المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل التاريخ علم أم فن أم سؤال خطأ؟



متواصل
05-15-2019, 03:09 PM
هل التاريخ علم أم فن أم سؤال خطأ؟

المقدمة:

سمِعنا كثيرًا عن الخلاف الكبير بين العلماء حول ماهية التاريخ "هل هو علم أم فن"، والحقيقة ما كان ينبغي لهذا الخلاف أن يتسرَّب إلى الأوساط الشرقية العربية، فهو يجوز فقط أن يكون خلافًا عند كل ناطقٍ بالإنجليزية؛ لأنه في الحقيقة خلاف لُغَوي - فيما يزعم الباحث - ولكن قبل التطرُّق إلى كينونة الخلاف نعرض سريعًا: كيف نشأ هذا الخلاف.


نشأة الخلاف:

في الحقيقة بدأ هذا الخلاف في أُخريات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ حيث قام جدل شديد بين رجالات العلم والتاريخ والأدب في أوروبا في وصف التاريخ بصفة العلم ونفيها عنه، وكان الجدل على أشدِّه في أوروبا وخاصة ألمانيا[1] داخل المجتمع الأنجلوسكسوني - في عصر التنوير الأوروبي - وكان السبب في إثارة هذا الإشكال عندما قام المؤرِّخ الألماني ليوبولد ڤون رانكه (ت١٨٨٦م) بإدخال علم التاريخ إلى أوروبا وجامعاتها، وخصوصًا جامعة "برلين"، محاولًا جَعْلَه تخصُّصًا قائمًا بذاته، فبدأت العديد من الأوساط العلمية في رفض هذه الفكرة، فكانت من الردود المشاعة من قبل رانـكه وأتباعه قولهم: "إن علم التاريخ كعلم الجيولوجيا، فالتاريخ يدرس ماضي المجتمعات الإنسانية، ويدرس علم الجيولوجيا ما في الكرة الأرضية"[2].


انتقال الخلاف للشرق العربي:

كان من أشهر المؤرخين الذين نقلوا هذا الإشكال الغربي "فرانز روزنثال" في كتابه "علم التاريخ عند المسلمين"، والمؤرخ "هرنشو" في كتابه "علم التاريخ"... إلخ، ثم تأتي المرحلة الثانية في تلقِّي المؤرخين العرب هذا الخلاف دون الوقوف على أسبابه وتحليله، وهل هو بالفعل واقعٌ في اللغة العربية أم لا، فبدأ كلٌّ منهم يعرض نفس الخلاف في كتابه، ويقوم كالمعتاد في ترجيح رأي من الرأيين علمٌ أو فن، وكان من أبرزهم المؤرخ "قسطنطين زريق" في كتابه "نحن والتاريخ"، والمؤرخ "حسن عثمان" في كتابه "منهج البحث التاريخي"، والمؤرخ "أحمد محمود صبحي" في كتابه "في فلسفة التاريخ"، ثم تَسَلَّم الجيل الحالي من المؤرخين نفس الخلاف، فقاموا بعرض الآراء وعدم الترجيح على الأغلب.


لماذا أصل الخلاف لُغَوي؟

لَخَّص هذا الخلاف "إدوارد كار" في أنه خلاف لُغَوي بحت عندما سُئل عن ذلك، فكان جوابه "هذا السؤال الاصطلاحي هو بسبب شذوذ في اللغة الإنجليزية"؛ حيث إن جميع اللغات الأوروبية الأخرى يدخل لفظ "التاريخ" في لغاتها تحت لفظ "science _ علم " بلا تردُّد، أما في اللغة الإنجليزية فلفظ "science" مقصورٌ على المعنى الآتي "النشاط الفكري المشتمل على الدراسة المنهجية لِبنية وسلوك العالم المادي الطبيعي من خلال المراقبة والاختبار".


فهذا التعريف إذًا لن يدخُل فيه العلوم الإنسانية بما فيها علم التاريخ، وما دام التاريخ لن يدخُل تحت لفظ "science" إذًا سوف يدخُل تحت اللفظ البديل والمضاد له وهو "art - فن"، الذي معناه في اللغة الإنجليزية الآتي "حقل دراسة مهتمٌّ بشكل أوْلى بالثقافة الإنسانية" "مهارة تُكتَسب بالدراسة والتطبيق والمراقبة"[3].


فإذًا الخلاف لُغَوي في اللغة الإنجليزية بسبب شذوذ فيها عن باقي اللغات الأوروبية ... فهذا ملخَّص الخلاف في اللغة الإنجليزية.


أما لو نظرنا إلى اللغة العربية، فسوف نجد أنه ليس ثمةَ خلاف بين لفظ "فن" و"علم"، وأنهما تقريبًا بنفس المعنى كما سنَعرض، فيُقال في اللغة العربية: "فن واحد من الفنون"؛ (أي: من العلوم)، و"ضَرْبٌ من الشيء"؛ أي: نوع من العلوم[4].


أما عن "العلم" في اللغة العربية، فهو نقيض وعكس الجهل وليس عكس الفن[5]؛ ولذلك قال ابن خلدون في المقدمة عند حديثه عن الفنون التي يجب أن يُتقنَها المشتغلون بالمواريث: "ومن المصنِّفين من يجنح فيها إلى الغُلوِّ في الحسبان، وفرض المسائل التي يحتاج إلى استخراج المجهولات من (فنون) الحساب؛ كالجبر، والمقابلة، والتصرُّف في الجذو"، فهو يجعل لفظ فنون بمعنى علوم، وكذلك يقول ابن الأبَّار عند ترجمته لعلي بن سليمان الزهراوي: "وكان عالِمًا بالهندسة والعدد، غلب عليه علم ذلك في فنون منها الطب"[6].


والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، ولعلَّ هذا الطرح يفيد في حلِّ الإشكال الذي واجه أستاذنا الدكتور إبراهيم سلامة - بارك الله في عمره ونفع به - عند قول ابن خلدون في المقدمة: "فضل علم التاريخ"، ثم يقول في نفس الوقت: "اعلم أن فن التاريخ"[7]، وهذا كما عرَضنا؛ لأن الفنَّ من معانيه العلم، ولهذا قال السخاوي في كتابه "الإعلان بالتوبيخ": "فلما كان الاشتغال بفنِّ التاريخ للعلماء من أجَلِّ القُرُبات، بل من العلوم الواجبات".


[1] محمد بيومي مهران، التاريخ والتأريخ، دار المعرفة الجامعية، 1412،1992، صـ15.

[2] نفس المرجع السابق، صـ21.

[3] تركي بن فهد آل سعود، التاريخ علم أم فن، مجلة الدارة.

[4] ابن دريد، جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، 1987م، 1/ 162 (فنن).

[5] المرجع السابق 2/ 948 (ع ل م).

[6] ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق: محمد عبدالله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1975، 3/ 67-68.

[7] إبراهيم عبدالمنعم سلامة؛ مقدمة في مصادر التاريخ الإسلامي ومناهجه، دار المعرفة، 2016، صـ26.

متواصل
05-15-2019, 03:10 PM
مكانة التاريخ في الثقافة الإسلاميَّة (1)
(تمهيدٌ في دراسة علم التاريخ)


إنَّ التاريخ هو الكنز الثمين الذي يحفظ للأمة مدَّخراتِها في الثقافة والعلم، وهو الذي يمدُّها بالحكمة في كل زمانٍ ومكانٍ تجاه تقلُّب الأحداث، وهو المِفتاح لمغاليق المشكلات المعقَّدة والمعرقِلة لكل نهوضٍ أو إصلاحٍ، وهو المدخل المأمون للقوانين والسُّنن التي تُعين على حلِّ تلك المشكلات، كما أنَّه المنبع الذي خرجت منه جميعُ العلوم الاجتماعيَّة؛ لأنَّه المختبر الحقيقيُّ الذي يمكن أنْ تُقاس به وفيه مدى فاعلية المبادئ والقيم والفلسفات.

ولو لم يكن للتاريخ هذا البُعد، لَمَا استحقَّ أنْ يكون عِلمًا، ولما استحقَّ أنْ يكونَ مصدرًا للعبرة في كل زمانٍ ومكانٍ وشأن، ولما أمكن الإفادة منه لغير زمانه، ولَمَا جازَ أن يترتَّب على الفعل التاريخيِّ أيَّة مسؤولية، ولَمَا استطاعَ أنْ يُضيفَ إلى أعمارنا عُمرًا، وإلى عقولنا عبرًا تُغذِّيها.

ولا يجادل عاقل في أنَّ تاريخ الأمَّة - أيِّ أمَّةٍ - يُؤثِّر في بناء مستقبلها، كما يؤثِّر في حاضرها وواقعها؛ لأنَّه ذاكرةُ الأمة، وبقدر ما تسلم له وتُحسن التعامُل معه، تقوى شخصيتها، وتبرز قدراتها، ويمتدُّ تأثيرها في غيرها، وبقدر ما تضعف ذاكرة الأمة أو تُسيء الأمة التعامُل مع تاريخها، تذبل وتُمحى شخصيتها، ويظهر ضعفُها، ويقل وزنُها بين الأمم؛ حتَّى تكون دائمًا متأثِّرة بغيرها (غير مؤثرةٍ فيه!).

إِنَّ الأمة - أيَّ أمة - لا تشعر بذاتها وشخصيتها الحاضرة على الوجه الصحيح إلَّا إذا كان لها تاريخ، تمامًا كالفرد الذي لا يشعر بكيانه إلَّا من خلال ذاكرته، وفي هذا يقول العلَّامة ابن خلدون: "إنَّ التاريخ فنٌّ تتداوله الأمم والأجيال، وتُشد إليه الركائب والرِّحال، وتسمو إلى معرفته السُّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال...؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأنْ يُعدَّ في علومها وخليق"[1].

ففقه التاريخ ماضيًا وحاضرًا، ضرورةٌ لكلِّ أمة تُريد أنْ تبقى، ويبقى لها دور، وهو للأمة الإسلاميَّة - بالإضافة إلى ما سبق - شرطٌ من شروط وجودها وحياتها واستمرارها وقيادتها لأمم الأرض؛ حيثُ إنَّ تاريخها هو تاريخ جميع الشعوب والمجتمعاتِ الإسلاميَّة منذ دخَلَها الإسلام حتَّى يوم النَّاس هذا، وإلى ما شاء ربُّ الناس، فهو تاريخٌ ممتد زمانًا طول القرون التي تربو على الأربعة عشر قرْنًا، وممتد مكانًا سعة الرقعة المكانيَّة التي يشغلها من المحيط الأطلسيِّ إلى المحيط الهادي.

فهو تاريخ عريق بعراقة الإسلام، ومن خِلال استقرائه تُعرَفُ السُّنن الفاعلة في الحياة، وتُطوى مسافة الزمان والمكان، وتُوجَّه أبصارنا إلى أفق المستقبل، ويمنحنا الحكمة والقدرة على الفهم والموازنة والتحليل والتعليل لكلِّ الأحداث التي تواجهنا في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لذلك اعتبرَ القرآن الكريم التاريخَ مصدرًا للمعرفة، ودعا إلى السَّير في الأرض؛ لاستيعاب التاريخ ماضيًا وحاضرًا، بل استنكر الركود والجمود وعدم السعي والاستكشاف الحضاريِّ، فقال تعالى: ï´؟ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ï´¾ [الروم: 9].


[1] المقدمة؛ ابن خلدون، ص 9.



فوائد التاريخ

إنَّ للتاريخ فوائدَ جمَّةً؛ إذْ هو سجلٌّ لأحداث الحياة الإنسانيَّة وتقلُّبها بأهلها، منه يأخذ الإنسان العبرة والعظة والدرس والتجربة التي تُوقفه على أحوال الغابرين أفرادًا ومجتمعين، فبهِ يرى الإنسان بعين بصيرته: كيف تعمل سُنَن الله تعالى في المجتمعات بلا محاباةٍ ولا جَوْر؟! كيف تَرْقى الأمم وتهبط؟! كيف تقوم الدولة وتسقط؟! كيف تنتصر الدعوات وتُهزم؟!

كيف تحيا الحضارات وتموت؟![1].

كلُّ ما يُصلح الإنسانُ به أمرَ معاده ودينه، وما يُصلح به أمرَ معاملاته ومعاشه الدنيوي، وما يتَّصل بذلك من الأحوال التي يتكرَّر مثلُها وأشباهها أبدًا في العالم.

التاريخ غزيرُ النفع، كثيرُ الفوائد، بحيث يكون مَنْ عرَفَه كمن عاش الدهر كله، وجرَّب الأمور بأسْرها، وباشر تلك الأحوال بنفسه، فيَغزُر عقلُه، ويصير مُجرِّبًا[2].

ويؤكِّد العلَّامة ابن خلدون فوائد التاريخ وفلسفته بأنَّه فنٌّ عزيز المذهب، جمُّ الفوائد، شريفُ الغاية؛ إِذ هو يُوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياساتهم، حتَّى تتمَّ فائدة الاقتداء في ذلك لِمَن يَرومه أحوال الدين والدنيا[3].

وعلى هذا، فالتاريخ له فوائده الدينية والدنيوية والأخرويَّة التي تنفع المرء في عاجل أمره وآجله.

[1] انظر: ثقافة الداعية؛ أ.د يوسف القرضاوي (ص102)، ط مؤسسة الرسالة - بيروت - ط11 - 1407هـ 1987م.

[2] الإعلان بالتوبيخ لِمَن ذم التاريخ؛ السخاوي (ص32).

[3] انظر مقدمة ابن خلدون (ص17).



مفهوم التاريخ

أولًا: مفهوم التاريخ لغةً:

تعدَّدتْ آراء العلماء في تفسير كلمة التاريخ لغةً واشتقاقها، غير أنَّ كل الآراء تعني أنَّ: "التاريخ هو الإعلام بالوقتِ"؛ يُقال: أرَّختُ الكتابَ وورَّخته؛ أي: بينتُ وقت كتابته، وقيل: إنَّه معرَّب من الكلمة الفارسيَّة: (ماه روز)، و(ماه) القمر، و(روز) اليوم، وكأنَّ الليل والنهار طرفه، وقيل: إنَّ (تاريخ) مشتق من (ياريخ) -العبريَّة - ومعناها القمر، و(يرخ)، ومعناها الشهر، وقيل: إنَّ (تاريخ) مشتق من اللفظ الآكدي (أرخو)[1]، وقيل: مأخوذٌ عن عرب اليمن؛ لأنَّهم اهتمُّوا بالتوقيت؛ لعدَّة عوامل، منها الزراعة، التي تخضع لتقلُّباتِ الجو ولتبدُّل المواسم، ومنها الأعياد والشعائر الدينيَّة، التي لها ارتباط وثيق بضبط الأوقات، ومنها التجارة في البرِّ والبحر[2]، ويُستدل على صدق هذا الاحتمال بما قاله الحافظ السخاوي: "إنَّ أوَّل من أرَّخ يعلى بن أميَّة، وذلك أنَّه كتب إلى عمر بن الخطاب كتابًا من اليمن مؤرَّخًا، فاستحسَنَه عمر"[3].

وكون لفظ (التاريخ) أصيلًا في اللغة العربيَّة، وليس منقولًا إليها من لغاتٍ أخرى - هو الأقربُ إلى الصواب؛ لأنَّه لو كان هذا اللفظ معرَّبًا ما اختُلف حول أصل اشتقاقه: أهو مِن (أرَّخ) أو مِن (ورَّخ)؟! ولما كان الاختلاف قائمًا حول أصله بين القبائل العربيَّة، ولما فرَّق الأصمعيُّ بين لغة تميم وقيس، بقوله: "بنو تميم يقولون: (ورَّخت الكتاب توريخًا)، وقيسٌ تقول: (أرَّخته تأريخًا)"، وهذا الاختلاف يؤكِّد كون لفظ (التاريخ) عربيًّا[4].

ويتضح من هذا كلِّه أنَّ الكلمة قد أثارت جدلًا بين القدامى حول أصلها، وربما كان السبب في ذلك كونَ كلمة (تاريخ) لم ترد فيما وصل إلينا من الشعر الجاهليِّ، كما أنَّها لم ترد في كتاب الله عز وجل، ولا في حديث رسول الله صل الله عليه وسلم[5].

ثانيًا: مفهوم التاريخ اصطلاحًا:

إنَّ التاريخ عبارة عن فهم الماضي؛ لإفادة الحاضر، والتخطيط للمستقبل، وقد عبَّر السخاوي عن هذا المعنى بقوله: "إنَّه فنٌّ يُبحث فيه عن وقائع الزمان من حيث التعيين والتوقيف؛ بل عمَّا كانَ في العالم"[6]، وعرَّفه ابن خلدون بقوله: "التاريخ خبرٌ عن الاجتماع الإنسانيِّ الذي هو عُمْران العالم، وما يَعرِض لذلك العمرانِ من الأحوال؛ مثل التوحُّش والتآنس، والعصبيَّات، وأصناف التقلُّبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من المُلك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعايش، والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران من الأحوال"[7]، "وهو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيَّام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال، وتُضرب فيها الأمثال، وتؤدِّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمَّروا في الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيَّات الوقائع وأسبابها عميق"[8].

هكذا يُعرِّف ابن خلدون التاريخ بأنَّه في حقيقة أمره نظرٌ وتحقيقٌ؛ أي: تأمُّل ودراسة وفحص مختلف أوجه النشاط البشريِّ فيما مضى من العصور؛ بقصد رصد أسباب الظواهر التاريخيَّة المختلفة، ومحاولة كشف جوانب العلاقة السببيَّة في طيَّات الأحداث التاريخيَّة، ورصد بدايات الأحداث ومعرفة أصولها.

ويخلص ابن خلدون من هذا إلى أنَّ التاريخ أصيلٌ في الحكمة وعريقٌ، ولما كانتْ الحكمة أسمى مراتب المعرفة، فإنَّ ابن خلدون قد فهم التاريخ باعتباره ضرورةً حضاريَّةً لفهم الإنسان من خلال تاريخه، فما الحكمة سوى المرتبة العليا في مجال المعرفة، والمعرفة الحقة هي معرفة الإنسان بذاته[9].


كذلك يمكن أنْ يكون التاريخ - في رأي ابن خلدون - أداةً للكشف عن صراعات المجتمعات البشريَّة، وما يترتَّب على ذلك من قيام الدول المختلفة، وما ينشأ عن ذلك من الدول ومراتبها.

كما أدْرَك ابن خلدون أهميَّة البيئة في صياغة التاريخ باعتبارها مسرحًا للتاريخ، والتاريخ بهذا المفهوم - الذي أبرزه ابن خلدون - يُعتبر استكشافًا كُليًّا لتطوُّر أحوال البشريَّة منذ بداية الخليقة، ومحاولةً لحلِّ اللغز المتعلِّق بالوجود البشري في الكون، فضلًا عن مصير الإنسان في الحاضر والمستقبل.


هذه حدود المعنى الاصطلاحيِّ الذي تدلُّ عليه كلمة (تاريخ)، وهي تكشف عن مدى فهم المسلمين للتاريخ كعلم، وعن مدى إدراكهم لوظيفته الحضاريَّة في خدمة المجتمع البشري[10].

وهكذا، من خلال التعريف يتضح لنا أنَّ (التاريخ) علمٌ يتعلَّق بالمكان والزمان بما فيه من وقائعَ وأحداث، وما يكون لها من أثرٍ في حياة الناس.


[1] راجع: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ؛ الحافظ السخاوي (ص17).

[2] راجع: المفصل في تاريخ العرب؛ د/ جواد علي، (ج8، ص2).

[3]الإعلان بالتوبيخ؛ للسخاوي (ص134)، وراجع فتح الباري بشرح صحيح البخاري؛ الحافظ ابن حجر (ج16 ص168).

[4]الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ؛ السخاوي (ص100).

[5] أدب التاريخ عند العرب؛ عفت محمد الشرقاوي؛ (ج1 ص249)؛ ط القاهرة 1976م.

[6] الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ؛ للسخاوي (ص100).

[7] مقدمة ابن خلدون ص33.

[8]مقدمة ابن خلدون (ص9).

[9] الرؤية الحضارية للتاريخ (ص19).

[10] المصدر السابق (ص20).

متواصل
05-15-2019, 03:11 PM
التاريخ ونهضة الأمة

أنَّ الدراساتِ التاريخيةَ المعاصرة تنقسم إلى قسمين:

أولهما: دراسات تهتمُّ بالماضي مِن أجل الماضي، وهي دراساتٌ عميقة - لا شك - لكن أهميتها وفائدتها لربما تنحصر في فئةِ المؤرِّخين والمختصِّين بالتاريخ فقط.

وثانيهما: دراسات - وهي قليلة - تهتمُّ بالماضي للتأثير في الحاضر وصناعة المستقبل، وهذه تفيد أهلَ التخصُّص وغيرهم من جماهير الأُمَّة؛ لأن لها علاقةً بالحاضر والمستقبل.

وإذا حاولنا الترجيح بين القِسمين، وجدنا أنَّ الدراساتِ التاريخيةَ البحتة لا غبار عليها، فهي دراساتٌ تهتمُّ بجزئيات الماضي وعِلَلِه وأحداثه، وهذا جزء أصيل من مهمَّة المؤرِّخ، فلا نعيب أبدًا على مثل هذه الدراسات، أو على الباحثين الذين يرتادونها، ولكن الأُمَّة الآن بحاجةٍ ماسَّة للقِسْم الثاني من الدراسات التاريخيَّة، أعني القِسْمَ الذي يدرُس الماضيَ للتأثير في الحاضر وصناعة المستقبل.

لذا أعتقد أن الجمعياتِ التاريخيةَ والأقسامَ الخاصة بالتاريخ في الكليات المختلفة في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ المعاصر ينبغي أن تُشَجِّع مثل هذا النوع الثاني من الدراسات التاريخية؛ وذلك حتى يكون التاريخ مفيدًا للمجتمع - كلِّ المجتمع - وليس حكرًا على فئةٍ معينة من المختصِّين، وحتى نُقَرِّبَه من قلوب ووعيِ الناس، ويزداد المهتمُّون به، ولا ينفصل المؤرِّخ عن الواقع الذي يحياه.

ومِن هذه المقدِّمات نخلص إلى أنه بالإمكان - عن طريق هذه الدراسات التي تدرس الماضي برؤيةٍ معاصرةٍ - أن نساعد في النهوض بأُمَّتنا في كافَّة المجالات، وإليك نماذجَ للإفادة من تاريخنا على هذا النحو المقترح:

هناك العديد من الأنماط الحضارية التي قدَّمَتْها الحضارةُ الإسلامية يمكن بعثُها للارتقاء بأُمَّتنا وإنعاشها مِن جديد، مِن ذلك: تحويل المساجد الكبرى إلى جامعات مِن خلال برامجَ منظَّمة تُشرف عليها الهيئاتُ الرسميَّة المختصَّة، ولنَسْتَفِد من تجربة المسلمين الأوائل في هذا الصدد، فانظر إلى مسجد عمرو بن العاص، وإلى مسجد القيروان، ومساجد فاس وغيرها، كيف كانت جامعاتٍ إسلاميةً تخرَّج فيها علماءُ أفذاذ أفادت منهم الأُمَّة.

كذلك تجربة الكتاتيب التي انتشرت في الدولة الإسلاميَّة، وكان لها مناهجُ وأساليبُ فريدةٌ في تعليم النشء، بالإمكان إعادة صياغتها بصورةٍ حديثة، وتعميمها بهدفِ حفظِ القرآن الكريم، وتعلُّم اللغة العربيَّة، وشيء من الحساب والخَطَابة... ولنا أن نعلم أنَّ مِن ضمن الأسباب الرئيسة في نهضة الأُمَّة التعليمية والثقافيَّة كان الكُتَّاب والاهتمام به وبمنظومته الرائعة؛ من حيث تخصيص الأماكن، وانتقاء المعلِّمين، والفصل بين البنات والبنين، وأساليب التأديب، والمناهج المُدرسة فيه.

كذلك فكرة التنمية والحفاظ على الموارد للأجيال القادمة، هذه الفكرة التي اهتمَّ بها المسلمون، يُمكن إعادةُ إحيائها بطريقةٍ علميَّة بحيث نُقِيم تنميةً شاملةً مستدامة على أُسُسٍ مِن حضارتنا الإسلامية.

كذلك هناك مشاكل معاصرة، كانت موجودةً قديمًا، وتعامَلَ معها السَّلَف، ونجح في حلِّها؛ فبالإمكان أيضًا الإفادة من تجرِبتهم في هذا السبيل.








التحديات التي تواجه التاريخ الإسلامي

لقد ابتُلي التاريخ الإسلاميُّ بكثيرٍ من التحدِّيات التي حاولت تشويهه وطمْسَ معالمه الصحيحة الحقيقية؛ ذلك لأنَّ أعداء الإسلام وتاريخِه يعرفون جيدًا مدى قدرة التاريخ الإسلاميِّ على العطاء وبناء الأجيال، كما يعرفون أثره في تكوين النفسيَّة الإسلاميَّة والوجدان الحرِّ الكريم؛ ولذلك فهُم يرغبون في طمْس هذه الوحدة؛ حتَّى لا يكون التاريخ عاملًا في بناء الأُمَّة الإسلاميَّة من جديدٍ[1].

ولذا فإنَّ اليهودَ - أساتذة المكر والخداع والتمويه والتهويل والتضليل- قد ركَّزوا كثيرًا على التاريخ احتواءً وتشويهًا، خاصةً في المناهج التعليميَّة، التي حرَصوا منذ وقتٍ مبكرٍ على احتوائها وتوجيهها تنفيذًا لأغراضهم العدوانيَّة، وهذه الشواهد الصارخة من بروتوكولاتهم خيرُ دليلٍ على ذلك:

فقد جاء في "البروتوكول 16": سنتقدَّم بدراسة مشكلات المستقبل بدلًا من الكلاسيكيَّات، وبدراسة التاريخ القديم الذي يشتمل على أمثلةٍ سيئة أكثر من اشتماله على أمثلةٍ حسنة، وسنطمس ذاكرة إنسان العصور الماضية التي قد تكون شُؤمًا علينا، ولا نترك الحقائق التي ستُظهر أخطاء الحكومات في ألوانٍ قاتمة[2].

وجاء في "البروتوكول 14": سنُوجِّه عنايةً خاصة إلى الأخطاء التاريخيَّة للحكومات الأمميَّة التي عذَّبت الإنسانيَّة خلال قرونٍ طويلة جدًّا لعجزٍ في فهمها لأي شيءٍ يُوافق السعادة الحقَّة للحياة الإنسانيَّة[3].

أي إنَّ اليهود سيُدرِّسون للشباب صفحات التاريخ السوداء؛ ليُعرِّفوهم أنَّ الشعوب عندما كانت محكومةً بالنُّظم القديمة كانت حياتها سيئةً، ولا يُدرِّسون لهم الفترات التي سعدت فيها الشعوب؛ لإقناعهم أنَّ النظام الصهيونيَّ الجديد أفضلُ من القديم الإسلامي؛ لهذا كانت عناية اليهود مركزةً بصفة أدقَّ وأشملَ على التاريخ الإسلاميِّ بقصْد تشويه حقائقه أو طمسها، وإلَّا فاختلاقها وإلصاقها به سهلٌ يسيرٌ على أصحاب المكر والدهاء.

ولهذا؛ فقد خصصت الصهيونية العالمية مؤتمر "بلتيمور" - في الولايات المتحدة الأمريكيَّة - من أجل تزييف التاريخ الإسلاميِّ، وإثارة الجدل حول قضايا الشُّعُوبية والباطنية، وتوظيف بعض المواقف الهدَّامة في التاريخ؛ لإضفاء مصطلحات عصريَّة عليها، كما فعلت في وصفها لحركة القرامطة بأنَّها تُمثِّل حركة العدل الاجتماعي، وحركة الزنج التي استغلَّها دُعاة التفسير المادي[4] وأبرزوها في ثوب حركة ثوريَّة تقدُّميَّة، وغيرها كثير.

وقد نجح الأعداء من الصهاينة الأعداء والصليبيِّين الحاقدين في كثيرٍ ممَّا أرادوهُ ودبَّروا له - إلى حدٍّ ما - فتشوَّهت بعض معالم ديننا وحضارتنا في أذهان كثيرٍ من الشباب والمثقَّفين، وصاروا يُشكِّكون في مجدِ آبائهم وأجدادهم، ويطعنونَ في قدرتهم العقليَّة أو الفكريَّة، ويهزؤون بمنجزاتهم الحضاريَّة!

بل الأدهى والأمرُّ أن نجدَ فُلولًا من المثقَّفين تتصوَّر جيلَ السَّلَف الصالح عبارةً عن رُعاة حُفاة عُراة لا يُجيدون إلَّا الجري وراء لُقمة العيش، ويصطادونها اصطيادًا بعَرقِ الجبينِ تارةً، وبحدِّ السيفِ بطْشًا وعدوانًا تاراتٍ كثيرة أخرى!

وهذه الصور الوحشية التي تكوَّنت لدى البعض، ما هي إلَّا نتيجة مسْخٍ أعجميٍّ لتاريخنا، وخلاصة تشويه جاهليٍّ لحضارتنا الإسلاميَّة الزاهرة، وقد ساعدَ على ذلك إعجابُ المخدوعين بزخارف مدنيَّات الغرب والمناهج التحليليَّة المصطنعة[5].

ولذلك حينما زار المستشرق الفرنسيُّ شارل بيلا أحد البلاد العربيَّة الإسلاميَّة سأله صحفي عربيٌّ مسلمٌ: ماذا تقرأ: الأدب العربيَّ القديم أم الحديث؟ فأجابَ: "القديم وحده"، فقال له الصحفي: ولماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟ فأجابه: "لأنَّه أدبٌ غربيٌّ مكتوبٌ بحروف عربية"[6].

فهذه الرؤية الصادقة من هذا المستشرق الفرنسي تصلح تعبيرًا ووصفًا دقيقًا لتلك المحاولات التي يقوم بها أصحاب الفكر المستنير، ويُقدِّمونها للناس! وذلك لأنَّه في حقيقته فكر غربيُّ المنشأ والمضمون، ولكنه مصاغ بألفاظٍ عربيَّة مُنتقاة، ثم يجعلونه حَكَمًا على الفكر الإسلامي، والتاريخ الإسلاميِّ، والحضارة الإسلاميَّة، فينطلق الباحث من ثقافته الغربيَّة، ويُحاول إسقاطها على الإسلام وحضارته ودراسة مفكريه (أي: إنَّه يحكم من خلال خصوصية نمط حضاريٍّ على نمطٍ آخر يختلف عنه اختلافًا جذريًّا، وهذا قطْعًا يقود إلى الخطأ في النتائج التي يصل إليها[7]).

والوقائع موجودة في تاريخنا الإسلامي بأسبابها وعِلَلها المعنوية والأخلاقية، فمَن يُطالع هذه الوقائع بعمقٍ وتأمُّل ودراسة وبحْثٍ، يجد أنَّ المدَّ والجزر، والنصر والهزيمة، والازدهار والذُّبول، والغنى والفقر، والتقدُّم والتخلُّف، كل ذلك مرتبط بمقدار صلة الأمة بالإسلام أو انفصالها عنه، وقُربها من تعاليمه أو بُعْدها عنها.

وحسبنا في ذلك أنَّ نظرة إلى عصر الخلفاء الراشدين أو الخليفة المصلح المجدِّد عمر بن عبدالعزيز، أو عصر العلم عصر هارون الرشيد، أو عصر نور الدين، أو عصر صلاح الدين - تُرينا إمَّا تمسُّكًا بالدين أو رجعةً إليه، فنرى - بهذه النظرة الفاحصة - ثمارَ التمسُّك والرجعة عِزًّا وازدهارًا، والعكس بالعكس في فتراتٍ أخرى حالِكة في تاريخنا.

نسأل الله أن يرُدَّ لهذه الأُمَّة مجدها وعِزَّها، آمين.


[1] انظر: محاكمة فكر طه حسين؛ للأستاذ/ أنور الجندي، ص203، بتصرف يسير، طبعة دار الاعتصام بمصر 1984م.

[2] بروتوكولات حكماء بني صهيون؛ شوقي عبدالناصر، ص158، طبعة دار التعاون بمصر (بلا تاريخ طباعة).

[3] المصدر السابق، ص141.

[4] وهم يهود؛ لأنَّ جدهم "ماركس" كان يهوديًّا.

[5] راجع: ثقافة المسلم: دراسة منهجية برامجية؛ د/عبدالحميد بوزونيه، ص114، طبعة مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1989م.

[6] الغزو الفكري وموقفنا منه؛ أ.د/ محمد عبدالمنعم خفاجي، ص118، مجلة الأزهر الشريف، 1404هـ 1984مـ.

[7]انظر: المذهبيَّة الإسلاميَّة والتغير الحضاري؛ د/ محسن عبدالحميد، ص145.

متواصل
05-15-2019, 03:12 PM
بداية التاريخ الإسلامي

بدأ هذا العلم في الإسلام أوَّلًا بدراسة السيرة النبويَّة الشريفة، ومغازي الرسول صلى الله عليه وسلم، حتَّى كان للصحابة الكِرام رضي الله عنهم عنايةٌ بمغازي النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسراياه، وكانوا يحثُّون أولادَهم على حفظِها؛ فهذا سعد بن أبي وقَّاص يُعلِّم بَنِيهِ سيرةَ النبيِّ صل الله عليه وسلم ومغازيَه وسراياه، ويقول لهم: "هذه شرفُ آبائكم، فلا تنسوا ذكرها"[1].

ثُمَّ الاهتمام بالصحابة والتابعين كمصدرٍ للكتابات التاريخيَّة، وما ورثه العربُ بعد الإسلام من أخبار الجاهليَّة، وقصص الأيَّام والأنساب.

وعلى هذا؛ فعلمُ التاريخ الإسلاميِّ في بدايته امتزجَ بعلمِ الحديث من حيث الموضوع، ومن حيث المنهج.

والموضوع: كان السيرة النبويَّة الشريفة بكلِّ تفاصيلها، ومغازي المسلمين وسيرهم.

وأمَّا المنهج: فهو العناية بذكر الرِّجال والرواة والأسانيد، وتوثيق الرواية عند سردِ كلِّ خبرٍ.

ومِنْ هنا يُعدُّ المحدِّثون روَّادَ الدراسة التاريخيَّة عند المسلمين[2].

وفي مقدِّمة هؤلاء المحدِّثين المؤرِّخين: أبان بن عثمان بن عفان[3]، وعروة بن الزبير بن العوام[4].



مراحل التاريخ الإسلاميِّ:

مرَّ التاريخ الإسلاميُّ بمراحلَ كثيرةٍ أثَّرت فيه، أهمُّها ثلاثُ مراحلَ:

المرحلة الأولى: مرحلة الأصالة والاستقلال التامِّ.

وكانت هذه المرحلة يعتمد المؤرِّخون فيها على السماع أكثرَ مِنْ غيره ممَّن شهِدَ الوقائع التاريخيَّة المختلفة.

وتميَّز المؤرِّخون في هذه الفترة بتسجيل الوقائع كما تلقَّوها دون أي زيادةٍ أو نقصٍ، بعيدًا عن العصبيَّات ونحوها من العوامل التي أثَّرت على بعض المؤرِّخين فيما بعد.



المرحلة الثانية: مرحلة التأثُّر بالقصص والأساطير التي شوَّهته وكدَّرت صفوَه.

وقد دخلت هذه الأساطير عن طريق المفسِّرين عند كلامهم عن الأُمم السابقة في القرآن الكريم، وما ورد من أخبارهم، ولَمَّا لَم يجدوا تفصيلَ ذلك في القرآن الكريم، التَمَسوه فيما رُوي من الكتب الدينيَّة المتداولة بين اليهود والنصارى، وفي الحكاياتِ التي كان يتناولها الفرسُ والإغريقُ وغيرُهم ممَّن دخلوا في الإسلام، وساعدَ على ذلك دخولُ طائفة من أهل الكتاب في الإسلام واشتغالهم بالعلوم الدينيَّة، فلَمَّا وجدوا ما اقتبسه المسلمون من كتبهم، وضعوا ما عندهم من أساطير في كتب التفاسير، وسُمِّي ذلك فيما بعد بالإسرائيليَّات.

وكان هَمُّ المؤرخين في هذه المرحلة جمعَ المادة التاريخيَّة من مصادرها البشريَّة أو غيرها، وتتبُّع سلاسل الرواة دون عنايةٍ بالنصِّ المرويِّ؛ أي: إنَّ التاريخ عند مؤرِّخي هذه المرحلة ليس إلَّا ضبطًا للمرويَّات، وتوثيقًا للنصوص، وبحثًا في الأسانيد، قبل أن يكونَ نظرًا في متنِ المنقول.


المرحلة الثالثة: مرحلة النقد والتمحيص.

فقد جاء طبقةٌ من المؤرِّخين أدركوا خطورة الإسرائيليَّات، فحاولوا تنحية ما أصاب التاريخ من غبشٍ وظلامٍ، حتَّى كان المؤرِّخون في هذه المرحلة لا يُعنَون بجمْع المادة التاريخيَّة بقدْرِ ما يُعنون بنقْد وتمحيص ما دوَّنَه السابقون في المرحلة الثانية، فهاتان المرحلتان كلٌّ منهما تكمل الأخرى، وتمثِّلان حلقةً واحدةً في التاريخ الإسلاميِّ.


[1]الثقافة الإسلاميَّة؛ محمد راغب الطباخ (ص341).

[2] انظر: أُسس مفهوم الحضارة في الإسلام؛ سليمان الخطيب (ص40)، بتصرُّف.

[3]أبان بن عثمان بن عفان الأموي: كان من فقهاء التابعين، أمير المدينة، وهو أوَّل من كتب في السيرة النبويَّة، ويُعدُّ أوَّلَ مؤرِّخٍ في الإسلام، أمُّه: أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة الدوسي، مولده ووفاته في المدينة، وشارَك في موقعة الجمل، وتولَّى إمارة المدينة في عهد عبدالملك بن مروان سنة 76 هـ، وأُعفي منها في عهد يزيد بن عبدالملك سنة 83 هـ، دوَّنَ ما سمعَ من أخبار السيرة والمغازي، وسلَّمَها إلى سليمان بن عبدالملك في حجِّه سنة 82 هـ فأتلفها سليمان، ورُوي عنه أنَّه كان يحبُّ المرح والدعابة دونَ أن يُقلِّل ذلك من مكانته واحترامه، وتُوفِّي بالمدينة سنة 105 هـ - 723م.

[4] عروة بن الزبير بن العوَّام الأسدي القرشي: تابعيٌّ، وُلد في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبوه: الزبير بن العوَّام حواريُّ رسول الله صل الله عليه وسلم، عاش في المدينة، وكان عالِمًا كريمًا، تفقَّه على يد خالته أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، ويُعتبر أحدَ فقهاء المدينة السبعة في عصره، عاش لفترة من حياته في البصرة ومصر، وتُوفِّي في المدينة المنورة، وكان من أشهر علماء مدرسة الحجاز (وتُسمَّى مدرسة المدينة، أو مدرسة الأثر)، وسبب هذه التسمية أنَّ اعتماد مدرسة الحجاز في ذلك الوقت كان على الأحاديث والآثار غالبًا؛ بسبب كثرتها عندهم، ولقلَّة المسائل الحادثة في المجتمع الحجازي في ذلك الوقت.






مكانة التاريخ في الثقافة الإسلامية (PDF)

عنوان الكتاب: مكانة التاريخ في الثقافة الإسلامية.

https://cdn.jsdelivr.net/emojione/assets/png/2666.png?v=2.2.7 المؤلف: د. عمر بن محمد عمر عبدالرحمن.

https://cdn.jsdelivr.net/emojione/assets/png/2666.png?v=2.2.7 عدد الصفحات: 61.


إنَّ الأمَّة (أيُّ أمَّة) لا تشعُر بذاتها وشخصيَّتها الحاضرة على الوجه الصحيح؛ إلا إذا كان لها تاريخ؛ تمامًا كالفرد الذي لا يشعُر بكيانه إلا مِن خلال ذاكرته.

https://www.alukah.net/Books/Files/
Book_10603/BookFile/culture_islamic.pdf