليزجوا بهم في السجون بحجة أنهم انقلابيون؟ أي سفه هذا وضحالة تفكير.
أعود للناطق باسم الخارجية، الذي كشف في هذا اللقاء أسرارا مذهلة وأرقاما تدعو أي عاقل للتأمل في مضامينها، بأسلوبه المتميز برائحة الكبر المصاحبة لمخارج الحروف، والأسارير المعبرة بدقة عن روح التعالي الأجوف، يعطي منشط اللقاء سرا غاية في الخطورة والأهمية، مستدلا على ذلك بأنه لأول مرة يعلن عليه في وسيلة إعلامية؛ يقول : لأول مرة أعلن عن هذا، خرج من قطاع غزة عام 2009 ما تعداده 75 ألف فلسطيني، وزد على ذلك دخلت القطاع 5000 طن من المساعدات الإنسانية في ذات العام مرت عبر 30 قافلة. هذا ملخص عرضه، جحظت أعين الحاضرين من هذه الأرقام الفلكية، وصيغ الكلام في قالب الترفع عن ذكر ما يقدمه النظام المصري لأشقائه في غزة حتى لا يعد منا وإنما هو الواجب القومي الذي نهض به النظام دون تغطيات إعلامية، ومع كل هذا يتحملون ما يكال لهم من الجهلة أمثالي، الذين يتصيدون أي شيء ولو كذبا وبهتانا سعيا للشهرة والأضواء على حساب مصر، كما فعل جورج غالاوي ورفاقه 'الصيع' على حد وصف السفير الأول. و بما أنني رجل فلاح سطحي التفكير، ولا يملك العلاقات إياها ليعرف من المصادر المعنية دلالات تلكم الأرقام الضخمة، وحتى أكون أكثر موضوعية وواقعية، لم أجد من سبيل إلا الذهاب إلى محطة الحافلات بقريتي الصغيرة، والتي تعداد سكانها 15 ألف (يعني 01' من عدد سكان غزة)، وأسأل مراقب المحطة عن حركة التنقل إلى المدينة المجاورة على بعد 14 كلم، فأعطاني معدل 500 يتنقلون يوميا، يزيد وينقص العدد قليلا، فعدت لأرقام سعادته، وقسمت 75 ألف على أيام السنة، فوقع أرضا عدد 205 أو شيئا من هذا القبيل، لا يحتاج الأمر هنا إلى تعليق.
بعد هذا يأتي الرقم الثاني 5000 طن من المساعدات، والتي ينضوي تحت عنوانها كل الاحتياجات من دواء ومواد غذائية، واعتبرته يشير إلى الدقيق فقط، يعني 5 ألاف طن دقيق، قسمت الرقم الهرم على عدد سكان القطاع، فانتهى الهرم إلى حصيلة تساوي 3 كلغ للفرد على امتداد العام، طبعا سيسارع العارفون إلى القول بأن الانروا تتكفل بـ 800 ألف لا تدخلها في هذا الحساب، طيب بقي 700 ألف، النتيجة7.1 كلغ، يعني ببساطة شديدة 20غ يوميا للفرد، ذهبت أحمل على كتفي هذا الرقم المصري الضخم إلى المدينة المجاورة - أتعبتموني يا أهل غزة- التي يقطنها 150 ألف نسمة، لأسأل أحد تجار الدقيق، وهو واحد من مجموع الخمسين الذي يمارسون تجارة الدقيق(الجملة)، فأحاطني علما بأنه يجلب بمفرده 2500 طن سنويا، يعني رقم سعادته لا يتجاوز رقم تاجرين اثنين في مدينتي التي تمثل عشر سكان غزة، عدت أدراجي إلى مزرعتي كسير الخاطر، وحان وقت الغداء الذي عادة أقدم فيه الأكل كذلك للدجاج، وما بلغت يميني المكيال حتى كاد يغمى عليّ، إن الكيل 200غ للدجاجة الواحدة يوميا، يعني عشرة أضعاف ما يسمح به نظام سعادته لأم في غزة أو أخت أو بنت أو أب أو أخ أو ابن أو جد أو جدة أو حفيد أو حفيدة أو.. أو.. وأوووه زفرة أرسلها حارقة إلى أن أقف بين يدي الله؛ لا وجود هنا للقياس طبعا، ولا داعي للي المعاني حتى تركب عوجا على الكلمات، وأترك للقارئ إن شاء أن يفترض الرقم يعني الدواء أو أي شيء آخر وله أن يقرأه كيفما يشاء أعترف لكم أنني تعبت حقا.
أخيرا، بالنسبة لي هذا جزء من الهم الذي يؤرقني، بل الجزء الأهم والأثقل، لكن في ثنايا هذه المسألة يتخفى استفهام مشروع وجاد: هل هؤلاء الدبلوماسيون المصريون يعون ما يقولون؟ يعني هل هم واعون حقا لما يقولونه على الفضائيات وكل العالم يراهم ويسمعهم؟ لا شك لدي أنهم من بني البشر هذا صحيح كما أنه لا شك لدي أنهم عقلاء، لكن ألا يستحون من الافتخار بتمرير 20 غ من الدقيق لكل فلسطيني يوميا؟ إن كانوا لا يفقهون ما يقولون فتلكم مصيبة مصر، وإن كانوا يعلمون، فلا شك لدي أن المصيبة أعظم.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فلاح جزائري
ismailelkacimi@gmail.com

متواصل
01-10-2010, 09:10 AM
نظامهم ونظامنا بين الليبرالية العتيقة والناشئة
أحمد صالح الفقيه
10/01/2010

من الخطر العيش في عالم نجهل مبادئه والقوانين التي تسيره. وهذه المحاولة لإيضاحها لن تخلو من الوقوع في التبسيط الذي أرجو ألا يكون مخلاً، ولكنها على أية حال محاولة تستحق.
الليبرالية نظام لا يقبل بقيمة قبلية (مسبقة) لأي شيء، فلا مقدسات ولا ثوابت غير السوق والقوانين التي تكفل حريته.
وهو نظام متكامل أساسه قوى السوق. فكما أن السوق هو الذي يحدد قيمة المنتج السلعي أو المالي أو الخدمي، ومن ثم قابلية المؤسسة المنتجة للبقاء والاستمرار، فإن السوق أيضا هو الذي يحدد استحقاق الحزب السياسي لتولي الحكم أو البقاء أو الاختفاء على أساس من إقبال الناس في السوق (المجتمع) على أفكاره، أو انصرافهم عنها.
وفي الميدان الثقافي يحدد السوق أيضا جاذبية الكتاب وأي منتج ثقافي ومدى استحقاق منتجه للاستمرار والازدهار من عدمه بالطريقة ذاتها. ولذلك يمكن القول أن (التسليع) أي تحويل كل ما يتداول إلى سلعة، سواء كان فكراً أو منتجاً سلعياً أو مالياً أو خدمياً أو برنامجاً سياسياً حزبياً، هو جوهر الليبرالية، التي تنتج قيمها الخاصة كالتسامح وقبول الآخر مع ترك مصيره لقوانين السوق التي لا ترحم.
وهذا النظام كأي نظام آخر قابل للإفساد، إما بالاحتكار الذي يخل بحرية السوق، أو بتأثير الدعاية المفرطة التي تصل إلى حد غسل الأدمغة الخ.
وهنا يأتي دور القانون ووسائل الإعلام المؤثرة على الرأي العام للحد من عوامل الفساد، وعكس تأثيرها المضر بالنظام، وهو ما يمكن النظام الليبرالي من التكيف وتصحيح مساره، ومن ثم البقاء والاستمرار كنظام صالح ومفيد لازدهار المجتمع البشري وتجنيبه ويلات الصراعات العنيفة، وهو ما تحقق بقدر جيد من النجاح داخل المجتمعات الغربية حتى الآن.
ويكتسب النظام الليبرالي شرعيته، التي تعني القبول العام به، من السوق الذي يعكس تفويض غالبية الناس وموافقتهم على القوى الحاكمة للنظام، وعلى القوانين التي تسنها. وهو يتيح فرصاً واسعة للتعبير ضمن طيف واسع من الوسائل تمتد من احتجاجات الشارع إلى وسائل الإعلام، وصولاً إلى القنوات الدستورية الشرعية التي لا يتم التغيير والتصحيح إلا من خلالها. ولا يطمح شارعهم ولا يرغب في إحداث تغيير انقلابي خارج القنوات الشرعية، إذ أنه يعتبر ذاته جزءاً من هذه القنوات، وان كان دوره فيها إيصال الصوت والتعبير عن الرغبة الشعبية. ولكن هذا النظام أتاح للمصالح الخاصة السيطرة على وسائل الإعلام والثقافة ذات التأثير الواسع فأصبح عرضة للانحرافات وهو ما سنتناوله لاحقاً.
وبالمقابل تقوم أنظمتنا على التغلب عبر السيطرة على وسائل القمع ومفاصل القوة والثروة في المجتمع من قبل أقلية لا تحوز تفويضاً شعبياً واضحاً. ولهذا فإنها تسيطر على كل القنوات الشرعية وغير الشرعية التي يمكن أن تحدث تصحيحاً أو تغييراً في النظام. ولذلك فإن الوسيلة الوحيدة للتغيير هي الانقلاب أو العنف والحروب الأهلية. فالشارع والثورة والانقلاب هي وسائل التغيير. ولمنع ذلك تعمد أنظمتنا إلى السيطرة على وسائل الإعلام تحسباً من إثارتها للاحتجاجات بما تنشره من حقائق وفضائح قد تؤدي إلى الثورة المسلحة، أو الانقلاب العسكري، أو الاحتجاجات الانقلابية للشارع.
وبينما نرى في المجتمعات الليبرالية الغربية أن أي فضيحة سياسية أو فساد، أو خروج على القانون، يتم الإعلان عنه دون تردد أو قمع، ومن ثم طي صفحاته إعلامياً، وترك تداعياته للقنوات الشرعية الدستورية والقانونية، نجد أنظمتنا تخشى من إعلان هذه الأمور، وتقمع كل محاولة للإعلان عنها، وتعمل على إبقائها طي الكتمان، حتى أن مواطنينا يلجأون إلى الإعلام الأجنبي بغرض الاطلاع على ما يجري في وطنهم ومدينتهم. ولذلك يتراكم الفساد والأخطاء وقد تتعطل التنمية، وبينها ومن جرائها الاقتصاد، وتتدهور معيشة الشعب، وصولاً إلى دورات العنف المتكررة، لأن السلطة تفرض نظام الحكم والمنتج الثقافي والسلعة والخدمة بالقوة.
يغيب القانون وتتحكم الأجهزة الأمنية والمحاكم الاستثنائية ويعطل القضاء، فيعم الخوف أول ما يعم موظفي الدولة، الذين يصبحون هدفاً للتطهير العنيف والأقل عنفاً، ويتردد مصيرهم بين الموت والسجن والتعذيب، والفصل من الخدمة والتشريد.
فيتعملق حثالة من الناس ملئت حقداً، تستغل مثل هذه الأوضاع الكريهة المخيفة لتقدم خدماتها إلى أولي الشأن، وشايات ونميمة وتجسساً، ويصبح لهؤلاء الجبناء الخبثاء هيبة ومكانة، فتنقلب الأوضاع، ويصبح الطريق إلى علو الشأن والمكانة في المجتمع سيء الخلق وأرذله، الذي يقترن عادة بالجهل، وحتى الأمية ويهان العلماء وذوو الخبرة والعلم، ويتسلط عليهم الجهلة، ويقود الخوف والرعب أكثرهم إلى وهاد من الخلق لا تليق بإنسان متعلم وقدير، لو كان وادعاً آمناً في سربه، فتصبح النكبة نكبتين، أو بالأحرى ثلاثاً: نكبة في شأن القيادة التي انحدرت إلى مستوى العصابات، ونكبة في الإدارة التي يتحكم بها أراذل كالوشاة والنمامين وكتاب التقارير،
ونكبة في أخلاق النخبة من ذوي العلم والخبرة، ينحدرون مضطرين إلى مهاوي التزلف والملق، وكل ينتظر فرصة للخلاص بالهجرة إن أمكنته الهجرة من هذا الجحيم، والتي تصبح الطريق الوحيد لخلاص أمثاله من الأحوال المعوجة، فتشرع البلاد في الخلو من أفضل كوادرها، ومقدرات أبنائها لتصبح خراباً بلقعاً تنعق فيه الغربان والبوم.
عقب أخيل الليبرالي
ربما لم يخطر على بال أحد أن سيطرة المصالح الخاصة (الصناعية والتجارية والمالية) على وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية سيسلب الليبرالية قدرتها على الإصلاح.
أحصي كمراقب مهتم منذ مدة دلائل متعددة تشير الى أن الانغلوسكسون (الأمريكيون البريطانيون) بالتحديد، قد اخذوا يفقدون أهم مزاياهم: التنظيم الجيد، والتخطيط الحسن، والتنفيذ البارع. أحد ابرز الأمثلة هو ذلك الفشل الذريع في إعادة إعمار مدينة نيواورليانز ووادي المسيسيبي اللذين دمرا بفعل إعصار كاترينا. ثم تلك الفوضى العارمة إثناء محاولة تشغيل قاعة المسافرين الخامسة في مطار هيثرو بلندن، (شغلت الصين قاعة اكبر واوسع بكثيرفي نفس الفترة بكل سهولة).
ثم ذلك التأجيل المستمر لإعادة اعمار أو تجديد البنية التحتية الأمريكية المستحقة منذ عقود،
إضافة إلى الفشل المريع في إعادة اعمار أفغانستان والعراق، على الرغم من الإنفاق الضخم على كل تلك المشروعات المذكورة أعلاه، والذي ابتلعه الفساد وانعدام الكفاءة، (تمكن نظام صدام حسين من إعادة تشغيل البنية التحتية المدمرة في عدوان 1991 خلال ستة أشهر!) وإضافة إلى ذلك كله تكاثر المشرعات غير المجدية (الأفيال البيضاء) كإنتاج الوقود من الذرة كمثال على عدم الجدوى والتسرع، ومشروعات الطاقة البديلة من الرياح والشمس، والتي لا يتم إنشاؤها حتى تهجر وتتحول إلى خردة لانعدام جدواها اقتصادياً.
وحتى إعلامهم الذي كان المثال المتألق (ورثت عن والدي الإدمان على الاستماع إلى إذاعة لندن بالعربية) لم يعد يشبه ما كان عليه، فالـ'بي بي سي' هذه الأيام والمحطات التلفزيونية والإذاعية الأمريكية أصبحت أشبه بأجهزة الدعاية النازية، حيث غابت المصداقية والموضوعية والتوازن في تقديم الأخبار، وتسيد فيها التحيز ولي عنق الحقائق، وتشويه الأخبار، والتركيز على جوانب مع التعتيم على جوانب أخرى أهم.
وقد نجم ذلك كله من السيطرة شبه الكاملة للمصالح المالية والصناعية على المؤسسات الثقافية والإعلامية الجماهيرية، فشجعت على ترسيخ نمط ثقافي يلائم مصالحها القائمة على النهب والعدوان في العالم، ويبررها ويجملها (اللوبي الصهيوني مثال ساطع) فسادت ثقافة هوليوودية خلقت وعياً جمعياً يخلط بين الحقيقة والخيال، ويشيع تمجيد الذات، ويخلق الإيمان بالمدينة المتألقة أعلى التل (كامليوت) كمثال على حضارتهم.
فأخذ النقد الحقيقي يزاح الى الهامش، ويعامل كمنبوذ، وساد بدلاً منه إعلام وثقافة تحث على الكسل الفكري والإشباع المادي وتشيع الزيف والتمحور حول الذات بصورة مفرطة ومفزعة في آن معاً.
وعلى صعيد الاستخبارات، ظهرت أضخم منظومات المعلومات والاستخبارات في العالم (الانجلوسكسونية) مثيرة للشفقة. فهي لم تتمكن من رصد نذر الثورة الإيرانية، ولا سقوط الاتحاد السوفييتي، كما لم تكشف البرنامج النووي الإيراني السري (كشفه منشقون)، وحتى عمليات الإعداد للضربات الهائلة في 11ايلول( سبتمبر) التي كانت تجري تحت انفها لم تتمكن من رصدها.
وقد كان غزو العراق فشلاً استخباراتياً كبيراً في حد ذاته. بل ان معظم العمليات الجوية المستمرة في العراق وأفغانستان استهدفت معظمها مدنيين طبقاً لما تنقله الأخبار كل يوم ومنذ سنوات، وهذا دليل ساطع على الكسل الفكري وقلة الكفاءة.
أما على صعيد الاقتصاد فإن التراجع مشهور بل إن جوهان جاتلونغ مدير معهد أبحاث السلام في اوسلو يقول: 'الحلم الامريكي قد ضاع وهم في طريقهم إلى السقوط' أما جاك انالي مستشار ميتران فقال مرة 'إن السوق والديمقراطية لا يشكلان أساسا كافياً لتأسيس حضارة، فهما ترتكزان على الإنفرادية (الناتجة عن حكم الحزب الفائز في المنافسة) والتي تعني التراجع والدفاع عن الأمور المؤقتة فقط خشية السقوط في الانتخابات التالية'. ويوضح ما تقدم خطورة الليبرالية المشوهة في العالم الثالث.
وعلى صعيد الأخلاق.. عززت المجازر وإعمال الإبادة الإمبراطورية الرومانية في الماضي، ولم يكن من الممكن لبريطانيا والولايات المتحدة أن تكونا ما هما عليه اليوم بدون إبادة الهنود الحمر، واستعباد الأفارقة ونهب شعوب العالم.
ولذلك فان الفظائع الحديثة كقتل السجناء في قلعة غانجي بأفغانستان وفي الحاويات بالرصاص والاختناق، إضافة إلى ما جرى في كوريا، وفيتنام، والعراق، وفلسطين، هي كلها في صلب تكوينهم السيكولوجي والأخلاقي.
انه نمط ثقافي يعلي القوة على الحق ويبرر الوسائل بالغايات وليس أدل على ذلك من تبريرهم ضرب وتدمير هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية بشراً وحجراً، واستخدام الغازات السامة (العامل الأصغر) في فيتنام الخ.. فقيمة السلوك نابعة من المنفعة التي يحققها فتلك هي قوانين السوق.
ويكبح الرأي العام والقانون سلوك الأنظمة الليبرالية في داخل بلدانها، ولكنها تنفلت في الخارج من كل عقال وكابح، ولا توجهها إلا المنفعة المؤقتة وحدها، مهما كان الثمن الذي يدفعه الغير جراء تلك الأنانية المفرطة.
قال توني بلير في حديث الى فريد زكريا على 'CNN': 'ان ميزان القوة في العالم يميل ويتغير وينتقل بسرعة إلى الشرقين الأقصى والأوسط. ونحن في الغرب ندرك ذلك عقلياً ولكننا عاطفياً لا نزال نكابر'.
وقبل حديث توني بلير تناقلت وسائل الإعلام فحوى كتاب المتحدث السابق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان الذي قال: 'إن البيت الأبيض استخدم الدعاية بدلاً من الحقيقة لتبرير غزو العراق وسايرته في ذلك أجهزة الإعلام'. ولم تكن لتساير لولا سيطرة المصالح الخاصة عليها.
كاتب يمني

zakram
01-10-2010, 10:16 AM
مشكور عميد مع ان التبعية والخيانة والخروج عن الامة هما عنوان النظام المصري في زمن ابو الغيط الرديء