المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "الإرهاب".. هذه الكلمة العصية على التعريف



متواصل
12-12-2015, 07:13 AM
"الإرهاب".. هذه الكلمة العصية على التعريف





انتهاك حقوق الإنسان في سجن بريطاني في العراق - (أرشيفية)
http://www.alghad.com/file.php?fileid=284913&width=658&height=400 (http://www.alghad.com/filelist.php?articleid=908376&folderup=../)




جون ويتبيك* - (ذا بالستاين كرونيكل) 6/12/2015
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رد العالم الغربي على موجة حوادث إطلاق النار "الإرهابية" الأخيرة في باريس بما يشبه الهستيريا؛ حيث قام مباشرة بتكثيف عنفه القاتل في الشرق الأوسط.
وتصف إسرائيل الهجمات الانتحارية المستمرة التي ينفذها أولاد فلسطينيون مجردون من الأمل، ومسلحون فقط بالسكاكين والمقصات، بأنها "إرهاب".
وفي "عملية السلام" الجديدة في سورية، قَبل الأردن بالمهمة الصعبة المتمثلة في تقرير أي من الجماعات المسلحة الكثيرة التي تعمل في سورية هي "إرهابية"، والتي سيتم بالتالي استبعادها من العملية السلمية واستهدافها بالقصف.
ويتجادل الأميركيون بشراسة الآن حول ما إذا كانت الحادثة الأخيرة -بين سلسلة طويلة من عمليات القتل المسلح- والتي نفذها زوجان مسلمان، تستحق أن تعد من أعمال "الإرهاب".
وفي هذا السياق، ربما يكون من المفيد أن نشير إلى آخر الجهود الدولية لتعريف هذه الكلمة التي لا يمكن تعريفها.
في قمة الذكرى الـ60 لإنشاء الأمم المتحدة التي انعقدت في أيلول (سبتمبر) 2005، حاولت الدول الـ191 -وفشلت- التوصل على اتفاقية تُعرِّف كلمة "إرهاب". وبدا بعض المعلقين مندهشين من النتيجة في الحقيقة، وقالوا إن الفشل وصل "حتى" إلى مجرد التوافق على تعريف، ناهيك عن وضع اتفاقية. وما كان ينبغي أن يندهش أحد.
كان التعريف الذي اقترحه الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الحين، كوفي أنان، سيعرف "الإرهاب" على أنه "أي عمل يقصد إلى التسبب بالوفاة أو الضرر الجسدي البالغ للمدنيين أو الأفراد من غير المقاتلين، عندما يكون الهدف من مثل هذا العمل، بطبيعته أو سياقه، هو إخضاع سكان أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على القيام -أو الامتناع عن القيام- بأي عمل".
وهو تعريف عادل ومعقول بالتأكيد. ولكن، دعونا نقرأه ثانية، ونعيد التفكير فيه. ما هي الاحتمالات التي ستجعل الولايات المتحدة تسمح أبداً بتعريف "الإرهاب" على هذا النحو؟
كبداية، لو تم القبول بهذا التعريف المقترح، ولو كان جورج دبليو بوش وتوني بلير محقين في تأكيداتهما المتكررة على أن الدوافع وراء هجمات 11/9 وتفجيرات لندن في العام 2005، كانت: "لأنهم يكرهون حرياتنا"، أو نتيجة لنوع ما آخر من الحقد الأعمى أو الرغبة المريضة في قتل الأبرياء لغرض القتل فقط، عندئد لم يكن مصطلح "الإرهاب" المذكور سينطبق بشكل مناسب على تلك الأحداث. وحتى يصبح الوصف مناسباً، كان على بوش وبلير أن يعترفا بأن الدوافع وراء الهجمات كانت سياسية في المقام الأول -لترهيب مواطنيهما وتخويف حكومتيهما ودفعها إلى إجراء تغييرات أساسية في سياساتها الشرق أوسطية.
بالإضافة إلى ذلك، لم يكن هذا التعريف المقترح مقصوراً على الأعمال التي يرتكبها "فاعلون من غير الدول". وإنما كان سينطبق -ليس فقط على العنف منخفض التقنية الذي يمارسه الضعيف، وإنما أيضاً على العنف عالي التقنية الذي يمارسه القوي، والذي كان دائماً أكثر تدميراً وقتلاً وفتكاً بما لا يقاس.
لو أنه تم القبول بذلك التعريف المقترح، فإن الهجمات على ثكنات قوات المارينز الأميركية في بيروت والخُبر في السعودية في العامين 1983 و1996، وعلى المدمرة "يو أس أس كول" في ميناء عدن في العام 2000، وكذلك أياً من -وكل- الهجمات ضد القوات الأميركية والجيش الإسرائيلي في أفغانستان، والعراق وفلسطين وأي مكان آخر، لم تكن لتشكل بوضوح أعمال "إرهاب". ومن ناحية أخرى، سوف يشكل إسقاط قنبلة ذرية على هيروشيما ونغازاكي بكل وضوح "إرهاباً" من مستوى هائل. وفي الحقيقة، كانت الحكومتان الأميركية والإسرائيلية لتكونا -في القرن الحادي والعشرين- من بين أبرز مرتكبي "الإرهاب" العالميين بلا منازع.
لو كان ذلك التعريف المقترح قد لقي القبول، فإن الأمم المتحدة نفسها كانت ستعامل على أنها قضت الاثني عشر عاماً بين الحربين ضد العراق في العمل كمنظمة "إرهابية". كيف يمكن وصفها بغير ذلك في ضوء نظام العقوبات من طراز "الإبادة الجماعية" ضد العراق (الذي وصفه على هذا النحو منسقان متعاقبان لبرنامج الأمم المتحدة "الإنساني" في العراق)، والذي قتل، بحسابات منظمة اليونيسيف نفسها، نصف مليون طفل عراقي تحت سن 5 سنوات بحلول العام 1996، والذي تمت إدامته، بناء على إصرار الولايات المتحدة وبريطانيا وبمعرفة كاملة منهما بالتداعيات القاتلة في "السياق" ذي الصلة، حتى غزوهما للعراق في العام 2003؟ كان "الهدف" الظاهري لهذه الأعمال القاتلة بكل وضوح هو "ترويع السكان المحليين أو إرغام الحكومة... على تنفيذ عمل ما أو الامتناع عنه" -بالتحديد، التخلي عن "أسحلة الدمار الشامل" التي لم يكن العراق يمتكلها أصلاً.
كانت كلمة "إرهاب" على الدوام هي توصيف ذاتي نهائي؛ حيث ارتكزت شعبية الكلمة واستغلالها عند كل مستخدميها ومستغليها حول العالم وإلى حد كبير على هذه الذاتية. وإلى أن تصبح الكلمة ذات إحالة مفاهيمية واحدة إلى ما يشكل الخير والشر، والصواب والخطأ، والعدالة والظلم، فإن من غير المعقول أن يستطيع العالم التوافق على تعريف دقيق وملزم قانونياً لأي من الأعمال التي تشكل دائماً، وتحت كل الظروف، وضمن كل الشروط، أو على أي أرضيات بغض النظر عمن يرتكبها وضد من، بحيث تكون تلك الأعمال غير قابلة للتبرير، وغير مسموح بها، وإجرامية.
مع ذلك، لم يذهب موضوع "الإرهاب" بلا "إنجاز" في قمة الأمم المتحدة للعام 2005. ففيما هللت له هيئة الإذاعة البريطانية في ذلك الوقت على أنه نجاح كبير، استطاع توني بلير حقاً أن يدفع مجلس الأمن إلى أن يتبنى بالإجماع قراراً يحث الدول كافة على إقرار قوانين تجعل من "التحريض على الإرهاب" جريمة. وبما أن كل دولة بقيت حرة في تعريف "الإرهاب" كما تشاء، من أجل شيطنة أي سلوك أو أفكار لا تحبها حكومتها، بينما يكون "التحريض" ببساطة مجرد مرادف تحقير لـ"النشاط المدني الإنساني" -إذا كانت لذلك القرار أي صلة من الأساس- فإن ذلك كان فقط فقط لتوفير غطاء وشرعية دولية للاتجاه العالمي (حتى في دول مثل بريطانيا وأميركا اللتين تمتعتا ذات يوم بمعايير عالية للحريات المدنية) في اتجاه تقييد (بل في الحقيقة في اتجاه تجريم) حرية التعبير، وفي اتجاه جعل المجتمعات شمولية.
في واقع الأمر، لم يكن من الصعب جداً تحقيق اتفاق بالإجماع على هذا القرار. وربما يتمكن الناس من الاتفاق على ما هو "الإرهاب، ولكن -ومهما يكن ذلك- فإن الساسة يدركون مسبقاً أن من المخاطرة إظهار أنفسهم على أنهم أقل من حازمين في معارضة هذا الشر المطلق، وجعل الحكومات توافق على وجوب قيامها بإسكات وقمع منتقديها وخصومها على النحو الذي تراه مناسباً.
إن كلمة "الإرهاب" بهذا المعنى لا تُحسِّن الفهم والتفاهم. إنها تخنق التفكير العقلانية والمناقشة، و-في كثير من الأحيان- تُستخدم وتُستغل لتبرير السلوك الذاتي غير القانوني وغير الأخلاقي.
ربما، بدلاً من السعي إلى تحقيق اتفاق دولي حول ما ينبغي أن تعنيه كلمة "إرهاب" التي يستخدمها العالَم بإفراط بالغ، ربما كان يمكن أن يكون أكثر إيجابية قبل عشر سنوات -وسوف يكون أكثر إيجابية اليوم- السعي إلى تحقيق اتفاق دولي يلزم الحكومات، والمسؤولين والإعلام بالكف عن استخدام هذه الكلمة تماماً، والتركيز بعقلانية على طبيعة وأسباب السلوك العنيف الذي يمارسه الضعيف والقوي على حد سواء، والعمل في اتجاه تقليل كل أشكال السلوك العنيف، ونقض وجهة الاتجاه المتسارع نحو عالم أكثر شراسة، وأقل حرية، وأكثر إصابة بعدوى الرهاب والخوف.

*محام وناشط دولي يكتب كثيراً عن الشرق الأوسط.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: 'Terrorism': The Indefinable Word