المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات على الهبّة الشّعبية



متواصل
03-03-2019, 07:01 AM
نظرات على الهبّة الشّعبية
تسود الضبابية الموقف الآن في الأراضي المحتلة عام 1948 والضّفة فيما يتعلق بأفق تطور الأحداث، لكن من المؤكد أن أي هدوء يصيب الحالة الشّعبية ستتبعه حالةُ قمعٍ شديدة جداً من قبل السّلطة الفلسطينية والعدوّ الصّهيوني. إذا وقع الهدوء سيكون هناك جرد حساب طويل وصعب لكلِّ محاولات التمرد في الفترة السّابقة، والأسوأ أن المجتمع سيكون قد انكفأ على ذاته منتظراً مداً ثورياً جديداً فلن تنفع كلّ مناشداتكم وقتها ولا دعواتكم. ستتلقون وحيدين كلّ العقاب الذي سيرافقه نوع من الرشوة الجماعية للشعب عبر تسهيل الإجراءات وتخفيف القمع وتقديم الحوافز، هكذا كان يتعامل الاستعمار دائماً .

لكن كلّ مهتمٍ في الشّأن العامّ لا يملك إلا أن يتفاءل، ففي أسوأ الأحوال نقلتْ الهبة الجماهيرية الحالية الوعيّ الفلسطينيّ نقلةً نوعيّةً. هي تشبه تماماً هبة البراق التي أسست لثورة 1936، وتُشبِهُ هبّة النّفق التي أسست للإنتفاضة الثانية. القصد هنا أنه حتى لو لم تستمر الهبّة الحالية، وتأخذ تطورها نحو انتفاضة، ثمّ ثورة، فإنها ستكون على الأكيد قد أوصلت النّاس لضرورة الاستعداد لثورة ضخمة قادمة، ليكون التحضير لها تحت الأرض وبهدوء، وهذا النهج ستُعزِزُه إجراءات العدوّ التي ستدفع نحو تفريغ الضّفة والداخل من كلّ القيادات في الصّف الأول والثّاني والثّالث.

اليوم الأمور تتغير، اليوم يُخلق بشرٌ جديدون، اليوم يٌبعث أناسٌ لا يقبلون الدنية في دينهم ووطنهم، اليوم تُقلب الصّفوف ليصبح الآخِرون هم الأولون والأولون هم الآخِرون، والقيادات التّقليديّة المحليّة التي طالما ساومت ولم تكن بقدر المسؤولية في طريقها لفقدان مواقعها لصالح شريحة أوسع كثيراً تنظم نفسها أفقيا وبدون تمثيل. توجد اليوم في أغلب مناطق الاشتباك إجابة جديدة قديمة على سؤال “تنظيم المجتمع”، شبابٌ في مقتبل العمر بمجموعات عددية صغيرة تخترق الهدوء في مناطق الإشتباك لتفرض منطقها على القيادة التقليديّة، وفي تحالف قوي وإن كان جزئياً بين البرجوازية والطبقات الشّعبيّة. الأمر يقوم على مبادرات صغيرة من عدة أفراد لتتبعها استجابة فورية ودون تردد لأبناء المناطق للإنخراط في الاشتباك أما للدفاع أو للهجوم، هذا النوع من العمل الفوريّ أعاد تعزيز قيم فلسطينية عميقة ومتجذرة مثل “الرجولية والواجب”، وأعاد هذه الروح النّضالية الجماعية المسماة “الفزعة” وهي التي تدفع عشرات نقاط الاشتباك التقليدية أو المستحدثة للاشتعال يومياً.

هذا جوابٌ عبقريٌّ على سؤال التنظيم، العفوية لا تعني أبداً غياب التنظيم، بالعكس تماماً، ففيها من التنظيم والدقة أكبر بكثير من أي نوع آخر خصوصاً أنها تركز على تنظيم الاشتباك، وليس تنظيم الصّورة النهائية لتدفع لجعل تلك السّلوكيات تنتج أكبر قدر ممكن من الفائدة والانجاز ليصب مع كل أعمال المقاومة الأخرى في كلّ السّاحات في نهرٍ واحدٍ لتراكم الفعل والإنجاز للدفع نحو زيادة التّفاقم السّياسي والاجتماعيّ، ولاحقاً الإقتصاديّ للمجتمع.

هنا يظهر خللٌ عميقٌ جداً في أنماط التفكير البرجوازي، فلطالما كانت البرجوازية الفلسطينية ترى أن دورها هو تعبئة الشعب من أجل المقاومة، دون أن يساهم أفرادها أنفسهم مساهمة جدية في النّضال. البرجوازية تختلف تماماً في طريقة تفكيرها عن الطبقات الشعبية (هذا توصيف وليس دعوة للإهانة). لتوضيح ذلك بطريقة مبسطة، أذكر أنه عندما تزوجت أختي من ابن عمي كانا طالبين في الجامعة ولا يملكان أي وظيفة أو منزل والمستقبل غامض تماماً أمامهما، لكن بعد أسبوع من الخطبة أعددنا لهما غرفة في بيت العائلة وتزوجا.

روح المغامرة هذه التي تتقن تماماً استغلال الإمكانيات المتاحة والمتوفرة للوصول إلى الهدف هي ما ستدفع إلى تفاقم الأمور وإلى استمرار الهبة وتطورها، لكن البرجوازيّ مثلاً مستحيل أن يتزوج دون أن تكون قد توافرت له كلّ الظروف الذاتيّة والموضوعيّة والتخطيط لعشر سنوات مقبلة لحياته وتوافر بيت ووظيفة وسيارة، وهذا النمط من التفكير وأسلوب الحياة لا يجعل البرجوازية قادرة على قيادة الأمور، لذلك لطالما سمعنا مقولات أن “الشّعب دائماً يسبق القيادة”، وطبعا القيادة هم بمجملهم من البرجوازية أو ممن يتشبهون بها. لذلك بدأت تظهر أحاديث عن ضرورة صياغة مطالب قابلة للتحقيق لاستثمار الهبة الحالية من قبل هؤلاء.

هنا نُذكر أنه من المفترض الذهاب إلى نقاش مجتمعيّ كامل انطلاقاً من ساحة الاشتباك، بحيث يكون هدف النقاش تحديد أهداف للمواجهة لا مطالب. والهدف الرئيس هو ضرورة استمرار الاشتباك ولو بوتيرة منخفضة، أحيانا تعلو كثيراً وأحيانا تعود لنفس وتيرتها المستمرة. أما الحديث عن “مطالب” فعادة ما يتبعه مباشرة الحديث عن التمثيل، أي سؤال “من يُمثل الشعب ويتحدث باسمه؟”، والحديث عن التمثيل تتبعه مباشرة ممارسة سلطة على الجموع الحقيقية التي تمارس الاشتباك، وممارسة سلطة آو امتلاكها سيدفع مباشرة للمساومة، والمساومة ستعيد إنتاج ما سبق بوجوه جديدة وأعمار صغيرة.

البرجوازية هنا ستصبح هي المحافظة وليكون هذا دليل على أن الفلاحين والطبقات الشّعبيّة هم الطبقات الثورية الحقيقية، فكما قلنا تلك الطبقات اليوم تبتدع أساليبها في التنظيم بطريقة أفقية بحتة قادرة على توسيع الاشتباك وقادرة على احتواء كلّ من يريد الانضمام. لكن هذا النوع من التنظيم لن يروق للبرجوازية التي ستُحاول إعادة تنظيم المجتمع كما كان يتم سابقا عن طريق وضع مطالب وتحديد أفق مرئي وقابل للتحقيق في فترة قياسية وبشكل مركزي. لذلك سرعان ما سيبدأ الحديث عن أيام غضب وأيام مركزية ستعيد للقيادات المحلية التقليدية مواقعها التي تخلخلت في الفترة الحالية. سينتج هذا لاحقاً قيادةً مركزيّة ستجهض حتماً الفعل الشّعبيّ الحاليّ ببساطة لأن هذا التوجه من البرجوزاية لتحديد مطالب مركزية، يشتمل على مصادرة للمسؤولية الفردية عن كلّ فرد ليصبح بدلاّ من فاعل في المواجهة مجرد متلقٍ ينتظر ماذا قرروا. بالملخص الحديث اليوم عن أي مطالب مرفوض قطعا والحديث عن أي فعل مركزي وأيام غضب أيضا مرفوض والحديث عن قيادة مركزية ستعيدنا لنفس المربع وسنخسر ما قدمنا من تضحيات.

ملاحظة: استخدام مصطلح برجوازية في التدوينة هنا غير دقيق، لا توجد في فلسطين برجوازية بمعناها الكامل، بل هي طبقة متشبهة بالبرجوازية الاستعمارية، لكن استخدمت المصطلح كتوصيف لطبقات أو شرائح مجتمعية من المثقفين والأغنياء والتّجار وأصحاب المصالح والموظفين.

متواصل
03-03-2019, 07:02 AM
https://www.raialyoum.com/wp-content/uploads/2019/02/GAZA-ISRAEL-11.02.19.jpg-1-442x320.jpg

سنة تقريبًا على مسيرات العودة.. وحدات “الإرباك الليليّ” عادت للعمل بكثافةٍ والجيش الإسرائيليّ استُنزِف والمُحلّلون: نتنياهو أجبن من شنّ حربٍ على غزّة


في الشهر القادم، أيْ شهر آذار (مارس) من العام الجاري 2019، سـ”تُحيي” الدولة العبريّة مرور سنة على بدء مسيرات العودة من قطاع غزّة باتجاه الحدود المُصطنعة التي أقامها الاحتلال الإسرائيليّ، ولا نُجافي الحقيقة بتاتًا إذا قلنا وفصلنا إنّ مسيرات العودة باتت كابوسًا بالنسبة للمُستويين الأمنيّ والسياسيّ في تل أبيب، كما أننّا لا نُجافي الحقيقة إذا أكّدنا بأنّ مسيرات العودة أصبحت حرب استنزافٍ بين الفلسطينيين والإسرائيليين على الرغم من عدم تكافؤ القوّة العسكريّة بين الطرفين، بالإضافة إلى ذلك، يُمكِن إيجاد أوجه شبهٍ بين حرب الاستنزاف الت خاضها الجيش المصريّ بعد نكسة العام 1967 ضدّ جيش الاحتلال، وبين المُواجهات التي يخوضها الشُبّان الفلسطينيين ضدّ “أقوى جيشٍ في المنطقة”، أوْ ضدّ “الجيش الذي لا يُقهّر”، الأمر الذي يؤكّد محدوديّة القوّة.
وغنيٌ عن القول إنّ إسرائيل فعلت كلّ ما في استطاعتها، عسكريًا ودبلوماسيًا، وتحديدًا مع المصريين لوقف هذه المسيرات، إلّا أنّ الفشل المُدّوي كان من نصيبها، وما زالت المسيرات مُستمرّةً وبوتيرةً عاليةٍ، والجميع يذكر كيف قامت المُقاومة الفلسطينيّة بإطلاق أكثر من 500 صاروخ باتجاه جنوب الدولة العبريّة في غضون أقّل من 24 ساعة، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء ووزير الأمن، بنيامين نتنياهو، إلى اللجوء للحلّ الدبلوماسيّ، ومن الناحية الأخرى يُمكِن الجزم بأنّ المُقاومة أطاحت بوزير الأمن السابِق والمُتشدّد، أفيغدور ليرمان، الذي قدّم استقالته على خلفية الردّ الإسرائيليّ الجبان على استفزازات المُقاومة، كما صرحّ بعد استقالته من وزارة الحرب.
نتنياهو، يؤكّد المُحلّلون للشؤون العسكريّة في ورطةٍ كبيرةٍ، فهو أجبن من شنّ عمليّةٍ عسكريّةٍ ضدّ القطاع قبيل الانتخابات العامّة في إسرائيل، المُقرّر إجراؤها في التاسع من نيسان (أبريل) القادِم، وينظرون إلى تصريحه بأنّ كيان الاحتلال سيقوم لتوجيه ضربةٍ عسكريّة لحماس حتى قبل الانتخابات بالتندّر والتهكّم والسخريّة، لعلمهم التّام أنّ الرجل لا يقول الحقيقة، عُلاوةً على أنّ الجيش ليس مُستعِدًا وليس جاهِزًا للحرب، كما أكّد مُفوّض مظالم الجنود، الجنرال احتياط يتسحاق بريك، في تقريره اللاذِع الذي قدّمه للجيش وللجنة الخارجيّة والأمن التابِعة للكنيست الإسرائيليّ.
إلى ذلك، بدأت فعاليات الإرباك الليلي، مساء الأحد 10 شباط (فبراير) 2019، في بعض المناطق على طول السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلّة، وذلك بعد عدة أشهرٍ من توقفها، ضمن فعاليات مسيرات العودة الشعبيّة السلميّة. وقام الشُبّان في وحدة “الارباك الليلي” بإشعال الإطارات المطاطيّة وألقوا الزجاجات الحارقة تجاه جنود الاحتلال، خلال الفعاليات.
وفي السياق، أطلقت قوات الاحتلال النار وقنابل الغاز صوب المشاركين في الفعاليات شرقي جباليا شمال قطاع غزة. وقالت وسائل إعلامٍ إسرائيليّةٍ في حديثها عن الفعاليات: تمّ إلقاء عددٍ من القنابل الأنبوبيّة على قوّةٍ تابعةٍ للجيش الإسرائيليّ، وعند السياج في شمال قطاع غزة قام الفلسطينيون بإضرام النار في الإطارات، ورُصِد فلسطينيٌّ اقترب بشكلٍ كبيرٍ من السياج وكان يحمل جسما مشبوهًا، كما أكّدت المصادر الأمنيّة في تل أبي للإعلام العبريّ.
وأمس الأحد، وفي نشرتها المركزيّة، عرضت هيئة الإذاعة الإسرائيليّة شبه الرسميّة (كان) في التلفزيون العبريّ تقريرًا عن مسيرات العودة، وعن استنزاف الجيش الإسرائيليّ، حيثُ أكّد مُحلّل الشؤون الفلسطينيّة، غال بيرغير، على أنّه خلافًا للمزاعم في تل أبيب، فإنّ حركة حماس لا تقوم بدفع الأموال للشُبّان، الذي يُشارِكون في مسيرة العودة، مؤكّدًا في الوقت عينه على أنّ أكثر ما تفعله الحركة هو تنظيم الحافلات لنقلهم إلى السياج للمُواجهة مع الجيش الإسرائيليّ، كما أكّد.
ومن الجدير بالذكر أنّ الوحدات السلميّة الشعبيّة، بحسب القائمين عليها، تقوم بأعمالٍ ليليّةٍ، هدفها إبقاء جنود الاحتلال في حالة استنفارٍ دائمٍ على طول السياج الفاصل، من أجل استنزافهم وإرباكهم. وتأتي هذه الوحدات، ضمن وحداتٍ عديدةٍ انطلقت مع مسيرات العودة، في فكرةٍ يبتدعها الشباب في قطاع غزّة كشكلٍ من أشكال المقاومة الشعبية، ضدّ الاحتلال، وتتعدد هذه الوحدات ومنها وحدات “الكاوشوك” ووحدات “قص السلك”، وغيرها.
وبدأت مسيرة العودة الكبرى، يوم الجمعة الثلاثين من آذار (مارس)، تزامنًا مع ذكرى يوم الأرض، وتقام فيها خمسة مخيمات في مناطق قطاع غزّة من شماله حتى جنوبه. ويقمع جيش الاحتلال تلك المسيرات السلمية بشدّة وإجرام؛ حيث يطلق النار وقنابل الغاز السام والمُدمع على المتظاهرين بكثافةٍ، الأمر الذي أدّى لاستشهاد 263 مواطنًا، منهم 11 شهيدًا احتجزت جثامينهم ولم يسجلوا في كشوفات وزارة الصحة الفلسطينية، في حين أصاب 27 ألفًا آخرين، منهم 500 في حالة الخطر الشديد

متواصل
03-03-2019, 07:03 AM
لا تكن مع الاحتلال ضدّهن

بقلم باسل الأعرج

أحاديث تلاحقك حيثما ذهبت؛ في المقاهي، السيارات، في انتظارك عند طبيب الأسنان، صباحًا وأنت تلقي التحية على

عامل النظافة. تسمعها ساخرةً ممن يناولك علبة السجائر في البقالة، في استراحة شرب القهوة في مكان العمل، على

طاولة العشاء، من زميلك أيام الدراسة الذي فاقت ثروته المليون خلال سنتين، يلقيها على مسمعك المريض وأنت تقدّم

له مستعجلاً دواء ضعفه الجنسيّ .

تقرأ في الفيسبوك، التويتر، في الصحف، ومواقع الانترنت والمدونات، بالفصحى أو العاميّة الممتلئة بالأخطاء الأملائية،

وبالحروف الانجليزية أحيانًا.

في الإعلان التجاري عند حاجز قلنديا، في ثورة البناء العقاري في قلب مدنٍ ممسوخة، في لوحة إعلان (بالعبرية)

لمرآب تصليح السيارات، في قائمة الطعام في مطعمك المفضّل وفي عينيّ مسؤول مصاب بعقدة ستوكهولم.

أحاديث وأقوال، تلميحات وكتابات، كلها تسخر وتحقّر وتبخّس عمل وشخوص النشطاء ضد الاحتلال والفساد السياسي،

لكن هذا كله عالم، والتحقير الساخر من نشاط الإناث، عالم آخر يوازيه.

في الأيام الأولى لإضراب الأسرى عن الطعام، تسلقت فتاة مركبة عسكرية إسرائيلية لتفريق المظاهرات (بوئيش) قاذفةً

للمياه ذات الرائحة الكريهة. وغير الاعتداء الجسدي الذي تعرضت إليه، الفتاة ورفيقاتها، والأسلحة الكيماوية لتفريق

المظاهرات وغيرها من أشكال التنكيل، تعرضوا أيضًا لسيلٍ هائل من التعليقات المستفزة من قبل أبناء شعبهنّ.

في ذات السياق انتشرت صور لصبايا يرشقن الجيش بالحجارة عند سجن عوفر، فاشتعلت على أثر هذه التعليقات

موجة نقاشات (وكعادتنا، يتحول النقاش إلى السباب والشتم) واستفزتني تصريحات بعض النشطاء أكثر مما استفزتني

التعليقات المسيئة.

تنشأ عند أبناء المجتمعات المقهورة، والواقعة تحت الاستعمار خاصةً، علاقة ازدراء ضمنيّة للذات والآخر (داخل

المجتمع) فتصب على غيرهم من أفراد المجتمع، حيث يعكسون العار والمأساة ضمن منهجية

عندما يجاهر المقهور بمقولات مسيئة لغيره من الواقعين تحت القهر ذاته، إنما هو يعبّر عن مدى شعوره بالضعف

والدونية والذنب، وذلك من أجل الحصول على توازن نفسي والتخلص مما يحيط به من توترٍ وانفعال.

ويمرّ المقهور في ثلاث مراحل حسبما يعرضها مصطفى حجازي:

أولاً، مرحلة الرضوخ والقهر؛ حيث تدوم هذه المرحلة لفترة طويلة نسبيًا، ويشكل زمن الرضوخ والاستكانة –الفترة

المظلمة- في تاريخ المجتمع عصر انحطاط تكون فيه قوى التسلط الخارجي –الاستعمار- والتسلط الداخلي-سلطة

أوسلو مثلاً- في أوج سطوتها، فيكره الإنسان ذاته ويوجّه عدوانيته تجاه نفسه ومن يقبع تحت ذات مستوى القهر.. ثم

يزيح هذه العدوانية ليمارسها تجاه الأضعف منه، وفي حالتنا الاجتماعية تمثل المرأة رمزًا للضعف، وتصبح أكثر من

تصب عليه عدوانية القول والفعل.

ثانيًا، الاضطهاد؛ يحوّل الإنسان حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهةً ضده إلى الآخرين بعد عدم تمكنه من كبتها أو

التخلص منها، ويبحث عن مخطئ ليحمله وزر ذلك الشعور، ليتخلص من عقدة الذنب والدونية والعار، واضطراب

الديمومة- أي عدم قدرة الإنسان على التمكن من قوى المكان والزمان، وبالتالي فقدان سيطرته على مصيره- لتخفيف

التوترات الداخلية في نفسه.

ثالثًا، الانتفاض والتمرد؛ حيث يسعى المقهور للتخلص من كل هذه العُقَد عبر الانتفاض والرفض ومواجهة المتسلط

والقهر، عبر الكفاح المسلح أو المقاومة غير العنيفة.

الوعي، كما يعرّفه علماء النفس- حالة عقلية يتميّز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقية، الذاتية، الإدراك الذاتي،

الحالة الشعورية، الحكمة/العقلانية، القدرة على الإدراك الحسّي للعلاقة بين كيانه الشخصي والمحيط الطبيعي به.

بالمحصلة، إن الوعي هو ما يكون لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة حوله.

أما الوعي الزائف، فهو أن تكون أفكار الإنسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع، أو غير واقعيّة

وتقتصر على جانبٍ معيّن.

إلا أنني أميل جدًا إلى تعريف الصديق خالد بركان للوعي: ليس بمقدار القراءة والكتابة وحفظ المعلومات بقدر ما هو

الالتزام بالمسؤولية الفردية في الانحياز المطلق للحق والأفكار النبيلة والالتزام بقضايا وحقوق البشر والدفاع عنها.

عانى مجتمعنا من سياسات تجهيل وصهر وكيّ للوعي الفردي والجمعي مدة سنوات طويلة، وتم استبداله بوعيٍ زائف

وساهمت إجراءات الاحتلال مساهمةً كبرى في سبيل ترسيخ هذه الأفكار، ولا ننكر مسؤولية السلطة والإعلام المتواطئ

وأشباه المثقفين والكتاب ومؤسسات المجتمع المدني التابعة لمنظومة التمويل الخارجي، ولم يحظ المواطن الفلسطيني

على حقه الكامل في صياغة وعيه السليم، فيولد ويعيش ويموت في ظروفٍ غير طبيعية، فكيف نطلب منه مواقف

طبيعية؟

يقسم مصطفى حجازي الخصائص الذهنية المتخلفة للمقهورين على النحو التالي:

أولاً، الخصائص الذهنية المنهجية: وتتميز باضطراب منهجية التفكير من جهة وقصور للفكر الجدلي من جهة اخرى،

ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المقهور من قصور الفكر النقدي، فهناك عجز في الجمع في سياق

واحد بين الاوجه الموجبة والسالبة (المتضادات)، ويعجز عن الذهاب بعيدا في تحليل الامور لأنه لا يدرك ان لكل

ظاهرة مستويات من العمق ويكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعا يخفي الحقيقة، ويطلق احكاما قطعية

نهائية بشكل مضلل. اما ضعف الفكر الجدلي فهو لب الذهنية المقهورة فهي جامدة قطعية أحادية الجانب تخفق في

ادراك الترابط والتفاعل بين الظواهر وما ينتج عنها من حركية وتغيير.

الخصائص الذهنية الانفعالية: طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في

الازمات، ولكنها عند المقهور تكاد تكون هي الاسلوب الاساسي ويعيش في حالة من التوتر الانفعالي مما يمنع من

التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية.

توضح الخصائص الذهنية للمقهورين طريقة التفكير والنقد والجدل، وتعطينا لمحة قوية عن كيفية النقاش الذي يحدث

وعدم تمركزه حول الموضوع والتشتت وطبيعة الاستنتاجات الغريبة احيانا.

تُسَفَّل المرأة في ادوار الرضوخ تبعا لواقعها، فمن الرضوخ للأب والأخ، ثم للزوج.. ويُنظَر لها على أنها ذلك الكائن

الضعيف الجاهل القاصر العاجز الذي يحتاج الى وصي وحماية.

يتم استلابها أشد أستلاب، بداية بالاستلاب العقائدي لدورها بالمجتمع، وإقناعها بواقعها المعاش ودفعها نحو تذويت

القهر والحط من دورها وقدراتها ووظيفتها، ثم يأتي الاستلاب الاقتصادي بحيث تحاصر اقتصاديا وتمنع من الانتاج

الذاتي الفردي المستقل عن الذكر لضمان عدم قدرتها على التحرر من اضطهادها، ثم استلاب جنسي، لتتحول الى وعاء

لإشباع الرغبات الجنسية والنفسية للذكر ووعاء حاضن للإنجاب، وتغيب في هذه التركيبة المساواة بين الذاتية والغيرية

من الذكر خوفا من بروز الحس الانساني الذي يتهدد نرجسية و”إيجو” الذكر، فيمارس عليها ما يمارسه عليه

المتسلط.

يزرع المتسلط في عقل المقهورين ثلاث عقد رئيسية:

أولاً، عقدة النقص والدونية؛ وهي الشعور بالتسفيل وتحقير الذات وعدم انسانية الشخص ومدى الضعف والجهل مقارنة

بالمتسلط القوي الجميل المنتج المتحضر.

ثانيًا، عقدة العار؛ عندما يبدأ المقهور بالشعور بواقعه الفعلي يعيش شعورا مليئا بالعار، ولا يستطيع ان يتحمل ذلك

الواقع فيقوم بإسقاط وإزاحة ذلك العار على الاخر المشابه له.

ثالثًا، عقدة اضطراب الديمومة؛ يستحضر المقهور هنا كل تجارب الماضي ويعيش في خوف مستمر من أن يطاله تسلط

وإجراءات المتسلط، فيميل الى الانعزال (امشي الحيط الحيط) او الى التماهي مع المحتل.

كل هذه العقد تُعكس فعليا وتصب على المرأة بحيث يقوم الذكر بتصوير المرأة على انها هي العار ويختصر معنى

الشرف والكرامة في عضو جنسي بين الفخذين، فتتغير المفاهيم والقيم والأحكام، ويظل شاعرًا بالتهديد المستمر لشرفه

المزعوم الذي تمثله تلك المرأة، فيحاصرها ويغلق عليها ويمنع حريتها، خوفه الأبدي من الفضيحة وسعيا وراء النمط

الاجتماعي المناسب واللائق، فأكثر ما يستفز المقهورين ويهددهم هو تصرف يجرح ذلك الشكل الاجتماعي الزائف الذي

يستعمله كغطاء لعاره وضعفه بغياب كرامته.

لذلك عندما تقوم فتاة ما بصفع ذلك الجندي او تتجرأ على فعل لا يتجرأ الذكر عليه، يقوم الذكر بقياس ذلك على نفسه

وعدم قدرته على الفعل ذاته، ويقارن خضوعه امام ذلك الجندي بانتفاض تلك الفتاة فيشعر بالخزي مما يدفعه

لاستحضار كل الاسقاطات السلبية عليها.

ومع هذا، يجب مراعاة الرأي العام وكسبه وعدم معاداته نهائيا، فان كنت تؤمن بالعنف الثوري والكفاح المسلح كطريق

للوصول الى الانعتاق، اود ان اذكرك بأن فرانتز فانون اشهر منظري العنف الثوري قام بترتيب مراحل العمل الثوري

واضعا مرحلة كسب العقول والقلوب بعد تحديد الهدف والاستعداد.

“هي من المراحل الأكثر أهمية لانجاح أو فشل أية حركات، إذ أن التحرر لا يتم إلا من خلال النخب قليلة العدد ( أنتم

) ومن هنا تأتي الحاجة الى جماهير توفر للحركة الدعم والافراد والموارد والاستمرارية ولذا فان عملية اقناع

الجمهور بالثورة وكسب تأييد ودعم ومشاركة المجتمع لا يتم بسهولة وعليه فان يستخدم القادة عوامل وتقنيات في

توظيف الجماهير مثل الطاعة والاقناع والعدوى والتكرار والتاكيد والنرجسيات الجماعية وتأليفها واختلاقها وتوظيف

الدين في التحرك واللجوء الى التبرير والعوامل النفسية الاخرى في اقناع الجمهور”

وان كنت من المؤمنين باللاعنف الذي يعتبر جين شارب وغاندي من اشهر منظريه ، فقد اعتمد المذكوران في وضع

مراحل التحرر عبر اللاعنف على نظرية العالم النفسي جان ماري موللر الذي يقول: “وفي نفس الوقت يكون هناك

بناء للقدرات والتطوير الذاتي مثل مدراس بديلة ومؤسسات بديلة واعداد للكوادر ، وطرق التدخل وتوزيع الادوار اثناء

التدخل وهنا يحصل القمع من قبل الطرف الاخر فتتوسع قاعدتهم الجماهيرية ويكسبون الرأي العام”،ويضيف: “قد

يكون الرأي العام المحلي او الرأي العام الوطني او الرأي العام الدولي حسب طبيعة الصراع “ حاولت أن أجمع

وأصنف وأحلل أسباب مثل هذه التعليقات والتصرفات، وأيقنت أن الاحتلال له الدور الأبرز عن طريق ممارساته

وإجراءاته أضافة لوكلائه من المتسلطين الداخليين وأشباه المثقفين.

وأعتقد أن كثيرا من الناس ممن لم يصرحوا بمثل هذه الأقوال إنما يحملونها في عقولهم لكن لم يكن عندهم الجرأة

الكافية ولا التوتر الانفعالي اللازم ليصرحوا بها.

لن أبرر ولكن سأتفهم وأحاول معرفة كيفية مواجهة هذه الظاهرة في المجتمع وأضع بين عيني استنتاج مهم (هنّ ضحايا

فلا تكن مع الاحتلال عليهن ) فلا يجوز وليس من اللائق ممن وضعوا على أنفسهم الالتزام الاخلاقي بالدفاع عن الوطن

والمجتمع لتحرير الارض والعقل اشعار الناس بدونيتهم والتبخيس فيهم مهما خرج منهم ما يسيء لك، فان لم تتفهم

عقليات الناس وسلوكياتهم وأنت لا تملك الان سلطة عليهم فانا على يقين بأننا سنستبدل متسلطا بمتسلط آخر.

واقترح بعض الأفكار التي قد تصح كمادة للتفكير نحو إيجاد الحلول:

1- حرر عقلك من كل هذه العقد التي سبق ذكرها.

2- راعي ثقافة المجتمع و لا تعاديها.

3- تعامل مع المحيط بواقعية وحاول المحافظة على الاتزان الانفعالي.

4- عرفهم حقوقهم وواجباتهم.

5- عرفهم قدراتهم الذاتية، وتقدير الفروقات الفردية.

6- لا تناقشهم، فقصور الفكر الجدلي سيد الموقف، بل استخدم أسلوب سقراط في الطرح والسؤال.

7- حوّل كل ذلك الغضب باتجاه الاحتلال.

8- لا تبالغ بالشكوى والتذمر.

9- لا تصبح مغناطيس للأفكار السيئة لأنك ستفسر كل ما يحدث بطريقة سلبية.

10- ساهم في تغيير هذه القناعات والقضاء على الوعي الزائف.

عن شبكة قدس الإخبارية

دجلة
03-05-2019, 11:02 AM
الف رحمة على روحك يا باسل الاعرج

خسارة مركبة...صعب تعويضها