المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قــراءة في « يوميــات ثيــودر هــرتزل



متواصل
12-30-2009, 09:39 AM
هرتزل: الناس لا يسيرون خلف اللصوص وإنما يسيرون ويثقون بالذين يمتازون بالنزاهة والعفة والبعد عن السوء
قــراءة في « يوميــات ثيــودر هــرتزل»
تاريخ النشر : 27/12/2009 - 07:27 م


قسم الدراسات



يتناول الدكتور فرج الله في الجزء الاخير من قراءته مذكرات هرتزل، المنهج الذي اتبعه، وهو منهج يجمع بين الصدق والاخلاص والتفاني في العمل، خاصة عندما يتعلق الامر بالتعامل مع بني قومه وبين الكذب والخداع، وفي ذروة سنام هذا المنهج تقف الغاية كمبرر للوسيلة، وعلى الرغم من منهجه المنحرف الا ان الارادة التي تمتع بها الرجل وايمانه المطلق بقضيته وامكانية تحقيق هدفه كان اكبر من كل التحديات التي واجهته، وقد تجاوز مستوى تحدي الواقع لتحدي ذاته، ففي خضم ذلك كله نجد لديه رغبة قوية في مكافحة الانا والعجب بالنفس وهو امر غريب يعكس مقدار ايمانه بقضيته. ويعلق الدكتور عبدالله فرج الله على ذلك بالقول: «الحكمة ضالة المؤمن.. ونحن اليوم كأمة بحاجة إلى زعامات حقيقية تملك الإرادة الحقيقية، والعزيمة القوية، والرؤية الثاقبة، والبصيرة النافذة، القادرة على أن تصنع من المستحيل ممكناً، وتجعل من الصعب سهلاً»، وفي النهاية فانه على الرغم من كل العلل والامراض التي كان يعاني منها اليهود الا ان رجلا واحدا تمكن من ان يحدث فرقا، فكيف الحال بالامة الاسلامية التي تملك من المخزون الفكري والاخلاقي ما يمكنها من انتاج ما هو افضل بكثير من هرتزل، وقد رأينا نماذج على ذلك كالشهيد احمد ياسين، ولذلك اقول بتواضع شديد: ان هرتزل يتحول الى (قزم) امام شخصية كالتي ذكرت وهذا ما يؤرق قادة الكيان الصهيوني.


د. عبدالله فرج الله

امتاز الرجل وهو يحمل هذا المشروع الكبير بحماسة كبيرة، وفخر عظيم، أنه أو من فكر به، وحمله: "إنه لمن حسن حظي، ومما سيفرح والدي في كبرهما، ويشرف أحفادي أنني فكرت بهذا المشروع”. ويتحدث عن نفسه والمشاعر التي تخالجها، وهو في بداياته بقوله: “أنا اليوم رجل وحيد منزو، ولكن ربما أصبحت غداً الزعيم المفكر لعشرات الألوف، وعلى أي حال، فأنا المكتشف والمعلن لفكرة عظيمة”.
نلاحظ أنه لم يكن أسير لحظته، بل كان مفعماً بالأمل، مصمماً على النجاح، فقد كان الرجل ذا إرادة كبيرة، حتى قال: "إذا أشرت بأصبعي إلى مكان، وقلت: لتقم هنا مدينة، ستقوم هناك مدينة”، ولا أعتقد أن هذا غرور، وإن كان يحتمل ذلك، إلا أن أصحاب المشاريع الكبيرة، لا يمكن أن ينجحوا ما لم يحددوا أهدافهم بدقة، وبصرامة ووضوح، وإلا ستبقى حركتهم أسيرة المعطيات والمتغيرات، تخضع للتقلبات، وتستسلم للعقبات، دون أن تحاول القضاء عليها، أو تعمل على تجاوزها..
ثم تراه يحمل إيماناً كبيراً بعدالة قضيته، وضرورة مطلبه، وجدية مسعاه، إنه جاد، قد تسلح بالإيمان الكامل والمطلق، الذي يه سيتجاوز التحديات الداخلية والخارجية، ويعمل لينتصر عليها، ومن هنا لم يتردد وهو يتحدث عن هذا المشروع الحالم، ويقرر: “إن الدولة اليهودية ضرورة عالمية، سيصلون من أجلي في المجامع اليهودية، وكذلك في الكنائس المسيحية".
إنه متفان في قضيته، مخلص في حملها: "أعتقد أن تأثيري كزعيم يعود إلى أني أنا الذي عمل وله أخطاء كثيرة، ككاتب، وكإنسان، دائماً نقي القلب، ومتفان في القضية الصهيونية" .
وبمثل هذا التفاني والنقاء تنجح المشروعات الكبيرة، ولفرط حماسته لمشروعه، فإن صورته بعد التحقيق واضحة في ذهنه تمام الوضوح، ما يدل على تكامل المشروع عند الرجل، فكرة وواقعاً، فها هو يتحدث عن الدولة بعد قيامها، بقوله: “ستكون الدولة اليهودية شيئاً عظيماً، إن البلد الذي يعمل سبع ساعات في اليوم، لن يكون بلداً نموذجياً للتجربة الاشتراكية، ومتحفاً لكنوز الفن، فحسب، بل سيكون البلد الأعجوبة للمدنية بأسرها، سيكون قبلة العالم المتمدن، يزوروننا كما يزورون لورد ومكة وسد جورة”.
فهو يسعى إلى مجتمع عامل، يؤثر العمل على القعود، والتعب على الراحة، والإبداع على التقليد، والإنتاج على الاستهلاك، والتصدير على الاستيراد..
فتراه يمني نفسه بالمستقبل، حتى لا تيأس، أو تتراجع، بل تبقى ماضية في سبيلها، وإن لم يكن لها نصيب غير إيقاد شمعة البداية، أو تعليق الجرس، والتأسيس لهذه الفكرة "سأترك بعدي تراثاً روحياً، لمن؟ لجميع الناس، وأظن أني سأذكر مع أعاظم الذين أسدوا خيراً للبشرية” .
في هذا الجزء من القراءة نقف عند أهم ملامح منهج الرجل في عمله، لتحقيق غايته وهدفه..

منهجه في العمل
رأيت من المناسب أن أجعل المنهج في قسمين، القسم الأول منهجية شخصية، ألزم من خلالها نفسه بأمور، رآها ضرورية لنجاحه، واستمراره في العمل، والقسم الثاني منهجية عامة، لضبط مسيرة العمل بعمومه..

أولاً: على الصعيد الشخصي
التسلح بالإرادة والعزيمة
من خلال الحديث في جزأي القراءة السابقين، تأكد لنا هذا بشكل واضح وجلي، أن الرجل قد تسلح بإرادة قوية، الأمر الذي جعله يصمد أمام كثير من العقبات الداخلية والخارجية، التي سعت لإفشاله، والحد من نشاطه، إيثار العمل والقيام بكل المهمات ولو كان وحده:
وهذا ما أشار إليه كثيراً، وفي مناسبات متعددة، أنه كان يعمل وحده، والذي لا يقوم به، لا يقوم به أحد، ولهذا آثر أن العمل على سواه، حتى يتسنى له الإنجاز، وهذا ما أكده بقوله: “ما لا أفعله بنفسي لا يفعله أحد”. و"سيترك عمل كل شيء عليَّ وحدي”، و"لا أحد يساعدني”، وفي حديثه عن الجريدة يقول: "أعمل في إعداد الجريدة الجديدة إلى حد الإرهاق والانهيار... وهكذا فإن الجريدة كلها تقوم على قدميَّ أنا”.

النزاهة والعفة
ألزم نفسه بهما، وهو يحمل هذا المشروع، وذلك لأنه لا يليق بصاحب المشروع، الرائد القائد، أن يكون لصاً سارقاً، يرتع بما يرتع به عامة الناس، لأن هذا سيؤدي إلى فساد المشروع، وانتهائه تماماً، فالناس لا يسيرون خلف اللصوص.. وإنما يسيرون ويثقون بالذين يمتازون بالنزاهة والعفة، والبعد عن السوء، وهذا ما أكده بقوله: "كنت أستطيع أن أجمع ثروة لنفسي أثناء إدارتي لهذا المشروع العظيم، تماماً كما جمعت أصحاب الملايين".

الابتعاد عن العجب والغرور
لأن فيه فساد الأتباع وانفضاضهم، فلذلك تراه يؤكد على ضرورة الابتعاد عن العجب والغرور، مهما كانت النتيجة، التي يتوصل إليها في عمله "عليَّ الاهتمام بنفسي حتى لا يستحوذ عليها شدة العجب والتيه، وجنون العظمة، إذا نجح المشروع، وإن لم ينجح، فالكتابة هي مجال التنفيس لي" .
المجاملة والكذب والخداع:
كان يجامل ويكذب ويحاول الخداع، حتى مع بني قومه اليهود، يقول بعد إحدى زياراته: "زرنا مستشفى يهودياً اليوم، كله بؤس وقذارة، ومع هذا فقد كان عليَّ من أجل التظاهر فقط، أن أشيد بنظافته في سجل الزوار، هكذا تخلق الأكاذيب" .

الغاية تبرر الوسيلة
كان لا يستنكف عن اللجوء لاستخدام أي وسيلة، ما دامت تخدم فكرته، وتقربه من تحقيق غايته، فلا أخلاق تحكمه، ولا معايير تحدد مسيرته، همه أن يصل إلى غايته، بغض النظر عن سمو وسيلته، أو سلامتها، وهذا ما أشار إليه بقوله: "يجب أن يستعمل الإنسان أية وسيلة للوصول إلى غايته".

ثانياً: على الصعيد العام:
أولاً: محاربة مظاهر اليأس والمعارضين:
حتى لا يتفشى خطرهم، ويؤدي إلى إشاعة روح اليأس والإحباط في الصفوف، فلذلك كان حرباً على معارضي مشروعه، شديداً على اليائسين البائسين، وفي ذلك إشارته: "أريد أن أحارب المعارضة، وأحرك اللامبالاة، وأساعد اليائسين، وألهم شعباً مغلوباً على أمره، منحط المعنويات، أريد أن أختلط بالأسياد في العالم” هذا الكلام كتبه في 1895م، وفي 2/ 9/ 1898م كتب يقول: “تلاشى المعارضون في المؤتمر بجلبة كبيرة، وكان لاندو بمعارضته مدعاة السخرية، لم أحتج لأن أدمرهم.. لقد فزت على أبناء العواهر الجالاسيين”.
أي بعد ثلاث سنوات فقط استطاع الرجل أن يخفت الأصوات العالية، التي كانت تعارض مشروعه، وربما استطاع أن يجلبها إلى صفه، في حمل المشروع، ما يدلل على أن الرجل كان قد حدد خطواته، فبعد أن وضع الأهداف، اختار لها الوسائل المناسبة التي تعينه على تحقيق تلك الأهداف.

ثانياً: صناعة البشر وإعادة تأهيل اليهود:
كان واضحاً عند الرجل أنه بحاجة إلى رجال يحملون المشروع معه، ولا بد أن يكون هؤلاء الرجال على طراز خاص، تفتح لهم الأبواب، ويوسع لهم في صدر المجالس.. يقول بهذا الصدد: “أختار أناساً فقراء في ثياب مهلهلة، ومن الشوارع، وألبسهم الأثواب العظيمة، وأجعلهم يقدمون للعالم رواية جميلة من تأليفي”.
وبصدد العمل على إعادة تأهيل اليهود، يقول: " سواء بقي اليهود في مكانهم، أو هاجروا يجب تحسين هذا الشعب، بأسرع ما يمكن، يجب أن يقووا كما لو كانوا يستعدون لحرب، وأن يشجعوا على العمل والفضيلة، ومن ثم يهاجرون، إذا كان ذلك ضرورياً".
ويضيف مخاطباً المليونير اليهودي (هيرش) الذي كان يشرف على هجرة اليهود إلى الأرجنتين: “لتقوم بهذا التحسين تستطيع أن تستخدم مواردك أفضل مما قد فعلت حتى الآن، بدل أن تشتري اليهود واحداً بعد واحد، يمكنك أن تقدم جوائز كبيرة، في البلدان اللاسامية الرئيسية، على أعمال خارقة، مثلاً أعمالا تنم عن جمال معنوي، أعمال شجاعة، وتضحية وتصرف مثالي، على الإنجازات البارزة في الفن والعلم، تقدم جوائز للأطباء في حالات انتشار الأوبئة، ولرجال الجيش وللاكتشافات والاختراعات التي تفيد المصلحة العامة، مهما كان ذلك، وبكلمة موجزة، جوائز لكل ما هو عظيم. مثل هذه المكافآت لها فائدتان، التقدم لكل إنسان، ألا ترى أنه إذا كان العمل المستحق للمكافأة عظيماً، سيكون مدار حديث في كل مكان، وبهذا يعلم الناس أن هناك يهوداً مبرزين، وإن كثيراً منهم كذلك”.

ثالثاً: المال والرشوة
اتخذ من المال وسيلة مهمة ورئيسة في تحقيق غاياته، والوصول إلى تحقيق تطلعاته، والتأثير على الآخرين، أفراداً، أو حكومات، أو دولاً.. الذي كان يعرض ويقدم على شكل قروض أو مساعدات أو رشوات.. ففي تركيا يؤكد على هذا بقوله: “أن نعمل جهدنا لإحراز بعض النجاح المبدئي، عند الناس في القصر وفي الباب العالي، سأحاول أن أحملهم على أخذ قرض بمليون أو مليونين، لأني لا أعتقد بأن مثل هذا العمل يعرض مشاريعنا المستقبلة للخطر، سنرمي هذا المال في بئر لا قاع له، ولكننا بذلك نرسخ أنفسنا ونصبح محبوبين".
وفي مقام آخر يقول: "يجب أن نؤثر على جمهوريات أميركا الجنوبية بالمال، يمكننا أن نعطيهم مساعدات مالية سنوية، ولكن لمدة عشرين سنة فقط، إلى أن نصبح أقوياء، نستطيع أن نحمي أنفسنا، وإلا أصبحت هذه ضريبة لا تناسب كرامتنا في المستقبل، أو قد يسبب توقفها حرباً”.
في شهر أيار (مايو) سنة 1901م، بعد أن التقى السلطان في اسطنبول، وأمام القصر أخذ يوزع البخشيش، وفي هذا يقول: “غادرت الصالون، وفي الخارج كانت أياد كثيرة تمتد نحوي، طلباً للبخشيش، فوزعت عليها قطع ذهب، ... وهناك أيضاً حصل عراك على طلب البخشيش، والتم جمع حول عربتي، فوزعت ما كان لديّ من نقود".
وفي زيارته الرابعة لاسطنبول سنة 1902م يقول: “امتدت إلي عدة أيد بقبضات مفتوحة، قبل أن أصل بوابة..... وأظن أن سمعة كرمي قد ازدادت بفضل هذه البخاشيش الصغيرة”.
ثم تراه يلخص هذا المنهج في العمل بقوله: “إن أحد فنون العمل عند الزعيم العظيم، أن يسمح لنفسه بأن يسرق”.
فهو يرى في هذا الأسلوب الأمثل للمحافظة على الصداقات، وتحقيق بعض الأهداف والغايات.. “سنحافظ على صداقتها (يقصد حكومات أميركا الجنوبية) بالهدايا والرشوات والقروض” .

رابعاً: استغلال الدين
يعترف هرتزل بأنه لا يوجد لليهود لغة واحدة، غير أن (الدين) هو العامل الوحيد الذي يمكن أن يوحدهم، فقد كتب في 15 /6/1895م: " قد يظن البعض أن عدم وجود لغة واحدة لنا سيسبب لنا متاعب، لا نستطيع أن نتحدث بالعبرانية، من يستطيع أن يطلب بالعبرانية تذكرة قطار، لا أحد، لكن الأمر بسيط، سيحافظ كل منا على لغته، أنا يهودي هنغاري يتلكم الألمانية، لا يعتبروني اليوم ألمانياً، ... ليبق كل واحد منا جنسيته المكتسبة، ... ففي سويسرا البرهان الحي على أنه يمكن لدولة فدرالية مؤلفة من جنسيات مختلفة أن تقوم... في الحقيقة إن الشيء الوحيد الذي ما يزال يجمعنا هو إيمان آبائنا... الإيمان يوحدنا".
وكتب إلى هيرش المليونير اليهودي يقول: "صدقني إن سياسة شعب بكامله، خاصة إذا كان متشرداً في أنحاء الدنيا، يمكن تحقيقها بواسطة هفاف في الهواء خفيف.. ماذا؟ ألا تفهم معنى الهفاف؟ ما هو الدين إذن؟!".
وكتب متحدثاً عن جيش الدولة بعد قيامها: "خلال عشرين سنة، وقبل أن تظهر، يجب أن أدرب الشباب ليكونوا جنوداً... سأعلمهم جميعاً أن يكونوا أحراراً، أقوياء، مستعدين أن يتطوعوا للخدمة عند الحاجة، وسيكون التعليم عن طريق الأناشيد الحماسية، والمكابيين، والدين، والمسرحيات البطولية، والشرف وغيرها”.

خامساً: محاربة المختلسين
الذين يتخذون من المشروع وسيلة إثراء، يزيدون به ومن خلاله أرصدتهم، وثرواتهم.. لقد كان شديداً على أمثال هؤلاء، حتى لا يفسد المشروع، وحتى يبقى يسير سيراً صحيحاً في تحقيق غاياته وأهدافه،.. فيقول: “ويل للمختلسين، إذا ما حاولوا أن يزيدوا ثرواتهم على حساب القضية اليهودية، سوف نعاقبهم أقسى عقاب، يشمل حرمانهم من الحقوق المدنية، وحق التملك”، ليس هذا فقط بل يضيف: "سيتعرضون إلى أحكام تأديبية، مثل تنقيص في الرواتب، أو نقل ...الخ، إذا أهملوا الشكاوي القانونية، أو لم يحكموا بالعدل،.. كل مقاول يحاول ربحاً غير مشروع يعزل، والعزل لا يكون فقط بخسارة وظيفة جيدة، إنما بخسارة حقوق مدنية لمدد من الزمن متراوحة”.
سادساً: تكريم العاملين:
في مقابل محاربة المختلسين، الذين يركبون الموجة، وهم ما جاؤوا إلا لذواتهم، وتحقيق مآرب شخصية، لا بد أن يتم تكريم المخلصين الذين يحملون المشروع بصدق وإخلاص ”أحب أن أراكم تكرمون زعيماً لأن ذلك ضروري لعمله، إذ يكشف له عن ثقة الجماهير به، إلا إذا كان في ذلك حب للظهور، غير أن الإكثار منه قد يضره، أنا أحب أن أكرم، ولكن لا أحب أن يتملقني أحد" .

سابعاً: السرية والكتمان:
كتب في 16/6 /1895م يقول: "سنعمل في البدء لأنفسنا ومع أنفسنا، في منتهى السرية". وهذا ما طلبه من صديقه جودمان: "اسمح لي هنا أن أرجوك رجاء حاراً، بأن تكون مراسلاتنا، وجميع خطواتنا المقبلة سرية تماماً، إن الأمر خطر جداً، ويمكنك أن تعرف هذا من أنني لم أخبر حتى والديّ وأقرب أقربائي".

ثامناً: تأسيس بنك
وهذا يعني اهتمامه الشديد، وحرصه البالغ بالجانب الاقتصادي، لإدراكه أهميته القصوى في خدمة مشروعه، فالمال عصب الحياة، فلا بد من توفير مصادر مالية مناسبة، تحفظ استقلالية مشروعه، الذي كان حريصاً على أن لا يجير لأصحاب الأموال، أو يكون محل مساومة من قبلهم، فكتب عن البنك وتأسيسه قائلاً: “إن إقامة البنك هو الأمر الذي سيبرزنا إلى الوجود، يجب أن نخلقه، إما بمساعدة الرؤوس الكبيرة أو بالرغم عنهم”.
ويضيف: "يجب أن يصبح بنك الاستعمار اليهودي البنك اليهودي الوطني، إن ناحيته الاستعمارية يجب أن تكون واجهة عرض فقط، يجب أن نخلق أداة مالية قومية”.

تاسعاً: تأسيس جريدة
إيماناً بأهمية دور الإعلام في خدمة قضيته، والإعلان عن حركته، دأب على تأسيس جريدة تحمل هم الحركة، وتسعى في سبيل القضية اليهودية، فبذل في سبيل تأسيسها جهداً عظيماً، يحدثنا عنه بقوله: “أعمل في إعداد الجريدة إلى حد الإرهاق والانهيار، لم يصلنا سوى اشتراكين، وثلاثة فقط من بين المئات الذين أعلموا بالجريدة حتى الآن، إن أصدقائي الحزبيين الحميمين يعتقدون أن الجريدة ستكون فاشلة... وهكذا فإن الجريدة كلها تقوم على قدميَّ أنا”.
ويؤكد أنه صاحب الجهد الحقيقي في التأسيس، بعد أن فشلت اقتراحاته في التأسيسي الجمعي للجريدة، يقول: "لكن اقتراحي لم ينفذ بأكثر مما نفذت به اقتراحاتي الأخرى، ما لم أقم أنا نفسي بالتنفيذ، ولذلك قررت أن أؤسس الجريدة بنفسي، بمالي الخاص وبجهدي الخاص، عندئذ أخذ السادة، الذين كانوا إلى وقت قريب لا يتوقعون إلا القليل، يتوقعون الكثير.. وقال كلنر: إن علي أن أقدم عملي للجريدة مجاناً بينما يعمل الآخرون بالأجر.. بعد ذلك طلبت من السادة أن نملك الجريدة معاً بأن يقدموا لها المال أو العمل، لكن لم يكن أي واحد منهم مستعداً أن يقدم مالاً”.

الخاتمة
وبعد، فهذه قراءة سريعة في يوميات رجل أسس حركة كبيرة، كانت سبباً في جمع شتات شعب متناثر، لا تربطه لغة واحدة، ولا مشاعر صادقة، أقام لهم دولة، وأسس لهم كياناً واحداً، فكانت يومياته تستحق أن تدرس، وأن ينظر في منهجه، وأن تحلل شخصيته الفذة، وزعامته النادرة.... فالحكمة ضالة المؤمن.. ونحن اليوم كأمة بحاجة إلى زعامات حقيقية تملك الإرادة الحقيقية، والعزيمة القوية، والرؤية الثاقبة، والبصيرة النافذة، القادرة على أن تصنع من المستحيل ممكناً، وتجعل من الصعب سهلاً، ومن الضعف قوة، التي تعمل على تجميع أمة تملك كل مقومات الوحدة والاتحاد.. لكنها تنتظر زعيماً ملهماً، وقائداً مخلصاً.. ينفض عنها الغبار، ويحيي صف الأحرار، ويبعث الحياة فيها من جديد..