المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أكثر من تنفيس



متواصل
10-25-2009, 09:07 PM
أكثر من تنفيس * رمزي الغزوي
بعض الذين لا يقدرون على البقاء في حمى وطيس المواجهة مع الزوجة ، يخرجون من البيوت بعد أن يصبوا جام غضبهم على الباب المسكين ، فيصفعونه وراءهم بقوة عشرين حصاناً أو سبعين ، ولهذا فما أكثر الأبواب المخلوعة ومتهالكة ليس بيد الفقر ، بل بيد الغضب،،.
ومن الأزواج المغلوبين على صبرهم وقهرهم لا يجدون إلا الصحون وسيلة لذيذة في تفريج سؤر الغضب وحدته ، فيركض الزوج إلى المطبخ ، ويسحب صحناً زجاجياً من شبك المجلى ويرطمه بالأرض ، لاعناً اليوم الذي تزوج فيه ، فتأتيه الزوجة الأكثر غضباً ونزقاً ، ترد له الصحن صحنين،، ، ليتناثر الزجاج ويعم الأرجاء ، ومن المؤكد أن البيوت التي لا تجد وسيلة تنفيسية غير تكسير الصحون ، سيؤول أمرها إلى الأكل بالبلاستيك المقوى ، أو من فم الطنجرة مباشرة،،.
في اليونان تتواجد مطاعم خاصة للذين لا يجرؤون على كسر صحن في مطابخ بيوتهم ، لأن رقابهم ستكسر قبل الصحن العزيز على قلب الزوجة. في هذه المطاعم يقدمون للزبون صحوناً واسعة ، ليرشقها بكل ما أوتى من قوة نحو جدار أعد خصيصاً لهذا الغرض ، وطيلة عملية التصويب والتهديف ، ما على الزوج إلا أن يتخيل طيف زوجته العزيزة ماثلاً على وجه الجدار،،.
أما أسلم طرق التنفيس عن الغضب ، وأرخصها على الإطلاق ، أن يتمشى الغضبان في درب ترابية ضيقة ، ثم يتلهى بركل حجارتها الصغيرة ، مع الزفر ببعض الشتائم القوية ، التحت حزامية،، ، وقد ينثقب الحذاء جراء هذا الركل الصاخب ، لكن الأمر يستحق الخسارة ، فإذا ما صدف وركل الواحد منا حجراً صغيراً منزرعاً بقوة في الأرض ، فإن الإصابة ستكون موجعة ، تصل إلى إدماء الأصابع أحياناً. لكن لا بأس ، المهم أن شدة الألم ستنسينا الغضب ، فنأخذ بالرقص العشوائي ، كرقص هندي أحمر حول بصة النار ، فليس من شيء يلهي عن الألم كالرقص،،،،.
عندما نرى ونسمع ما وصلت إليه القضية الفلسطينية ، لا نقول إننا بحاجة لأبواب مشرعة جاهزة للصفق والرقع والصفع ، ولا نحتاج لملايين الصحون نكسرها على حوائط التنفيس: كي ننفس عن أوجاعنا المتنسلة ، ولا نحتاج لدرب مزروعة بالحجارة نركلها كلما ضربنا غضب: فدروبنا حجارة بارزة. ولكننا نحتاجك يا رب أن ترد إلينا صوابنا،،.

متواصل
10-25-2009, 09:08 PM
من يأخذ فزاعاتنا بنسر واحد * رمزي الغزوي
ما زال بعض أصحاب الكروم الحريصون يحتالون لحماية كرومهم وبساتينهم ودرء الأذى عنها: فينصبون فيه تمثالاً من الخشب المتهالك ، ويلبسونه ثياباً مهترئة ملونة وفضفاضة ، وقبعة كبيرة مثقبة: كي يطردوا ويفزعوا الطيور والعصافير عن أشجارهم المثمرة. فالعصفور عندما يلحظ هذه الفزاعات الفردة أذرعها على طولها وعرضها وسط الكرم ، يولي هارباً خائفاً لا يلوي على شيء ، معتقداً أنها حارس مهيب،،.
بعض العصافير الجسورة تغير على الكروم ، رغم وجود هذه الفزاعات المشرعة ، فهي وبعد لحظة تحديق ، تكتشف لبَّ السر ، وتألف الموقف وتتآلفه ، وتدرك بحدسها أن هذا التمثال المهندم والملون ، ما هو إلا صنم نصب لإرعابها وإفزاعها وطردها ، ولهذا تهجم على دوالي العنب بكل جرأة وضراوة ، وتنقر حبات التفاح وتتلفها ، وتسطو على طراوة التين ، وتسقط ثمار الإجاص ، ثم ومن فرط عدم اكتراثها بتلك الفزاعات غير المهيبة ، تجرؤ هذه العصافير وتذرق (تترك فضلاتها) بنشوة على قبعاتها الكبيرة ، وربما على أنفها الطويل الشامخ،،.
في هذا الوقت العصيب ، الذي طوق أعناقنا وخنقنا بدموعنا ، وجعلنا نضيق ببراكين دمائنا الفائرة حد الإنفجار. في هذا الوقت المخضب بالألم والضعف واحتقان الأسى وشيوع الإحباط ، نرى كرومنا وأراضينا ودماءنا صارت مشرعة بكامل ضعفها المكشوف ، وبكامل حلمها المكبوت ، صارت كلها في مهب (بغاث الطير) ، فعاثتنا دماراً وإفساداً وقتلاً ، بعد أن نامت نسورنا وصقورنا وعقباننا في دهاليز صمتها البعيد.
نحن نعج بالفزاعات المهيبة بثيابها الملونة ، وربطات أعناقها الحريرية المهفهفة ، لكن بغاث الطير عرفت منذ أكثر من هزيمتين أنها محض فزاعات لا تهش ولا تنش ، وأنها تتعرى لتعود خشباً مع أول هبة ريح ، أو زفر حرب ، ولهذا ستجرؤ بغاث الطير وتبول في آذانها وعلى أنوفها الشامخة،،.
بودي أن أتسلق أعلى وجع فينا ، وأن أشرّع حبالي الصوتية على أشد شدتها ، وأن أصرخ بكل ما للألم من مدى ، وبكل ما فيه من صدى: ألا أيها الكوكب الأحمر الدامي ، أيها الكوكب المجنون المتورم ببلادة الصمت. ألا يا سامعين الصوت ، من يأخذ كل فزاعاتنا المشرعة على أوجعنا ودمنا ، من يأخذها كلها ويمنحنا نسراً واحداً فقط ، يذود عنا بغاث الطير...يا رب نريد نسراً واحداً فقط،،،،،

متواصل
10-25-2009, 09:09 PM
أغيثونا يا بلد * رمزي الغزوي
لم تعد عمليات التجميل ترفاً مقصوراً على الأغنياء ، فحتى أنصاف الفقراء صاروا يلهثون وراء هذه الهبة الجراحية الجديدة: لتحسين أشكالهم وإطلالاتهم ، وللتخلص من عيوب رافقتهم طويلاً ، فصاحب الأنف المبعوج والذي عانى كثيراً من ثقله ، سيكون متاحا له أن يصغره ويقومه ، ثم يقف طويلاً أمام المرآة متمعنا شكله الجديد،،.
وعمليات التجميل لم تقتصر على تصغير الأنوف ، بل شاعت في تكبير الصدور وتدويرها ، وتغليظ الشفتين والوجنتين ، ورفع الحاجبين ، وشد الجلد وشفط الدهون ، وإزالة الكروش ، وتنحيل الخصور ، وزرع الشعر ، وغيرها من الصرعات ، بما يتلاءم مع المواصفات الدولية ، التي أخذت تستشري في العالم،،.
الأرقام تشير إلى أن الشعوب العربية تنفق المليارات على هذا الترف ، دون أن تعي أنها بحاجة ماسة لعمليات تجميل مستعجلة من نوع آخر ، فالقشعريرة التي كانت تهزنا كلما مست كرامتنا وضربت بلادنا بنيران الأعداء. لم تعد تصيبنا بما يكفي لإيقاظنا من سبات التبلد ، ولهذا نحتاج لضخ مزيد من دهن الكرامة تحت الجلود. وربما سنحتاج لعمليات حقن دماء بديلة ، فدمنا الخال من أكسيد النزق ، لم يعد يفور ذلك الفوران العظيم ، عندما كان رأس شوكة يشوكنا،،.
شعوبنا التي تكلس عليه الغبار ركاماً ، بحاجة لزراعة شبكة أعصاب جديدة ، ترتعش إذا ما دهمها الظلم والاعتداء ، فتنتفض وترد الصاع صاعين واللكمة ركلتين،،. وبحاجة لحبال صوتية بعد أن رافقنا الخرس سنوات وكبوات ، وهذا أوان صوتها المزمجر ، وسنحتاج لحاسة سمع فولاذية: بعد أن حشرنا أصابعنا في آذاننا ذات تغافل: كي نتناسى هزائمنا المتناسلة. نحن بحاجة لحاسة سمع مرهفة ، كي نترصد دبيب الخطر الذي بات يدهمنا من جهاتنا الست ، فعلنا نغادر كهف الغفلة،،.
ولربما نحن بحاجة إلى هرمونات النمو ، فعلنا نكبر ونغدو شجراً باسقاً بعد أن صرنا عشباً مدوساً ونجيلاً خامداً ، يا الله كم نحتاج لعمليات شد لعزائمنا وإلى إزالة دهون الكسل المركومة في كروشنا ومؤخراتنا فقد نعود للحركة والبركة،، ، والأهم أننا نريد أظفاراً مخلبة ، ونريد زراعة أسنان بورسلان بفمنا الأدرد ، كي لا تزدردنا إسرائيل الشمطاء بسهولة بسكويت مغموس بشاي،،.
ألا من يرحمنا من ترهلنا وصمتنا: أحد.. أحد.. أغيثونا يا بلد

متواصل
10-25-2009, 09:10 PM
أنا تلميذ في دفتر رسمه رمزي الغزوي
ننزرع أمام الفضائيات ونحدق مشدوهين كأننا نريد أن نحس سخونة الدم لحظة انفجاره من وريد نافر ، أو كأننا نشم رائحة شواط الصواريخ التي تدخل البيوت من جدرانها وتطبخ الأولاد ، فنتشردق بدمعنا ونطلق شتائمنا على أنفسنا وعلى عالم بات أقسى من القسوة ، وإذا غلبنا النوم ، ننام كالذئاب بعين واحدة ، واليد عالقة بالريموت لتوقظنا كوابيس الفسفور القاتل ، فيجف الريق إلا من لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا أشفق على الكبار ، بل على أطفالنا الذين تبدلت ملامحهم وسحنتهم ولغتهم ولثغتهم ، فقد صاروا لا يميزون الصاروخ عن العصفور ، ولا الطائرة عن جناح الحمامة ، وقل شغبهم ، وانخفض منسوب ضحكهم ، ولم يكترثوا بقناة سبيس توون وبرامج الكرتون ، بل يندغمون مع أهلهم في مشاهد لا تقبلها قواعد الصحة النفسية للأطفال. فكيف ستكبر فيهم الطفولة ومشهد الدم يلازم عيونهم؟، ، وكيف ستكبر أحلامهم وجثث أطفال بأعمارهم ملفوفة بأكفانها الراعفة كحبات الحلوى.
وطفلي ذو الست سنوات المتعلق بالرسم والتلوين ، ككل الأطفال في جيله ، بات يحرجني ويجرحني ، ليس بكثرة أسئلته الواخزة واستفساراته المجنونة ، والتي عليك أن تحتال بدهاء لتوصل له إجابة تشفي غليل خياله ، بل بات يحرجني ويخيفني عليه ، لأنه بات يملأ أوراقه ودفاتره باللون الأحمر ، كل أصابع الألوان بقيت على حالها ، ووحده يجف القلم الأحمر بعد كل غارة: البيوت التي تكشف ناسها يرسمها حمراء ، وفيها مدفأة تنفث دخاناً أحمر ، والشمس تبزغ من طرف الصفحة باسهم حمراء ، حتى العصفور المنكمش فوق شجرة بحجمه رسمه بالأحمر: فيا الله ، هؤلاء أطفالنا ستشيخ طفولتهم على مشاهد القنابل وجحيم الطائرات ، وعلى بسمة الموت في وجوه الشهداء.
كنت أنوي أن أعلم إبني وهو في هذه السن ، كيف يميز العصفور من تغريده ، فيقول هذا شحرور ، أو بلبل ، أو هذا هدهد ، أو دوري ، وكنت أنوي أن أعلمه كيف يعشق شجرة الزيتون في بستان جده ، وكيف يقع بحب فراشة تداعب زهرة أقحوان عند خاصرة الوادي ، وكيف يغني لغيمة تطل من وجه الأفق. لكن الحرب تجعلني تلميذاً في دفتر رسمه،،.
يقول مدير مركز علاج وتأهيل ضحايا العنف في رام الله إن العدوان الصهيوني على غزة سيخلف جيلاً يعاني كماً هائلاً من الأعراض النفسية ، وستدفع إسرائيل الثمن غاليا: لأنها تخلق ثقافة الحرب والعنف. ونحن نقول: لا بأس في هذا ، ولا بأس أن يكبر أطفالنا ، وهم يحفظون اللغة الحمراء ، فالمشاهد التي يتربون عليها أكبر منا ، بل علينا أن نرضعهم حليباً مدسماً بحقيقة أن عدوهم لا يعرف إلا القتل لغة ، ولا بأس أن نتعلم من أطفالنا إذا جهلنا ، فأصحاب القضايا المصيرية يولدون طاعنين بالمقاومة،،،

متواصل
10-25-2009, 09:10 PM
قصة حرب شرفية * رمزي الغزوي
يد واحدة لا تصفًّق،،. هكذا لقنوننا في أول الدروس في أبجديات الوحدة ونبذ الفرقة وضرورة التآزر وأن نكون يدا على من عادانا. ولكنهم لم يقولوا لنا أن يداً واحدة يمكنها أن تصفع صفعاً عالي النغم والوجع ، وتستطيع أن تلكم لكمات قاضية ، وتستطيع أن تسمل العيون من جذورها محاجرها في الجماجم ، وتقدر أن تخنق أوداج الأعناق حدّ الإزرقاق ، ولا ننسى أنها قد تعزف على العود لحناً يتغلغل في جنبات النفس ويترك أثراً لا ينسى.
العازف العرقي الشهير(نصير شمّا) ، لم يضف للعود وتراً ثامناً فقط ، بل جعل لهذه الآلة القريبة من قفص القلب حضوراً وجدانياً يلامس شغاف الناس ووجدانهم الشعبي ويرتقي بأحلامهم حتى إذا تعطلت لغة الأحلام ، وذات يوم جاءه صديقه وقد صار أكتع ، أي فقد يده بفم الحرب مع إيران ثمانينيات القرن الماضي ، وهزه أكثر أن هذا الصديق حشرج باكياً: إنني لن أعزف على العود بعد الآن. وهنا أقسم نصير شما إلا يعزف ثانية ، إذا لم يؤلف مقطوعة موسيقية شفيفة عميقة تعزف بيد واحدة ، وبالفعل ولدت مقطوعة (قصة حب شرقية).
لم يلفتني أن عشرات بل مئات الفنانين (ومنهم من نحسبهم كباراً) لم يقفوا وقوفاً يليق إلى جوار أمتهم وشعبهم وإخوانهم في غزة ومحنتها ، فهؤلاء لا يقيسون الأشياء إلا بميزان الربح والخسارة وتذاكر الحفلات ، ولا يأبهون إلا بتركيم الأرصدة وأرنبتها في البنوك ، ولهذا زاد إعجابي بالفنان نصير شما الذي يعكف على تسجيل أغنية كورالية بلحن العود فقط ، تحيي صمود أهلنا في غزة العزة ، وتقول كلمات الأغنية: لغزة من روحي ودمي.. لغزة قبلة وألف قبلة. لطفلة غفت عيناها بحضن أمها. وعند الفجر ماتت عينها.
ولكن حتى هذا لا يكفي يا شما، ، لا نريد قصة حب شرقية ولا نريد الحب،، ، حتى لو عشنا في زمن أكتع ابن اكتع ، زمن كسيح أعمى أصم ، فنحن لا نسمع إلا لاحناً يعزف بالأنين وحده ، لحناً كحشرجة بقايا الروح حين تغرغر دمعة في مقلة أم فقدت بناتها لحظة غارة ، لا نسمع إلا لحناً كهمهمات طفلة دفن أخوتها في الركام ، وقامت تبكي على رأس لعبتها المشجوج.
أخي نصير: شكراً ، فأنت ما قصرت أبداً ، ما قصرت منذ لحنك الإنساني ملجأ العامرية الذي صنعه الأمريكان ، ما قصرت أيها المبدع ، لكن ربما على العود أن يعود إلى الوراء قليلاً ، فرشق الصواريخ يغتال لحنه الشفيف ، فهذا الأوان الأيادي العربية أن تصير يداً واحدة فقط،، ، فلربما تبدع لنا لحنا يهز العالم ، لحنا نعزفه بصليات البارود ونسميه: قصة حرب شرفية. فهذا هو اللحن الوحيد الذي تفهمه إسرائيل وتفهم مقامه وتقاسيمه،،،،.

لكي لا يبقى منها رماد على رماد * رمزي الغزوي
في الأسطورة الشعبية أن الحق والباطل كانا يلعبان معاً في ربوع الحارة ، ويمرحان في المروج القريبة منها ، ولأنهما على طرفي نقيض ، لا يتفقان ، فدب شجار حام بينهما ، كما يتشاجر كل الأطفال ، ولهذا سرعان ما افترقا ، كل في طريق ، وكأن شيئاً لم يكن ، لكن الباطل وكعادته في بركنة الغيض وحقنه ، فذخرها في نفسه ، وترصد للحق وتربصه وهو عائد للبيت قبيل المساء ، وسدد له ضربة نجلاء أردته قتيلاً. ثم وإمعاناً في تبريد حقده ، أحرق جثته كي يضيع هذا الحق للابد ، وليصبح محض دخان وسخام،، ، ولكي تخفتي جريمته عن العيون وتصبح كاملةً الإندثار،،.
لم يعد الحق لأهله في المساء كعادته ، فخرجوا يبحثوا عنه في أرجاء الدنيا ، لكنهم لم يجدوا إلا بقايا جثته ما تزال مشتعلة ببطء يتطاير منها بعض خيوط الدخان ، فما كان منهم إلا أن صبوا فوقها كثيراً من الماء ، فتحول رماد الحق المحترق ، إلى عجين أسود ، وهذا العجين الأسود ، هو الحبر الذي ما زلنا نكتب به منذ تلك الجريمة حتى هذا الزمان،،،.
الباطل بعد غياب الحق ساد وماد وتجبر في الناس ، وهو أمر لم تكن تشهده الحارة ، ولهذا استسلمت له في ظاهر أمرها ، ولكنها ظلت تقاومه بالحبر والحروف ، وهكذا صارت الكلمة هي البديل المناوب عن ذلك الحق في حال غيابه أو موته،،.
إسرائيل التي (علطت) للعالم ولمجلس الأمن ، تعتقد أنها بكل هذا القتل الهمجي وهذا الترويع وهذا الإجرام تستطيع أن تقتل حقنا في فلسطين ، وتحرق جثته على رؤوس الأشهاد ، كي يتحول إلى حروف مبثوثة وكلمات في بطون الصحف والمجلات ، وإلى مشاهد وصور في الفضائيات،،.
وتنسى هذه المغرورة أن الحق يضيع ويغدو كلمات فقط ، عندما لا يكون له من يطلب بدمه أو يتابع أخذ ثأره. بل تتناسى في غمرة جبروتها أننا سنترك الكلمة وحدها تقارعها في مناهضة ظلمها ، ولكن هذا دمنا يثبت كل يوم وعلى مدى صراعنا معها أن حقنا لم يمت بعد ، حتى لو حاولت إحراقه حياً ، فنحن نعلم أنه لا يمحو الدم إلا الدم،،.
إسرائيل علت هذه الأيام ، فالباطل يعلو أحياناً ، ويتزين بالبريق والزخرف ، ولكن التاريخ يخبرنا أنه ما بعد العلو إلا السقوط: ولكن أتدرون لماذا شهقت إسرائيل وتطاولت في الباطل إلى كل هذا الحد في الارتفاع والعتو. كي يكون سقوطها مدوياً ولكي لا يبقى منها رماد على رماد،،،.