المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأملات في شجون العودة والتوطين!



متواصل
01-10-2010, 01:13 AM
تاريخ النشر : 09/01/2010
تأملات في شجون العودة والتوطين!
اسم الكاتب : د. خالد سليمان

كما نعلم جميعاً، أسفر عن هزيمة الأمة العربية فيما سميتا "النكبة" ثم "النكسة" تشريد الملايين من أبناء فلسطين من ديارهم؛ ليهيموا على وجوههم فيما تيسر من بقاع عربية قريبة، في الأردن وسوريا ولبنان، وغيرها من البقاع العربية، كمصر مثلاً، وإن كان ذلك بنسب أقل بكثير حتى لا تكاد تذكر. حسب القرارات العتيدة للأمم المتحدة، منح من شردوا من أبناء "النكبة" لقب "اللاجئين"، فيما وسم من تبعهم بإذلال أيام "النكسة" باسم "النازحين"، وقد انسحب ذلك على الجميع، بما يتضمن أولئك الذين لجأوا إلى الأردن، الذين لم يحل سريان الاسمين البغيضين عليهم دون التمتع بالجنسية الأردنية، وذلك تحت مظلة الوحدة التي التأمت بين ضفتي نهر الأردن سنة 1950. حيازة القادمين من فلسطين للجنسية الأردنية بصورة دستورية قبل قرابة ستة عقود جعل أوضاعهم تتميز كثيراً عن أوضاع أشقائهم الذين استقروا في بلدان عربية أخرى، فبينما ظل هؤلاء يعامَلون ويتعاملون على أنهم "لاجئين"، وظروفهم تمنعهم من تحييد أو نسيان أو تناسي وضعهم المؤقت كضيوف في بلدان اللجوء والشتات، اندمج معظم أشقائهم ممن غدو أردنيين اندماجاً عميقاً في كيان الدولة الأردنية، هويةً وانتماءاً وعطاءاً ومشاركة. ومع الوقت، ومع تجذر وجودهم وعلاقاتهم ومصالحهم على أرض الضفة الشرقية من دولة الوحدة، خفت الإحساس لدى العديد منهم بأهمية العودة إلى مسقط الرأس في الضفة الأخرى من النهر، وبخاصة مع تنامي الوعي لديهم يوماً بعد آخر باستحالة تحقق ذلك على أرض الواقع، وتحديداً لأولئك الذين يعودون بجذورهم إلى مناطق تم احتلالها عام 1948، وتبدو عودتهم إلى جنات عدن التي أخرج منها أبوهم آدم أسهل بكثير ـ في ظل المعطيات السياسية القائمة ـ من عودتهم إليها. يشير بعض الدراسات إلى الانخفاض الكبير في نسبة الفلسطينيين الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم التي اغتصبت عام 1948، وعلى افتراض صحة ما تقول به تلك الدراسات، فإنه ليس بالأمر المستغرب كثيراً إذا أردتم الحق، فتدني تلك النسبة قد يعود في جانب منه، وكما تقدم القول، إلى تبلور وعيهم بالاستحالة العملية لتلك العودة.
فقد يمكن للاجئين الحديث عن العودة وتمنيها، لكن ذلك يظل من قبيل الأمنيات الحالمة التي لا تقدم أو تؤخر أمام قسوة الواقع وغلظة معطياته. وإذا ما تحدثنا بلسان هذا الواقع الساقط، بالرغم من بؤسه ووضاعته، فإننا لا نتحدث عن ملائكة وقديسين ومقاتلين يترنمون كل الوقت بالحديث عن فلسطين والرجوع إليها، بل نتحدث عن كائنات بشرية عادية تعاني وتنهمك في معايشة يومها الراهن، فتكاد لا تجد وقتاً في أيامنا الصعبة إلا للتفكير في كيفية توفير رغيف الخبز والعمل والتعليم والمسكن والملبس والزواج وتحسين ظروف الحياة البائسة ...الخ؛ ليغدو التفكير بفلسطين والعودة إليها، وبخاصة من جانب الأجيال الصغيرة التي لم تعرفها إلا عن طريق حديث الآباء والأجداد عنها؛ من قبيل الحلم الجميل الذي يخطر بالبال أحياناً على عجل، ويجعله واقع الانهزام والضعف والتخاذل والفقر والقهر العربي يصبح أبعد وأبعد يوماً بعد يوم. نعود إلى الأردنيين من أصل فلسطيني، لنكتشف أن معظمهم قد ولد على تراب الأردن وهم يحملون جنسيته، ومن ثم؛ فإن من غير المقبول؛ دستورياً وأخلاقياً وإنسانياً وعملياً، النظر إليهم أو التعامل معهم على أي مستوى من المستويات بوصفهم مجرد "ضيوف" طارئين عليهم إبقاء حقائبهم معدة للرحيل.
وإلا عنى ذلك التورط العبثي بالسعي إلى إنكار حقائق التاريخ وإعادة عقاربه الى الوراء ستين سنة؛ بغية شطب حقيقة تحولهم الدستوري إلى أردنيين، وطمس حقوق المواطنة التي عاشوها سنوات طويلة تحت مظلة دولة الوحدة بين الضفتين. مئات الألوف، حتى لا نقول الملايين، من الأردنيين من أصل فلسطيني ولدوا في الأردن وعاشوا فيه إلى أن شاب شعرهم، ومنذ نعومة أظفارهم ونحن نقول لهم إنكم أبناء الأردن، بكل ما تحمله العبارة من معنى، فكيف سنقنع هؤلاء الآن بالتخلي عن ماضيهم وإلغاء تلك الهوية التي غرسناها في أفئدتهم وشبكناها بوجودهم كله بجرة قلم!؟ وهنا دعونا نتساءل بربكم، بعيداً عن المزاودات والشعارات والمثاليات والكذب وخداع النفس والناس: هل ترون أن من العدالة أو المنطق أن نطالب أحداً بالتخلي عن أرض شهدت ولادته وملاعب طفولته وتجارب صباه وعنفوان رجولته واستقرار كهولته، حتى وإن كان يحن بمنتهى الشغف إلى مسقط رأس آبائه وأجداده، في حنين قد لا يتعدى في واقع الأمر نطاق التطلعات الرمزية الحالمة، التي ربما فرضتها


ففي الولايات المتحدة مثلاً، وعلى الرغم مما يتمتع به القوم هناك من تقدم علمي، لم يخترعوا أجهزة للكشف عن مستوى ولاء المواطنين وانتمائهم لأمريكا، بالرغم من التعدد الفسيفسائي في منابت الناس وأصولهم. فما يهمهم هناك، كمجتمع يسعى إلى تحكيم القيم الديمقراطية في تسيير شؤونه، وما ينبغي أن يهمنا هنا نحن أيضاً، هو السلوك الفعلي للمواطنين، ومدى التزامه بأحكام الدستور والقانون. فحتى وإن لبس أمريكي من أصل إسكتلندي الإزار التقليدي لأجداده وحمل العلم الإسكتلندي و"القربة" وجال في شوارع واشنطن يعزف ويردد الأغنيات الرائجة في بلد أصله البعيد، فإن أحداً لن يغضب منه أو يؤاخذه أو يتهمه بخيانة أمريكا، بل ربما انضم إليه الناس مصفقين ابتهاجاً بما يرون، فأمريكا لن تتحول حتماً إلى إسكتلندا بسبب ما يفعل! ما دام المواطن، أياً يكن أصله، يلتزم بالدستور والقانون، ويعمل بشرف وأمانة وإخلاص لخدمة الوطن الذي يعيش فيه؛ دون أن يهدد مصالحه بشكل أو بآخر، مؤدياً ما عليه من واجبات، فهذا يكفي لإثبات صدق مواطنته حسب ما تمليه قواعد المواطنة؛ وأظن أن العمل المخلص لخدمة الوطن وأهله بأمانة وتفان هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي اعتماده للدلالة على الولاء والانتماء؛ إذ إن هذا هو المعيار المعمول به في دول العالم المتحضرة التي تؤمن بالفعل بمفهوم المواطنة، فأي منطق هو ذاك الذي يستند إليه الذين يريدون النبش عما يدور في ضمائر الناس وقلوبهم للتحقق من صدق مواطنتهم!؟ ثم إن الإصرار على المطالبة بضمان حقوق المواطنة كاملة من غير انتقاص أو تمييز أو محاباة، بغض النظر عن الأصل أو الدين أو الجنس، لكل من يحمل الجنسية الأردنية ـ وهذا ما ضمنه الدستور الأردني فعلاً ـ لن يكون في صالح الأردنيين من أصل فلسطيني فحسب كما قد يتوهم البعض، بل سيصب أيضاً بالضرورة في مصلحة كل أردني مهما كان أصله؛ إذ سيصب في مصلحة ملايين الفقراء من أبناء القرى والبوادي والحواضر الفقيرة الذين لا يندر أن تهضم حقوقهم لعدم انتمائهم إلى عشائر كبيرة، أو لعدم امتلاكهم واسطة تدعمهم أو ظهراً يسندهم، وسيصب كذلك في مصلحة ملايين النساء اللواتي ينظر إليهن حتى الآن في كثير من الأحيان كقاصرات يحتجن إلى وصي مهما علا شأنهن! فلسطين ستظل فيما أؤكد هوية نضالية عربية وإسلامية وأممية رحبة إلى أن يتم استرجاعها كلها من بين أيدي الصهاينة الأوغاد، وآخر المؤشرات التي تثبت صواب هذا الطرح هو مئات الأجانب، ومن بينهم بعض اليهود الغربيين، الذين أتوا من أقاصي الدنيا مع قافلة (شريان الحياة) باتجاه غزة المحاصرة، فجاءوا يحملون هوية فلسطين ويرفعون أعلامها ويتحلون بأوشحتها، دون أن يتهمهم أحد بخيانة أوطانهم أو التخلي عن أصولهم. فلماذا لا نتعلم من هؤلاء ونتخذ منهم قدوة لنا إذا كنا نحب فلسطين بالفعل!؟ وما بال بعض أبناء العروبة يتصرفون وكأنهم يعانون من انفصام أخلاقي؛ فيزعمون بألسنتهم هيامهم بفلسطين واستعدادهم للتضحية بالمهج والأرواح من أجلها، بينما يعبر سلوكهم الفعلي عن كراهية أبناء فلسطين ورفض منحهم حقوقهم المشروعة أو حتى وجودهم بينهم!؟ من المحزن والمؤسف والخطير ـ وأنا أتحدث هنا عن قاعدة أخلاقية مبدئية وعامة ـ أن نصرّ على حرمان ملايين المواطنين من حقوقهم وعدم معاملتهم بما ينبغي أن يعاملوا به من عدالة ومساواة وتكافؤ فرص، ورهن تصويب هذا الوضع المختل والمشين والمتعارض مع الدستور والأخلاق بحدوث ما قد لا يحدث في حياتنا جميعاً.
إننا بإصرارنا على ذلك نفكر ونتصرف كذاك البخيل اللئيم الذي يحرم أطفاله من التمتع بحياة كريمة بانتظار انتهائه من جمع مليار دولار، دون أن يدرك البائس أنهم سيموتون والقهر يفتك بهم قبل أن يتحقق ذلك الحلم البعيد! فلسطين أيها العرب، كما هو واضح وجلي، لن تعود اليوم أو غداً أو ربما خلال القرن الحادي والعشرين كله، حسب ما هو متوافر من أوضاع ومعطيات وقراءات. ب
انتظار عودتها ـ ومع أننا لا نفعل شيئاً جدياً من أجل ذلك، لأننا لا نريد ذلك أو لا نستطيعه أو نزعم أننا لا نستطيعه ـ فليس أقل من أن نترفع عن التعصب والإقليمية والأنانية والشح والجشع، وأن نستجيب لما تفرضه علينا مبادئ الإنسانية والعروبة والأخلاق والشرائع السماوية والأرضية، فنعامل الذين نكبوا من أبناء فلسطين معاملة الإخوة بالفعل، فنتوقف عن إذلالهم وتعييرهم والمن عليهم والتشكيك فيهم والشماتة بهم، فهذا أضعف الإيمان لو تعلمون!
د. خالد سليمان sulimankhy@gmail.com