المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام قراقوش... من كاهان إلى غولدستون



متواصل
10-01-2009, 12:39 AM
أحكام قراقوش... من كاهان إلى غولدستون
خليل قانصو

30/09/2009


http://www.alquds.co.uk/images/empty.gif
وأنت تتابع في وسائل الإعلام، أصداء التقرير الذي أصدرته في 15 ايلول/سبتمبر 2009، بعثة أنتدبتها لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، للتحقيق في ما جرى في قطاع غزة أثناء العدوان الإسرائيلي في كانون الثاني/يناير المنصرم، يلازمك سؤال عن الدوافع الحقيقية من وراء هذه المبادرة الدولية. لا سيما وأن القضية الفلسطينية أُشبعت، على مدى ما يقارب القرن من الزمن، علاجا ومداورة في المحافل الدولية، وفي كل مرة كانت التوصيات ترتكز على معطيات مشوّهة فتزيد التبـلـْبل من خلال المداهنة والمراوغة. وأغلب الظن أن معدي التقرير الذي نحن بصدده، الآن، والذي يتناول، بالقطع، أحداثا خطيرة وقعت في قطاع غزة بين 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 و18 كانون الثاني/يناير 2009، أي بعد انقضاء تسعة أشهر على توقف هجمات واسعة، بأسلحة البر والجو والبحر، شنتها القوات الإسرائيلية على أناس إمكانياتهم معـْدومة، فضلا عن معاناتهم من حصار خانق في مساحة ضيقة. إن معدي هذا التقرير لم يخرجوا عن نهج من سبقهم في لجان التحقيق، وتقصي الحقائق الذين تولـّجوا، منذ البداية، أمر البحث عن حل أو تسوية في فلسطين.
صحيح أنهم وثـّقوا الوقائع وقـدّموا، وإن بطريقة غير مباشرة ـ شهادة على صدق الرواية الفلسطينية وكذب المستعمرين الإسرائيليين والذين تطوعوا، في بلاد الغرب خصوصا من أجل التستر على الإنحطاط الأخلاقي الذي يميز سياستهم. ولعل رقعة القطاع الصغيرة، هي التي أتاحت دقةالرؤية وظهور التفاصيل بوضوح. لكن التقرير لا يأتي بجديد عندما يذكر ان القوات الإسرائيلية 'أعدت بعناية خطة، للإقتصاص من سكان القطاع، وإذلالهم وإرهابهم وإنتهاك كرامتهم'. وأن لجنة التحقيق لم تجد ' هدفا أو ضرورة عسكرية' لتبرير الإعتداء على المدنيين عمدا. أضف إلى أنها جمعت أدلة عديدة، تثبت أن جنودا أسرائيليين إحتموا خلف مدنيين فلسطينيين، معصوبي الأعين، أثناء مداهمتهم للمنازل. إدعى الفلسطينيون، منذ البدء، على الإسرائيليين، بما تضمنه أيضا تقرير المحققين الدوليين من أن الحكومة الإسرائيلية سمحت ' باستخدام قنابل الفوسفور الأبيض ضد منشآت تابعة لوكالة الغوث، وأنها ضربت مشفى القدس والوفا، بقنابل تحتوي على الفوسفور الأبيض وعلى معادن متفجـِّرة، عن سابق تصور وتصميم'.
كان الفلسطينيون محقين إذن، في قولهم ان القوات الإسرائيلية تقصّدت قتل أطفالهم وهدم منازلهم، ومدارسهم ومصانعهم وإتلاف زرعهم. فالتقرير يعترف بكل هذا، ويؤكد أن ثلثي القتلى في الجانب الفلسطيني كانوا من المدنيين. بل ويذهب إلى أبعد ذلك في الخلاصة التي جاء فيها أن هذه القوات تصرفت في القطاع، مثلما تصرفت في جنوب لبنان سنة 2006. إذ أعتبرت أن 'التدمير على نطاق واسع، والتضييق على أكبر عدد من الناس وزعزعة إستقرارهم، هي وسائل مشروعة لتحقيق أهداف عسكرية، وغايات سياسية أيضا'.'وأزعم أيضا أن هذه القوات، دبرت في 15 أيلول/سبتمبر 1982 مجزرتي صبرا وشاتيلا الشنيعتين في بيروت، لنفس الأهداف والغايات، وأن أحكام لجنة التحقيق الإسرائيلية، التي شكلت آنذاك برئاسة كاهان، لم تردعها عما أقدمت على فعله في القطاع.
إذن ما قامت به إسرائيل، طيلة الأيام العشرين التي استغرقتها حربها على أهل القطاع،هي بحسب رأي المحققين، وجرائم الحرب سويّـة، وربما جاز توصيفها أيضا بالجرائم ضد الإنسانية. لذا، أوصوا باستكمال التحقيق المستقل وتفعيل المحكمة الدولية للنظر في هذه القضية وإنزال العقاب بالمذنبين. ولكن هذا موضوع آخر، فإسرائيل لها حصانة الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. والمحاكم الدولية لا تقبل شكوى أهل القطاع. ناهيك عن أن إدانة اسرائيل والحكم عليها بالتراجع عن سياساتها، هما كضرب الماء بالسيف.
والتزاما، بالنهج المعهود، الذي سارت عليه جميع اللجان الدولية التي أُرسلت إلى فلسطين، منذ بدايات القرن الماضي، ودون أخذ نتائج هذه الجهود بالحسبان، فإن البعثة الأخيرة صاحبة التقرير عن الحرب ضد القطاع، إعتمدت كالعادة، مبدأ المساواة بين طرفي النزاع، وهما في هذه الحرب، تنظيم حماس من جهة واسرائيل من جهة ثانية. وعملا بنموذج الوساطات السابقة وإقتداء بالذهنية التي أملت باستمرار الحلول المتلاحقة، والمتبدلة تبعا لمراحل المشروع الإستعماري الصهيوني المتالية، فان الأرض المتنازع عليها تـُقسّمُ، والمسؤولية عن الخسائر توزع ُ أيضا، نصف يقع على هذا الطرف ونصف على ذاك. فليس غريبا إذن، أن تقتبس وسائل الإعلام من التقرير المذكور مقاطع تتناول حماس، أريد بها، على الأرجح ،إظهار كفتي الميزان متعادلتين. وبكلام أوضح، فلقد تضمن التقرير ايضا، اتهاما لحركة حماس، بإرتكاب جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية، مثلها كمثل أسرائيل التي تملك جيشا يعد من أقوى جيوش العالم، إلى جانب ترسانة تحتوي على عشرات الرؤوس النووية. ولكن اللافت للنظر أن الحيثيات التي بني عليها إتهام حماس، تكاد تكون معدومة إذا ما قيست، بما أقدمت عليه أسرائيل هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، ليس هناك أدنى شك، أن موقف هذه البعثة من الحرب على القطاع، لا يحسب حسابا لما قبلها ولا لما بعدها. فهل هناك أحتلال، ومن هم الذي هجروا من أرضهم؟
فما تأخذه بعثة التحقيق على حماس هو اطلاق 8000 قذيفة طيلة المدة بين كانون الثاني/يناير 2001 وتاريخ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 ' كان المقصود منها قتل وجرح المدنيين ' كما قال القاضي غولدستون نفسه، رئيس البعثة. لقد ورد في التقرير، في هذا الخصوص أنه نتج عن هذه القذائف' مقتل أربعة اشخاص وجرح المئات. وكانت سببا في ترعيب سكان جنوب إسرائيل، وفي تعريضهم لصدمات نفسية '. هذا كاف، من منظور البعثة، لإتهام حركة حماس بإرتكاب جرائم حرب، أوجرائم ضد الإنسانية. تتوجب الإشارة هنا، ألى أنه من المحتمل أن تكون هذه البعثة قد إستقت المعلومات عن أنشطة حركة حماس من المصادر الإسرائيلية نفسها. إذ لم يـُسمح لها، كالعادة، بالتحقيق مع سكان المستعمرات في جنوب فلسطين، أو إستجواب العسكريين الإسرائيليين الذين شاركوا في العدوان.
ما يهم هنا، ليس القول أنه كان يتوجب، بمقتضى المنطق، على واضعي التقرير ذكر، عدد القذائف التي ألقيت على القطاع، وتفاصيل الأعمال الحربية الإسرائيلية ضد أهله، خلال الفترة نفسها، وما أوقعته من ضحايا ودمار، فضلا عن الإحتلال والإقصاء والحصار، ولكن ما يهم هي الذهنية أو المنطق تحديدا الذي قاد المحققين إلى مساواة اللاجئين الفلسطينيين في القطاع بالذين استولوا على منازلهم وأرضهم من جهة، وأن المساس بالإسرائيليين هو، في حد ذاته، جريمة، دون البحث عن المعتدي والمعتدى عليه، من جهة أخرى. وهو نفس المنطق الذي يجيز على سبيل المثال للسلطات الفرنسية المطالبة بإطلاق سراح جندي إسرائيلي أسير في القطاع، الذي يحمل الجنسية الفرنسية، واعتباره رهينة مختطفة، ويمنعها بالمقابل من التدخل لصالح فتى فلسطيني من الضفة، يجمع أيضا، بين الجنسيتين الفلسطينية والفرنسية، إعتقله الاسرائيليون، ربما لانه تظاهر ضد الإحتلال أو رشق جنودهم بالحجارة.
بمعنى آخر أستطاع المحققون صرف الإنتباه عن أن أهل القطاع لهم قضية وطنية، ولم يكترثوا الى أن المسألة، من أصلها، لا تخرج عن كونها مسألة استعمار وإلغاء لحقوق الفلسطينيين، وأن الوضع القائم في القطاع يـَصـِم الإنسانية جمعاء، ولا يمكنه أن يستمر الى ما لا نهاية. وليس مستبعدا أنهم تـوخـّوا، من خلال المهمة التي عـُهد بها إليهم، إظهار القتل والجريمة والدمار، في المنطقة العربية، كجزء من الإضطراب العادي والدائم، في مختلف ساحاتها. واستنادا إليه، فإن ما جرى في القطاع، لا يعدو، من وجهة نظرهم، نطاق الفعل ورد الفعل. الأمر الذي يقود إلى المعزوفة المعروفة، من أن الشرق العربي معقد، وأنه يستحيل فيه تمييز الجاني من الضحية. وأن وقعت أثناء الصراع المستمر، بعض الأخطاء أو الخسائر الجانبية، فلولا الفعل لما كانت ردة الفعل.
وقصارى القول أن تقرير بعثة الأمم المتحدة، عندما يجرّم أسرائيل وحركة حماس، فإنه يشير في الوقت نفسه، إلى نسبية الجرائم التي إقترفت، ويقـلـّـل أيضا من أهمية التوصيات التي خـُلص إليها. وكأنه كان الوسيلة والغاية في آن واحد. لا جديد إذن تحت الشمس. يئن الفلسطينيون تحت الإستبداد الدولي، وسطوة المستعمرين، وترك الأقربين لإنكار المنكر بلسانهم وقلوبهم وأيديهم 'ذلك ميــّت الأحياء'. ولكن إلى متى يبقون هكذا. ما الذي يتوجب فعله حتى يأتي يوم الخلاص من شر الإستعمار والعنصرية وألإستبداد.

' كاتب من لبنان

القصير
10-04-2009, 11:31 PM
كنت اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي