المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سكة حديد الحجاز - اتفاقية ترسيم الحدود الشرقية البرية لمصر



متواصل
06-01-2019, 02:51 PM
سكة حديد الحجاز
وفي عام 1905 نشبت سلسلة من الأعمال الإجرامية من بعض بدو سيناء، فتم تعيين مسئول بريطاني قائداً ومفتشاً على سيناء وتم اتخاذ بعض الاجراءات الادارية. فانتشر تقرير في أوساط العصبة الإسلامية (المنادية بالولاء للخلافة العثمانية) بمصر أن غرض الحكومة المصرية هو إنشاء تحصينات على الحدود المصرية العثمانية بالقرب من العقبة، في المكان الذي كان العثمانيون ينشئون فيه فرعاً لسكة حديد الحجاز الرابط بين دمشق ومكة.

استدعى المعتمد البريطاني في القاهرة اللورد كرومر السيد و. إ. جننگز-براملي W.E. Jennings-Bramly الذي يجيد التحدث باللغة العربية واللهجة البدوية وملم بعادات البدو وعينته الحكومة المصرية 1905 في وظيفة مفتش في سيناء وكلفته بمهمة التحري والاستطلاع عن مدى صحة التقارير الواردة إلى القاهرة عن نية السلطان العثماني على مد فرع جديد لسكة حديد الحجاز من معان إلى العقبة وتقيم تقرير عام عن شبه جزيرة سيناء.[4]

استعان الكولونيل براملي بقوة صغيرة من البوليس متوجهاً إلى نقب العقبة - تنفيذاً لأوامر وزارة الحربية المصرية - وشرع في إجراء بعض الاصلاحات الادارية، وتنظيم قوة من شرطة الهجانة والمشاة. وفي شهر يناير 1906 أصدرت وزارة الحربية أوامرها إلى جننگز-براملي بالتوجه إلى نقب العقبة. ونظراً لقلة المياه فيها لاستيفاء حاجة أفراد القوة والذي يقدر عددهم بخمسة جنود حرس حدود مسلحين ، فتوجه إلى المرشرش على الجانب الغربي من رأس خليج العقبة، حيث تبعد مسافة نصف ساعة من العقبة على طريق غزة - مصر.

مسألة ترسيم الحدود
في يناير 1906، اشتكى السلطان للسفير البريطاني بالأستانة من التعديات المصرية على الأراضي التركية. فردّ الخديوي المصري بطلب ترسيم الحدود بين الدولتين، إلا أن الدولة العثمانية رفضت الطلب.[5] تلا ذلك أن توجهت قوة مصرية صغيرة لاحتلال طابا، الميناء المجاور للعقبة على الجانب الغربي للخليج. وقبل أن تصل تلك القوة إلى طابا، استولى القائد التركي للعقبة على طابا. تلا ذلك فترة توتر عالي، وقام الأتراك بإزالة علامات الحدود في رفح وأرسلوا تعزيزات قوية إلى الحدود. فتدخلت الحكومة البريطانية نيابة عن الخديوي وبذلك ضغوطاً على الدولة العثمانية لتأكيد أن الحدود بين الدولتين هي الخط الواصل بين رفح والعقبة.

اعترض قائد منطقة العقبة على تواجد الكولونيل براملي وجنوده، ورفض السماح لهم بإقامة معسكر لهم، باعتبار أن المرشرش ونقب العقبة منطقة تابعة لادارة الحكومة السنية مباشرة. أذعن مفتش سيناء لرفض قائد العقبة التركي رشدي باشا، واضطر إلى الرجوع. وفور عودة براملي من سيناء وضع تقريراً بما حدث ولتفادي مزيداً من الشكوك من جانب السلطان التركي، فقد تقدمت الحكومة المصرية في تلك الأثناء بطلب إلى السلطان بتعيين لجنة من الأتراك والمصريين لتحديد التخوم بين سيناء والشام ولكن لم يحرك السلطان ساكناً.

فقد أرادت الادارة العثمانية إثارة مسألة سيناء وخليج العقبة مرة أخرى في عام 1906، وأرادت توظيف أدواتها المتعددة ومنها استثمار الصدى الكبير والرواج الممتد عبر العالم الإسلامي بسبب الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وذلك يمثل دعماً عاماً إسلامياً ضخماً يعضد من قوة وهيبة الدولة العثمانية، ويثبت قدرتها على استمرارها، ويثبت وضعها في الهيكل الدولي. وكذلك كان الرأي العام المصرية مهياً لخطوة قوية ضد الاحتلال البريطاني. واستطاعت جريدة اللواء إثارة مسألة سيناء بزعم أنها تعد لأعمال حربية مهمة. وتحذر المقالات من مغزى إرسال كولونيل بريطاني وتعيينه مفتشاً على شبه جزيرة سيناء، وتخصيص مبالغ ضخمة لإصلاحها. وغالت جريدة اللواء التي تمثل تياراً فكرياً وطنياً مؤيداً للدولة العثمانية، في أهداف ومقاصد وخطورة وجود سلطات الاحتالال البريطاني في شبه جزيرة سيناء، وصورت أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال ينويان اتباع سياسة تغلغلية في سيناء، ولديهم النية على اتخاذ سيناء كقاعدة للتدخل في الحجاز في المستقبل خاصة في أمور خط حديد الحجاز الذي وصل إلى معان، وعلى بعد 100 كيلو متر من العقبة، كما نشرت بعض الصحف أن الحكومة المصرية تنوي بناء تحصينات لها أهداف عدائية.

تلك المقالات لاقت رواجاً شدياً في القاهرة واستنبول، وهو ما يمثل جبهة مساندة عريضة للدولة التركية لإثارة مسألة سيناء وخليج العقبة.

كما عضد الوالي العثماني على سوريا الدولة العثمانية في شكوكها وموقفها من إثارة مسألة سيناء وخليج العقبة، حيث كتب إلى استنبول بأن الحكومة المصرية قررت بناء ثكنات عسكرية في المنطقة فيما بين العقبة والقصيمة، وأضافت أن قوات الاحتلال البريطاني سوف تشارك في بناء تلك الثكنات.

في حقيقة الأمر فإن الدولة العثمانية كانت ترمي إلى عدة أهداف نذكر منها:

اختبار مركز بريطانيا في مصر.
طرح المسألة المصرية على بساط المباحثات الدولية.
حماية مشروع سكة حديد الحجاز.
الاقتراب أقصى ما يمكن من قناة السويس.
قياس مدى الدعم الدولي لموقف بريطانيا.
تصعيد أزمة تركية-بريطانية بسبب موقف السلطات البريطانية من ثوار اليمن وإمدادهم بالسلاح والذخائر والأغذية.
لم يستجب السلطان العثماني عبد الحميد لطلب الحكومة المصرية التي تقدمت بطلب تعيين لجنة مشتركة من المصريين والأتراك لتجديد التخوم بين شبه جزيرة سيناء والممتلكات العثمانية في الحجاز والشام، وإنما تجاهل الطلب المصري.

كان الرد العثماني:

أمر اللواء رشدي باشا قائد حامية العقبة العثمانية باحتلال وادي طابا.
مذكرة احتجاج من الباب العالي للسفارة البريطانية في استنبول ففي 12 يناير 1906، على أن ضابطاً إنجليزياً يقود فرقة مصرية قد أقام معسكراً في العقبة وأعلن نيته على اقامة مراكز حراسة في هذه النقطة وفي غيرها من الأراضي التركية.
طلبت الحكومة العثمانية من السفير البريطاني في استنبول اتخاذ الاجراءات اللازمة لسحب هذه القوة من المركز الذي احتله خارج الأراضي المصرية.
اعتبرت الحكومة المصرية عدم رد السلطان على الاقتراح المصري رفضاً له، بينما اعتبرت سلطة الاحتلال البريطاني الرد العملي الذي أقدمت عليه تركيا يعني أن الدولة العثمانية معادية لفكرة تعيين حدود باعتبار أنه ليس هناك مشكلة حدود وإنما عدوان على الأراضي العثمانية. إضافة إلى ذلك وهو حيث إن مصر ولاية عثمانية فلا يمكن أن يوجد بينها وبين بقية الولايات الخاضة للادارة التركية مباشرة حدود وتخوم.

كان الرد العسكري العثماني، بمثابة إبطال تحركات براملي، ومنعه من ممارسة حق مصر في فرض السيطرة على أراضيها، وأن احتلال طابا والقصيمة ومشاش الكنتلا، هو من قبيل العمل العدواني ضد مصر وسيادتها على أراضيها ومن قبيل فرض أمر واقع على مناطق مهمة ذات قيمة استراتيجية حاكمة لسيناء.

لذلك رأت السلطات البريطانية في القاهرة نتيجة لعدم موافقة الحكومة التركية على تعيين الحدود، فإنه من الضروري تأمين المراكز المصرية على هذه الحدود. وتقرر إرسال قوة مصرية من خمسين رجلاً وعلى رأسهم ضابط مصري وهو سعد بك رفعت لمقابلة براملي على الحدود قرب العقبة لاحتلال طابا. كذلك صدرت الاوامر إلى المستر براملي لاحتلال نقب العقبة والقطار، وهما نقطتان مهمتان تتحكمان في الجبل الذي يمر خلاله الطريق من الساحل إلى داخل هضبة سيناء.

تقدمت القوة المصرية نحو طابا في سفينة خفر السواحل المصرية "نور البحر"، ولكنها لم تستطع تنفيذ مهمتها حيث أن القوات التركية قد انتشرت على التلال التي تطل على طابا من الشرق، ورفض القائد التركي السماح لهم بالنزول إلى الشاطئ باعتبار أن طابا في حد العقبة وجزء منها، وأصر على المقاومة في حال إنزال القوة العسكرية المصرية طبقاً وتنفيذاً للأوامر العليا الصادرة إليه.

اضطرت القوة المصرية إلى التراجع تنفيذاً للأوامر بعدم الصدام إلا في حالة اطلاق النار عليها، فانسحبت إلى جزيرة فرعون الملاصقة للساحل الغربي جنوب طابا، انتظاراً لتعليمات جديدة من القاهرة.

استخدمت الادارة التركية عن طريق قائد العقبة العثماني القوة في احتلال أراضي مصرية، ومارست العنف والتهديد ضد القوة المصرية، وبذلك أفشلت مهمة هذه القوة التي كانت ترمي إلى:

سد الطرق بين الأراضي المصرية والممتلكات العثمانية.
منع القوة التركية من التغلغل داخل الهضبة.
منع مبعوث الدولة العثمانية من الوصول إلى قبائل سيناء ومحاولة استمالتها.
لم تكتف الدولة العثمانية باستخدام القوة والعنف العسكري فقط لخلق أمر واقع، وإنما تحركات الدبلوماسية العثمانية في محاولة لتثبيت هذا الأمر عن طريق الضغط السياسي على الخديوي عباس، واستغلال الأوضاع السياسية في ذلك الوقت حيث احتدم الخلاف بين الخديوي عباس ومصطفى كامل، لتقرب الأول من الإنجليزي بعد علمه بالوفاق الودي 1904 بين فرنسا وإنجلترا، وإدراكه عدم إمكانية نجاح سياسة المناهضة للاحتلال البريطاني في مصر. وهو:

هل يؤيد الخديوي عباس مع الحزب الوطني الموقف العثماني؟
هل يؤيد السياسة البريطانية في مصر؟
هل في ظل وجود الاحتلال العسكري والسياسي البريطاني يمكنه أن يتخذ قراراً سياسياً منفصلاً؟
وإزاء هذا المركز الحرج للخديوي عباس، مارست الدبلوماسية العثمانية عنفاً ضده لإجباره على الاصطدام بالإنجليزي أو فقد شعبيته التي يحظى بها لدى الرأي العام المصري الذي كان يؤيد السلطان العثماني تحت تأثير الحزب الوطني وأدواته. أبرق الصدر الأعظم ثلاث برقيات متوالية شديدة اللهجة وتحمل تهديدات واضحة.

تطلب البرقية الأولى في 10 يناير 1906 أن تمتنع مصر عن بناء المركز المزمع إقامته حيث ن الموقع تركي وعليه حامية عثمانية يقودها لواء، وهو منصب عسكري رفيع يتناسب مع أهمية الموقع - وتؤكد البرقية عدم رضاء بل ورفض الباب العالي لهذا السلوك، وتطلب التراجع فوراً للقوة المصرية، وتأمر الخديوي بالتحرك السريع الفوري ويعلن أنه لن يتم إرسال مبعوث تركي لتعيين الحدود.

أما البرقية الثانية في 12 يناير 1906 أيدت البرقية الأولى مع مزيد من التعسف ضد الخديوي لإحراجه ومزيد من التعسف ضد مصر وحقها الثابت تاريخياً في أراضيها، فتؤكد على أن الأراضي التركية تشمل العقبة والمناطق المجاورة بما فيها طابا، وأنها ليست ضمن الأراضي الممنوحة لمصر.

وبتحليل مضمون هذه البرقية يمكن استخلاص ما يلي:

أن تركيا تتراجع عن مضمون برقية الصدر الأعظم المؤرخة في 8 أبريل 1892.
ليس لدى تركيا نية الموافقة على تعيين لجنة مشتركة للحدود.
إن إصرار مصر على موقفها يعتبر خروجاً عن الأوامر وعصياناً واضحاً.
الخروج عن الطاعة سوف يواجه أشد الاجراءات لوقفه.
التأكيد على أن مصر ولاية تابعة للدولة العثمانية، وهي قسم منها، أي أن الشأن داخلي لمنع التدخل البريطاني، وكذلك تأكيد على أنه لا حدود بين أجزاء أو أقسام الدولة العثمانية الواحدة.

وتصاعد الضغط العثماني على الخديوي بطلب سحب "نور البحر" والقوة المصرية من جزيرة فرعون والتوقف عن بناء نقاط عسكرية وإلا "سوف تحدث أزمة". معنى هذا، أن تركيا أرادت وضع يدها على المناطق الاستراتيجية في خليج العقبة والمناطق الحاكمة المجاورة، بغية تأمين مكاسب لها أسوة بما وقع على إثر فرمان أبريل 1892 أي حصولها على العقبة ومن ثم تزايد نفوذها وسيطرتها على البحر الأحمر، إضافة إلى التواصل الجغرافي بين الحجاز الشام، وأيضاً ما تمثله العقبة كبوابة شمالية للحجاز، وما يمثله رأس الخليج كأقرب نقطة للسيطرة عليها.

كان هذا التهديد يهدف إلى مساومة سلطات الاحتلال، واكتساب مواقع جديدة في سيناء وفي الضفة الغربية في خليج العقبة، على أساس عدم اكتراث السلطات البريطانية بالمصالح الوطنية المصرية، ولتفادي أزمة حادة بالتنازل عن بعض المواقع المصرية وهو ما لا يكلف بريطاني الكثير. لم تقرأ الدولة العثمانية جيداً المصالح المصرية - البريطانية المشتركة والمتمثلة في هدف إبعاد كل ما يهدد قناة السويس وهو ما يستوجب تأمين الحدود الشرقية، أي تأمين شبه جزيرة سيناء، باعتبارها خط الدفاع الأول عن القناة واعتبارها منطقة عازلة بين الممتلكات العثمانية وبين مصر - حسب المفهوم العسكري القديم حيث الصحراء أراض عازلة وفاصلة لتأمين البلاد.

وهكذا احتدمت أزمة طابا الأولى 1906 حيث:

قوة مصرية لديها تعليمات محددة بالتواجد على أراضيها.
قوة عثمانية سارعت باحتلال تلك الأراضي بالقوة.
الدولة العثانية تمارس العنف السياسي ضد مصر لاجبارها على التنازل عن أراضيها.
قوة سلطات الاحتلال البريطاني في مصر تعمل في الخفاء لتحقيق مصالحها في مصر.
حرج مركز الخديوي عباس أمام:
الحزب الوطني وشعبيته.
الدولة العثمانية وقدرتها على ممارسة العنف السياسي ضد مصر.
سلطات الاحتلال المسيطرة على مقدرات البلاد.
ولاء الخديوي للدولة العثمانية.

وفي أبريل انعقد مؤتمر بين الخديوي وأحمد مختار پاشا، المفوض العثماني. وبدا حينها أن الدولة العثمانية ليس لديها نية الاعتراف بالتفسير البريطاني لتلغراف 8 أبريل 1892. فقد ادعت الدولة العثمانية أن شبه جزيرة سيناء تتكون فقط من الأرض الواقعة جنوب الخط المستقيم من العقبة إلى السويس، وأن الأرض المصرية شمال ذلك الخط يحدها خط آخر من رفح إلى السويس. وكحل وسط، اقترح مختار باشا أن يكون الحد بين مصر والدولة العثمانية هو خط مستقيم من رفح إلى رأس محمد (الطرف الجنوب لسيناء)، وهو الأمر الذي كان سيجعل كل خليج السويس أرضاً عثمانية. وبعبارة أخرى، فإن ادعاء الباب العالي كان، كما يلخصه اللورد كرومر:

أن نمد الحدود والسكك الحديدية الاستراتيجية التركية إلى السويس على ضفاف القناة؛ أو لو خط راس محمد تم اعتماده، فإن الحدود التركية ستمتد إلى محاذاة نخل، أي تصبح مصر في مرمى مدفعيتهم، ويصبح خليج العقبة بحيرة مغلقة مِلك تركيا وازعاج متواصل لأمن طريق التجارة إلى الشرق.


تلك العروض لم تكن بريطانيا العظمى لتقبلها؛ وبينما ظل السلطان متعسفاً ، فقد قدم السفير البريطاني في 3 مايو مذكرة إلى الباب العالي تطلب الانصياع للمقترحات البريطانية في ظرف عشرة أيام. السفير التركي في لندن أخبره وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد گريْ أنه لو وجدت بريطانيا أن السيادة الإسمية للدولة العثمانية على مصر تتعارض مع حقوق الحكومة البريطانية بتدخل تركيا في الشئون المصرية وفي معارضة الاحتلال البريطاني لمصر، فإن الوضع البريطاني في مصر ستحافظ عليه الامبراطورية البريطانية بكل ما أوتيت من قوة. وتحرك أسطول بريطاني إلى الدردنيل في مقابل اسطنبول. فقط حينئذ، تراجع السلطان ووافق (في 14 مايو) على أن خط الترسيم يبدأ من رفح ويتجه باتجاه الجنوب الشرقي "في خط مستقيم تقريباً إلى نقطة على خليج العقبة على بعد لا يقل عن 3 ميل من العقبة" وتم سحب القوات العثمانية من طابا وتم ترسيم الحدود بلجنة تركية-مصرية مشتركة. وقد تم توقيع اتفاقية في 1 اكتوبر للإرساء النهائي لخط الحدود

في عام 1906، اعتزم العثمانيون والألمان مد سكة حديدية من معان إلى العقبة، وهذه السكة تجعل لتركيا (وحليفتها ألمانيا) قوة جديدة على حدود مصر، وتهدد مركز الإحتلال الإنگليزي، فاهتم الإنگليز بهذا الحادث، واعتبروا أن وصول السكك الحديدية الألمانية-العثمانية إلى العقبة سيشكل منافس لقناة السويس في الشحن بين الشرق والغرب. فأرسلت بريطانيا ضابطاً كبيراً عهدوا إليه وضع نقط عسكرية على طول الخط من العريش إلى العقبة، باعتبار أنها من أملاك مصر، إذ هي جزء من طور سيناء المعهودة ادارتها إلى مصر، ولكن الجنود الأتراك احتلوا موقع طابا على بعد ثمانية أميال غربي العقبة.[7]

قام لذلك خلاف شديد بين تركيا وإنگلترا، ظهرت فيه بمظهر الدولة الحامية لمصر، إذ طالبت إنگلترا تركيا باسم مصر أن تجلو عن طابا، وتهددت وتوعدت كما لو كانت مصر جزءاً من أملاكها، فكان هذا المظهر من علامات الحماية التي أثارت سخط مصطفى كامل، فاستنكر موقف إنگلترا من هذه الحادثة ودعا الإنگليز إلى الجلاء عن مصر بدلاً من أن يتظاهروا بالدفاع عن حقوقها.

كانت تركيا (وألمانيا) ترمي بعملها هذا إلى فتح باب المسألة المصرية من جديد لإجبار إنگلترا على الوفاء بعهودها في الجلاء، ومن هنا جاء عطف الأمة المصرية على موقفها في هذه الحادثة، إذ كان شبيها من بعض الوجوه بموقف فرنسا في حادثة فاشودة، وقد كانت تركيا تتوقع أن تؤيدها بعض الدول الأوروبية في فتح المسألة المصرية، ولكن فرنسا كانت بحكم الاتفاق الودي مؤيدة لإنگلترا، وطلب سفيرها في الأستانة من الحكومة التركية الإذعان لمطالب إنگلترا، ووقفت روسيا موقفا يشبه موقف فرنسا، ولزمت ألمانيا الجمود حيال هذا الخلاف، مما جعل تركيا تجنح للتراجع

نتهت الحادثة بانسحاب الترك من طابا في مايو سنة 1906، وتأليف لجنة مصرية تركية لتسوية مسألة الحدود على قاعدة معاهدة لندن سنة 1840 وتلغراف 8 أبريل سنة 1892 المرسل إلى الخديوي عباس الثاني والذي خوّل مصر ادارة شبه جزيرة طور سيناء، وانتهت اللجنة من عملها في 1 أكتوبر سنة 1906، إذ تم الاتفاق على الحدود الشرقية على أن تكون خطا ممتداً من رفح على البحر الأبيض المتوسط إلى نقطة واقعة غربي العقبة بثلاثة أميال، وبقيت طابا ضمن أملاك مصر والعقبة من أملاك تركيا

متواصل
06-01-2019, 02:51 PM
اتفاقية ترسيم الحدود الشرقية البرية لمصر

اول أكتوبر 1906 - اتفاقية حدود مصر الشرقية

هذه هى الاتفاقية التى وقع عليها وتبودلت فى رفح 13 شعبان المعظم سنة 1324 الموافق 18 أيلول سنة 1322 الموافق أول أكتوبر سنة 1906 بين مندوبى الدولة العلية ومندوبى الخديوية الجليلة المصرية بشأن تعيين خط فاصل ادارى بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طورسينا.[8] بما أنه قد عهد الى كل من :

بما أنه قد عُهد إلى كل من الأميرالاي أركان حرب أحمد مظفر بك والبكباشي أركان حرب "محمد فهمي بك" بصفتهما مندوبا الدولة العلية وإلى كل من أمير اللواء إبراهيم فتحي والأميرالاي روجر كارمايكل روبرت أوين بك بصفتهما مندوبا الخديوية الجليلة المصرية بتعيين خط فاصل ادارى بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وبين شبه جزيرة طورسينا قد اتفق الفريقان باسم الدولة العلية والخديوية الجليلة المصرية على ما يأتي:

مادة 1 - يبدأ الخط الفاصل الادارى كما هو مبين بالخريطة المرفوقة بهذه الاتفاقية من نقطة رأس طابه الكائنة على الساحل الغربى لخليج العقبة ويمتد الى قمة جبل فورت مارا على رؤوس جبال طابه الشرقية المطلة على وادى طابه ثم من قمة جبل فورت يتجه الخط الفاصل بالاستقامات الآتية : من جبل فورت الى نقطة لا تتجاوز مائتى متر الى الشرق من قمة جبل فتحي باشا ومنها الى النقطة الحادثة من تلاقى امتداد هذا الخط بالعمود المقام من نقطة على مائتى متر من قمة جبل فتحى باشا على الخط الذى يربط مركز تلك القمة بنقطة المفرق ( المفرق هو ملتقى طريق غزة الى العقبة بطريق نخل إلى العقبة ) ومن نقطة التلاقى المذكورة الى التلة التى الى الشرق من مكان ماء يعرف بثميلة الردادى والمطلة على تلك الثميلة ( بحيث تبقى الثميلة غربى الخط) ومن هناك الى قمة رأس الردادى المدلول عليها بالخريطة المذكورة أعلاه بـ A3 ومن هناك الى رأس جبل الصفرة المدلول عليها بـ A4 ومن هناك الى القمة الشرقية لجبل أم قف المدلول عليها بـ A5 ومن هناك الى نقطة مدلول عليها بـ A7 الى الشمال من ثميلة سويلمة ومنها الى نقطة مدلول عليها بـ A8 الى غرب الشمال الغربى من جبل سماوى ومن هناك الى قمة التلة التى الى غرب الشمال الغربى من بئر المغارة ( وهو بئر فى الفرع الشمالى من وادى ما بين بحيث يكون البئر شرقى الخط الفاصل) ومن هناك الى A9 ومنها الى A9 bis غربى جبل المقراة ومن هناك الى رأس العين المدلول عليها بـ A10 bis ومن هناك الى نقطة على جبل أم حواويط مدلول عليها بـ A11 ومن هناك الى منتصف المسافة بين عمودين قائمين تحت شجرة على مسافة ثلثمائة وتسعين مترا الى الجنوب الغربى من بئر رفح والمدلول عليه بـ A13 ومن هناك الى نقطة على التلال الرملية فى اتجاه مائتين وثمانين درجة (280) من الشمال المغناطيسى (أعنى ثمانين درجة الى الغرب) وعلى مسافة أربعمائة وعشرين مترا فى خط مستقيم من العمودين المذكورين ومن هذه النقطة يمتد الخط مستقيما باتجاه ثلثمائة وأربع وثلاثين درجة (334) من الشمال المغناطيسى (أعنى ستا وعشرين درجة الى الغرب ) الى شاطئ البحر الأبيض المتوسط مارا بتلة خرائب على ساحل البحر.
مادة 2 - قد دل على الخط الفاصل المذكور بالمادة الأولى بخط أسود متقطع فى نسختى الخريطة المرفوقة بهذه الاتفاقية والتى يوقع عليهما الفريقان ويتبادلانها بنفس الوقت الذى يوقعان فيه على الاتفاقية ويتبادلانها.
مادة 3 - تقام أعمدة على طول الخط الفاصل من النقطة التى على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى النقطة التى على ساحل خليج العقبة بحيث ان كل عمود منها يمكن رؤيته من العمود الذى يليه وذلك بحضور مندوبى الفريقين.
مادة 4 - يحافظ على أعمدة الخط الفاصل هذه كل من الدولة العلية والخديوية الجليلة المصرية.
مادة 5 - اذا اقتضى فى المستقبل تجديد هذه الأعمدة أو الزيادة عليها فكل من الطرفين يرسل مندوبا لهذه الغاية وتطبق مواقع العمد التى تزاد على الخط المدلول عليه فى الخريطة.
مادة 6 - جميع القبائل القاطنة فى كلا الجانبين لها حق الانتفاع بالمياه حسب سابق عاداتها أى أن القديم يبقى على قدمه فيما يتعلق بذلك وتعطى التأمينات اللازمة بهذا الشأن الى العربان والعشائر وكذلك العساكر الشهانية وأفراد الأهالى والجندرمة ينتفعون من المياه التى بقيت غربى الخط الفاصل .
مادة 7 - لا يؤذن للعساكر الشهانية والجندرمة بالمرور إلى غربي الخط الفاصل وهم مسلحون .
مادة 8 - تبقى أهالي وعربان الجهتين على ما كانت عليه قبلا من حيث ملكية المياه والحقول والأراضي فى الجهتين كما هو متعارف بينهم .
التـوقـيــع
مندوبون من قبل الخديوية الجليلة المصرية مندوبون من قبل الدولة العلية
أمير اللواء إبراهيم فتحي أميرالاي أركان حرب أحمد مظفر بك
أميرالاي أوين بك بكباشي أركان حرب "محمد فهمي بك"
النتائج
كان من نتائج شعور الكراهية الذي بدا من المصريين حيال الاحتلال في حادثة العقبة أن قررت الحكومة البريطانية زيادة عدد جيش الاحتلال، فزاد من 2.906 جندياً إلى 4.758، وزادت النفقات التي تتحملها مصر في هذا الصدد من 97.500 جنيه إلى 141.375 جنيهاً، وجاءت هذه الزيادة دليلاً على اتساع الهوة بين الأمة والاحتلال وتفنيداً لمزاعم أنصاره الذين كانوا يرجفون بأن الأمة راضية عنه مواليه لحكمه.

حادثة طابا ألهبت موجة من مشاعر الجامعة الإسلامية بقيادة مصطفى كامل وغيره، الذين تحدوا حق بريطانيا في التفاوض على أراضي مصرية. وكان مصطفى كامل قد بدأ للتو في نشر جريدة اللواء لإذكاء الروح الوطنية ضد الإنجليز. ولذلك كان مصطفى كامل مؤيداً لمطالب الدولة العثمانية في أخذ جزء من شبه جزيرة سيناء




الأطماع الألمانية في قناة السويس

التداعيات السياسية
كانت تداعيات أزمة طابا الأولى عميقة الأثر في استكمال أسباب عزلة مصر، وفي استكمال أسباب القطيعة بين مصر والمشرق العربي، وامتدت آثارها بشكل مباشر على الشأن الداخلي المصري، فقد تنازعت مصر تيارات فكرية متوازية ما بين التيار التقليدي القائم على مفهوم التضامن الإسلامي، بهدف مقاومة خطر التغلغل الاستعماري الأوروبية في العالم الإسلامي، ووسيلة المقاومة هي التكتل تحت راية السلطان العثماني وتحت مظلة دولة الخلافة الإسلامية، وفي إطار الجامعة الإسلامية. وفي ظل هذا التيار التقليدي ظهر تيار فكري شديد الالتحام بالتيار الأصلي حيث يؤكد حركة الجامعة الإسلامية تحت لواء السلطان التركي، ولكنه ينادي بالاستقلال الذاتي المحلي ويطالب بجلاء القوات البريطانية عن مصر. وكان هذا التيار التقليدي مدعوما من السلطان التركي، وممولا من قبل المعتمد التركي في مصر، وبتأييد وتحالف مع الخديوي عباس الثاني.

أما التيار الفكري الآخر فقد كان تيارا وطنيا تحريريا له ايديولجية مختلفة تماما، ويمكن أن نطلق عليه حركة وطنية موجهة ضد الاستعمار البريطاني في مصر، وهيمنته على سياسة ومقدرات مصر. كان لهذه الحركة الوطنية مرتكزات مهمة منها عملية حراك سياسي وحراك اجتماعي ثقافي. كان هدف الحراك السياسي هو القضية الوطنية والتي سرعان ما تحولت إلى حركة وطنية يقودها المتعلمون والمثقفون أمثال أحمد لطفي السيد، ومحمد حسين هيكل، وقد حسم الأمر لصالح التيار الوطني بعد إعلان الحماية البريطانية على مصر في 1914 لعدة أسباب يمكن ذكر بعض منها:

شحوب الوجود العثماني في مصر منذ قدوم الحملة الفرنسية 1798.
الدولة المركزية القائمة على تحديث الأنظمة الاقتصادية والتعليمية والادارية والعسكرية، ارتبطت بالثقافة الأوروبية التي تمد الايديولوجية الوطنية، وأن من حق كل قومية أن يكون لها وطن مستقل.
اضمحلال الحزب الوطني بسبب:
أدرك الخديوي عباس الثاني أنه لا فائدة من التعويل على الباب العالي لمقاومة الاحتلال البريطاني، وبالتالي فترت العلاقة بين المركز والوسيلة.
لم يستطع تفسير موقفه تجاه رغبته في التنازل عن أرض مصرية إرضاء لدولة الخلافة الإسلامية على حساب حق الاقليم الأصيل في كامل أراضيه.
لم يستطع الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل أن يعترف بأن الدولة العلية والغازي مختار باشا، كانا يمدانه بالمال للقيام بالدعاية ضد الاحتلال البريطاني.
انهيار الحزب الوطني بوفاة زعيمه مصطفى كامل، مقابل ظهور أحزاب سياسية ذات برامج وطنية أكثر تحررا وانفصالا من الجامعة الاسلامية.
تنامي مشاعر الوطنية في مصر وتأكيد هويتها القطرية، في ضوء الانقلاب الدستوري العثماني وما أعقبه من التحول من الجامعة الإسلامية إلى الجامعة الطورانية.
حادثة دنشواي في 13 يونيو 1906 التي نبهت الشعور الوطني تنبيها عنيفا ضد سلطات الاحتلال في مصر. وأدرك الشعب المصري أن الحادثة كانت مظاهرة للقوة، ولترويع الشعب المصري، حتى ينكفئوا على ذاتهم ويؤثرون السلامة. فهم - ولم يستكن - الشعب المصري أن كل من يتحدى السلطات المحتلة يكون أمثولة لإدخال الخوف والفزع في نفوس المصريين.
خلع الخديوي عباس الثاني عن عرش مصر، بعدما فقدت السلطات البريطانية في مصر الثقة فيه، على إثر اطلاعهم على المراسلات السرية بينه وبين السلطان العثماني أثناء أزمة طابا، فكانت فرصة سفره ونشوب الحرب العالمية الأولى فرصة مواتية.
تغير السياسة البريطانية إزاء مصر لاستيعاب الرأي العام.
تحولات داخلية تلبية للرأي العام المصري المطالب بنظام يكفل اشتراك الأمة مع الحكومة في ادارة شؤونها الداخلية، أي انشاء نظام دستوري.
القضاء على نفوذ المندوب التركي في مصر، مقابل الهيمنة البريطانية، إلى أن اضطرت سلطات الاحتلال في أول عهد وزارة بطرس غالي باشا إلى الاعتراف لمصر بحقها في ادارة شؤونها وتخويل مجلس شورى القوانين سلطات البرلمان مع حقه في مراقبة أعمال الحكومة.
رغم مواقف اللورد كرومر الجيدة في أزمة طابا، فإن حادثة دنشواي وتنامي المشاعر الوطنية كانت من أهم أسباب إقالة الرجل من منصبه.
كان الحراك السياسي، والحراك الاجتماعي - الثقافي من معين التيارات الفكرية الوطنية التحررية، وإن كان الحراك السياسي يتسم بالفاعلية والنشاط، فإنه على النقيض من الحراك الاجتماعي لأنه يواجه مشكلات شديدة التعقيد، إضافة إلى أنه يتسم بالبطئ الشديد، ويواجه بمقاومة عنيفة بسبب المتراكم العقائدي المغلوط والموروث الثقافي مع ضيق أفق الحياة الاجتماعية التي ترفض التغيير لما سيترتب عنه من تغير الأنساق الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى موقف سلطات الاحتلال لكل ما يتعارض مع مصالحها في مصر. كان الحراك الاجتماعي-الثقافي متمثلا في:

الدعوة إلى التفكير الحر، وفتح باب الاجتهاد في المسائل الدينية.
دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، وحقها في التعليم ورفع الحجاب والمشاركة في الحياة العامة.
الدعوة إلى مراجعة النظم السياسية وكتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم".
الدعوة إلى إنشاء جامعة مصرية أهلية.
الدعوة إلى تعريب التعليم في مراحله المختلفة.
تلك بعض ملامح الحراك السياسي والحراك الاجتمااعي التي انعكست نتيجة حدة الصراح الذي احتدم بين الدولة العثمانية التي لها حق الملكية وبين سلطات الاحتلال البريطاني الذي يمثل السلطة الفعلية، والتي سرعان ما تحولت إلى تيارات فكرية ساعدت المجتمع المصري على التحول الجذري، وبالفعل أتت ثمارها.

لا شك في أن لأزمة طابا الأولى 1906 انعكاساتها على الحياة السياسية والقوى السياسية والاجتماعية في مصر، تلك الأزمة التي وضعت بذور نشوء القومية المصرية - دون العربية - والانتماء المصري والولاء الوحيد لمصر، أو بعبارة أخرى، تحديد الذات والهوية والشخصية المصرية بعيدا عن الهيمنة العثمانية التي سيطر عليها عامل الدين أو عامل الجامعة الدينية. أيضا للأزمة انعكاساتها في المجال الدولي، فقد كانت الأزمة احدى وسائل تكريس وتطبيق الاتفاق الودي الإنجليزي الفرنسي 1904، فقد كانت محك الاختبار لبيان صلاحيته، ومصداقية أطرافه، إضافة ألى قياس مدى المكاسب التي يمكن جنيها من تضامنها.

وانعكست الأزمة على العلاقات العثمانية-الألمانية، فبالرغم من أن الأزمة بدأت بسبب رغبة ألمانيا استخلاص أراضي في المشرق العربي لمشروعها سكة حديد الحجاز، إلا أن ألمانيا من مساندة الدولة العثمانية في مواجهة التحالف الفرنسي-الروسي، والاتفاق الودي الفرنسي الإنجليزي، وهذا الموقف سيدفع تركيا للانضمام لدول الوسط "ألمانيا والنمسا" في مواجهة تكتل دول الوفاق عام 1914 مع بداية الحرب العالمية الأولى.

أيضا أوضحت أزمة طابا - دوليا - أن الدولة العثمانية التي تبدو متشددة، هي دولة ضعيفة في ذاتها، أشد ضعفا في مواجهة التحالفات الأوروبية، أن هذا الضعف الواضح والبادي للعيان، أثار دول البلقان التي كانت لا تزال خاضعة للنفوذ العثماني لفتح باب حروب البلقان للتخلص من السيطرة العثمانية لاسترداد حريتها واستقلالها.

أي أن أزمة طابا الأولى 1906 كانت نموذجا لتعاون القوى الكبرى ضد الدولة العثمانية، وكانت بمثابة انكشاف لضعف هذه الدولة مما أدى إلى:

حروب البلقان، أي تراجع النفوذ التركي من أوروبا.
محاربة مشروع الجامعة الإسلامية لتفتيت الممتلكات التركية.
في حقيقة الأمر، فإن موقف بعض التيارات السياسية المصرية المؤيدة لمشروع الجامعة الإسلامية، وما بدا من أن الوطنيين المحليين يفضلون في البلاد الإسلامية التضحية ببلادهم وحقوقهم في أراضيهم، من الوقوف موقف العداء من دولة الخلافة الإسلامية، مما أظهر تلك الحركات أو التيارات السياسية الوطنية على أنها ليست حركات سياسية تحررية، إنما هي حركات دينية مبنية على الولاء الديني، مما سهل على الدول الاستعمارية (إنجلترا وفرنسا) ضرب الحركات الوطنية، وضرب فكرة الجامعة الإسلامية بحجة مقاومة التعصب الديني، وبنتا سياستهما في العالم العربي على هذا الأساس مما ثبت وقوى نفوذهما ووجودهما لفترة طويلة في المنطقة العربية.

وما يخص موضوع الدراسة، أنه نتيجة للحياة السياسية ودور القوى السياسية المصرية، إضافة إلى سياسة سلطات الاحتالال التحكمية، فإن الخط الفاصل الذي لم يرق إلى مرتبة حدود دولية بحكم وضعية مصر القانونية واستمرار تبعية مصر الاسمية للدولة العثمانية، قد أخذ يزداد صلادة حتى عام 1914، وتحول الخط إلى حدود دولية في شرق مصر بعد أعلان الحماية البريطانية عليها.

ورغم تحوطات الدولة العثمانية في استمرار تبعية مصر لها كاحدى ولاياتها بحق الملكية، فإن حكومة لندن كانت تتحين الفرصة الملائمة ل:

خلع الخديوي عباس من خديوية مصر.
الاستئثار بمصر كمستعمرة بريطانية.
شل فاعلية المندوب السامي التركي في مصر.
وبالفعل مع نشوب الحرب العالمية الأولى في يوليو 1914، وأثناء وجود الخديوي عباس الثاني في الأستانة لقضاء الصيف كعادته كل عام، فقد رفضت الحكومة البريطانية مساعدته في العودة إلى مصر، ونصحته بالاتجاه إلى بلد محايد وليكن إيطاليا. والواقع أن بريطانيا لم ترغب في مساعدة الخديوي في العودة إلى مصر لأنه لم يكن في توجهه السياسي بالنسبة لبريطانيا ما يشجعها على أجابة طلبه، خشيت أن يزداد مركزها حرجا في هذه الظروف خلال فترة الحرب، فقررت عزله وعينت بدلا منه السلطان حسين كامل في 19 ديسمبر 1914.

وقد عينت الحكومة البريطانية مندوبا بريطانيا ساميا وهو السير هنري مكماهون، وبدلت اسم الوكالة البريطانية بدار الحماية البريطانية، وقد طرح السيد ملن شيتهام نائب الحكومة البريطانية في القاهرة سياسة حكومة لندن في عهد مصر الجديد في ظل الحماية البريطانية من خلال بلاغ أرسله إلى البرنس حسين كامل. من تحليل مضمون هذا البلاغ يمكن تحديد التالي بالترتيب وفق ما جاء بالبلاغ:

أن نشوب الحرب ودخول تركيا إلى جانب دولتي الوسط، نتج عنه تغير في مركز مصر.
أن بريطانيا ودول الحلفاء حريصون على عدم انتهاك حقوق الدولة العثمانية. إلا أن تركيا أعلنت الحرب واجتازت الحدود المصرية، وهاجم الأسطول التركي الموانئ الروسية بقيادة ألمانية.
لدى حكومة لندن الادلة الكافية على أن الخديوي عباس قد انضم إلى أعداء بريطانيا منذ نشوب الحرب.
سقوط جميع حقوق سلطان تركيا والخديوي عباس على مصر، وآلت إلى البرنس حسين كامل الذي اعطته لقب سلطان مصر.
جيوش بريطانيا هي المعنية الوحيدة بمسئولية الدفاع عن مصر.
ضرورة تشكيل حكومة جديدة في ظل الوضعية الجديدة بعد استرداد حقوق السيادة وجميع الحقوق الاخرى.
أن خير وسيلة للدفاع عن مصر هو إعلان الحماية البريطانية، واعتبار مصر محمية بريطانية، ولكن سيظل حكم مصر في أسرة محمد علي.
أن بزوال السيادة العثمانية، تزول جميع القيود المفروضة بمقتضى الفرمانات والخاصة بعدد الجيش المصري، وحق السلطان في منح الرتب والنياشين.
إلغاء وزارة الخارجية المصرية، لأن دار الحماية البريطانية هي المعنية بشؤون العلاقات الدولية.
فيما يخص ادارة البلاد الداخلية، فإن التدرج في إشراك المحكومين في الحكم مشروط بمقدار ما تسمح به حالة الأمة من الرقي السياسي، وأن حكومة بريطانيا ترى أن تحديد مركزها في مصر سيؤدي إلى التقدم سريعا نحو الحكم الذاتي.
تؤكد على احترام العقائد الدينية ومذاهبها، مع التأكيد على أنه لا علاقة بين الروابط السياسية والروابط الدينية.
ضرورة اجراء اصلاحات لتهيئة المصريين لتسهيل مهمة قائد الجيوش البريطانية المكلف بحفظ الأمن داخل البلاد وبمنع كل عون للعدو.
هذا البلاغ يحتوي على أمور متعددة ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، فالقسم الأول يتناول تبريرا وتوضيحا لما طرأ على وضعية ومركز مصر. يوضح البيان أنه بسبب دخول تركيا الحرب في جانب ألمانيا، أي الجبهة المعادية لإنجلترا وحلفائها، وبسبب اجتياز القوات التركية الحدود الشرقية المصرية، والاعتداء عليها ودخول سيناء، لذا سقطت جميع حقوق تركيا في مصر.

وأيضاً بسبب الأدلة التي تؤكد انحياز الخديوي عباس إلى ألمانيا منذ نشوب الحرب، فقد سقط عنه حق حكم مصر وتم عزله، واستبداله بالبرنس حسين كامل، الذي منح لقب سلطان مصر. فقد رفضوا استخدام لقب خديوي باعتباره مسمى تركياً ويشير بشكل ما إلى الدولة العثمانية، لذا استبعدوا استخدام هذا المسمى لإزالة أي لبس أو أي شكل من أشكال الارتباط بالدولة العثمانية، وكذلك لم يخلعو عليه لقب ملك مصر، حتى لا يتساوى جلالة ملك مصر مع جلالة ملك بريطانيا العظمى. ولكن حافظت حكومة لندن على أن يكون الحكم من أمراء العائلة الخديوية طبقا للنظام الوراثي المعمول به.

أما القسم الثاني من البلاغ، فقد كان بهدف إعلان الحماية على مصر، أي أن مصر مستعمرة بريطانية، وأن القوات البريطانية لها لحق ومسئوله - وحدها - عن الدفاع عن أمن مصر. وكذلك معنى الحماية أن جميع الرعايا المصريين مشمولون بحماية حكومة ملك بريطانيا: لاشك في أن هذه العبارة الأخيرة هي من قبيل الأساليب الدبلوماسية الفارغة المضمون، وهو ما ستشهد به الأحداث حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.

وأيضاً بتضمين هذا القسم، أن وكيل الحكومة البريطانية هو فقط المعني بالعلاقات الخارجية، وبالتالي لا داعي لوزارة الخارجية المصرية، فهناك الوكيل المعني بتمثيل مصر دولياً.

ويشير القسم الثاني من البلاغ، على ضرورة طرح ومناقشة المعاهدات الدولية المعروفة بالامتيازات الأجنبية فيما بعد أن تضع الحرب أوزارها.

أما القسم الثالث، والقسم الذي يكمل الصورة الاستعمارية في أسوأ صورها، حيث تدعى أن بريطانيا وتقاليدها السياسية الراسخة وبالاتحاد مع حكومة مصر سوف تضمن الحرية الشخصية، وترقية التعليم، وإنماء مصادر ثروة البلاد الطبيعية، واتقدم الوعد بالتدريج - فيما بعد - في إشراك الشعب في الحكم ولكن الامر مشروط بدرجة الرقي السياسي للشعب المصري حتى يكون قادرا على ادارة الحكم وصولا إلى الاهدف وهو الحكم الذاتي. أن صياغة البيان ليس بجديد على الدول الاستعمرياة، فهي وسيلتها كمحاولة لتبرير وجودها غير الشرعي، وسيلة قد يصدقها البعض لحين، ومن أسوأ الصياغات هي الوعد بمنح مصر الحكم الذاتي، رغم رؤيتها لنمو الحركة الوطنية، وتزايد مشاعر الوطنية، والمطالبة بالاستقلال التام، لم تكن تهدف إلى الوصول إلى الحكم الذاتي تحت اشراف هيمنة بريطانية، وإنما يريدون عودة الوطن إلى أهله الأصليين.

وفي إطار البلاغ، يؤكد ملن شتيهام أن حرية واحترام العقائد والمذاهب مكفولة، مع التأكيد على أن اخلاص المسلمين المصرييين للخلافة لا علاقة له البتة بالروابط السياسية التي تربط بين مصر والأستانة.

وكذلك يطلب البلاغ من سلطان مصر حسين كامل اجراء اصلاحات داخلية من شأنها تسهيل مهمة قائد الجيوش البريطانية، ومنع كل عون للعدو، كان المقصود بالعدو الأول تركيا حيث المشاعر الدينية التي تجذب المواطنين البسطاء.

والعدو الثاني ألمانيا والنمسا، حتى لا تنجذب إليها قوى سياسية مصرية مؤيدة لألمانيا باعتبارها الدولة القوية المنتصرة التي تجتاح أوروبا، مما يسبب بلبلة في الشأن الداخلي، ويفتت الجبهة المصرية باعتبارها محمية بريطانية لابد أن تلعب دور المؤيد والمساند والمعاون لها.

أي أن الأمر تراوح ما بين التهيئة الداخلية، وما بين التهديد وهو ما يعني أن الأمر يحتاج إلى اجراءات استثنائية وفرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية وفرض الرقابة على المطبوعات، إضافة إلى اجراءات أمنية مشددة داخل البلاد.

تلك طبائع الأمور في حالة دولة مستعمرة من قرون عديدة، وتواجه مستعمراً جديدا يطمع في فرض سيطرته على البلاد ومقدراتها، ولكن يظل البلاغ هو الصيغة الاستعمارية بادعاءاتها، التي تكرر نفسها حتى يومنا هذا.

وأهم ما يخص موضوع الدراسة، أنه سقطت حقوق الدولة العلية في مصر، ولم يعد الخط الاداري الفاصل في إطارة حوزة الدولة العثمانية، ولكنه أصبح حداً دولياً، ويتأكد ذلك من خلال مجموعة اجراءات مهمة تمت فيما بين الحرب العالمية الأولى 1914-1918، ثم في فترة الانتداب على فلسطين 1923-1948، ثم فيما بعد حرب 1948

متواصل
06-01-2019, 02:52 PM
https://www.marefa.org/images/thumb/6/6e/SuezCanal-EO.JPG/180px-SuezCanal-EO.JPG

قناة السويس Suez Canal، هي ممر مائي إصطناعي في مستوى سطح البحر في مصر، يصل بين البحر المتوسط والبحر الأحمر. أُفتتح في نوفمبر 1869 بعد 10 سنوات من الإنشاء، يسمح للسفن بالسفر بين أوروپا وشرق آسيا بدون الإبحار حول أفريقيا. النهاية الشمالية هي بورسعيد؛ النهاية الجنوبية هي بورتوفيق عند مدينة السويس. تقع الإسماعيلية على الضفة الغربية للقناة، على بعد 3 كم من منتصف الطريق.[1]

عند بناؤها، كان طول القناة 164 كم وعمقها 8 أمتار. بعد الكثير من التوسعات، وصل طولها إلى 193.30 كم، وعمقها إلى 24 متر وعرضها إلى 205 متر.[2] تتألف من منفذ الدخول الشمالي بطول 22 كم، القناة نفسها بطول ومنفذ الدخول الجنوبي بطول 9 كم.[3]

هناك ممر ملاحي واحد بالقناة داخل مناطق المرور في تفريعة البلاح وفي البحيرة المرة الكبرى.[4] ولا تحتوي على هويس؛ تتدفق مياه البحر بحرية عبر القناة. بصفة عامة، شمال القناة تتدفق البحيرات المرة شمالاً في الشتاء وجنوباً في الصيف. التيار الجنوبي للبحيرات يتغير بتأثير المد والجزر عند السويس.[5]

القناة مملوكة وتحت إشراف هيئة قناة السويس[6] المصرية. بموجب معاهدة دولية، قد تستخدم "في وقت الحرب كما تستخدم في وقت السلم من قبل السفن التجارية أو الحربية، بدون التمييز بين العلم."[7]

في 2017 عبرت القناة 17.555 سفينة.[8]

في أغسطس 2014، أطلق مشروع لإنشاء قناة ثانية عن منتصف مسار القناة، بتكلفة 4 بليون دولار، لزيادة قدرة القناة.

عنى حكام مصر الأقدمون بحفر قناة صناعية تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط ولكن بشكل غير مباشر و ذلك من خلال ربطهما بنهر النيل أو بأحد فروعه (الفرع البيلوزى), ومن أشهر تلك القنوات:



التاريخ القديم
قناة الملك سنوسرت الثالث عام 1874 ق.م
قام الملك سنوسرت الثالث وهو أحد ملوك الأسرة الثانية عشر بشق قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر عن طريق النيل وفروعه. فكانت السفن القادمة من البحر الأبيض تسير في الفرع البيلوزي من النيل حتى"بوباستس" (الزقازيق) ثم تتجه شرقاً إلى "تيخاو" (أبو صوير) ومنها عبر البحيرات المرة التي كانت خليجاً متصلاً بخليج السويس ومنها إلى البحر الأحمر. ومازالت آثار هذه القناة واضحة المعالم حتى الآن بمحاذاة المجرى الحالي لقناة السويس بالقرب من (جنيفة). إلا أن هذه القناة كثيراً ما ردمت وتجددت في عصور الفراعنة والرومان.

قناة سيتى الأول عام 1310 ق.م
جاء سيتي الأول ملكا على مصر خلفاً لأبيه "رمسيس الأول" مؤسس الأسرة التاسعة عشر، وقد اختلف المؤرخون في دوره في حفر القناة، ولكن الأرجح أنه أعاد حفر القناة في عهده من عام 1319 ـ 1300 ق.م.

قناة نخاو عام 610 ق.م
الملك نخاو هو أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، فكر في حفر قناة تصل بين النيل والبحر الأحمر وحول هذا الموضوع يقول "هيرودوت" (القرن الخامس ق.م): "أنجب أبسماتيك نبكوس (نخاو) الذي حكم مصر وهو أول من شرع في حفر القناة التي تؤدي إلى بحر أروتوري (البحر الأحمر).

قناة دارا الأول عام 510 ق.م
في عهد الاحتلال الفارسي لمصر، ظهرت أهمية برزخ السويس، حيث ازدهرت خطوط المواصلات البحرية بين مصر وبلاد فارس عبر البحر الأحمـر، وإبان حكـم "دارا الأول" مـلك الفرس مـن عام 522 ـ 485 ق.م الذي أعاد الملاحة في القناة، وتوصيل النيل بالبحيرات المرة، وربط البحيرات المرة بالبحر الأحمر.

قناة الإسكندر الأكبر (335 ق.م
عندما فتح الإسكندر الأكبر ـ AL exander the Great مصر عام 332ق.م أشرف على تخطيط مشروع القناة لنقل سفنه الحربية من ميناء الإسكندرية وميناء أبي قير بالبحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر الدلتا والبحيرات المرة، كما بدأ تنفيذ مشروع قناة الشمال، إلا أن المشروعين توقفا لوفاته.

في القرن الثالث قبل الميلاد قام بطليموس الثاني ـPtolemyII " فيلادلفوس ـPtolemy Philadelphus 285 ق.م" باستكمال هذه القناة وأصبحت ممتدة من النيل حتى "أرسناو" (السويس حالياً) ولكن البيزنطيين أهملوها فطمرتها الرمال.

وأثناء الحكم الروماني لمصر، وفي عهد الإمبراطور الروماني "تراجان ـTrajan عام 117 ق.م أعاد الملاحة للقناة، وأنشأ فرع جديد للنيل يبدأ من "فم الخليج" بالقاهرة، وينتهي في "العباسة" بمحافظة الشرقية، متصلاً مع الفرع القديم الموصل للبحيرات المرة. واستمرت هذه القناة في أداء دورها لمدة 300 عام، ثم أهملت وأصبحت غير صالحة لمرور السفن.



قناة بطليموس الثانى عام 285 ق.م
قناة الرومان (راجان) عام 117 ق.م
قناة أمير المؤمنين عام 640 م
عندما فتح المسلمون مصر في عهد الخليفة "عمر بن الخطاب" على يد الوالي "عمرو بن العاص" عام 640م أراد توطيد المواصلات مع شبه الجزيرة العربية، فأعاد حفر القناة من الفسطاط إلى القلزم (السويس).. وأطلق عليها قناة أمير المؤمنين .. وكان المشروع في واقع الأمر ترميماً وإصلاحاً للقناة القديمة .. كان ذلك في عام 642م واستمرت هذه القناة تؤدي رسالتها ما بين 100 إلى 150 عاماً ..إلى أن أمر الخليفة "أبو جعفر المنصور" بردم القناة تماماً، وسدها من ناحية السويس، منعاً لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي ...ومن ثم أغلق الطريق البحري إلى الهند وبلاد الشرق وأصبحت البضائع تنقل عبر الصحراء بواسطة القوافل وأغلقت القناة حتى عام 1820.

الحاجة لحفر قناة السويس
بعد قيام الرحالة فاسكو دا جاما باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح لم تعد السفن القادمة تمر على مصر بل تدور حول قارة إفريقيا. وبعد ضمّ بريطانيا العظمى الهند إلى ممتلكاتها أصبح طريق رأس الرجاء الصالح حكراً على بريطانيا وحدها. لذلك فقد كان على فرنسا أن تفعل شيئاً يعيد لها مجدها وهيبتها لذا ظهرت الحاجة لحفر قناة السويس. ولكن معظم تلك المحاولات باءت بالفشل بسبب وجود اعتقاد خاطئ بأن منسوب مياه البحر الأحمر أعلى من مياه البحر المتوسط.

اكتشاف ناپليون للقناة القديمة
في عهد نابليون بونابرت وأثناء وجود الحملة الفرنسية بمصر، وتحديداً في 14 نوفمبر 1799م، كُلّف أحد المهندسين الفرنسيين ويدعى لوبيير بتشكيل لجنة لدراسة منطقة برزخ السويس لبيان جدوى حفر قناة اتصال بين البحرين. إلا أن التقرير الصادر عن لجنة لوبيير كان خاطئاً وذكر أن منسوب مياه البحر الأحمر أعلى من منسوب مياه البحر المتوسط بمقدار 30 قدم و 6 بوصات، بالإضافة لوجود رواسب وطمي النيل و ما يمكن أن بسببه من سد لمدخل القناة مما أدى لتجاهل تلك الفكرة.

ثمّ وفي أثناء حكم محمد علي باشا لمصر كان قنصل فرنسا بمصر هو مسيو ميمو ونائبه هو مسيو فرديناند دى لسبس و كان في ذلك الوقت عام 1833 جاء أصحاب سان سيمون الفرنسى الاشتراكي إلى مصر لإنشاء قناة السويس و لاقا حفاوة بالغة من مسيو دى لسبس و عرضا الفكرة على محمد على باشا إلا انه عرض الفكرة على المجلس الأعلى و فضل إنشاء قناطر على النيل لمنع إهدار ماء النيل في البحر.

فى عام 1840 وضع المهندس الفرنسى لينان دى بلفون بك و الذى كان يعمل مهندساً بالحكومة المصرية وضع مشروعاً لشق قناة مستقيمة تصل بين البحرين الأحمر و الأبيض و أزال التخوف السائد من علو منسوب مياه البحر الأحمر على البحر المتوسط و أكد أن ذلك لا ضرر منه بل على العكس سوف يساعد على حفر القناة و أن مياه النيل كذلك يجرى ماؤها من الجنوب إلى الشمال و تصب في البحر المتوسط.

فى 15 ابريل 1846 أنشأ السان سيمونيون بباريس جمعية لدراسات قناة السويس و أصدر المهندس الفرنسى بولان تالابو تقريرا في أواخر عام 1847 مبنياً على تقرير لينان دى بلفون أكد فيه إمكانية حفر قناة تصل بين البحرين دون حدوث أى طغيان بحرى.



شركة قناة السويس

عد أن تولى محمد محمد سعيد باشا حكم مصر في 14 يوليو 1854 تمكن مسيو دى لسبس - والذى كان مقرباً من سعيد باشا - من الحصول على فرمان عقد امتياز قناة السويس الاول و كان مكون من 12 بنداً كان من أهمها حفر قناة تصل بين البحرين و مدة الامتياز 99 عام من تاريخ فتح القناة و اعترضت انجلترا بشدة على هذا المشروع خفاً على مصالحها في الهند.

قام مسيو دى لسبس برفقة المهندسان لينان دى بلفون بك و موجل بك كبيرا مهندسى الحكومة المصرية بزيارة منطقة برزخ السويس في 10 يناير 1855 لبيان جدوى حفر القناة و أصدر المهندسان تقريرهما في 20 مارس 1855 و الذى أثبت سهولة انشاء قناة تصل بين البحرين. وقام مسيو دى لسبس بتشكيل لجنة هندسية دولية لدراسة تقرير المهندسان و زاروا منطقة برزخ السويس و بورسعيد و صدر تقريرهم في ديسمبر 1855 وأكدوا إمكانية شق القناة و أنه لا خوف من منسوب المياه لأن البحرين متساويين في المنسوب و أنه لا خوف من طمى النيل لأن بورسعيد شاطئها رملى.

فى 5 يناير 1856 صدرت وثيقتين هما عقد الامتياز الثانى و قانون الشركة الأساسى و كان من أهم بنوده هو قيام الشركة بكافة أعمال الحفر و إنشاء ترعة للمياه العذبة تتفرع عند وصولها إلى بحيرة التمساح شمالاً لبورسعيد و جنوباً للسويس و أن حجم العمالة المصرية أربعة أخماس العمالة الكلية المستخدمة في الحفر.

فى الفترة من 5 إلى 30 نوفمبر 1858 تم الاكتتاب في أسهم شركة قناة السويس و بلغ عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب 400 ألف سهم بقيمة 500 فرنك للسهم الواحد و تمكن مسيو دى لسبس بعدها من تأسيس الشركة و تكوين مجلس إدارتها.

فترة حفر قناة السويس

فى 25 ابريل 1859 أقيم حفل بسيط ببورسعيد للبدء بحفر قناة السويس و ضرب مسيو دى لسبس بيده أل معول في الأرض إيذاناً ببدء الحفر وكان معه 100 عامل حضروا من دمياط ولم يتمكن العمال بعدها من استكمال حفرهم بسبب معارضة إنجلترا والباب العالى لذلك واستكمل الحفر في 30 نوفمبر 1859 وذلك بعد تدخل الامبراطورة أوجينى لدى السلطان العثمانى ووصل عدد العمال المصريين إلى 330 عامل والاجانب 80 عامل، وتم الاستغناء عن فكرة الاستعانة بعمال اجانب لعدة اسباب من ضمنها ارتفاع اجورهم واختلاف المناخ واختلاف عاداتهم عن العمال المصريين.

فى اوائل عام 1860 بلغ عدد العمال 1700 عامل ولم يكن ذلك العدد كافياً على الاطلاق فقامت الشركة بتشكيل لجنة لجمع العمال و خاصة من منطقة بحيرة المنزلة وواجهت كذلك مشكلة مياه الشرب فقامت باستيراد 3 مكثفات لتحلية مياه البحر.

فى عام 1861 ركزت الشركة على انشاء ميناء مدينة بورسعيد، فأقامت منارة لإرشاد السفن و كوبرى يمتد من البحر إلى الشاطئ لتفريغ شحنات السفن و المعدات اللازمة للحفر و أنشأت أيضاً حوضاأ للميناء وأقامت الورش الميكانيكية مثل الحدادة و الخراطة و النجارة و أقامت مصنعاً للطوب و كانت الشركة مازالت تواجه مشكلة نقص مياه الشرب فاتفقت مع السيد محمد الجيار صاحب مراكب الصيد على نقل مياه الشرب من المطرية إلى بورسعيد.

قام الخديوى سعيد في 12 ابريل 1861 بزيارة الميناء الذى حمل اسمه فيما بعد وزار الورش وأثنى على العمل وتسببت تلك الزيارة في رفع عدد العمال اللازمين لحفر القناة.

فى 19 ابريل 1861 أرسلت الشركة 3000 عامل لحفر ترعة المياه العذبة بدءاً من القصاصين إلى قرية نفيشة بالقرب من بحيرة التمساح و وصلت المياه اليها في 23 يناير 1863.

فى أواخر عام 1861 قام الخديوى بزيارة مناطق الحفر بجوار بحيرة التمساح و اختار موقع المدينة التى ستنشأ بعد ذلك و التى حملت اسم الإسماعيلية و طلب بعدها مسيو دى لسبس زيادة عدد العمال إلى 25000 عامل شهرياً و قد كان ذلك للوفاء باحتياجات الحفر الا ان العمال لم يكونوا يحصلوا على مقابل مادى مناسب.

فى 18 نوفمبر 1862 أقام مسيو دى لسبس احتفالاً بمناسبة الانتهاء من حفر القناة البحرية المصغرة ووصول مياه البحر المتوسط إلى بحيرة التمساح و أقيم الخفل في منطقة نفيشة.

وكان الخديوى اسماعيل قد تولى حكم مصر في يناير 1863 وتحمس للمشروع ولذلك أنشأ محافظة القنال في مارس 1863 برئاسة اسماعيل حمدى بك وفى أواخر ذلك العام و تحديداً في 15 ديسمبر 1863 بلغت الترعة الحلوة مدينة السويس.

ولأن مشكلة مياه الشرب كانت مازالت مستمرة وخاصة في بورسعيد فقد بدأت الشركة في 10 ابريل 1864 في مد خط أنابيب المياه العذبة من التمساح إلى بورسعيد وقامت شركة المهندس لاسرو بذلك.

وبسبب كثرة العمال و عدم وجود رعاية صحية كافية لهم فقد انتشر أكثر من وباء بينهم قضى على كثير منهم و من أشهر هذه الأبئة وباء الكوليرا و ظهر في 16 يونيو 1865 ووباء الجدرى في أواخر عام1866. وفى 18 مارس 1869 وصلت مياه البحر المتوسط إلى البحيرات المرة. وفى 15 أغسطس ضربت الفأس الأخيرة في حفر القناة و تم اتصال مياه البحرين في منطقة الشلوفة.

وعليه فقد تم استخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال و التكاليف 369 مليون فرنك فرنسى و عدد العمال مليون. و يبلغ عدد الذين ماتوا أثناء الحفر 125 ألف عامل و يبلغ طول القناة 195 كم وعرضها 190 م غاطسها 58 قدم.

مياه الشرب

فى البداية كان يتم جلب المياه من دمياط عبر القوارب الصغيرة ومن الإسكندرية عبر سفينة مجهزة لذلك وتحمل 8 ألاف لتر من الماء و أقامت مكثفين لتقطير المياه في يونيو ثم يوليو عام 1859 ينتج كل منهما 5 ألاف لتر يومياً إلا إن الإنتاج الفعلى كان 900 لتر فقط لكل مكثف بسبب الخوف من الأعطال و لأن كل مكثف يستهلك كيلو جرام فحم مقابل لتر ماء، لذا اتفقت الشركة مع مصطفى عنانى بك صاحب مراكب الصيد ببحيرة المنزلة لجلب ما لا يقل عن 6 أمتار مكعبة يوميا من الماء مقابل 6 فرنكات للمتر في حين أن تقطير المتر يتكلف 20 فرنك و كان يتم توزيع المياه على المنازل بواسطة الفلاحين.

ثم اتفقت الشركة مع محمد الجيار بك وهو احد كبار ملاك السفن في بحيرة المنزلة لنقل المياه في براميل وأقامت الشركة له خزانا ضخماً سعته 32 متر مكعب.

ولم تتحسن الحالة إلا في عام 1866 حينما مد خط من الأنابيب من الإسماعيلية لبورسعيد و كان يوجد شبكة مواسير في المدينة يختلف قطرها حسب أهمية الشارع و توجد حنفيات عامة في مختلف الميادين و كان على المحافظة إمداد الحجاج بالمياه اللازمة لسفرهم و لوحظ أيضا كثرة المشكلات الناجمة عن قلة المياه بن السكان.


افتتاح قناة السويس

في 25 أبريل 1859 دشن دي لسبس حفر القناة في عهد الخديوي سعيد، وانتهى العمل بها بعد عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل الذي سافر إلى أوروبا في 17 مايو 1869 لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والعلم والأدب والفن لحضور حفل افتتاح القناة الذي عزم أن يقيمه في 17 نوفمبر 1869. وبعد أن عاد الخديوي إلى مصر بدأ في الإعداد للحفل الكبير فاستخدم 500 طاه وألف خادم ليكونوا في خدمة الضيوف، وطلب من دي لسبس أن يقوم بالاستعدادات لضيافة ستة آلاف مدعو.‏[10]

وفي يوم 15 أكتوبر 1869 بدأ المدعون بالقدوم ضيوفاً على مصر في بورسعيد مقر الحفل، والتي ضاقت أرجاؤها بالمصريين القادمين من جميع أنحاء مصر لمشاهدة فعاليات الافتتاح، بإيعاز من الخديوي إلى مديري الأقاليم ليرسل كل منهم جماعة من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيتية وركوبهم، فانتشروا على طول القناة، أعراب، وسودانيين وفلاحين، وصعايدة تعبيراً عن كافة طوائف الشعب المصري. فيما سافر الخديوي مع حاشيته ووزيريه نوبار باشا وشريف باشا إلى الإسكندرية حيث استقل يخته المحروسة وأبحر إلى بورسعيد، ورأى الخديوي السفن قادمة من جميع أطراف العالم تحمل ضيوفه الحاضرين على نفقته الخاصة، واصطفت أساطيل الدول في مرفأ بورسعيد ومن ضمنها الأسطول المصري وقد انتشرت على ضفاف القناة قوات الجيش المصري للحفاظ على نظام الاحتفال. وانطلقت طلقات المدافع مدوية احتفالا بوصول الضيوف واحدا تلو الآخر.‏‏[10]

بدأت الفعاليات بحفلة دينية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر 1869، وأقيمت ثلاث منصات خشبية كبيرة على شاطئ البحر مكسوة بالحرير والديباج ومزينة بالأعلام ومفروشة بأثمن السجاجيد ونشرت في أرجائها الرياحين والورود وصفت فيها الكراسي، فخصصت منصة الوسط للضيوف وعلى رأسهم مضيفهم خديوي مصر، وخصصت المنصة اليمنى للعلماء المسلمين في مقدمتهم الشيخ السقا والشيخ العمروسي والشيخ المهدي العباسي مفتي الديار المصرية، فيما خصصت المنصة اليسرى لأحبار الدين المسيحي ورجال الإكليروس وعلى رأسهم المنسيور كورسيا أسقف الإسكندرية والمنسيور باور الرسول البابوي. ونصب على الشاطئ الآسيوي خيالة بورسعيد وعلى الشاطئ الإفريقي المظلات البديعة للجماهير المدعوين. ووقفت السفن بالمرفأ على شكل قوس وكان عددهم يفوق الثمانين بجانب خمسون حربية منها ست مصرية ومثلها فرنسية واثنتا عشرة إنجليزية وسبع نمساوية وخمس ألمانية وواحدة روسية وواحدة دنماركية واثنتان هولنديتان واثنان أسبانيتان.‏‏[10]

المدعوون
في الثانية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر أخذ المدعوون يتقدمون نحو الإيوان والمظلات حتى جلس كل في مكانه فتوسطت الإمبراطورة أوجيني الصف الأول وإلى يمينها إمبراطور النمسا والخديوي إسماعيل ثم ولي عهد بروسيا فولي عهد هولندا وعقيلته وإلى يساره جلست مدام اليوت عقيلة سفير إنجلترا بتركيا (الذي وكله السلطان بذكر اسمه عند افتتاح القناة) فالسفير إليوت فالأميرة مورا، وعلى اليمين جلس الأمير محمد توفيق باشا ولي عهد مصر فالأمير هوفمان لو فمدام أغنانيف فالجنرال أغنانيف.

فقرات الحفل
دوت المدافع متتابعة من كل الجهات إيذاناً ببدء الحفل الديني. ووقف شيخ الإسلام محاطاً بالعلماء وتلا ما تيسر من القرآن الكريم ثم دعا الله أن يختص هذا العمل العظيم بعنايته ورعايته وأن يهيئ له النجاح في كل زمان. ثم تقدم المنسيور كورسيا يحوطه رجال الإكليروس وتلا صلاة حارة دعا الله فيها أن يكلأ هذا العمل ويباركه بروح من عنده. ثم تقدم المسيو باور وألقى بصوت جهوري وبعبارة فرنسية بليغة خطاباً وجهه إلى الخديوي أولا خصه فيه بآيات الشكر والثناء على قيامه بهذا العمل العظيم الذي أدى إلى تصافح الشرق والغرب. وعند المساء مدت الموائد متتابعة لستة آلاف مدعو وبها أشهى الأطعمة والأشربة، حتى إذا حلت الساعة الثانية بدت الأنوار والزينات على ضفتي القناة كأنها ضياء الصباح. وظهر يخت الخديوي المحروسة في حلة من الأنوار وأخذ يطلق مدفع بين دقيقة وأخرى والموسيقى تدوي بنغمات الفرح والسرور وانقضى الليل واختتمت الحفلة بالألعاب النارية. وعند شروق شمس صباح يوم 17 نوفمبر كانت السفن تمر في قناة السويس وقد استعدت للإبحار وتقدمها يخت الإمبراطورة أوجيني.

بيع حصة مصر في القناة
في عام 1875 مرت مصر بأزمة مالية طاحنة اضطر معها الخديوي إسماعيل إلي بيع حصة مصر من أسهم القناة لبريطانيا بمبلغ 100 مليون فرنك في 25 نوفمبر 1875. وبذلك حلت الحكومة البريطانية محل المصرية في ملكية شركة قناة السويس. ولكن الأزمة المالية لم تنفرج، وأرسلت الدول الدائنة لجنة لفحص الحالة المالية في مصر لتصفية الديون التي تدين بها مصر لدول نادي باريس و كان مؤمن علي هذه الديون بأرباح مصر التي تمثل 15% من شركة قناة السويس. فقررت اللجنة بيع حصة مصر من الأرباح نظير مبلغ 22 مليون فرنك. و بذلك خسرت مصر حصتها من أسهم القناة وحصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.[11]

محاولة مد امتياز القناة
في عام 1910 تقدمت شركة قناة السويس البحرية بطلب للحكومة المصرية لمد امتياز شركة قناة السويس الذي كان سينتهي في 17 نوفمبر 1968 لمدة 40 سنة أخرى تنتهي عام 2008، وأيدت الحكومة البريطانية الممثلة لسلطة الاحتلال في مصر مد الامتياز خصوصاً وقد بدأت الحركة الملاحية بالقناة تتضاعف حتى بلغت عام 1889 ضعف ما كانت عليه عام 1881 وتضاعفت مرة أخرى عام 1911، و كانت البضائع البريطانية تمثل 78،6% من مجموع البضائع المارة بالقناة.”[12]

مواد مد الامتياز المقترحة
مد فترة الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس 40 سنة تبدأ من أول يناير 1969 إلى 31 ديسمبر 2008
يقسم صافي الأرباح مناصفة بين شركة قناة السويس والحكومة المصرية، وإذا كان صافي الأرباح أقل من 100 مليون فرنك، تحصل شركة قناة السويس علي خمسين مليون فرنك ولا تنال الحكومة المصرية إلا ما قد يتبقى. أما إذا كانت أرباح القناة أقل من خمسين مليون فرنك، تحصل الشركة علي كامل الأرباح ولا تحصل الحكومة المصرية علي أي شيء.
مقابل مد الالتزام لأربعين سنة تدفع الحكومة المصرية أربعة ملايين جنيه مصري علي أربع أفساط حدد مواعيدها.
ولكن الحركة الوطنية المصرية بقيادة محمد فريد قادت هجوماً كاسحاً علي طلب المد وقلبت الرأي العام ضده، وقام إبراهيم الورداني باغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا عام 1910 بسبب سعيه نحو مد امتياز القناة، وقام الاقتصادي المصري طلعت حرب بتأليف كتاب عن قناة السويس ليوضح الحقائق للعامة والخاصة عن تاريخ القناة وكيف ضاعت حصص مصر من الأسهم والأرباح وخسائرها حتى 1909، وخلص إلي القول أن الأسهم التي باعتها مصر بـ 560 فرنك للسهم الواحد أصبح سعرها بعد ثلاثين سنة فقط 5010 فرنك للسهم، وحصتها من أرباح القناة التي باعتها ب 22 مليون فرنك أصبحت فيمتها 300 مليون فرنك.[13]

وإزاء الضغط الشعبي كلفت الجمعية العمومية (مجلس النواب) طلعت حرب باشا و سمير صبري باشا بكتابة تقرير عن الموضوع، وبالفعل قدموا تقريرهم للجمعية ووضحوا فيه خسائر مصر المالية المتوقعة في حالة تمديد الامتياز الحالي بالشروط السالف ذكرها، وبناءً علي هذا التقرير رفضت الجمعية العمومية عرض تمديد امتياز شركة قناة السويس و بقي الامتياز قائما بشروطه.[14][15]

تأميم قناة السويس
في 26 يوليو 1956 أعلن جمال عبد الناصر، في ميدان المنشية بالإسكندرية، قرار تأميم شركة قناة السويس، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي بطريقة مهينة لمصر، ثم تبعتها بريطانيا والبنك الدولي. قدمت بريطانيا على إثر القرار احتجاجاً رفضه جمال عبد الناصر على أساس أن التأميم عمل من أعمال السيادة المصرية. فقامت هيئة المنتفعين بقناة السويس بسحب المرشدين الأجانب بالقناة لإثبات أن مصر غير قادرة على إدارة القناة بمفردها، إلا أن مصر أثبتت عكس ذلك واستطاعت تشغيل القناة بإدارة مصرية كان على رأسها مهندس عملية التأميم محمود يونس بمرافقة زميليه عبد الحميد أبو بكر ومحمد عزت عادل.[16][17][18][19]

الرد الاقتصادي
كان أول رد على قرار تأميم شركة قناة السويس، قيام كلاً من فرنسا وإنجلترا بتجميد الأموال المصرية في بلادهما، في وقت كان للحكومة المصرية حساب دائن بإنجلترا من ديون الحرب العالمية الثانية يقدر في تاريخ التأميم بنحو 135 مليون جنيه استرليني، فيما قامت الولايات المتحدة بتجميد أموال شركة القناة لديها، وكذلك تجميد أموال الحكومة المصرية حتى تتضح الأمور فيما يتعلق بمستقبل شركة قناة السويس، وكانت أموال الحكومة المصرية هناك تقدر بنحو 43 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 15 مليون جنيه مصري وقت التأميم. وبلغ مجموع الأموال المصرية التي تقرر تجميدها في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة ما يزيد على القيمة المالية لشركة قناة السويس، كما قررت الولايات المتحدة وقف تقديم أي مساعدة مالية أو فنية لمصر، وضغطت كلاً من من فرنسا وإنجلترا على سويسرا لتتعاون معها عن طريق تجميد الأموال المصرية لديها، ولكنها لم تستجب لذلك. وأذعن مدير شركة قناة السويس إلى جميع اتحادات أصحاب السفن بأن يدفعوا رسوم المرور في القناة إلى شركة قناة السويس وليس إلى الحكومة المصرية، وبلغت نسبة مجموع الرسوم التي دفعت إلى الحكومة المصرية منذ التأميم وحتى إغلاق القناة 35% تقريباً والباقي دفع لشركة قناة السويس، وقدر ذلك بأكثر من خمسة ملايين جنيه مصري، وهو المبلغ الذي تقرر خصمه من مجموع التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للشركة أثناء مفاوضات التعويض.[16][17][18]

الرد الدبلوماسي

https://www.marefa.org/images/thumb/4/42/1956_Suez_war_-_conquest_of_Sinai_ar.png/200px-1956_Suez_war_-_conquest_of_Sinai_ar.png

خريطة توضح مسار حرب السويس.
تمثل الرد الدبلوماسي في محاولة تعبئة الرأي العام الدولي ضد مصر، وإقناعه بأن تأميمها لشركة قناة السويس، قد خالف الشريعة الدولية وحطمت مبدأ حرية المرور في القناة، وهددت السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، ولتلافي كل هذه المخاطر اجتمع كل من وزير خارجية فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، وأصدروا في 2 أغسطس 1956 بياناً يتضمن أن قرار التأميم الصادر من جانب الحكومة المصرية يهدد حرية الملاحة في القناة، ويهدد الأمن فيها، وفي ذلك مخالفة لأحكام اتفاقية القسطنطينية، لذلك يرون ضرورة إقامة مؤتمر تدعى إليه الدول المنتفعة بالقناة، وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينية، أو التي حلت محلها في الحقوق والالتزامات وهذه الدول هي (مصر، فرنسا، إيطاليا، هولندا، أسبانيا، تركيا، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي) ودول أخرى باعتبارها من مستخدمي القناة، وهي (النمسا، سيلان، الدانمارك، أثيوبيا، ألمانيا الغربية، اليونان، الهند، إندونيسيا، إيران، اليابان، نيوزلندا، النرويج، باكستان، البرتغال، السويد، الولايات المتحدة) فيما رفضت الحكومة اليونانية في 11 أغسطس أن تشترك في المؤتمر وفي 12 أغسطس أعلنت الحكومة المصرية رفضها الاشتراك في هذا المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط إلا يمس اشتراكها الحقوق والسيادة المصرية، ولا يتخذ المؤتمر أي قرار نهائي إلا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفيتية مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربية والدول الاشتراكية. واجتمع المؤتمر فيما بين 16 و 23 أغسطس 1956، ونال خلاله المشروع الأمريكي المقدم للتصويت أغلبية الأصوات، والذي تضمن اقتراحاً بإقامة منظمة دولية تقوم على نمط الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة لتشرف على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كل من (الهند والاتحاد السوفيتي وإندونيسيا وسيلان)، وتم عرض المشروع على مصر ورفضه عبد الناصر، وإزاء هذا الرفض، أعلن رئيس وزراء إنجلترا في مجلس العموم، إنشاء هيئة جديدة باسم هيئة المنتفعين سيكون لها طابع مؤقت وستكون مسئوله عن تنسيق المرور في القناة، وتحصيل رسوم المرور. وانعقد في لندن مؤتمر فيما بين 19 و21 سبتمبر، لوضع القانون الأساسي لتلك الهيئة، وأصدر مجلس الأمن قراره في 13 أكتوبر 1956 الذي تألف من شطرين، أولهما يتضمن مبادئ ستة تكون أساساً للمفاوضات التي تجرى مستقبلاً، أما الشطر الثاني فيتضمن الاعتراف بهيئة المنتفعين التي ستكلف بالإشراف على القناة، إلا أنه لم يفز حين الاقتراع عليه إلا بتسعة أصوات واعتراض صوتين كان منهما صوت الاتحاد السوفيتي المتمتع بحق الفيتو. وأمام فشل السياسة الاستعمارية في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، دبرت لاستعمال القوة العسكرية.

الرد العسكري والعدوان الثلاثي
قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتدبير مؤامرة ثلاثية على مصر أطلق عليها المصريون العدوان الثلاثي وأطلق عليها الغرب حرب السويس، على إثرها بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر 1956، تلاه تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذار لمصر يطالب بوقف القتال بين الطرفين، والقوات الإسرائيلية ما زالت داخل الأراضي المصرية ويطلب من مصر وإسرائيل الانسحاب عشر كيلو متر عن قناة السويس وقبول احتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس بواسطة بريطانيا وفرنسا، من أجل حماية الملاحة في القناة، واختتم الإنذار بأنه إذا لم يصل الرد في خلال 12 ساعة، فإن الدولتان ستعملان على تنفيذ ذلك، وأعلنت مصر فوراً أنها لا يمكن أن توافق على احتلال إقليم القناة، وأبلغت مجلس الأمن الذي عجز عن إصدار قرار بسبب استخدام بريطانيا وفرنسا حق الفيتو. وفي اليوم التالي للإنذار البريطاني الفرنسي في 31 أكتوبر، هاجمت الدولتان مصر وبدأت غاراتها الجوية على القاهرة، وعلى منطقتي القناة والإسكندرية. وأصبحت مصر تحارب في جبهتين، جبهة إسرائيل على الحدود، وجبهة الاستعمار البريطاني الفرنسي في الداخل، الذي يهدد باحتلال القناة. فأصدر جمال عبد الناصر الأوامر بسحب جميع القوات المصرية من صحراء سيناء إلى غرب قناة السويس، وتُركت وحدات انتحارية لتواجه اليهود في سيناء. وبدأت عملية غزو مصر من جانب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد، التي تم ضربها بالطائرات والقوات البحرية، ولكنها لم تستسلم. وحركت مقاومة بورسعيد الضارية للقوات البريطانية والفرنسية العالم ضدهما. واتخذت الدول العربية موقفاً مندداً بالعدوان وقامت بنسف أنابيب البترول، ومنعوا وصوله إلى بريطانيا وفرنسا، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا في 2 نوفمبر بإيقاف القتال، وافقت مصر عليه، ورفضته كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وفي اليوم التالي وجه الاتحاد السوفيتي إنذار إلى بريطانيا وفرنسا، وأعلن عن تصميمه لمحو العدوان بالقوة، إذا لم تتراجع الدولتان عن موقفهما، كما استهجن رد الفعل الأمريكي العدوان على مصر لرغبة الولايات المتحدة في إظهار اهتمامها بالدول الصغيرة، وأرسل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في 11 أكتوبر رسالة للرئيس جمال عبد الناصر أبدى فيها مساندة الحكومة الصينية والشعب الصيني بشدة للشعب المصري في كفاحه العادل، فأدى هذا الضغط الدولي مجتمعا إلى وقف التغلغل الإنجليزي الفرنسي، وقبولهما وقف إطلاق النار ابتداء من 7 نوفمبر، وتلا ذلك انسحاب القوات الفرنسية والإنجليزية من بورسعيد في 22 ديسمبر 1956، وبدأت بعد ذلك عملية تطهير القناة التي انتهت في 11 أبريل 1957، وتكلفت 8.5 مليون دولار. وكان من النتائج القانونية لتلك المغامرة العسكرية، قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب مصر مع كل من فرنسا وإنجلترا في 31 أكتوبر 1956، ووضع الممتلكات الإنجليزية والفرنسية تحت الحراسة، وإلغاء اتفاقية 19 أكتوبر 1954 بين مصر وإنجلترا في 1 يناير 1957 بأثر رجعي يمتد إلى تاريخ وقوع العدوان.

مفاوضات التعويض
عقب تأميم القناة والعدوان الثلاثي خاضت الحكومة المصرية مفاوضات مع الشركة القديمة لقناة السويس عام 1958‏ لتعويض المساهمين في شركة القناة‏، وخاض الجانبان مفاوضات شديدة التوتر‏ في أول لقاء رسمي بين مسئولين مصريين وفرنسيين منذ الحرب‏.‏ وتعذر التوصل لاتفاق خلال المفاوضات فلم تكن مصر تريد أن تدفع إلا تعويضات صورية وكانت فرنسا ممثلة في الشركة تريد استرداد كل شيء من مصر‏، وعند جولة المفاوضات الأولي في روما في فبراير ‏1958‏ كانت المفاوضات تتم بانعزال كل فريق في غرفة ويقوم بدور الوسيط بينهما خبراء من البنك الدولي‏، وانتهت الجولة بفشل ذريع‏،‏ وتعبيراً عن حسن النوايا قبل الوفد الفرنسي القيام بجولة ثانية بالقاهرة نزولاً على دعوة من جمال عبد الناصر‏، وحدث هذا بالفعل في مايو من نفس العام‏، وبدأت الأجواء تقل توتراً ولكن بقي الخلاف على ما هو عليه‏.‏ وتم التوقيع النهائي على الاتفاق بين الحكومة المصرية والشركة القديمة لقناة السويس بمدينة جنيف في 13 يوليو 1958، واتفق الطرفان على أن تتنازل الحكومة المصرية عن أسلوب التعويض الذي ذكر في قانون التأميم، وهو قيمة الأسهم حسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بقانون التأميم في بورصة باريس، وقبول مبدأ التعويض الجزافي، على أن تتنازل أيضا عن ممتلكات الشركة الموجودة خارج مصر، وتتعهد الشركة القديمة لقناة السويس أن تدفع الديون التي تمت خارج مصر، وأن تتحمل معاشات الموظفين المقيمين خارج مصر، وأن تتنازل عن مطالبة الحكومة المصرية بالمكاسب التي كان ينتظر أن تجنيها في الإثني عشر سنة الباقية على مدة الامتياز، وتتعهد الحكومة المصرية بأن تتحمل جميع ديون الشركة القديمة لقناة السويس في مصر وتتحمل معاشات الموظفين المقيمين في مصر، وأن تدفع مبلغاً جزافياً للشركة القديمة لقناة السويس، بقدر بمبلغ 28,300,000 جنيه مصري تسددها مصر بالدولار الأمريكي، على أن يقسم المبلغ على أربع أقساط ويخصم منه ما حصلته الشركة القديمة لقناة السويس من رسوم المرور منذ تاريخ التأميم حتى وقوع العدوان على مصر، وتم التصالح بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وفرنسا. أما المفاوضات المصرية الإنجليزية فقد انتهت بإبرام اتفاقية في القاهرة بتاريخ 28 فبراير 1959 وعادت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإنجلترا في 1 ديسمبر 1959