المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ايران تكسب 'جولة جنيف' - عبد الباري عطوان



AnAs
10-02-2009, 08:21 AM
ايران تكسب 'جولة جنيف'
عبد الباري عطوان



اللقاء الثنائي المغلق الذي انعقد يوم امس بين الدكتور سعيد جليلي رئيس وفد المفاوضات الايراني، ووليم بارنز نائب وزير الخارجية الامريكية، على هامش اجتماعات جنيف بين ايران والدول الست الكبرى يذكرنا بلقاء مماثل، وفي المدينة نفسها، بين السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الاسبق، ونظيره الامريكي جيمس بيكر، قبل شهر من بدء الحرب على العراق لاخراج القوات العراقية من الكويت في كانون الثاني (يناير) عام 1991.
لا شك ان هناك نقاط تشابه ونقاط اختلاف بين اللقاءين، ولكن القاسم المشترك واحد، وهو الولايات المتحدة الامريكية وقيادتها لتحرك دولي ضد البلدين، رغم الفارق الزمني الذي يزيد عن تسعة عشر عاما.
في اللقاء الاول اراد بيكر استفزاز نظيره العراقي من خلال لغة التهديد والوعيد، وبشكل متعمد، لدفعه الى رفض الانسحاب من الكويت وتبرير اللجوء الى الخيار العسكري بالتالي وفق المخطط المرسوم. فأكثر من نصف مليون جندي امريكي كانوا موجودين في ارض المعركة بعتادهم المتقدم بانتظار الضوء الاخضر لبدء الحرب.
في اللقاء الثاني تعمدت الولايات المتحدة الامريكية، من خلال مندوبها بارنز، التلويح بتهديد فرض العقوبات الاقتصادية الخانقة، ربما كمقدمة لعمل عسكري، في حال رفض ايران لتجميد عمليات تخصيب اليورانيوم، وفتح منشآتها النووية دون شروط امام المفتشين الدوليين، 'اي تجميد التخصيب مقابل تجميد العقوبات'.
الايرانيون خرجوا فائزين (حتى الان) من لقاء جنيف، لانهم نجحوا بجدارة في ممارسة فن المناورة لكسب الوقت، الذي اجادوه طوال السنوات الماضية، من حيث التوصل الى اتفاق بعقد لقاءات ثانية قبل نهاية الشهر الحالي. والاهم من ذلك حصولهم على منبر اعلامي دولي لشرح وجهات نظرهم بشكل سياسي ذكي حول العديد من القضايا، ابرزها ضرورة معالجة مسألة اسلحة الدمار الشامل على مستوى العالم بأسره، وجعل هذا العالم خاليا من الاسلحة النووية تماما، في اشارة واضحة الى اسرائيل ورؤوسها النووية.
الدكتور جليلي حرص في مؤتمره الصحافي الذي عقده في ختام الاجتماع على تقديم ايران كضحية، تعاني من 'ارهاب اعلامي دولي' يضخّم اخطارها، 'رغم انها تمارس حقا مشروعا في امتلاك الطاقة الذرية للاستخدامات السلمية، ولم تقدم على اي اختراق لمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، بشهادة الدكتور محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية'.
' ' '
المفاوض الايراني مثلما تبين من وقائع المؤتمر الصحافي، وتصريحات خافيير سولانا رئيس مجموعة الدول الست، 'خدع' الولايات المتحدة وحلفاءها الاوروبيين مرة اخرى عندما رحب بفتح المفاعل الثاني الجديد في 'قم' امام مفتشي الوكالة الدولية في غضــــون اسبوعيــــن، فالمـــفاعل الجديد لن يبدأ العمل قبل عام ونصف عام، اي انه ليس هناك ما يمكن تفتيشه في الوقت الراهن، ولن يجد المفتشون دخان البندقية (smoking gun) الذي يبحثون عنه لإدانة ايران بانتهاك القانون الدولي، وتبرير الحصار بالتالي.
بمعنى آخر نجح الايرانيون باستخدام المفاعل الجديد في 'قم' لتحويل الانظار عن المفاعل الاهم 'نطنز' الذي يحتوي على حوالى ستة آلاف وحدة طرد مركزي لتحويل اليورانيوم، ونجح حتى الآن حسب التقديرات الغربية في انتاج حوالى 1250 كيلو من اليورانيوم ضعيف التخصيب، الذي يمكن في حال معالجته الحصول على 35 كيلو من اليورانيوم عالي التخصيب الكافي لبناء قنبلة نووية.
الادارة الامريكية تجد نفسها حاليا امام مأزق كبير خلقته لنفسها، واكبر خطأ ارتكبته انها اشركت الدول الست في المفاوضات الجارية في جنيف، لان هؤلاء باتوا شهوداً على الرغبة الايرانية 'المرنة' في التعاون مع وكالة الطاقة الذرية، وفتح مفاعل 'قم' امام التفتيش الدولي، اي انها (ادارة اوباما) لم تعد قادرة على اتخاذ قرار العقوبات او الحرب بمفردها، مثلما كان عليه الحال في ادارتي بوش الاب عام 1991، وبوش الابن عام 2003 ضد العراق.
الايرانيون نجحوا مرة ثالثة في تنفيس الجهود الامريكية الجبارة التي بذلت من اجل حشد تأييد دولي للعقوبات الاقتصادية ضد ايران، مثل الغاء مشروع الدرع الصاروخي في اوروبا لارضاء موسكو، وابعادها عن طهران، وتجييش الدول العربية المعتدلة لاستخدام عضلاتها الاقتصادية والنفطية، وفوائضها المالية الضخمة لشراء اسلحة وتقديم عقود تجارية مغرية للصين وروسيا للهدف نفسه.
ومن المفارقة ان الدكتور جليلي المفاوض الايراني حقق هدفاً كبيراً في مرمى هذه الانظمة العربية المعتدلة، عندما تجاهل في مؤتمره الصحافي الاجابة على سؤال لمندوب صحيفة 'معاريف' الاسرائيلية حول تصريحات الرئيس احمدي نجاد بمحو اسرائيل عن الخريطة، ومدى استعداده لطمأنة الاسرائيليين، الأمر الذي دفع الصحافي الاسرائيلي للانسحاب خجلاً او غضباً. وعندما اعادت صحافية اوروبية تكرار السؤال قدم مداخلة هادئة ومفحمة حول اسباب عدم اقدام الغرب على حل هذه القضية طوال السنوات الستين الماضية، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة على ارضه، وفي اطار حل عادل لقضيته.
' ' '
وهكذا تبين ان لقاء جنيف لم يكن اللقاء الحاسم، او 'لقاء الفرصة الاخيرة' بالنسبة الى ايران، مثلما صورته معظم الصحف الغربية نقلاً عن مسؤولين غربيين، كما ان الدول الغربية لم توجه تهديداً او تحدد جدولاً زمنياً لايران حتى نهاية هذا العام للمثول لمطالبها بوقف التخصيب كلياً، والرضوخ لشروط وكالة الطاقة الذرية في فيينا بفتح مفاعلاتها للتفتيش دون اي عوائق.
عمليات التخصيب ستستمر، وكذلك المفاوضات في جنيف حتى نهاية الشهر الحالي، وربما يجري التمديد لها لنهاية الشهر المقبل ايضاً، فايران تحتاج الى وقت لـ 'دراسة المقترحات والحوافز التي عُرضت عليها في جنيف' ومن ثم اعداد الردود الملائمة عليها في لقاءات مستقبلية.
اين نحن كعرب من كل ذلك؟.. مجرد 'شهود زور' ننتظر التعليمات من واشنطن للبدء في تطبيق العقوبات اذا تقــــرر فرضها، وفتح اجوائنا للطائرات الحربية، اسرائيلية او امريكية، اذا ما تقرر اعطاء الضوء الاخضر للهجوم الجوي لتدمير المفاعلات النووية والبنى التحتية الاقتصادية الايرانية.
المفاوض الايراني، وباختصار شديد، اعاد الكرة الى الملعب الامريكي مرة اخرى، وبات يفرك يديه فرحاً بكسب الجولة الاولى من المفاوضات في جنيف، للحصول على بعض الوقت لمواصلة جهوده لتحييد الحكومتين الصينية والروسية فيما يتعلق بالحصار، وتصعيب مهمة ادارة اوباما في افغانستان والعراق، فجعبة الساحر الايراني لا تخلو من المفاجآت.