المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار مع المشير/ عبد الرحمن سوار الذهب



متواصل
12-10-2015, 09:30 AM
حوار مع المشير/ عبد الرحمن سوار الذهب

مجلة المجتمع – العدد: 1673 ( أجرى الحوار: محسن عبد الفتاح )

أكد المشير عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس الأسبق للسودان الشقيق، والرئيس العربي الوحيد الذي تنازل طواعية عن الحكم وسلم القيادة سلميًا لغيره.. أن العالم الإسلامي يمر بمرحلة حرجة تعتبر من أخطر المراحل التي تمر بها الأمة.. ذلك أن ما كان يحاك في الخفاء ضد الإسلام أصبح يتم علنًا بكل صلف وتبجح.. وأنه رغم هذه الصورة القاتمة للواقع الإسلامي والمظالم التي ترتكب في حق المسلمين، فهناك صحوة ووعي ونهضة للإنسان المسلم تلوح بشائرها في الأفق.. وأضاف في حواره أنه يعتقد أن ولاة الأمر الإسلامية وقادتها يدركون حقائق الأمور وما يحاك من الغرب ضد عالمنا الإسلامي.

كما تطرق المشير سوار الذهب إلى متطلبات نهضة الأمة، والدور المطلوب من أجل تحقيق ذلك من الحكام والمحكومين.. وتحدث عن الانسحاب الصهيوني من غزة وما استتبعه من دعاوى لتطبيع مع العدو من قبل البعض. وهذا نص الحوار:

· يمر العالم الإسلامي هذه الأيام بفترة حرجة غير مسبوقة تمثلت بالدرجة الأولى في هجمة شرسة على المسلمين وألصق البعض بديننا الإسلامي السمح صفة الإرهاب! .. هل لكم أن توضحوا أسباب ذلك؟

حقيقة وكما هو واضح أن الإسلام يمر بمرحلة حرجة تعتبر من أخطر المراحل التي مرت بأمتنا! ومرد ذلك لأسباب عدة.. أولها ما يبيت للإسلام منذ فترة بعيدة، وإذا ما رجعنا إلى مطلع التسعينيات من القرن الماضي وتحديدًا مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وجدنا أن هذا الحدث الكبير كان من نتائجه زوال حلف وارسو القوة العسكرية الكبرى .. وكان من المنتظر أن يزول بعد حلف الأطلسي (القوة المقابلة له في الجانب الآخر)، وهو المعسكر الرأسمالي الغربي .. وعندما تم سؤال قادته العسكريين لماذا بقي الحلف رغم زوال الأسباب التي دعت لقيامه قيل بالنص: إن الحلف باق ليواجه الخطر القادم وهو الإسلام!!

إذن هناك نوايا مبيتة منذ فترة بعيدة وحتى يومنا هذا، تمثلت في حملات وافتراءات مستمرة ضد الإسلام .. والإسلام كما هو معروف لكل منصف أنه دين السلام، وتاريخ الإسلام الممتد على مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام؛ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإسلام والمسلمين لم يرتكبوا أية جرائم في حق أي شعب أو عرق أو قومية، أو كما يطلق عليها حاليًا جرائم جماعية ضد الإنسانية؟ لقد واجهوا المسلمين في معارك وخسروها.. فما انتصر الإسلام والمسلمين ضد عدوهم إلا وأمَّن للطرف الآخر المهزوم حقه في الحياة بكل السبل الإنسانية .. وليس كما يرتكب الغير – من المنتصرين من الديانات الأخرى – كل أنواع جرائم الحرب ضد الآمنين العزل من غير العسكريين. والتاريخ القديم والحديث والمعاصر شاهد على ذلك .. بل إن هناك الكثير من الأحداث التي ذكرها تاريخ الإنسانية لجرائم وإبادة وقعت بين المتحاربين من أصحاب الدين الواحد من غير المسلمين.

فمنذ فترات والإسلام يتعرض لهذا المخطط، وتحاك المؤامرات ضد المسلمين، وإذا ما أضفنا إلى ذلك المظالم التي وقعت في عصرنا الحاضر ضد المسلمين .. خاصة قضية فلسطين التي اغتصبت أرضها وشرد شعبها، وذبح أبناؤها، ولم ينصفها المجتمع الدولي، أو ترد الأمم المتحدة حقوقها التي تضمنتها عشرات القرارات الصادرة عنها - خاصة في استخدام حق الفيتو من قبل الولايات المتحدة الأمريكية – لتأكد لنا من خلال هذه المواقف غير المبررة أن المستهدف هو الإسلام والعدو هم المسلمون!

ولن نذهب بعيدًا ونستشهد بأحداث تاريخية.. يكفي أن نستحضر أحداث 11 سبتمبر المشؤومة التي وقعت عام 2001م، وكيف أن جميع الدولي الإسلامي استنكرتها وأدانتها الشعوب العربية، ورغم ذلك تم توجيه الاتهامات لنا ووصم الإسلام بالإرهاب زورًا وبهتانًا، وراح المجتمع الغربي والأمريكي تحديدًا يتعامل مع كل ما هو إسلامي بالشك والريبة، وأننا العدو الوحيد والأوحد للإنسانية، وأصبح ما كان يحاك ضد المسلمين في الخفاء يمارس اليوم في العلن، دون حياء أو خجل، بل وبكل صلف وتبجح وكذب وافتراء.. وراحت الولايات المتحدة تحارب المسلمين تحت دعوى محاربة الإرهاب، ورفع رئيسهم شعار "من ليس معنا فهو ضدنا!". بل إن الاجتماعات التي عقدت في سبتمبر الماضي بمناسبة العيد الستين لميلاد المنظمة الدولية تجاهل ممثلي الدول العربية، بل أستطيع أن أقول إنهم تعمدوا عدم تعريف معنى الإرهاب حتى يخلطوا الأوراق ويصبح الجهاد ومقاومة المحتل إرهابًا. وممارسة الإرهاب من قبل دول بعينها دفاعًا عن النفس! ... وهذا ما يحدث اليوم من طرف الدولة العبرية ضد الشعب العربي في فلسطين أمام المجتمع الدولي، بل نجد من يكفل لهذه الممارسات الإرهابية الحماية باستخدام حق الفيتو إذا ما حاول بقية الأعضاء الشجب أو الإدانة!

ورغم هذه الصورة القاتمة والمظالم التي ترتكب في حق شعوب عربية وإسلامية مثل ما يقع اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان وعدم الإنصاف من قبل البعض في العالم الغربي لهذا الواقع، إلا أننا أعلنا رفضنا لبعض الأحداث التي وقعت بدول أوروبية ضد أناس مدنيين، ولم يمنعنا ظلمهم لنا أن نقول الحق ونشجب هذه الأفعال التي تطال أبرياء لا ذنب لهم، ومع ذلك تحامل الغرب ضدنا وألصق تهمة الإرهاب بالمسلمين جراء هذه الأفعال التي قام بها أفراد قلة!

في نفس الوقت نجد بعض المسيحيين بالعالم الغربي يقوم بمثل هذه الأفعال مثلما كان يحدث في بريطانيا من قبل أعضاء من الجيش الجمهوري الأيرلندي ولم تلصق تهمة الإرهاب بالمسيحية أو من يدينون بها!

كذلك ما نراه هذه الأيام من السلطات الفرنسية بخصوص إبعاد بعض الأئمة دون أية تهمة أو إدانة استنادًا لقوانين جائرة صيغت وفصلت تفصيلاً ضد المسلمين المقيمين في فرنسا.

أقول: رغم هذه الصورة القاتمة والهجمة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين فهناك صحوة إسلامية ووعي ينتشر بين شعوب العالم الإسلامي جراء هذه المظالم وتلك الافتراءات التي توجه ضدنا من الغرب، وبدأت بشائر هذه الصحوة وذلك الوعي تلوح في الأفق المنظور وسوف تؤتي ثمارها قريبًا إن شاء الله.

·كيف نواجه هذه التحديات حكامًا ومحكومين؟

أعتقد أن ولاة أمر الدول الإسلامية خاصة في أمتنا العربية يدركون حقائق الوضع الذي يجري الآن ضد الإسلام والمسلمين، وأتصور أن عددًا منهم يتفهمون بصورة طيبة ما يحاك ضد المسلمين من أعمال لا تتفق ومنطق العدالة، ومن هذا المنطلق أتصور أن قادة الأمة يدركون ما ترمي إليه هذه الهجمة الشرسة من الغرب ضد العالم الإسلامي، وقد شاهدنا من المواقف الرافضة لهذه المظالم من المسؤولين في الوطن العربي والعالم الإسلامي ما يؤكد أن هؤلاء القادة ينظرون إلى هذه القضايا برؤية دقيقة، وإذا استثنينا بعض الحالات التي لا تحسب على الأمة فإنني على يقين أن منطق الأحداث وتجارب التاريخ يؤكد أن النصر دائمًا للشعوب صاحبة الحق، إذا واصلت كفاحها وضحت من أجل استرداد حقوقها وأولها حقها في حياة حرة كريمة.. وهذا ما عنيته في إجابة سابقة أن هناك صحوة ووعيًا ويقظة تعم الشعوب الإسلامية جراء هذه الهجمة الموجهة إلينا من الغرب.

من هنا يجب على الحكام والمحكومين التكاتف والتلاحم من أجل درء هذه الهجمة التي من الممكن أن تصيبنا بأبلغ الضرر إذا لم نواجهها بكل ما نملك من قوة متكاتفين ومتعاونين.

· ذكرتم المؤامرات تحاك ضد الإسلام من قديم.. فكيف هي الأوضاع بعد أحداث سبتمبر وازدياد ضراوة الهجمة ضد المسلمين؟

كما ذكرت فإن هذه الحملة الجائرة التي انطلقت ضد عالمنا الإسلامي بعد أحداث سبتمبر، لم تعد خافية على أحد حتى على الإنسان المسلم البسيط، وبنفس القدر نجد أن حكامنا يتفهمون خطورة هذه الأوضاع، لكن التعامل معها يتطلب نوعًا من الحكمة في التعامل معها خاصة أن هناك دولاً عربية وإسلامية لها ارتباطات وتعاملات مع العالم الغربي من الصعب الانفكاك منها بين يوم وليلة مثل قضية استيراد المواد الغذائية، خاصة القمح والأسلحة وخلافه.. وهذه الحاجة يستغلها الغرب ولا شك ويضعها في حسابه عند تعامله معنا ويملي شروطه علينا.. من هنا يجب علينا التخلص شيئًا فشيئًا من اعتمادنا على الغرب في توفير احتياجاتنا والاعتماد على أنفسنا، لأن ذلك مرتبط بقرارنا السياسي في أمور كثيرة. وكما تقول الحكمة: من لا يملك غذاءه لا يملك قراره.. في نفس الوقت نحن كدول عربية لدينا الأراضي الزراعية التي لم تستغل بعد ولدينا وفرة في الأيدي العاملة، كذلك لدى البعض الفائض المالي الذي يتحتم عليه كمسلم أن يستثمره لمصلحة أهله وبني وطنه.. من هنا وقياسًا على بقية المجالات يجب علينا التنسيق فيما بيننا لتوفير احتياجاتنا الضرورية لنتحرر من قيود الغرب واستغلاله لحاجتنا التي تتزايد يومًا بعد يوم.

· يرى بعض المسؤولين أن الوقت مناسب لإقامة علاقات رسمية مع العدو ويشجع البعض الآخر تطبيع العلاقات الشعبية معه خاصة بعد انسحاب غزة.. ما رأيكم في هذا؟

أنا أتصور فيما يخص قضية التعامل مع العدو الصهيوني وباستثناء بعض الدول العربية التي اضطرت لسبب أو لآخر لتوقيع اتفاقيات سلام – أنه ليس هناك مبرر للدول الأخرى أن تقيم علاقات مع هذا الكيان الذي لا يزال يغتصب أراضي عربية لأكثر من دولة فضلاً عن احتلاله لمدينة القدس، وتكبيله للمسجد الأقصى بسلاسل وقيود الاحتلال العسكري.. فليس من الحكمة الآن إقامة أية علاقات أو تطبيع أو تعاملات مع الكيان الصهيوني على المستوى الرسمي أو الشعبي، ومن السابق لأوانه الإقدام على مثل هذه الخطوات الآن.

· مؤخرًا وبعد احتلال دام قرابة أربعين عامًا تم إجلاء العدو من غزة .. فماذا بعد غزة؟!

أنا أتصور أن القيادة الفلسطينية تدرك تمامًا أن انسحاب العدو من غزة لم يكن من باب رد الحق لأصحابه، بل يرجع إلى مقاومة الشعب الفلسطيني وتضحيات شهدائه.. قرابة أربعة عقود من الاحتلال والتضحيات الجمة.. في نفس الوقت لابد على الفصائل الفلسطينية أن تبقى موحدة وأن تأخذ حذرها مما يحاك لها من جانب العدو الذي يعمل على تغذية الخلافات وزرع الفرقة فيما بين أبناء الشعب الواحد، وأن تتعاون مع السلطة الشرعية حتى لا تقع المواجهات – لا قدر الله – بين السلطة ممثلة في أجهزتها الرسمية وبين فصائل المقاومة، ولا يجب أن يوجه سلاح فلسطيني إلى فلسطيني آخر، فهذا ما يتمناه العدو ويعمل من أجله!

وعلى الأخوة في فلسطين – وأنا متأكد من وعيهم لذلك – تفويت الفرصة وعدم الوقوع في هذا الشرَك القائم، وعليهم ادخار قوتهم للعمل على تحرير بقية الأرض الفلسطينية المحتلة.. فهناك التزامات دولية لابد من الوفاء بها واتفاقات عربية تم قبولها من جميع الأطراف الفلسطينية، فلا يجب أن ينجرَّ البعض لمعارك أو تصرفات خاطئة تحسب على القضية وتعطل المسيرة السلمية ونخسر الضغوط الدولية التي تعمل لصالح القضية .. ولا ننسى أن عدونا ماكر ولا يجب أن نأمن جانبه.. وهكذا قال لنا التاريخ وأكده قرآننا